Return to Article Details The Water Crisis in Tunisia's Challenging Climatic and Economic Context: Implications and Emerging Challenges

أزمة المياه في سياق مناخي واقتصادي صعب في البلاد التونسية التبعات والتحديات المستجدة

The Water Crisis in Tunisia's Challenging Climatic and Economic Context: Implications and Emerging Challenges

منير الجراية

الملخّص

مثّل الجفاف عاملا أساسيًا في تدهور الوضعية المائية في البلاد التونسية خلال السنوات الأخيرة، وأفضى إلى أزمة مياه حادّة كانت لها عدّة انعكاسات سلبية على الاقتصاد وعلى حياة السكان. تهتم هذه الدراسة بأسباب أزمة المياه في النشاط الفلاحي ومستوى التزود بمياه الشرب، وتأثيرات هذه الأزمة. وتبرز تداخل تداعيات هذه الأزمة على الأمن الغذائي، مع الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد، فضلا عن المسؤولية المباشرة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. وقد أفضى تحليل المعطيات المتنوعة إلى تبيان تأثير فترة الجفاف الحالية (2020 – 2023) في الموارد المائية ووضعية منشآت التعبئة. ونجم عن ذلك تفاقم وضعية الفقر المائي التي تشهدها البلاد. وأثّر نقص المياه، الذي أسهمت فيه كثيرًا التدابير المائية المتّبعة لإدارة الأزمة، في الإنتاج الغذائي الفلاحي، وفي نسق تزود السكان بالماء، بل كان وقعه أشدّ لتزامنه مع تردي أوضاع السكان الاقتصادية والاجتماعية.

Abstract

ملخص: مثّل الجفاف عاملًا أساسيًا في تدهور الوضعية المائية في البلاد التونسية خلال السنوات الأخيرة، وأفضى إلى أزمة مياه حادّة كانت لها عدّة انعكاسات سلبية على الاقتصاد وعلى حياة السكان. تهتم هذه الدراسة بأسباب أزمة المياه في النشاط الفلاحي ومستوى التزود بمياه الشرب، وتأثيرات هذه الأزمة. وتبرز تداخل تداعيات هذه الأزمة على الأمن الغذائي، مع الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد، فضلًا عن المسؤولية المباشرة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. وقد أفضى تحليل المعطيات المتنوعة إلى تبيان تأثير فترة الجفاف الحالية (2023-2020) في الموارد المائية ووضعية منشآت التعبئة. ونجم عن ذلك تفاقم وضعية الفقر المائي التي تشهدها البلاد. وأثّر نقص المياه، الذي أسهمت فيه ك ثيرًا التدابير المائية المتّبعة لإدارة الأزمة، في الإنتاج الغذائي الفلاحي، وفي نسق تزود السكان بالماء، بل كان وقعه أشدّ لتزامنه مع تردي أوضاع السكان الاقتصادية والاجتمعية. كلمت مفتاحية: الجفاف، الفقر المائي، التغيرات المناخية، الوضع الاقتصادي، البلاد التونسية. Abstract: Drought has been a major contributor to the deterioration of Tunisia's water resources in recent years, resulting in a severe water crisis with significant negative impacts on both the economy and the population's well-being. This study investigates the underlying causes of this crisis, with a focus on its effects on agricultural activity and drinking water supply, as well as its broader socioeconomic repercussions. It highlights the interlinked consequences of the crisis for food security within the context of Tunisia's struggling economy and underscores the direct role of the National Water Distribution and Exploitation Company. This analysis of data from diverse sources reveals the profound impact of the current drought period (2020-2023) on water resources and the state of water storage infrastructure, further intensifying Tunisia's water scarcity. The shortage, exacerbated by crisis management measures, has affected agricultural production and disrupted consistent water supply for the population, with these challenges further compounded by Tunisia's deteriorating economic and social conditions.

الكلمات المفتاحية:
  • الجفاف
  • الفقر المائي
  • التغيرات المناخية
  • الاقتصاد
  • تونس
Keywords:
  • Tunisia
  • Economic Conditions
  • Climate Change
  • Water Scarcity
  • Drought

مقدمة

يؤدي الماء، خاصة توافره الدائم في الزمان والمكان، دورًا محوريًا في حياة المجتمعات؛ إذ إنه يعتبر محددًا رئيسًا لتنميتها الاقتصادية والاجتمعية. ويترجَم الحقّ في المياه في وفرتها بمستويات مقبولة لكلّ السكان، وهو ما تعّبر عنه مؤشرات عدّة تترجم مستوى وصول الأشخاص إلى قدر معّين منها، ومدى كفايتها لتستجيب لاحتياجاتهم الضرورية1. ويجري توفير هذه الاحتياجات الدائمة من الماء من موارد سطحية متأتية من مياه الأمطار، وجوفية عبر استغلال موائد مائية في باطن الأرض. ويؤمّن الجزء الأكبر من احتياجات السكان المائية، أو كل احتياجاتهم، من الأنهار أيضًا؛ وهي أنهار قد تكون عابرة للحدود2، فتقام المنشآت المائية لتوليد الطاقة وللتزود بمياه الشرب والريّ وتكون الأفضلية في استغلال مواردها للدول الواقعة في أعالي الأنهار والمتحكمة في منابعها، وهو وضع قد يؤدي إلى بروز نزاعات حول تقاسم المياه، ربما يتواصل بعضها عقودًا من دون حلّ3. وتتعدد استعملات المياه للأغراض المنزلية وفي الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يطرح إشكالية مستوى الاستغلال وتناسبه مع طاقة الموارد. وإنّ الحفاظ على التوازن بين الإمكانيات المائية ونسق الاستغلال البشري مثّل غاية لمخططات عامة في مجال المياه طُبّقت طوال العقود السابقة. وقد اتسمت هذه المخططات بوفرة نسبية للموارد مقارنةً بالطلب عليها4. وفي معظم الدول العربية، واجهت الموارد المائية خاصةً عدة تحديات ساهمت في الضغط عليها، ولعلّ أهمها زيادة عدد السكان وأثرها في زيادة الطلب على المياه واستعملاته المتعددة، فضلًا عن انخفاض معدلات الأمطار في بلدان يقع جلّها تحت تأثير مناخات مدارية وشبه مدارية5. ترجم هذا العجز في موازنة الدول المائية، والفجوة بين مواردها واستهلاكها، في صورة أزمة مياه، اهتمت دراساتٌ عديدة بتبّين خلفياتها، وطرحت عديد الحلول منذ تسعينيات القرن الماضي6. يعتبر الجفاف، الذي يتمثل في الانخفاض الحادّ للتساقطات المطرية أو انحباسها كلًّيًا، ظاهرة مؤثرة أساسًا في الموارد المائية السطحية في الدول ذات المناخ شبه المداري؛ إذ تسهم في تدهورها وتفضي في المقابل إلى زيادة الضغط على مياه الموارد الجوفية لتوفير الماء، وهو ما يفاقم المخاطر الناتجة من الإفراط في استغلالها7. كلم توافرت هذه المؤشرات وتضافرت، دلّت على أزمة مياه تتجاوز تداعياتها إشكال استمرارية توفير مياه الشرب إلى ضمن تزويد الأنشطة الاقتصادية، وخاصة الفلاحة، باحتياجاتها الضرورية من الماء، وإلى التأثير في الأمن الغذائي8. إنّ تداعيات أزمة المياه تدعو إلى التفكير في مآلات الأوضاع مستقبل، ا وتأثير وطأة التغيرات المناخية التي تمثّل تحديًا مهًّما، ولا سيّم ما تحدثه من احترار يؤثر بشدة في المقدّرات المائية للدول9.

  1. قاسم الدويكات، "مشكلة المياه في الوطن العربي"، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد 45 (كانون الثاني/ يناير 1995)، ص.49
  2. سامر مخيمر، خالد حجازي، "أزمة المياه في المنطقة العربية: الحقائق والبدائل الممكنة"، عالم المعرفة، العدد 209 (أيار/ مايو 1996)، ص.15
  3. Azzam Mahjoub & Mohamed Mondher Belghith, La sécurité et la souveraineté alimentaires et le droit à l'alimentation en Tunisie (Tunis: 2022), p. 83.

إنّ تفاقم وضعية الفقر المائي يعني عدم انتظام الحصول على ما يكفي من الماء أو الحرمان منه. وهو وضع يدعو إلى البحث في أسبابه التي قد تعود إلى فترات سابقة؛ إذ تمثل حصيلة تضافر فيها العاملان الطبيعي والتنظيمي، فضلًا عن مؤثرات آنية جعلت أزمة المياه أشد وطأة على حياة السكان. ولعل الجانب الأخطر في هذه الأزمة يتمثّل في أنّ عدم انتظام الحصول على الماء أضحى من الأسباب التي تهدّد السلم الاجتمعي11، ويبرز ذلك جلًّيًا من خلال تواتر الاحتجاجات المطالِبة في الحق في الماء. وقد تتزامن هذه الاحتجاجات مع تداعيات واقع اقتصادي متأزم تفاقمت فيه هشاشة الأوضاع السوسيو-اقتصادية للأفراد، لتزيد من إمكانيات انفلات الأوضاع وانتشار الفوضى12. ينطبق هذا التوصيف على حالة البلاد التونسية التي تشهد وضعية جفاف امتدت أربع سنوات متواصلة (2023-2020)، مم أدّى إلى أزمة مياه تفاقمت بالتزامن مع انحباس الأمطار، فكانت التأثيرات بالغة في الموارد المائية، وخاصة السطحية منها. ولهذا يجدر البحث في وضعية منشآت تعبئة مياه الأمطار من حيث تطور مخزونها وحالة بنيتها التحتية، إلى جانب مستوى استغلال الموائد الجوفية وعوامل استنزافها. إن تواتر إمدادات مياه الشرب على نحو مضطرب، وشدة وطأة الانقطاعات على السكان، خاصة خلال فصل الصيف، يضعان الهيكل العمومي الذي يتولى توزيع المياه في موقع المسؤولية المباشرة عن الوضعية الحرجة للتزود بالمياه وما يصاحبها من معاناة للسكان؛ بما يسوّغ البحث في أوجه تلك المسؤولية في حالة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. من هنا تسعى الدراسة إلى تسليط الضوء على الشركة ومنظومتها ومستوى الحوكمة التي تطبّقها، إضافة إلى تقييم جاهزية شبكتها للتعامل مع استدامة استغلال المياه، والتي أضحت ضرورة ملحّة في ظل تفاقم التغيرات المناخية. وللبحث في مجمل هذه الموضوعات، تتناول الدراسة أوجه أزمة المياه في البلاد التونسية، وتداخل تأثيراتها مع تردّي الواقع الاقتصادي والاجتمعي، إضافةً إلى البحث في المسؤولية المباشرة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه عن هذه الأزمة، من خلال التدابير التي اتخذتها في إدارتها، والتساؤل عن مدى قدرتها على الاستجابة للتحديات الراهنة والمستجدة. تتضمّن الدراسة جانبين: الأوّل، يخصّ المعطيات، والثاني يهمّ طرق التحليل المتّبعة لدراسة أسباب أزمة المياه وأوجهها وتداخل تداعياتها مع الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد التونسية. وقد تنوعت المعطيات الرقمية المعتمدة في تناول إشكالية البحث نظرًا إلى اختلاف محاورها. وتهمّ هذه المعطيات بالوضعية المائية من خلال مؤشرات كمّية، مثل كميات الأمطار ووضعية السدود من حيث المخزون ونسبة الامتلاء ومستوى استغلال الموائد الجوفية... إلخ. وشملت المعطيات أيضًا الوضع الاقتصادي من خلال عدّة مؤشرات عن العجز التجاري، ونسب التضخم، وارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الدينار، وإنتاج الحبوب ووارداته، وغير ذلك. وقد اعتمدت الدراسة على بيانات تهمّ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تتضمن بعض المؤشرات عن وضعية العجز التي تشهدها، إضافة إلى معطيات تخصّ اشتغالها، مثل كميات الماء الموزعة في شبكتها وجودتها ونسبة التسرّبات فيها ووضعية بنيتها التحتية. وقع استقاء هذه المعطيات المختلفة من مصادر

  1. 0 1  رواء الكافي، "الحوكمة المائية في تونس: السبيل إلى الاستدامة"، ورقات سياسية، مركز الدراسات المتوسطية والدولية، فيفري (شباط/ فبراير) 2023، ص.1
  2. فيصل حمد المناور، "المخاطر الاجتماعية"، جسر التنمية، العدد 124 (أيار/ مايو 2012)، ص.7

متعددة، وهي رسمية حكومية أساسًا، من قبيل المعهد الوطني للرصد الجوي، ووزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، وديوان الحبوب، والمعهد الوطني للإحصاء. ويتوافر معظم هذه المعطيات في قواعد البيانات والنشرات والتقارير الدورية المتاحة على المواقع الحكومية على الإنترنت. وتكاد الهيئات الرسمية تمثّل المصدر الوحيد للبيانات التي تتمتع بصدقيّة نسبية في هذا الصدد، وهو أمر لا ينفي وعينا باحتمل ضعف صدقيتها في بعض الأنحاء أو بعدها عن التمثيل الصحيح للواقع تأثّرًا بغايات سياسية، أو بسبب ضعف هيكلي في آليات جمع المعلومات. اعتمدنا أيضًا على معطيات مستقاة من منظمت مستقلة غير حكومية؛ منها المرصد التونسي للمياه، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية، ومنظمة "أنا يقظ"، ومواقع استقصائية مثل موقع "الكتيبة". فهذه المنظمت تمنح تقاريرها وبياناتها معطياتٍ لا توفرها الهيئات الرسمية. ومثال ذلك، المشكلات المتعلقة بإمدادات المياه موزعة بحسب مناطق البلاد التونسية. ويوفر المرصد التونسي للمياه هذه البيانات، من خلال التبليغات عن انقطاعات المياه وجودتها، والتحركات الاحتجاجية بهذا الخصوص، وغير ذلك. وهي بيانات يجمعها المرصد من مختلف الولايات على مدار السنة. وتبقى هذه المصادر ذات فائدة كبيرة، وتفوق في أحيان نجاعة وجودة المصادر الحكومية، على الرغم مم قد يعتريها من هنات، وتزيد أهميتها في ظل شحّ المعطيات الرسمية حول مختلف هذه العناصر. ولعلّ دعوة هذه المنظمت غير الحكومية إلى الفعاليات الأكاديمية والرسمية التي تنظّم لتدارس واقع أزمة المياه في البلاد التونسية، ومشاركتها فيها، تبرهنان على أهمية الدور الذي تقوم به من خلال التشخيص وتقديم الحلول المبنية على معطياتها الخاصة. اعتمد الجانب الثاني لمنهجية البحث على تحديد وضعية الجفاف الحالية، من خلال مقارنة بين كمية الأمطار السنوية سنة 2021 الجافة وسنة 2018 الرطبة نسبيًا، واحتساب الفارق بينها لتبيان خاصية التذبذب خلال فترة قصيرة. أما إبراز مستوى تراجع التساقطات وتفاقم الجفاف، فقد تحقق من خلال مقارنتهم (المعدلات السنوية للتساقطات لسنتَي 2018 و 2021) بمعدل الفترة المرجعية التي احتسبها المعهد الوطني للرصد الجوي خلال الفترة (2010-1981)، بحسب المحطات الجوية. واعتمدنا في تأكيدنا لخاصية تركّز التساقطات خلال الفصل البارد (أيلول/ سبتمبر- شباط/ فبراير) على خمس محطات جوية نموذجية جرى اختيارها لتمثيل الوحدات الطبيعية الكبرى (لها الخصائص التضاريسية والمناخية نفسها) في البلاد التونسية (ساحلية، سهول داخلية، جبلية وصحراوية). استخدمنا أيضًا بعض المؤشرات؛ مثل الفقر المائي، ونسب امتلاء السدود، ونسب استغلال الموائد الجوفية، وغيرها، لتحليل أوجه تفاقم الوضعية المائية في البلاد التونسية. وقد قامت منهجية التحليل على معالجة إحصائية للمعطيات الكمية التي جرى استقاؤها من قواعد البيانات والمواقع الإلكترونية والتقارير للهيئات الرسمية والمنظمت غير الحكومية وتمثيل نتائج التحليل بيانيًا وخرائطيًا. مثل، ا جرى احتساب النسب المئوية التي تمثّلها انقطاعات الماء من مجموع التبليغات عن مشكلات المياه، والتي تصل إلى المرصد التونسي للمياه، ما مكّن من تمثيلها خرائطيًا وتبيان التفاوتات المجالية بين الولايات. إنّ إبراز ارتفاع الطلب على الماء تطلّب مثلًا احتساب نسب التطور بين السنوات في مستوى نسب الربط في الشبكة العمومية للمياه والكميات الموزعة من الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. لمعالجة الإشكالية البحثية، تتناول الدراسة في المحور الأول أوجه تأثير ظاهرة الجفاف في الوضعية المائية للبلاد التونسية ودورها في استفحال أزمة المياه الحالية، فضلًا عن التحديات المطروحة في ضوء التغيرات المناخية. لئن تزامنت أزمة المياه مع وضع اقتصادي صعب، فإنها ساهمت في تفاقمه من خلال انعكاساتها الاقتصادية

والاجتمعية المتعددة الأوجه - وخاصة تأثيرها في الأمن الغذائي - التي مثلت مضمون المحور الثاني لهذه الدراسة. إن ثقل مشكلات التزود بالمياه، وانعكاسات التدابير المائية المتخذة للحدّ منها على السكان، يفرّسر ان تخصيص المحور الثالث للبحث في مسؤولية الهيكل العمومي المتمثل في الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه عن هذه الأوضاع. وستتكشف بعض أوجه هذه المسؤولية، من خلال البحث في وضعيتها وبنيتها التحتية وبعض المؤشرات الدالة على مستوى الحوكمة فيها.

أولًا: تأثير الجفاف يف الموارد المائية

يُعدّ الانخفاض الكبير في كميات تساقط الأمطار وانحباسها شبه الكّلي من مؤشرات وضعية جفاف تشهدها البلاد التونسية طال أمدها (2023-2020)، وهو ما أثّر في وفرة الموارد المائية السطحية.

. 1 استفحال ظاهرة الجفاف

الجفاف سمة بارزة في مناخ البلاد التونسية؛ إذ تتعاقب فترات رطبة نسبيًا وأخرى جافة يتفاوت امتدادها الزمني وحيزها الجغرافي الذي تشمله، وتختلف تأثيراتها في الموارد المائية والأنشطة البشرية. وقبل دراسة وضعية الجفاف الحالية، وجب التذكير بإيجاز بأهمّ خصائص التساقطات في البلاد التونسية من حيث تذبذبها الزماني وتفاوت توزعها المجالي.

تتّسم التساقطات في البلاد التونسية بخاصيات عدّة أولها قلة الكميات؛ إذ شهد معدلها العام تراجعًا من 234 مم سنة 2015 إلى 218 مم سنة 2020، و 172 مم سنة 2021. وما يؤكد خاصية التراجع أن هذا المعدل13السنوي للتساقطات كان في حدود 336 مم خلال الفترة المرجعية المحتسبة (30 سنة) من جانب المعهد الوطني للرصد الجوي (2010-1981). ويعدّ التذبذب خاصية رئيسة أخرى؛ إذ يمكن أن تتفاوت كميات الأمطار بشدّة بين سنتين متتاليتين. أما على مستوى التوزع الفصلي، فتتركز أغلب كميات التساقطات خلال الفترة أيلول/ سبتمبر- شباط/ فبراير؛ ما يعني أنها توافق الفصل البارد14. بالاعتمد على المعدل الشهري للتساقطات للفترة المرجعية 2010-1981، نتبين من خلال المحطات الجوية النموذجية الخمس المختارة لتمثيل الوحدات الطبيعية الكبرى16 أنّ التساقطات تتركز خلال فصَلي الخريف والشتاء مقابل انخفاضها الحادّ صيفًا، وهذا يعدّ من السمت الرئيسة لتوزّعها الفصلي. فإذا اعتبرنا الخريف والشتاء فصلًا ممطرًا واحدًا، فإنّ هذا التركز يراوح بين 78.4 في المئة من مجموع الكميات السنوية في محطة تونس قرطاج (ساحلية)، و 68.6 في المئة في محطة باجة (سهول داخلية)، و 53 في المئة في محطة تالة (جبلية)، و 65.2 في المئة في محطة توزر (صحراوية).

  1. Ministère de l'agriculture, des ressources hydrauliques et de la pêche, Rapport national du secteur de l'eau (Tunis: 2021), p. 20.
  2. هذه خاصية المناخ المتوسطي الذي يصَّنَف على أنه شبه مداري. تبرز دراسة النظامين المطري والحراري السنويين أن ارتفاع التساقطات يتزامن مع انخفاض الحرارة خلال الفصل البارد بينما تقلّ أو تنعدم خلال فصل الصيف الحار. ونظرًا إلى موقع البلاد التونسية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فإن موسم الأمطار يبدأ مع بداية انخفاض الحرارة خلال فصل الخريف ويتواصل خلال فصل الشتاء.
  3. Habib Ben Boubaker & Latifa Hénia, "Le climat thermique de la Tunisie," in: Latifa Hénia & Zouhaier Hlaoui (eds.), Contribution à l'étude des aléas & risques climatiques en Tunisie (Tunis: Imprimerie Officielle de la République Tunisienne, 2015), p. 123. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: ثامر الشايبي وعبد القادر حمدان، ملف تونس للمياه، مياه الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، فاناك، 2020، شوهد في 2024/10/13، في: https://acr.ps/1L9zP2U

يمثّل التباين المجالي للتساقطات خاصية رئيسة أخرى تميّز توزّعها بين جهات البلاد التونسية. فمن خلال الخريطة (1) يبرز التفاوت بحدّة عند مقارنة الكميات السنوية المسجلة في أقصى الشمل الغربي (أكثر من 1500 مم) وأقصى الجنوب أو الجنوب الغربي (أقلّ من 100 مم). ويتلقى 60 في المئة من المجال التونسي كميات تساقطات سنوية تقلّ عن 250 مم، بينم تتجاوز في 30 في المئة منه 500 مم. ويغلب الجفاف على القسم الجنوبي من البلاد (حوالى ثلث المجال الوطني) حيث تساوي الكميات المسجلة 50 مم أو تقلّ عن هذه الكميّة. تفرّسر هذه الخصائص بموقع البلاد التونسية في العروض الوسطى المعتدلة17؛ ما يجعل منها عرضة لتأثيرات متناقضة، قطبية خلال الشتاء ومدارية خلال الصيف. ولا تفرّسر هذه التأثيرات فقط التوزع الفصلي للتساقطات، بل أيضًا تذبذبها من سنة إلى أخرى؛ فالسنة الرطبة تتميّز بتواتر مهمّ للتقلبات الجوية الغربية للعروض الوسطى، بينم تفرّسر السنة الجافة بهيمنة التأثيرات المدارية الجنوبية18. لهذا، يمكن اعتبار أنّ فترة الجفاف الحالية التي تشهدها البلاد التونسية تندرج في سياق التذبذبات السنوية للمناخ المتوسطي.

الخريطة (1) التوزع المجالي للتساقطات في البلاد التونسية

  1. Latifa Hénia, Atlas de l'eau en Tunisie (Tunis: Université de Tunis, 2008), p. 33..ب انخفاض الكميات السنوية المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى معطيات المعهد الوطني للرصد الجوي.

التساقطات في مختلف جهات البلاد خلال وضعية الجفاف الحالية.

موارد المياه السطحية. إن الاعتمد على معدلات الفترة المرجعية (2010-1981) يساعد في تبيان جفاف الفترة المدروسة أو رطوبتها. وتبين المقارنة خلال فترة زمنية وجيزة (2021-2018) أهمية خاصية التذبذب والتراجع الحادّ لكميات

الخريطة (2) تفاوت الكميات السنوية للتساقطات المسجلة سنتَي 0180212 و 2 مقارنة بالمعدل المرجعي (010-19812) في مختلف المحطات الجوية

تبّين الخريطة (2) المجموع السنوي للتساقطات المسجل في أغلب المحطات سنة 2018، وهو يعدّ أكثر ارتفاعًا من معدل الفترة المرجعية. ويعتبر تراجع التساقطات أمرًا عاًّمًا في مختلف جهات البلاد التونسية، وهو ما عّبر عنه الفارق المحتسب في الكميات السنوية في الفترة 2018-2021. فباستثناء محطة نابل، التي سجلت فارقًا إيجابيًا ب 33.8 مم، يبين الشكل (1) أنّ بقية المحطات تميزت بفارق سلبي للتساقطات راوح بين -2.4 مم في توزر و-382 مم في بنزرت. وستكون لهذا التراجع المهمّ للتساقطات تداعيات سلبية على

الشكل (1) الفارق في الكميات السنوية للتساقطات المسجلة في مختلف المحطات الجوية في الفترة

. 2 شحّ الموارد المائية السطحية

أدّى الانخفاض الحادّ في كميات الأمطار خلال الفترة 2021-2019 إلى تدهور الوضعية المائية، وقد تمثلت أساسًا في شحّ الموارد السطحية الناتجة من نقص مياه السيلان التي تجري تعبئتها في منشآت التهيئة المائية؛ إذ أضحت غير قادرة على الاستجابة لارتفاع الطلب على الماء19. وتعدّ وضعية السدود من حيث تدّني مخزونها من المياه ونسبة امتلائها، مؤشرًا د لا على تدهور الوضعية المائية. ولكن وجب التذكير بخصائص توزع الموارد المائية السطحية جغرافيّا لنفهم لاحقًا مستويات هشاشة الجهات إزاء النقص الحاصل في التزود بالماء.

لا تتلقّى البلاد التونسية سوى 36 مليار م 3 من مياه الأمطار سنويًا تقريبًا؛ نظرًا إلى موقعها الجغرافي من خطوط العرض وخاصية الجفاف الغالبة على المناخ المتوسطي الذي تنتمي إليه، وتفقد 87 في المئة منها بفعل التبخّر21. ويقدّر ما يمكن تعبئته من مياه السيلان في المنشآت المائية بنحو 2.7 مليار م 322. وتتفاوت الموارد

  1. يعّبر الشحّ المائي عن اختلال التوازن بين الموارد المائية المتاحة والطلب المتزايد على المياه في حيّز جغرافي معّي.ن
  2. Habib Ben Boubaker, "L'eau en Tunisie: Faut-il s'attendre au pire," Policy Paper , Center for Mediterranean and
  3. عبد الكريم داود، "خمسون سنة من سياسات إدارة الموارد المائية في البلاد التونسية: من إدارة العرض إلى الإنصاف الترابي"، حكامة، مج 2، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 2021)، ص 10، شوهد في 2024/10/10، في: https://acr.ps/1L9zOHJ القين القوان جندوبة انست سليانة بنزرت الكاف مدن ط قة جربة تالة International Studies, 2016, p. 3..ب تدنّ مخزون امتلاء السدود ونسبته

المائية السطحية مجالًّيًا، فهي مرتبطة بأهمية مياه السيلان الناتجة من الأمطار. إذ إنّ شمل البلاد يستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الموارد السطحية (2341 مليون م 3 أي 85 في المئة من المجموع) نظرًا إلى أهمية التساقطات (أكثر من 500 مم سنويًا). فالجزء الشملي هو الأكثر عرضةً للتقلبات الجوية المتوسطية الرطبة ويحتوي على أهمّ الأودية الكبرى (وادي مجردة وروافده) والأحواض المائية (مجردة، الوطن القبلي، مليان، وغيرها)23. تتّسم هذه الوضعية بمفارقة؛ إذ تتركز 85 في المئة من الموارد المائية السطحية في الشمل الأقلّ سكانًا وأنشطة اقتصادية، وهو ما لا يمثّل سوى 17 في المئة من مساحة البلاد التونسية. أما وسط البلاد فلا يضمّ إاّل 287 مليون م 3، ما يمثّل 11 في المئة من المجموع، ويعدّ انخفاض التساقطات (بين 200 و 400 مم) مقارنة بشمل البلاد عاملًا رئيسًا في تفسير ضعف الموارد المائية السطحية؛ إذ إن تأثير التقلبات الجوية الشملية الغربية يضعف بسبب تأثير سلسلة جبال الظهرية التونسية التي تمنع مرورها نحو وسط البلاد وجنوبها. فيتحصّل الجنوب على 104 ملايين م 3، وهو بذلك يمثل النسبة الأضعف في المجموع (4 في المئة)، فالجفاف (أقلّ من 200 مم) بسبب التأثيرات الصحراوية يمثل عاملًا مفرّسًا لضعف مياه السيلان. وعلى عكس شمل البلاد، يمثّل جنوب البلاد نحو 60 في المئة من المساحة الجملية للبلاد، ولكنه لا يضمّ سوى 4 في المئة من مجموع المياه السطحية. يبرز هذا التوزع المتفاوت للموارد المائية السطحية هشاشة الوضعية المائية لوسط البلاد وجنوبها. ففي حالة الجفاف، تتفاقم ندرة المياه السطحية ويزداد الاعتمد على المياه المتأتية من الموائد الجوفية، خاصة أمام الوضعية الحرجة التي تشهدها السدود، والتي ستؤثر في قدرتها على توفير المياه واستمرارية التزوّد بها

تضمّ البنية التحتية المائية 36 سًّدًا كبيرًا تقدّر طاقة استيعابها الإجملية ب 2313 مليون م 3 سنة 2021، وهي تشتغل وفق منظومة تحويلٍ للمياه من الشمل في اتجاه الوسط والساحل لتأمين احتياجات الشرب والريّ وبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى. مجاليًا، تتركز معظم السدود الكبرى في شمل البلاد (61.2 في المئة من المجموع)، بينم يمثل الوسط 22.2 في المئة، والوطن القبلي 16.6 في المئة24. أدّى انخفاض التساقطات إلى ضعف مياه السيلان في الأودية، وأثّر سلبًّيًا في إيرادات السدود التي تدىّنى مخزونها المائي ونسبة امتلائها25 تدريجيًا. وقد شهد مخزون السدود السنوي تراجعًا مطّردًا خلال السنوات الأخيرة، من 2085 مليون م 3 وبنسبة امتلاء 108 في المئة سنة 2015، إلى 763 مليون م 3 بنسبة امتلاء 33 في المئة سنة 2021، على الرغم من الوضعية الاستثنائية الفائضة التي ميزت سنة 2019 حين تجاوز المخزون الطاقة الاستيعابية للسدود مسجل 2575 مليون م 3 بنسبة امتلاء 146 في المئة. وفي نهاية آب/ أغسطس 2023، انخفض مخزون السدود إلى 694.2 مليون م 3 وبلغت نسبة امتلائها 30 في المئة.

  1. 0 2  المرجع نفسه، ص.11
  2. Ministère de l'agriculture, p. 39.
  3. المخزون المائي في السدّ هو كمية المياه الموجودة فيه فعليًا بحساب المتر المكعب. أما نسبة امتلائه فهي نسبة مئوية يجري احتسابها بقسمة الكمية الموجودة في السدّ (بحساب المتر المكعب) على طاقته التخزينية الإجمالية (بحساب المتر المكعب) ثم تضرب النتيجة في.100 المصدر: Ministère de l'agriculture, des ressources hydrauliques et de la pêche, Rapport national du secteur de l'eau (Tunis: 2021), p. 39.

لتبيان تأثير نقص التساقطات في وضعية السدود، اعتمدنا على مثال السنة المائية 2021-2020. ويبين الجدول (انخفاض المخزون وضعف الإيرادات من الماء) أنّ حالة الجفاف تسبّبت في ضعف مياه السيلان؛ إذ قدّر العجز بحوالى 43 في المئة من معدل الإيرادات السنوية المحتسب على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة. لهذا انخفض المخزون المائي للسدود من 1005 ملايين م 3 في بداية السنة المائية (2020/9/1) إلى 763 مليون م 3 في نهايتها (2021/8/31)، وكذلك نسبة امتلائها من 43 في المئة إلى 33 في المئة.

جدول انخفاض المخزون وضعف الإيرادات من الماء في السدود التونسية خلال السنة 2021-2020

المخزون
2021/8/31
(مليون م 3)
(1)/ (2)
(في المئة)
معدل الإيرادات
السنوية (2)
(مليون م 3)
الإيرادات
2 (1)021/2020
(مليون م 3)
المخزون
2020/9/1
(مليون م 3)
الإقليم
686451630736888سدود الشمل
65272135891سدود الوسط
122045926سدود الوطن القبلي
3673488818041005المجموع

أثّرت هذه الوضعية في الموارد المائية المتاحة وفاقمت حالة الضغط المائي التي تشهدها البلاد نتيجة الجفاف. إنّ التطرق إلى وضعية السدود يعني البحث في قدرتها التخزينية التي تناقصت مع مرور الزمن، وهو ما يضع هدف بلوغ التعبئة القصوى لمياه السيلان محلّ السؤال. شهدت الطاقة التخزينية للمياه في السدود انخفاضًا؛ نتيجة ترسّب الأوحال فيها، وسيؤدّي هذا الأمر إلى غمرها كلًّّيًا مع مرور الوقت. وانخفضت سعة تخزين المياه، التي شملت 30 سًّدًا، من 2787 مليون م 3 إلى 2078 مليون م 3 سنة 2017، وهو ما يعني أنّ هذه السدود قد فقدت 25 في المئة من طاقتها التخزينية26. واعتمدًا على الشكل (2) نتبين تفاوت مستويات غمر السدود بالترسبات الطينية، حيث تبلغ أقصاها 72 في المئة في سدّ مّلق و 52.2 في المئة في سدّ سليانة27 شمل البلاد. وتشير التوقعات إلى أنّ السدود التونسية، بحلول سنة 2030، ستواجه خطر فقدان 43 في المئة من طاقتها التخزينية الأصلية28؛ إذ ستنخفض طاقة استيعابها للمياه بحلول سنة 2050 إلى ما دون النصف في سدّ سيدي سالم (34 في المئة)، ونبهانة (38 في المئة). ويبّين الشكل (2) أيضًا أنّ هذه الوضعية ستتفاقم في بعض السدود مع بلوغها مرحلة الغمر شبه الكلي بالترسبات الطينية على غرار سدّ سيدي سعد (5 في المئة.)

توزّعها الزماني والمكاني.

التغيرات المناخية والتحدّي المستجد

أكانت حرارية (موجات البرد والحرّ) أم مائية (جفاف وفيضانات).

الشكل (2) نسبة الغمر بالترسبات الطينية سنة 0182 ببعض السدود التونسية وطاقتها التخزينية في أفق سنة 2050

في خضمّ وضعية الجفاف، تتزايد المخاوف من تفاقم الوضعية المائية الصعبة مستقبلًا في ضوء التغيرات المناخية التي يشهدها المناخ العالمي، خاصة أنّ من بين تأثيراتها المحتملة انخفاضَ التساقطات واضطرابَ

تشير نتائج كثير من الدراسات والنمذج المناخية إلى أنّ المناخ العالمي يشهد تغيرًا يأخذ شكل الاحترار أي الارتفاع التدريجي لدرجات الحرارة على سطح الأرض. واعُتبُر هذا التغّير من الخصائص الأساسية للمناخ بالنظر إلى طابعه الديناميكي؛ إذ إنه شهد تحولات مستمرة منذ آلاف السنين نتيجة أسباب طبيعية (فلكية أو تكتونية أو بركانية، وغيرها)29. وهذا الاحترار الحالي سببه ارتفاع مستوى انبعاثات غازات الدفيئة (أساسًا ثاني أوكسيد الكربون) الناتجة من الأنشطة البشرية في الغلاف الجوي، والتي تمتصّ الإشعاع الشمسي وتُحوّله إلى حرارة إضافية. وتتمظهر التغيرات المناخية في ارتفاعٍ بدأنا نعيش على وقعه لتواتر التطرفات المناخية سواء

  1. لطيفة هنية [وآخرون]، المناخ والمنظومة المناخية (تونس: مركز النشر الجامعي، 2021)، ص.594 سيدي سعد سيدي سا سليانة نبهانة طاقة التخزين سنة 2050 ال سبات الطينية سنة 2018 المصدر: Ministère de l'agriculture, des ressources hydrauliques et de la pêche, Rapport national du secteur de l'eau (Tunis: 2021), p. 7.

لم تثبت نتائج التحليل الإحصائي للمعطيات تأثيرًا للتغيرات المناخية في التساقطات في الوقت الحالي31، إلاّ أن السيناريوهات المستقبلية تنذر باحتملية انخفاض التساقطات بالتزامن مع تفاقم الاحترار في البلاد التونسية. واعتمدًا على نتائج الدراسات التي قام بها المعهد الوطني للرصد الجوي، يتوقّع السيناريو الأسوأ ارتفاعًا لمعدلات الحرارة يراوح بين 2 و 2.3 درجة في أفق 2050 وبين 4.1 و 5.2 درجات في أفق 2100. أما بالنسبة إلى التساقطات فيُتوقّع تراجعها بنسب تراوح بين 1 و 14 في المئة في أفق 2050، وبين 18 و 27 في المئة في أفق.210033تمثّل التداعيات المحتملة للتغيرات المناخية على التساقطات تحدّيًا جدّيًا يستوجب إرساء استراتيجية للتكيّف، خاصّة أنّ ما تعيشه البلاد من جفاف قد زاد تواتره خلال السنوات الأخيرة يحاكي ما يمكن أن يحدث مستقبلًا ويتفاقم إلى الأسوأ. ولا يفترض هذا التحدّي الإدارة المستدامة الموارد المائية السطحية فحسب، بل يتعداها إلى المحافظة على الموارد الجوفية من خطر الاستنزاف.

4.استنزاف الموارد المائية الجوفية

تُقَدَّر الكمية السنوية من المياه الجوفية القابلة للاستغلال بحوالى 2.1 مليار م 334. يقع ضخّ هذه المياه من الموائد المائية السطحية والعميقة التي تشهد استغلالًا مفرطًا زادت وتيرته خلال العقدين الأخيرين. هذه الوضعية ناتجة من ارتفاع احتياجات الريّ، خاصة في الوسط الغربي للبلاد حيث تتعرض الموائد السطحية إلى استغلال مفرط قِّدِر ب 150 في المئة، في حين يشهد الجنوب الصحراوي استفحال استغلال الموائد العميقة بنسبة فاقت 175 في المئة35. ولئن شكّل الجفاف دافعًا لزيادة نسق حفر الآبار، فإنّ الاعتمد المكثّف على الفلاحة المروية واتساع مساحاتها ساهم بقوة في تفشي هذه الظاهرة وانفلاتها خاصة في مستوى المائدة العميقة. فعلى مستوى المائدة المائية السطحية36، تجاوزت الكميات المستغَلّة في حدود 914 مليون م 3 في السنة الكميات السنوية المتجددة المقَّدَرة ب 767 مليون م 3 في السنة في 2020، وارتفع عدد الآبار من 111431 بئرًا سنة 2015 إلى 153347 بئرًا سنة 2020. أما على مستوى المائدة العميقة37، فقد بلغت كمية المياه المستغلة 1922 مليون م 3 في سنة 2020. وبلغ هذا الاستغلال المفرط 134 في المئة؛ لأنه تجاوز الكمية السنوية المتجددة المقدرة ب 1431 مليون م 3 في السنة. ويبلغ عدد الآبار العميقة 35428 بئرًا سنة 2021. وتمثّل الآبار غير القانونية فيها 60.1 في المئة38. تتعرض الموارد المائية الجوفية للاستنزاف، ويُنذر الحفر العشوائي للآبار العميقة وغياب الرقابة بتصاعد المخاطر (التملّح أو تسرّب مياه البحر)، التي تهدّد جودة مياه موائد في أغلبها غير متجددة. ويعرّض وضع الأمن المائي البلادَ للخطر مستقبل.ا إنّ مؤشرات تملّح المياه بدأت تظهر خاصة في انخفاض إنتاجية الأراضي وارتفاع نسبة ملوحة المنتوجات الفلاحية.

  1. 0 3  داود، "خمسون سنة"، ص.7
  2. يراوح عمق المائدة السطحية بين بضعة أمتار وحوالى 50 مترًا، ينظر: المرجع نفسه، ص.13
  3. توجد المائدة العميقة في الطبقات الجيولوجية على عمق بضع مئات من الأمتار. وتختلف من حيث الخصائص إذ إنّ بعضها متجدد كالموائد العميقة في شمال البلاد التونسية ووسطها، وبعضها الآخر غير متجدد (موروث أو أحفوري) كموائد الجنوب الغربي، ينظر: 67 p..Hénia,
  4. Ministère de l'agriculture, p. 37.
  5. وزارة الشؤون المحلية والبيئة، التقرير الوطني، ص.40

للجفاف تبعات مباشرة على الموارد المائية السطحية؛ إذ يشكّل عامل ندرة لها، ولكنه يمثّل دافعًا لتوفير الماء، وهو بذلك يتضافر مع عوامل بشرية أخرى لتفسير الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية في البلاد التونسية. ويعدّ النقص الحادّ في الموارد المائية السطحية واستنزاف الموائد الجوفية مظهرين لأزمة مياه حادّة تزامنت مع وضع اقتصادي واجتمعي صعب، فم زادته إّلا تفاقمًا؛ فأصبح أشدّ وقعًا على الواقع المعيش للسكان.

ثانيًا: أزمة المياه وانعكاساتها الاقتصادية والاجتمعية

تتعدّد أوجه أزمة المياه في البلاد التونسية؛ إذ تعتبر وضعية الفقر المائي وتفاقمها خلال السنوات الأخيرة التجّلي الأبرز لها الذي ستكون له تبعات على الأمن الغذائي والأوضاع الاجتمعية.

. 1 تفاقم وضعية الفقر المائي

استنادًا إلى تصنيف منظمة الأمم المتحدة سنة 2021، توصف الدول بأنها تشهد فقرًا مائيًا39 حين يقلّ فيها النصيب السنوي للفرد من الموارد المائية عن 500 م 341. وفي تونس، تقدّر موارد المياه السنوية الجملية المتأتية من المياه السطحية والجوفية ب 4.865 مليار م 343. ويُعتبر نصيب الفرد من الموارد المائية من المؤشرات المعّبةر عن الوضعية المائية، وهو يتّسم بالضعف؛ إذ إنه لا يتجاوز 400 م 3 / ساكن/ السنة سنة 2022. وهذا النصيب متدٍّنٍ؛ فهو يمثّل حوالى44  50 في المئة من الكمية الضرورية لكلّ مواطن وفقًا للمعايير الدولية (بين 750 و 900 م 3). لهذا، تُعتبر البلاد التونسية تحت خط الفقر المائي؛ لأنّ النصيب الضعيف للفرد من المياه مرشّح للانخفاض إلى ما دون 350 م 3 / ساكن/ السنة. ويفرّسر هذا الانخفاض بتفاقم ظاهرة الجفاف وتأثير التغيرات المناخية في الموارد السطحية من جهة، واستفحال الضغط المائي45 على الموائد الجوفية؛ ما يؤثّر في جودة المياه التي تواجه خطر التملّح، من جهة أخرى. يحتكر القطاع الفلاحي، على مستوى توزع استهلاك الماء في البلاد التونسية، 80 في المئة من جملة الموارد المائية، بينم لا تمثّل مياه الشرب سوى 14 في المئة، تليها الصناعة (5 في المئة)، والسياحة (1 في المئة). سنتبين من خلال أمثلة تأثير بعض الخيارات المكلفة في الاستعمل الفلاحي من حيث استنزاف الموارد المائية مقابل محدودية مردوديتها الاقتصادية. يبلغ معدّل الاستهلاك السنوي للهكتار من المساحات المرويّة نحو 5625 م 346. وتعتبر هذه الكمية مهمّة ولا تتناسب مع ضعف المردود الفلاحي المرويّ الموجّه للتصدير، كالبرتقال والتفاح والفراولة. ويشير الخبير في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي47 إلى أنّ إنتاج القوارص بلغ 440 ألف طن سنة 2019 واستهلك 320 مليون م 3 من الماء. وبلغت تكلفة هذه الكمية 400 مليون دينار، في حين أنّ عائدات التصدير لم تتجاوز 29 مليون دينار. ويرى الخبير ذاته أنه كان من الأجدى توظيف هذه الكمية من المياه لإنتاج الحبوب وتوفير 20 في المئة من احتياجات البلاد من الاستهلاك المحلي ودعم الأمن الغذائي.

  1. 0 4  منال دربالي، "مجلة المياه في تونس وشبح الخوصصة"، أوريان 21، 2021/7/6، شوهد في 2024/1/5، في: https://acr.ps/1L9zOKH.أ ضعف الإنتاج وارتفاع الأسعار
  2. الفقر المائي "هو مفهوم يجسد العلاقة بين ندرة المياه من ناحية، وآثارها في مستعملي المياه من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية من ناحية أخرى، ومن ثم يطرح مكانة المياه في سياسات التنمية". ينظر: داود، "خمسون سنة"، ص.13
  3. المرجع نفسه.
  4. حسين الرحيلي، التقييم المواطني للماء في تونس (تونس: المرصد التونسي للمياه، 2022)، ص.25
  5. المرجع نفسه، ص.27
  6. الضغط المائي هو الإفراط في استغلال الموائد المائية بما يتجاوز إمكانيات تجددها فتصبح في وضعية استنزاف.
  7. الرحيلي، ص.33

ورغم أن الصناعة لا تمثل سوى 5 في المئة من مجموع المياه المستهلكة سنويًا، فإنها، خاصة صناعة النسيج والصناعات الغذائية والكيميائية، تستهلك كميات مرتفعة من المياه. فمثل، ا تتطلب صناعة النسيج كميات كبيرة من الماء لتنظيف القمش. وتستهلك مغاسل الفسفاط في منطقة الحوض المنجمي في الجنوب الغربي للبلاد كميات ضخمة من المياه؛ إذ إن الإنتاج السنوي والمقدّر ب 12.5 مليون طن يحتاج إلى ما بين 18 و 20 مليون م 3 من مياه المائدة الجوفية سنويًا، لغسله وتصفيته48. وتُعدّ هذه المائدة المائية أيضًا المصدر الرئيس للريّ ولمياه الشرب للسكان. تفرَّسر وضعية الفقر المائي بضعف الموارد المائية السطحية، وثمة عوامل أخرى تهمّ الاستغلال والتصرف في مجمل الموارد المائية، تزيد من تفاقمها. وانعكست هذه الوضعية على مستوى توفير الغذاء الذي أصبح محلّ سؤال في ضوء الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تشهدها البلاد.

. 2 الأمن الغذائي يف خضمّ أزمة اقتصادية خانقة

أثّرت الوضعية المائية الصعبة في الإنتاج الفلاحي، على نحوٍ انعكس على مستوى تزويد الأسواق بالمنتجات الفلاحية الأساسية وعلى حجم الواردات الغذائية. وقد أثّر انخفاض الإنتاج واضطراب التزود بالمنتجات الفلاحية في أسعارها؛ ومن ثمّ، في إمكانية حصول السكان عليها. لهذا، أصبح مفهوم الأمن الغذائي محور سؤال، خاصة مع التداخل بين تأثيرات أزمة المياه ومظاهر تردّي الأوضاع الاقتصادية.

اعتمدًا على مقررات مؤتمر القمة العالمي للأغذية لعام 1996، اعُتبُر الأمن الغذائي وضعية يتمّ الوصول إليها عندما يتمتع جميع الناس، في أيّ وقت، بإمكانية الحصول مادًّيًا واقتصادًّيًا على ما يكفي من الغذاء السليم والمغذّي لتلبية احتياجاتهم الغذائية كًّما وكيفًا من أجل حياة نشطة وصحية50. وهذه الأبعاد المختلفة للأمن الغذائي (توفّر الغذاء والحصول عليه والاستفادة منه)، خاصة استمراريتها في الزمان والمكان، لم تعد مضمونة التحقّق في البلاد التونسية. وأدّى التخفيض التدريجي في الحصول على مياه الريّ، ثمّ الحرمان منها كلًّّيًا، إلى انخفاض مساحة الأراضي المزروعة وغلق عدّة مناطق مرويّة في شمل البلاد ووسطها، نظرًا إلى تدّني مخزون السدود وإعطاء توفير مياه الشرب الأولوية. وأفضت هذه الوضعية إلى انخفاض الإنتاج ومستوى تزويد السوق بالمواد الفلاحية الأساسية، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعارها؛ ومن ثم، أثّر في إمكانية حصول السكان عليها. يشمل تأثير الجفاف أيضًا مناطق إنتاج الأعلاف التي شهدت انخفاض مردوديتها إلى أدنىى مستوياتها، ما أثّر في تكلفة اللحوم والبيض نتيجة توريد الأعلاف التي شهدت أسعارها ارتفاعًا مشًّطًا. فخلال سنة 2022، جرى إقرار زيادة مفاجئة بنحو 300 دينار للطنّ الواحد من العلف المركّب، فارتفعت أسعار اللحوم والبيض ارتفاعًا قياسيًا51. تمثّل الحبوب الإشكال الأكبر في مسألة الأمن الغذائي؛ ذلك أنّ مشتقاتها (أساسًا القمح الصلب واللين) تمثّل الركيزة الأساسية لغذاء السكان، أي الدقيق اللازم لتحضير الخبز والعجين الغذائي. وتأثّر حجم المساحة المخصصة لإنتاج

  1. المرجع نفسه.
  2. Food and Agriculture Organization, An Introduction to the Basic Concepts of Food Security (Rome: 2008), p. 1.
  3. يفيد المعهد الوطني للإحصاء أنّ أسعار البيض ارتفعت بنسبة 33.3 في المئة بين سنتَي 2021 و.2022.ب التداخل بين تداعيات أزمة المياه وتردّي الأوضاع الاقتصادية

الحبوب ومردوديتها بشدّة تحت وطأة الجفاف خلال هذه السنوات؛ إذ إنها انخفضت من 1.5 مليون هكتار سنة 2010 إلى حوالى 950 ألف هكتار سنة 2022. وتفيد بيانات ديوان الحبوب الحكومي أنّ إنتاج الحبوب سنة 2022 قدّر ب 7.5 ملايين قنطار، أي ما يساوي 23.4 في المئة من احتياجات البلاد المقدّرة ب 23 مليون قنطار سنويًا. وانخفض الإنتاج إلى 2.9 مليون قنطار سنة 2023 أي 8 في المئة من احتياجاتها السنوية. ويعني هذا أنّ نسبة ما تستورده البلاد من احتياجاتها من الحبوب قد ارتفعت من 76.6 في المئة سنة 2022 إلى 92 في المئة سنة.202353ويُعتبر موسم 2023-2022 الموسمَ الأسوأ؛ إذ إنه أفضى إلى وضعية حرجة جدًا ستكون لها تداعيات سلبية على عجز الميزان الغذائي. ويقول المرصد الوطني للفلاحة إنّ الميزان الغذائي سجّل عجزًا بقيمة 2.9 مليار دينار خلال تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، مقابل 1.9 مليار دينار في الشهر نفسه من سنة 2023. وقد ارتفعت قيمة الواردات55الغذائية بنسبة 37.5 في المئة؛ إذ إنها بلغت 2 مليار دينار وهو ما يمثّل 10.7 في المئة من جملة الواردات. مثّلت قيمة واردات الحبوب 51.2 في المئة من قيمة الواردات الغذائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أي بزيادة قدرها 34.1 في المئة مقارنة بالشهر نفسه سنة 2021. ويفرَّسر هذا الارتفاع بتأثير الحرب الروسية - الأوكرانية التي اندلعت في شباط/ فبراير 2022، والتي تسببت في اضطراب إمدادات الحبوب، على نحو أدّى إلى نقص في توفير الخبز. يبّين تدّني إنتاج الحبوب وتفاقم الحاجة إلى توريدها سنة 2023 مستوى الأمن الغذائي الذي لا يستقيم الحديث عنه في ظلّ أوضاع ممثلة. فلئن عرقل الجفاف مخططات الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مادّة القمح الصلب بداية من 2023، فإنّ الأمن الغذائي يرتبط بالوضعية الاقتصادية للبلاد، التي تُعدّ في مجملها حرجة؛ إذ تعاني أزمة خانقة تعدّدت مظاهرها وتبعاتها الاجتمعية.

أوضح العنصر السابق تأثير الجفاف في محصول الحبوب، الذي أدّى إلى تفاقم توريدها من الخارج وما يعني ذلك من استنزاف لاحتياطي البلاد من العملة الصعبة. وتأثّر الفلاحون بنقص المياه الذي كبّدهم خسائر فادحة، فانخفض الإنتاج ومعه نسق تزويد الأسواق بالمواد الفلاحية الأساسية، من خضر وغلال، وارتفعت الأسعار لتبلغ مستوياتٍ قياسيةً، قابلها انهيار للقدرة الشرائية للسكان؛ بسبب تفاقم التضخّم المالي وتراجع قيمة الدينار التونسي. لكنّ ارتفاع الأسعار لا يمكن ربطه بتأثير حالة الجفاف فحسب، بل إنّ انخفاض العرض من المنتوجات الفلاحية ناتج أيضًا من التكلفة المرتفعة للإنتاج؛ إذ إن أسعار المدخلات من أسمدة وأدوية وتكاليف اليد العاملة والنقل ارتفعت، فضلًا عن ممرسات السمسرة وإثرائهم على حساب الفلاح والمستهلك. تعيش البلاد التونسية منذ سنوات على وقع أزمة اقتصادية حادّة فاقمتها تبعات جائحة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19-، وارتفاع تكلفة استيراد المواد الطاقية والأساسية، خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية. فالتضخّم المالي بلغ 10.4 في المئة في شباط/ فبراير 2023، وتراجعت قيمة الدينار التونسي أمام الدولار الأميركي من 2.4 دينار سنة 2022 إلى 3.3 دينار سنة 2023. وبلغ العجز التجاري 15.8 مليار دينار في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتبين هذه المؤشرات أنّ الواقع الاقتصادي للبلاد حرج خاصة في حال عدم56

  1. البيانات مستقاة من إحصاءات متاحة في: Cahiers Géographiques de l'Ouest, no. 14-15 (2020), accessed on 15/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zP8i
  2. المعهد الوطني للإحصاء، نتائج التجارة الخارجية أكتوبر 023 2 (تونس: 2023)، ص.1 الفواكه اس ك اجبان الزيوت لحم الغذائية الطازجة الطازجة ومشتقات الضأن الحليب المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: المعهد الوطني للإحصاء، "مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي، سنة الأساس:2015 جوان 2023 "، إحصائيات تونس، نشريات، شوهد في 2023/12/27، في: https://acr.ps/1L9zP95

توقيع اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي يقضي بحصول تونس على قرض قيمته 1.9 مليار دولار والتخفيض المتتالي لترقيمها السيادي، ما زاد الأوضاع المعيشية تدهورًا. يُعتبر ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للسكان أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي سنخصّص لها هذا الحيّز من التحليل، بالنظر إلى تبعاتها على الأوضاع الاجتمعية، التي سنتناولها بالدراسة لاحقًا. وتطلعنا بيانات المعهد الوطني للإحصاء على النسق التصاعدي الذي عرفته أسعار المواد الغذائية الأساسية في الفترة حزيران/ يونيو 2022 - حزيران/ يونيو 2023؛ إذ قدّر متوسط الزيادة ب 15.2 في المئة، مع العلم أنّ هذا الارتفاع كان في حدود 13 في المئة في الفترة 2022-2021. ويبّين الشكل (3) أنّ هذا الارتفاع بلغ مستويات قياسية في مستوى اللحوم (36.3 في المئة للحم الضأن، و 28.4 في المئة للحوم الدواجن)، تليها الزيوت الغذائية 21.8(في المئة). أما المواد الغذائية المنضوية تحت منظومة الدعم الحكومي57، كالقهوة والحليب والسكر والزيت النباتي ومشتقات الحبوب وغيرها، فقد شهد مستوى التزود بها نقصًا كبيرًا، خاصة منذ نهاية سنة 2021، وأصبح فقدانها في الأسواق أمرًا متواترًا.

الشكل (3) نسب الزيادة في أسعار بعض المواد الغذائية في الفترة حزيران/ يونيو 2022 - حزيران/ يونيو 2023

يمكن ربط غياب المواد الغذائية الأساسية أو توفيرها بكميات قليلة بخيار التقشف الاقتصادي الذي يقتضي خفض الدعم الحكومي، والذي كان أيضًا من بين الشروط الأساسية لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية التي أوصى

  1. يعود إرساء منظومة الدعم إلى سنة 1956، وهي تهدف إلى دعم القدرة الشرائية للمواطن التونسي. والدعم هو عبارة عن اعتمادات مالية تخصص من ميزانية الدولة لتحمّل الفارق بين السعر الحقيقي للمادة وسعر بيعها للمستهلك. وتمثّل هذه المنظومة إعانة غير مباشرة لمختلف الفئات الاجتماعية، وتكفل لذوي الدخل المحدود الحصول على المواد الغذائية الأساسية بأسعار محددة ومراقبة من الدولة. لحم البيض لحوم البقر الدواجن.أ مشكلات إمدادات مياه الشرب

صندوق النقد الدولي بتطبيقها. لهذا، فإنّ تطبيق سياسة الندرة الاقتصادية58 عبر خفض التوريد والمحافظة على مخزون العملة الصعبة قد يفرّسر بالتوجه نحو الرفع التدريجي للدعم الحكومي. ويدلّ على هذا التوجه أنّ البلاد التونسية، بحسب المعهد الوطني للإحصاء، شهدت خلال النصف الأول من سنة 2023 انخفاض وارداتها ب 0.6 في المئة، في حين أنها عرفت ارتفاعًا ب 32.4 في المئة خلال نفس الفترة من عام 2022.61وطرحت بدائل لمنظومة الدعم الحالية تتمثل في التحويلات المالية المباشرة، ولكنها لم تلق تجاوبًا كبيرًا من جانب خبراء الاقتصاد أو استحسانًا من أغلب الفئات الاجتمعية. وقد حذّر المعهد الوطني للإحصاء منذ 2013، نظرًا إلى خطورة رفع الدعم الحكومي عن فئات اجتمعية هشّة واسعة من دون إيجاد بدائل فعالة، من أنّ هذا الإجراء سينتج منه ارتفاع معدّل الفقر بنسبة 3.6 في المئة62. زاد ارتفاع الأسعار عديد الفئات الاجتمعية الهشة تفقيرًا. فالقدرة الشرائية قد تدهورت بفعل الزيادات المتتالية في أسعار المنتجات والخدمات، في حين أنّ الأجر الأدنىى المضمون يراوح بين 390 دينار شهريًا بنظام عمل 40 ساعة في الأسبوع. ولا مجال لمقارنة هذه الأجور الضعيفة بنتائج دراسة أجرتها منظمة فريدريش إبيرت سنة 2019، قبل جائحة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية. فقد أكدت هذه الدراسة أنّ الدخل الشهري الذي يضمن مقومات العيش الكريم لعائلة متكونة من 4 أفراد تقطن في تونس الكبرى يجب أّلا يقلّ عن 2420 دينارًا شهريًا، وهو ما يعني حوالى 6 مرات الأجر الأدنىى المضمون لنظام عمل 40 ساعة في الأسبوع63. خلال هذه الأوضاع الاقتصادية، تبدو الوضعية الاجتمعية لغالبية السكان متدهورة ومنذرة بتداعيات خطيرة على السلم الاجتمعي. لهذا تضاف أزمة نقص المياه لتزيد واقع السكان المعيش صعوبةً. ويبرز ذلك من خلال الإجراءات المائية التي اتبعتها الدولة.

3.الإجراءات المائية المتخذة وتبعاتها الاجتمعية

نتيجةً لوضعية الفقر المائي التي تشهدها البلاد التونسية64، اُّتُخذت جملة من التدابير التي تغايرت وفقًا لتطور الوضعية المائية على مدار السنة. وعكست هذه الإجراءات عمق الأزمة المائية التي ظهرت في اضطراب التزوّد بمياه الشرب. ودفعت هذه الوضعية السكان، من جهة، إلى التوجه إلى مصادر بديلة وغير آمنة للمء، وهو ما فاقم المخاطر الصحية المرتبطة باستهلاك مياه غير مراقبة، ودفعت من جهة أخرى إلى تنظيم تحركات احتجاجية تنوعت أشكالها

كانت مشكلات التزوّد بالمياه موسمية ومرتبطة أساسًا بذروة الاستهلاك خلال فصل الصيف. وهي أيضًا من المعضلات المزمنة للأرياف والمناطق الداخلية للبلاد عمومًا، والتي تشكو ضعفًا في بنيتها التحتية لضخّ المياه

  1. وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، "مقرر من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري يتعلق بإقرار نظام حصص ظرفي وتحجير وقتي لبعض استعمالات المياه"، 2023/3/29، شوهد في 2024/8/27، في: https://acr.ps/1L9zOKQ
  2. Institut National de la Statistique, Analyse de l'impact des subventions alimentaires et des programmes d'assistance sociale sur la population pauvre et vulnérable (Tunis: 2013), p. 44.
  3. Pierre Concialdi, Un budget de la dignité pour la Tunisie (Tunis: International Alert, 2021), p. 79.
  4. تعَّرَف الندرة الاقتصادية بأنها "ندرة نسبية أي إنّ الموارد الاقتصادية والمنتجات متوفرة بكميات تقلّ عن احتياجات المجتمع ورغبات الأفراد". ينظر: "الندرة الاقتصادية"، الموسوعة العربية، شوهد في 2024/1/10، في: https://acr.ps/1L9zP4h
  5. المعهد الوطني للإحصاء، نتائج التجارة الخارجية جوان 023 2 (تونس: 2023)، ص.1

وتوزيعها. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الاضطرابات في توزيع المياه أشد تواترًا ومشتملة على جلّ المدن التونسية على اختلاف أحجامها؛ إذ إنها اكتست طابعًا دوريًا65. وأخذت هذه الاضطرابات شكلين أساسيين؛ ضعف التدفّق، وانقطاع الماء كلًّّيًا. وقد مثّلت دليلًا على استفحال الأزمة المائية في البلاد. وتمثلت بوادر أزمة المياه خلال سنة 2020 في إضعاف مستوى تدفّق الماء في الشبكة العمومية أولى مراحل الضغط على الاستهلاك ومحاولة ترشيد استعمله لمواجهة هذه الأزمة من جانب الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، أو ما يعبر عنها اختصارًا "الصوناد"66، وهي الجهة الحكومية الرسمية المكلّفة بضمن تزويد المستهلكين بالماء خاصة في المناطق الحضرية. ومع تواصل حالة الجفاف وتدّني مخزون السدود إلى ما دون 30 في المئة، أقرّت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، في 29 آذار/ مارس 2023، اعتمد نظام حصص ظرفي للتزود بمياه الشرب وتحجيرًا وقتًّيًا لبعض استخدامات المياه، من قبيل ما يكون للريّ الفلاحي والمساحات الخضراء وتنظيف الشوارع وغسل السيارات، إلى غاية 29 أيلول/ سبتمبر 2023. وتطبيقًا لهذا القرار، اعتمدت67الصوناد نظامًا يقضي بقطع الماء من التاسعة ليلًا إلى حدود الرابعة صباحًا، مع إمكانية تعديل هذه الفترة بحسب مستوى الطلب على الماء لكلّ جهة، ووفقًا لتطور الوضعية المناخية، خاصة درجات الحرارة. ونظرًا إلى ضعف التساقطات في خريف سنة 2023، وقع تمديد العمل بهذا النظام الظرفي إلى نهاية السنة. لا يُعتبر انقطاع الماء مسألة جديدة في البلاد التونسية أو مرتبطًا فقط بنظام الحصص الظرفي المطبّق سنة 2023، بل يمتدّ إلى ما يقارب عشر سنوات (منذ 2013)؛ إذ إن الأفراد تأقلموا مع هذا الإشكال بحكم أّن 40 في المئة من سكان البلاد يتعرضون له بدرجات متفاوتة68. وليس أدلّ على استفحال هذا المشكل، بحسب الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة عادل الهنتاتي، أنّ عدد انقطاعات الماء ارتفع من 14 ألف مرّة في السنة إلى 24 ألف مرّة خلال السنوات الأخيرة. ويعدّ تقادم 62 في المئة من تجهيزات الشبكة واهتراؤها من أهم الأسباب في رأي الخبير ذاته؛ فقد أصبح يحول دون ضخّ المياه ووصولها إلى طوابق المباني المرتفعة71. وتبلغ هذه الوضعية الصعبة ذروتها مع معاناة عدّة مناطق العطش، خاصة في الأرياف في ولايات القيروان وجندوبة وقفصة. فمنطقة السقدود73 التي تضمّ 2000 ساكن تفتقر إلى مياه الشرب منذ عام 2013، كم أفاد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية74. واستنادًا إلى بيانات المرصد التونسي للمياه75، تطورت التبليغات عن المشكلات المتعلقة بالتزود بالماء من 607 مشكلات سنة 2019 إلى 2633 مشكلة سنة 2021. وتصدّرت تبليغات انقطاعات الماء المرتبة الأولى؛ فقد ارتفعت نسبتها من 49.5 في المئة سنة 2019 إلى 71 في المئة سنة 2021 من إجملي مشكلات التزود بالماء. ويبين الشكل (4) أنّ عدد التبليغات الخاصة بانقطاع المياه ارتفعت وتيرته بأكثر من 6 مرات، من 301 إلى 1872 في

  1. الرحيلي، ص.37
  2. سنستخدم في هذا البحث هذه التسمية "الصوناد" وهي تعريب عامّي للاسم المختصر للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بالفرنسية:. Société Nationale d'Exploitation et de Distribution des Eaux, SONEDE
  3. وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري.
  4. الرحيلي، ص.37
  5. محرز الماجري، "تونس تبلغ مرحلة 'الفقر المائي' وخبراء يطرحون ثلاثة سيناريوهات"، إندبندنت عربية، 2022/8/16، شوهد في 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9zP7B
  6. تقع في معتمدية الرديّف من ولاية قفصة في الحوض المنجمي بالجنوب الغربي للبلاد التونسية.
  7. انقطاع الماء في السقدود معاناة متواصلة وسلطة عاجزة"، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مستقلة غير حكومية تأسست سنة 2011)، 2023/2/15، شوهد في 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9zOtK 60  المرصد التونسي للمياه هو "مشروع جمعياتي يهتمّ بالإشكاليات المتعلقة بحقّ الولوج للمياه في تونس". خلال آذار/ مارس 2016، أنشأ المرصد منصّة إلكترونية للتبليغ عن مشكلات الماء لمتابعتها وتوثيقها. للمزيد عنه ينظر: https://acr.ps/1L9zOUe مياه غ صالحة لل ب تحركات احتجاجية.ب تداعيات اجتمعية لشحّ المياه

الماء أبرز هذه المشاكل؛ فقد مثّلت 76.5 في المئة منها خلال الصيف.

أوجه تباينات الأزمة المائية في البلاد التونسية زمانيًا ومكانيًا وتدلّ على تداعياتها المختلفة. الفترة 2021-2019. وكان أغلب هذه الانقطاعات للمء لم تعلن عنه الصوناد، وهو ما زاد في معاناة السكان اليومية. وتبلغ حالة النقص في المياه أقصاها خلال فصل الصيف ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب المنزلي ومختلف القطاعات وخاصة الفلاحة والسياحة على الماء؛ إذ تمثّل تبليغات مشكلات المياه المسجلة خلال الفترة حزيران/ يونيو-آب/ أغسطس حوالى 49.5 في المئة من إجملي التبليغات السنوية لعام 2021. وتشكّل انقطاعات أما على المستوى المجالي، فبالاعتمد على التوزع الجغرافي للعدد السنوي للتبليغات عن مشكلات المياه سنة 2021، نتبّين من خلال الخريطة (3) أنّ الولايات التي شهدت النسب الأعلى هي قفصة (9.8 في المئة)، وصفاقس (8.7 في المئة)، وبن عروس (7.3 في المئة). ورغم أنّ معطيات المرصد الوطني للمياه تنبني على التبليغات الطوعية للأفراد الذين يواجهون مشكلات للوصول إلى الماء، فإنّ مستوى تمثيليتها يبقى محدودًا نسبيًا لأنها لم تكن شاملة لغالبية السكان والمناطق، لكنها تبقى مهمة في ظلّ شحّ البيانات الرسمية؛ فهي تبرز

الشكل (4) تطور عدد التبليغات المتعلقة بمشكلات الماء في الفترة 2021-2019

تؤثر الانقطاعات المتكررة للمء، وخاصة الانقطاعات التي تدوم أيامًا وأسابيعَ متتالية في بعض جهات البلاد، تأثيرًا مباشرًا في ظروف عيش الأفراد الذين يضطرون، مثلم تبرز الصورة (1)، إلى الاتجاه إلى مصادر مياه غير مراقبة، كالآبار وغيرها لسدّ بعض احتياجاتهم اليومية الضرورية من الماء. ففي جلّ المناطق الداخلية للبلاد، تتواتر مشاهد لأفراد يتنقلون مسافات طويلة على ظهور الدواب لجلب الماء في أوعية بلاستيكية لا تتوافر فيها الشروط الصحية، وهو ما توضحه الصورة (2). وتتعدّد الأمثلة عن التبعات الاجتمعية الصعبة لانقطاع الماء في عدّة مناطق، ومثال ذلك منطقة هنشير الحرايز76 التي تشهد منذ سنوات انقطاعًا لمياه الشرب.

  1. تقع منطقة هنشير الحرايز في معتمدية سبيطلة من ولاية القصرين في الوسط الغربي للبلاد التونسية. ت بات انقطاعات المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى معطيات المرصد التونسي للمياه، في: https://acr.ps/1L9zOUe المصدر: المرجع نفسه.

أثّرت هذه الوضعية في ظروف عيش السكان، خاصة حين يتزامن العطش مع الحرارة المرتفعة خلال فصل الصيف. وتشهد مدينة الحامة77 الوضعية نفسها، حيث يشكو السكان انقطاعات متكررة وفترات طويلة لمياه الشرب، رغم ما تمتلكه من موارد مائية جوفية مهمة. استنزفت هذه الموارد، من جهة، الحممات التي تستغل الماء لأغراض استشفائية، ومن جهة أخرى، المجمع الكيميائي للصناعة الفسفاط. الذي يضخّ كميات هائلة من المياه، على نحو تسبب في الإضرار بالنشاط الفلاحي الواحي نتيجة العطش78. وأثّر استنزاف موارد المائدة الجوفية أيضًا في مستوى تزوّد السكان بالماء في الحوض المنجمي79، خاصة مدينة الرديّف التي شهدت خلال صيف 2023 انقطاعات متكررة لمياه الشرب دامت إحداها أكثر من 12 يومًا. وتزامنت وضعية العطش هذه مع موجات حرّ تجاوزت فيها درجات الحرارة 45 درجة مئوية خلال النهار، ما أثر بقسوة في مختلف جوانب حياة السكان وأنشطتهم80.

الخريطة (3)

نسبة المساهمة في العدد السنوي للتبليغات عن مشكلات المياه سنة 2021

  1. تقع الحامة في ولاية قابس في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية.
  2. معز الباي، "إهدار الثروة المائية في تونس: تشخيص مخيف لوضعية تتّسم بالفهم الخاطئ"، تفسير، الكتيبة، 2023/3/1، شوهد في 2023/12/25، في: https://acr.ps/1L9zP2I
  3. يقع الحوض المنجمي في الجنوب الغربي للبلاد التونسية ويتبع إداريًا ولاية قفصة. أهمّ مدنه الرديّف وأم العرايس والمتلوي والمظيلة. يُعرف الحوض المنجمي بأهمية أنشطة استخراج الفسفاط.
  4. خالد الطبابي، "العطش في القرى المنجمية"، المفكرة القانونية، 2023/8/4، شوهد في 2024/1/14، في: https://acr.ps/1L9zOiF المصدر: وائل ونيفي، "أرباح طائلة واحتكار للسوق: الوجه الآخر لاستنزاف الموارد المائية من قبل شركات تعليب المياه في تونس"، تحقيقات، الكتيبة، 2023/12/12، شوهد في 2023/12/23، في: https://acr.ps/1L9zP4r المصدر: محرز الماجري، "تونس تبلغ مرحلة 'الفقر المائي' وخبراء يطرحون ثلاثة سيناريوهات"، إندبندنت عربية، 2022/8/16، شوهد في 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9zP7B

الصورة (1) التزود بالماء من مصدر غير مراقب في المناطق الداخلية

الصورة (2) التزود بالماء من مسافات بعيدة ونقله في أوعية بلاستيكية على ظهور الدواب

تتفاقم مصاعب السكان اليومية إزاء الانقطاع الكّلي للمء، وهو ما تعيشه منطقة السقدود81 التي انقطعت عنها مياه الشبكة العمومية للشرب منذ عام 2013. إزاء هذا الوضع، لا تجد العائلات من حلّ سوى اقتناء الماء من الباعة المتجولين الذين يوفرونه مقابل دينارين للوعاء ذي سعة 10 لتر82. فإذا علمنا أنّ جلّ هذه العائلات محدودة الدخل وتتكوّن على الأقل من 4 أفراد، فإنّ تكاليف الماء تعتبر مرتفعة جدًا نظرًا إلى الكمية التي يجب توفيرها للاستخدام الشخصي والمنزلي. إضافة إلى الجانب المادي، تُطرح الأخطار الصحية بشدة. فهؤلاء الباعة يعرضون الماء في صهاريج غير صحية ومعرّضة للملوثات وأشعة الشمس، وهو ما يعرّض المستهلكين الذين يحملون الماء في أوعية بلاستيكية غير صحية لأمراض عديدة، أهمها تعفّن المعدة والإسهال83 وأمراض الكلى والتهاب الكبد الفيروسي84. ولعلّ اكتشاف بعض حالات التهاب الكبد الفيروسي في الوسط المدرسي في ولاية القصرين (في منطقتَي فرنانة وماجل بلعباس) مردّه إلى عدم ربط المدارس الابتدائية بالشبكة العمومية لمياه الشرب؛ إذ يوَّفَر الماء للتلاميذ في صهاريج غير صحية تفتقر إلى النظافة85. لئن تأقلم السكان مع نقص المياه أو انقطاعها فترات متفاوتة، فإنّ هذه الأوضاع كانت دافعًا لاندلاع تحركات احتجاجية، تعددت أشكالها وامتزجت مع مطالب سوسيو-اقتصادية أخرى. كنا قد أشرنا آنفًا في سياق تحليلنا لمشكلات إمدادات المياه إلى أنّ الاحتجاجات تمثّل أحد مواضيع التبليغات التي تصل المرصد التونسي للمياه عن مشكلات المياه في مختلف جهات البلاد التونسية. وبالنظر في الشكل (4)، فإن التحركات الاحتجاجية سجّلت ارتفاعًا مهًّما من 134 سنة 2019 إلى 466 سنة 2021، أي بنسبة زيادة تقَّدَر ب 247.7 في المئة. ولئن كان دافع تنظيم هذه التحركات الاجتمعية الرئيس هو الاحتجاج إزاء الوضعية المائية، فقد ذكّرت معظمها بحقّ الأهالي في التنمية والتشغيل. وتتعدد الأمثلة عن هذه التحركات الاحتجاجية التي أخذت شكل تنظيم وقفات احتجاجية أمام الفروع الجهوية للصوناد أو إحدى المؤسسات السيادية، كمقرات الولاية أو المعتمديات. نذكر على سبيل المثال، الوقفة الاحتجاجية التي نظمها أهالي منطقة بوشمّة في ولاية قابس التي تعاني منذ 5 سنوات انقطاع مياه الشرب (4 أو 5 أيام متتالية في الأسبوع)، وتأثيرات ذلك في حياتهم اليومية وصحّتهم، وخاصة إثقال كاهلهم بتكاليف باهظة لشراء الماء86. شملت هذه التحركات الاحتجاجية أيضًا مدن الحوض المنجمي في ولاية قفصة، حيث سجّلت حوالى 70 تحركًا سنة 2020 تمحورت حول حقّ السكان في توفر مياه الشرب باستمرار والدعوة إلى وقف استنزاف مغاسل88الفسفاط للمئدة المائية الجوفية، التي تسببت أيضًا في تلويثها، والفلاحة المروية التي تضاعفت مساحاتها في الجهة91. ولم تتجاوز أغلب هذه الاحتجاجات مستوى الوقوف والتظاهر أمام المقارّ، بل اتخذ بعضها أشك لًا

  1. 0 7  المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التقرير السنوي لقسم العدالة البيئية والمناخية: حقوق بيئية، تغيرات مناخية، عدالة بيئية واجتماعية (تونس: 2024)، ص.27
  2. قابس: وقفة احتجاجية لأهالي بوشمّة على خلفية الانقطاع المتكرر للمياه"، تونس الرقمية، يوتيوب، 2024/1/2، شوهد في 2024/1/14، ف:ي https://acr.ps/1L9zPaB
  3. حسب بيانات المرصد التونسي للمياه.
  4. Abdeljalil Sghari & Salem Chriha, "Rivalité sur l'eau souterraine dans le bassin minier de Gafsa (Sud tunisien): Témoignage d'une gestion incohérente," Revue GéoDév.ma , vol. 4 (2016), accessed on 10/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zOkn
  5. تقع منطقة السقدود في معتمدية المتلوي من ولاية قفصة في الجنوب الغربي للبلاد.
  6. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، "انقطاع الماء بالسقدود معاناة متواصلة".
  7. Mounir Jarraya, "La vulnérabilité de la population aux parasitoses intestinales à Sfax: Quelle implication de l'eau?"  Cahiers Géographiques de l'Ouest , no. 14-15 (2020), p. 223, accessed on 15/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zP8i
  8. عبد الرحمان محمد الحسن، الجغرافيا الطبية (السودان: جامعة بخت الرضا، 2013)، ص.78

تصعيدية بلغت حدّ قطع الأهالي الغاضبين للطرقات وتعطيل حركة السير. وفي هذا السياق، نذكر التحرك الاحتجاجي الذي نظمه أهالي منطقة سيدي محمد علي، في آب/ أغسطس 2023؛ إذ أغلقوا الطريق الرابطة بين طبرقة وعين دراهم للتعبير عن غضبهم إزاء الانقطاع الدائم لمياه الشرب، رغم ما تمتلكه منطقتهم من مخزون مائي ثريّ. ذكّر هذا التحرك الاحتجاجي بمطالب أخرى تهمّ توفير الخدمات الصحية الملائمة، وتحسين البنية التحتية للنقل بين المدن في الجهة93. لم تتعدّ التحركات الاحتجاجية قطع الطرقات أمام حركة السير، لكنّ استفحال مشكلة المياه مستقبلًا تحت وطأة التغيرات المناخية قد يفضي إلى ازدياد تواترها واتساع رقعتها. فهذه الاحتجاجات تجد في فقدان الماء دافعًا أساسيًا لاندلاعها. لكنها قد تتضافر مع استفحال الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتمعية، وما يؤكده ذلك أن أغلب هذه التحركات الاحتجاجية رفعت مطالب التنمية والتشغيل والحق في العيش بكرامة وفي بيئة سليمة، وهي نفسها مطالب ثورة جانفي [كانون الثاني/ يناير].2011 إن كانت وضعية الجفاف وضعف الموارد المائية أسبابًا مباشرة لأزمة المياه الحالية فضلًا عن تزامنها مع واقع اقتصادي مترٍّدٍ زاد من تفاقم تداعياتها الاجتمعية، فإنّ التساؤل حول وضعية الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ومسؤوليتها في المآلات الحالية للأوضاع يظلّ مشروعًا لكون الإجابة عنه تفضي إلى فهم بعض أسباب استفحال هذه الأزمة.

ثالثًا: مسؤولية الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه

تؤثّر وضعية الصوناد من حيث إمكاناتها المالية واللوجستية في مستوى إسداء خدماتها لكونها المزوّد الرئيس للسكان بمياه الشرب، خاصة في المدن. وتتداخل العديد من العوامل المفسرة لتدهور وضعية هذه المؤسسة العمومية، التي أثّرت في قدرتها على مواجهة التحديات المائية على الأقلّ في الجزء الملقى على عاتقها. ولكن قبل الخوض في هذه الوضعية الحرجة للشركة، وجب التعرف بإيجاز إلى مراحل منظومة التزود بالمياه في البلاد التونسية وعناصرها.

. 1 التزود بمياه الشرب يف البلاد التونسية

يقع على عاتق الصوناد استغلال المياه المنتجة (سطحية وجوفية) وتوزيعها بمساعدة هيكلين تابعين لوزارة الفلاحة، هم: الإدارة العامة للموارد المائية، والإدارة العامة للمشاريع المائية الكبرى والسدود. وترتكز منظومة التزود بمياه الشرب على السدود وشبكات تحويل ونقل ومحطات ضخّ ومعالجة المياه وخزانات تجميع وقنوات مياه. وتضطلع شبكة التحويل المركزية عبر السدود بدور مهمّ في تحديد جودة المياه عبر خلط مياه السدود ذات الملوحة المرتفعة (مثال سدّ سيدي سالم)، والمنخفضة (مثال سَّدَي بربرة وسيدي البرّاق). ويتزوّد حوالى 70 في المئة من سكان البلاد بمياه السدود، بينم توفّر الموائد الجوفية النسبة الباقية94. يتمثّل مجال تدخّل الصوناد في المناطق الحضرية أساسًا، فهي تؤمّن إيصال مياه الشرب إلى المستهلكين عبر شبكة من القنوات تتخلّلها محطات ضخّ وخزانات. وتبلغ نسبة ربط المساكن بالشبكة العمومية للمياه في الوسط الحضري 100 في المئة سنة 202195. وتوفّر الشركة أيضًا جزءًا من احتياجات المياه لسكّان المناطق

  1. طبرقة: غضب في صفوف أهالي منطقة 'سيدي محمد علي'"، اعتصام جندوبة تريد: الصفحة الرسمية، فيسبوك، 2023/8/21، شوهد في 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9zOS4
  2. الرحيلي، ص.35
  3. Ministère de l'agriculture, p. 57.

الريفية. وينحصر ذلك في التجمعات السكانية الكبرى والقاطنة في مجالات متقاربة جغرافيًا. أما باقي الاحتياجات فتوفّره الجمعيات المائية التي تتولى أيضًا مهمة الإشراف على التجهيزات المائية.

. 2 ارتفاع الطلب على الماء يف ظل بنية تحتية متهالكة

يبلغ طول شبكة المياه العمومية 57314 كم سنة 202196. وتواجه الصوناد ضغطًا ناجمًا عن ارتفاع عمليات الربط بالشبكة للمشتركين الجدد، التي تطورت ب 2.7 في المئة في الفترة 2021-2020، وعن حجم المياه المستهلكة الذي ازداد بنسبة 3.6 في المئة خلال الفترة نفسها98. وتدلّ هذه المؤشرات على اشتغال الشركة بإمكاناتها المتاحة من دون الوصول إلى تلبية الطلب المتزايد على الماء. ويعتبر اهتراء البنية التحتية وتقادم التجهيزات وتواتر الأعطاب محدّدًا رئيسًا لهذه الإمكانات. فقد ارتفع عدد حالات كسر قنوات المياه من 19990 إلى 22753 في الفترة 2021-2020 مسجلًا نسبة زيادة تقدّر ب 13.8 في المئة. وسُجّل إهدار 160.9 مليون م 3، مقابل 158.8 مليون م 3 سنة 2020، أي بزيادة 2 في المئة، وهو ما يجعل نسبة ضياع الماء تناهز 32.5 في المئة على المستوى الوطني. أفضى تقادم القنوات إلى استفحال مشكلة تسرّب المياه وضياعها، فحوالى 20 في المئة من الشبكة يتجاوز عمرها 46 سنة، في حين أنّ الصوناد لا يمكنها تجديد سوى 200 كم سنويًا، أي ما يمثّل 0.4 في المئة من إجملي الشبكة. وتعتبر هذه النسبة ضئيلة مقارنةً بالمعايير العالمية، التي تراوح بين 2 و 2.5 في المئة سنويًا. إنّ ضعف الصيانة المرتبط بمحدودية الموارد المالية يفرّسر وضعية الشبكة المتهالكة، فالصوناد تعاني عجزًا مالًّيًا في تغطية تكاليفها؛ إذ بلغت نسبة التغطية 65.4 في المئة سنة 2019. وتفرّسر هذه الوضعية في جزء منها بتفاقم ديون الحرفاء من المؤسسات العمومية (120 مليون دينار) وديون المواطنين (260 مليون دينار) غير المستخلصة لصالح الشركة. يضاف إلى ذلك عدم تطور معدل ثمن بيع الماء بالتناسب مع تكلفة إنتاجه خاصة بالنسبة إلى المياه المحّلة الباهظة التكلفة (تكلفة 1 م 3 تساوي 3 دنانير في حين يباع للحريف ب 0.765 دينار)، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الدّين والمعدات المستوردة (70 في المئة من تجهيزات الشركة)؛ نتيجة انخفاض قيمة الدينار. ومثّل الارتفاع المتواصل لسعر الطاقة عاملًا إضافيًا للعجز المالي؛ إذ مثلت مصاريف الطاقة 19 في المئة من التكلفة سنة 2018 مقابل 10 في المئة سنة 2017 نتيجة الترفيع المتتالي لأسعار الكهرباء. ولم تفلح الزيادات في أسعار بيع المتر المكعب الواحد من الماء للمستهلكين من 0.560 دينار سنة 2015 إلى 0.914 دينار سنة 2021 في تعديل هذه الوضعية؛ لأن هذا السعر لا يغطّي سوى 70 في المئة من تكلفته المقَّدَرة ب 1.304 دينار. ولن يؤثر هذا العجز في مستوى توسيع وصيانة الشبكة فحسب، بل في كمية المياه الموزعة وجودتها أيضًا.

  1. استنادًا إلى بلاغ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بتاريخ 2020/3/4 حول الوضعية المالية للشركة.
  2. Ministère de l'agriculture, p. 21. المصدر: تصوير الباحث بتاريخ 2024/1/11، بعد إعلان الصوناد عن قطع الماء مدّة 4 أيام من يوم 2024/1/10 إلى 2024/1/13؛ نتيجة عطب طرأ على القناة الرئيسة لجلب المياه إلى ولايات الساحل التونسي (سوسة والمنستير والمهدية وصفاقس).
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Ibid.

3.أيّ تأثير يف جودة المياه؟

من خلال الاعتمد على الشكل (4)، نتبّين أن التبليغات عن جودة المياه شهدت ارتفاعًا من 29 إلى 91 بين عامَي 2019 و 2021، أي بنسبة زيادة تقدّر ب 213.8 في المئة. وتدلّ هذه الوضعية على أنّ جودة مياه الشرب التي توزعها الصوناد في الشبكة العمومية للاستهلاك المنزلي قد تدنّت بصفة ملحوظة. وتوضح الصورة (3) أنّ هذا التدّني شمل الطعم واللون والرائحة، رغم أنّ المياه الموزعة تخضع لرقابة مخابر الصوناد ووزارة الصحة العمومية. فعلى مستوى الملوحة، مثل، ا تحدّد نسبتها بمواصفات تونسية (بين 1.5 و 2 غرام في اللتر الواحد). وتعتبر هذه النسبة غير متطابقة مع المعايير الدولية، خاصة توجيهات منظمة الصحة العالمية، التي تشترط عدم تجاوزها 1 غرام في اللتر الواحد حتى يكون طعم الماء مقبولًا. أما على مستوى المواصفات الميكروبيولوجية، فتشهد مياه الشرب إشكاليات جدّية تتعلق بدرجة عدم تطابقها مع المعايير المعمول بها. وسجلت نسبة عدم مطابقة مياه الشرب للمواصفات الميكروبيولوجية ارتفاعًا من 9.6 في المئة إلى 10.6 في المئة في المدة 2021-2019، استنادًا إلى التحاليل المخبرية التي أجرتها وزارة الصحة العمومية. إن تقادم المعدّات وعدم القدرة على استبدالها نتيجة الأوضاع المالية الصعبة للشركة يؤثّران في جودة مياه الشرب الموزعة، ومثال ذلك الأعطاب التي أصابت المعدات المسؤولة عن تحديد جرعات الكلور بالتناسب مع مستوى المياه. لهذا، فإنّ نسبة الكلور المستخدَمة في تعقيم المياه تبدو متفاوتة بين المناطق؛ فهي إما عالية وإما منخفضة، ما يؤثّر في صحة المستهلك.

الصورة (3) لون الماء الموزع من الصوناد في مدينة صفاقس

  1. وزارة الشؤون المحلية والبيئة، التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة (تونس: 2017)، ص.61
  2. Ibid., p. 90.
  3. وائل ونيفي، "أرباح طائلة واحتكار للسوق: الوجه الآخر لاستنزاف الموارد المائية من قبل شركات تعليب المياه في تونس"، تحقيقات، الكتيبة، 2023/12/12، شوهد في 2023/12/23، في: https://acr.ps/1L9zP4r

تسوء الأمور أكثر عند اكتشاف نسب عالية في مجموع القولونيات في مياه الشرب من خلال تحليل عينة من المياه في مدينة منزل بوزلفة في ولاية نابل (محافظة)، وهو ما يعني عدم صلاحيته للشرب أو الاستحمم. إزاء هذا التدهور المستمر في جودة مياه الشرب، أقبل الأفراد على المياه المعلّبة، فازدهر هذا القطاع الذي أصبح يضّم 29 وحدة لإنتاج المياه المعدنية موزعة على 12 ولاية وذات طاقة إنتاجية تقدّر ب 364 ألف قارورة في الساعة. عّبر عن هذا الازدهار حجم استهلاك المياه المعدنية الذي بلغ 2.7 مليار لتر، أي بمعدّل 225 لترًا/ الشخص سنة 2020 مقابل 12 لترًا/ الشخص سنة.1995وتبرز المفارقة في أنّ أبرز مناطق تركّز وحدات إنتاج المياه المعدنية تعدّ الأشد معاناة من العطش والانقطاعات المتكررة للتزود بالماء، خاصة جهتَي الساحل والقيروان. ويدفع هذا الازدهار السريع لقطاع المياه المعَّلَبة والنسق الحثيث لإسناد رخص استغلال الموائد المائية، مقابل تدهور وضعية الصوناد وجودة مياهها، إلى التساؤل عن وجود علاقة بينهم: ألا يعدو أن يكون الأمر مجرد مصادفة؟ أم أنه مفتعل لاستنزاف ميزانية الأسر التونسية بمصاريف إضافية مخصصة لاقتناء المياه المعَّلَبة؟

4.مظاهر سوء الحوكمة

يسود اشتغال الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه وجود مشكلات مزمنة ساهمت في تفاقم وضعيتها الصعبة وفي إهدار الماء. وتعتبر هذه المشكلات سلوكية أساسًا، وهي تهمّ إطارات الشركة وأعوانها؛ إذ تعكس غياب الحوكمة وحسن التصرف في الموارد. ولهذا، نجد أن التطرق إلى هذا العنصر مهمّ جدًا؛ لأنه يسهم في نهاية المطاف في التأثير في أداء الشركة والمحافظة على المياه. ويعتمد تحليلنا لأوجه سوء الحوكمة على أمثلة ووقائع تدعم ما ذهبنا إليه في الفقرات السابقة من تبيانٍ لأوجه مسؤولية الشركة عن تفاقم أزمة المياه في البلاد التونسية. لهذا لم تكن المؤشرات حول الحوكمة من بين الأدوات المستخدمة في تحليل هذا العنصر، لأنها مسألة تتجاوز اختصاصنا. ولكنّ إبراز العلاقة بين المظاهر السلوكية السلبية للإطارات والأعوان (اللامبالاة والفساد) من جهة، والوضعية المتأزمة للشركة من جهة أخرى، يفرّسر ان تفاعلها مع أزمة المياه وما يشوبه من إشكالات. مثّلت التسرّبات أحد مواضيع التبليغات عن مشكلات المياه لدى المرصد التونسي للمياه. ويبرز الشكل) 4(أنّ هذه التبليغات شهدت ارتفاعًا من 143 بلاغًا إلى 204 بلاغات في المدة 2021-2019. ولئن كانت بعض التسربات تحدث في باطن الأرض نتيجة اهتراء القنوات، فإنّ العديد منها يحدث فوق سطحها وتبدو ظاهرة للعيان وتتواتر في المناطق الحضرية. وتبقى هذه التسربات أيامًا، بل حتى أسابيع، من دون تدخّل عاجل لإصلاحها، رغم إبلاغ المواطنين عنها عدّة مرات، على نحو يؤدي إلى إهدار كميات كبيرة من المياه. إنّ تفّشي ثقافة اللامبالاة لدى أعوان الصوناد والمقاولين الذين تعهد إليهم صيانة الشبكة، يفرّسر أهمية نسبة المياه المهدورة نتيجة التسربات التي قدّرت ب 32.5 في المئة سنة 2021. وتتجلى هذه اللامبالاة أيضًا في مختلفمستويات تعامل الأعوان مع الشكاوى اليومية للحرفاء (فواتير مشطّة، إشكال في العدّاد، ضعف التدفّق،

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. الباي.
  4. Ministère de l'agriculture, p. 21.

انقطاع الماء الناتج من أشغال التهيئة، وغيرها). ويعّبر الحرفاء دائمًا عن عدم رضاهم عن طريقة تعامل أعوان الاستقبال في مقارّ الشركة من خلال عدم التفاعل مع مشاغلهم وعدم الحرص على إيجاد الحلول والممطلة في توفير الخدمة. لهذا وجبت الإشارة إلى أنّ إهدار الماء هو في جزء منه مرتبط بعامل هيكلي يتمثّل في تقادم الشبكة، لكنّ لامبالاة أعوانها وسلوكياتهم تساهم بقسط كبير في هذه الوضعية نتيجة عدم التدخل الفوري لإصلاح التسربات المتواترة للمحافظة على الماء. يبرز التعامل السلبي مع مسألة التسربات لامبالاة القائمين على صيانة الشبكة العمومية وتقصيرهم، ويُعتبر من مظاهر سوء الحوكمة؛ لأنه يساهم في تفاقم وضعية العجز المالي للشركة وأزمة التزود بالمياه نتيجة ضياع كميات كبيرة، في حين أن الوضعية المائية الحرجة تتطلب حسن التصرف في الموارد والمعالجة الجدية لأسباب إهدار الماء. ومن مظاهر سوء الحوكمة الأخرى استفحال ظاهرة الفساد، وهي أهم المعضلات التي فاقمت تردّي وضعية الصوناد، وحالت دون تطوير أدائها. سنتبين بعض أوجه هذه الظاهرة من خلال مجموعة من التجاوزات التي يقوم بها إطارات الشركة وأعوانها، والتي تبرز غياب الحوكمة الحكومية أو عدم فاعليتها. وفي هذا الإطار نذكر الكشف عن شبكة فساد في مقرّ الشركة في جهة المنار بتونس العاصمة؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر 2021، قامت بمجموعة من التجاوزات تمثّلت في ربط عقارات بالشبكة العمومية للمياه استنادًا إلى رخص بناء مزوّرة، إضافةً إلى الموافقة على اشتراكات عديدة مخالفة للقانون، وتركيز عدّادات غير مطابقة للمواصفات الفنّية. إن كانت مظاهر الفساد هذه تتعلّق بممرسات فردية، فإن تعامل الصوناد مع ملف إنشاء محطة تحلية مياه البحر في مدينة صفاقس جعل منظمة "أنا يقظ" تتهمها بإهدار المال العام وسوء التصرف، في تموز/ يوليو 2022. وقد أفادت المنظمة من خلال تحقيقاتها أنّ الصوناد لم تأخذ برأي اللجنة العليا لمراقبة وتدقيق الصفقات العمومية، التي رفضت إسناد صفقة إنشاء محطة التحلية للشركة الوحيدة المشاركة في طلب العروض؛ نظرًا إلى محدودية المنافسة وطول إجراءاتها وإقصاء المؤسسات الوطنية منها. ولعل العامل الأهم الذي يضع الصوناد في دائرة الاتهام هو الفارق الضخم المقَّدَر ب 40.7 في المئة بين العرض المالي المقدّم من الشركة التي فازت بالصفقة (260 مليون دينار) وتقديرات الصوناد. وتفيد "أنا يقظ" أن الصوناد قد عمدت إلى الممطلة في إنجاز هذا المشروع (كان من المفترض أن تنتهي أشغاله سنة 2022 لكنها لم تنطلق إّلا في نيسان/ أبريل 2022)، حتى هيّأت الظروف لذلك من خلال تواتر انقطاع الماء وتأجيج الغضب الشعبي. وساهم هذا الوضع في خلق حالة ضغط أفضت إلى تسريع التعاقد الفوري وتجاهل رأي اللجنة الرقابية.

  1. 0 9  بالاعتماد على عدّة زيارات لأفرع الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في مدينة صفاقس، تمكنّ الباحث من الوقوف على هذه الإشكالات، من خلال محادثات مع الحرفاء ورصد طرق تعامل الأعوان مع مشاغلهم.
  2. الكشف عن شبكة فساد بالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بالمنار"، آخر أخبار أونلاين، 2021/12/13، شوهد في 2024/1/19، ف:ي https://acr.ps/1L9zOW0
  3. أنا يقظ هي منظمة رقابية تونسية غير ربحية مستقلّة تأسست في 21 [آذار/] مارس 2011 وتهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وتدعيم الشفافية". ينظر: موقع منظمة أنا يقظ، "من نحن"، شوهد في 2024/10/10، في: https://acr.ps/1L9zOX3
  4. بمناسبة العيد ميلاد 54 للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه: الفصل الثامن والأربعون من دستور الرئيس: على الدولة توفير الماء الصالح للشراب للجميع على قدم المساواة... من خلال الصفقات المشبوهة"، تحقيقات أنا يقظ، 2022/7/5، شوهد في 2024/1/21 ف:ي https://acr.ps/1L9zOC8

تدلّ هذه الأمثلة على هيكلية سوء التصرف والحوكمة في هذه المؤسسة العمومية، ما يحدّ من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حرفائها ويضعها على حافة الإفلاس، خاصة في ظلّ محدودية قدرة الدولة على ضخّ الأموال اللازمة لإنقاذها. ويثبت ذلك أن وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري كلّفتها بتجديد بنيتها التحتية وإصلاحها، اعتمدًا على مواردها الذاتية. إن غياب الحوكمة الحكومية، ومحدودية تأثير الحوكمة المدنية (المتمثلة في منظمت المجتمع المدني)، يفسران استمرار تفاقم الوضعية الصعبة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، وعدم القدرة على إصلاحها في المدى القريب. لهذا، تبدو الحوكمة بجميع فاعليها ملحّة للتعامل مع التحديات الراهنة والمستجدّة، التي تتطلب تفعيل مفهوم الاستدامة في مجال التصرف في الموارد المائية، استغلالًا وتوزيعًا واستهلاكًا.

خاتمة

تشهد البلاد التونسية وضعية مائية صعبة زادها الجفاف تعقيدًا. فنقص الأمطار وتدني مخزون السدود واستنزاف الموائد الجوفية مثلت مؤشرات دالّة على أزمة مياه حادة، عّبر عنها استفحال وضعية الفقر المائي، على نحو أثّر في حياة السكان، وفي الأمن الغذائي. وقد تداخلت تداعيات هذه الأزمة مع واقع اقتصادي مترٍّدٍ زاد الأوضاع الاجتمعية هشاشة. اعتمدت الدولة في إدارة هذه الأزمة على جملة من الإجراءات التي سعت لإعطاء الأولوية لمياه الشرب وترشيد الاستهلاك، ولكنّ تبعاتها كانت كارثية على احتياجات السكان اليومية من الماء، خاصة في المناطق الداخلية من البلاد. ومن هذه التبعات انقطاعات المياه فترات طويلة، وقد كانت سببًا في اندلاع تحركات احتجاجية اختلفت أشكالها وذكّرت بمطالب اقتصادية واجتمعية معلّقة تباينت بحسب الجهات. لهذا برزت المسؤولية المباشرة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه عن هذه الأوضاع، وهو ما حتّم البحث في وضع بنيتها التحتية المترهلة والعجز المالي الذي يحدّ من إمكانيات صيانة الشبكة والمعدات وتجديدها؛ ومن ثم، قدرتها على توفير الماء لحرفائها. ويمكن ربط هذه الوضعية الصعبة أيضًا باستفحال مظاهر سوء الحوكمة صلبها ومخالفة الشركة للتراتيب القانونية المنظّمة لعملها؛ ما يجعل منظمت مستقلّة تعتبرها محل شبهة واتهامات بسوء التصرف وإهدار المال العام. ولئن أبرزت هذه الدراسة مسؤولية الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه عن أزمة المياه من خلال وضعية بنيتها التحتية وسوء حوكمتها للموارد المائية الموزعة، فضلًا عن التدابير التي اتخذتها لإدارتها، فإنّ المقام لم يتّسع لتبيان دور سلوك الأفراد في إهدار الماء. ورغم تعذّر البحث في هذا الجانب نظرًا إلى خيارات البحث وغياب المعطيات، فإنّ الممرسات الفردية تبقى عاملًا مهًّما في تفسير التصرف غير المحكم في المياه منذ عقود. وتُطرح مسألة التصرف المستدام في المياه على مستوى الأفراد بقوة باعتبارها شرطًا لحوكمة الموارد المائية، ولكنها تبقى مرهونة بوعي الأفراد وانخراطهم الطوعي في هذا التوجه. إنّ تعدد الرهانات، خاصة في موضوع الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية واستفحال الحفر العشوائي للآبار في مختلف جهات البلاد، يضع مسألة التزام الأفراد بالاستخدام المستدام للموارد المائية ومقتضياته محور تساؤل. ثمّة حاجة ملحّة إلى إرساء حوكمة فاعلة في جميع مستويات التصرف في الموارد المائية، من مرحلة التعبئة إلى مرحلة التوزيع والاستهلاك. وإنّ تفعيل الحوكمة، من جانب المؤسسات الرسمية، بما تعنيه من آليات رقابة فاعلة تلزم الأفراد والهياكل باحترام التراتيب المنظمة لعملها وتقاوم كل مظاهر الفساد، ستكون آثاره إيجابية

في تسيير المؤسسة العمومية والرقيّ بأدائها أثناء الأزمات. وتشمل هذه الحوكمة أيضًا نشاط جمعيات ومنظمت المجتمع المدني الذي يضطلع بدورٍ رقابي في إطار الحوكمة. ويعدّ التحقيق الذي أنجزته منظمة أنا يقظ بخصوص ملف إنجاز محطة تحلية مياه البحر في مدينة صفاقس، ووضع الصوناد في دائرة الاتهام، من بين الأمثلة الدالّة على أهمية الحوكمة المدنية التي تعاضد مجهودات الحوكمة الحكومية في ترسيخ التصرف المحكم والمستدام في الموارد. وأخيرًا، تتزايد المخاوف من استفحال الفقر المائي في البلاد التونسية، خاصة في ضوء التغيرات المناخية التي بدأنا نعيش على وقعها؛ إذ تنذر السيناريوهات المستقبلية بتفاقم الاحترار، وما يعنيه ذلك من احتمل انخفاض التساقطات بنسب متفاوتة بحسب الجهات. إنّ ما تشهده الموائد الجوفية من استنزاف حالي يصعّد هذه المخاوف، باستثناء حلّ تحلية مياه البحر، ويجعل خيارات إدارة مخاطر الشحّ المائي، من دون معالجة جدّية لأسباب إهدار الماء، محدودة في البلاد التونسية مستقبل.ا

المراجع

العربية

الأمم المتحدة. تقرير أهداف التنمية المستدامة 021 2. نيويورك: إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتمعية، داود، عبد الكريم. "خمسون سنة من سياسات إدارة الموارد المائية في البلاد التونسية: من إدارة العرض إلى الإنصاف الترابي". حكامة. مج 2، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 2021:). في https://acr.ps/1L9zOHJ

________. "النزاع العراقي-السوري- التركي على مياه دجلة والفرات: قراءة جيوبوليتيكية". سياسات عربية. مج 11، العدد 62 (أيار/ مايو 2023:). في https://acr.ps/1L9zP99

الدويكات، قاسم. "مشكلة المياه في الوطن العربي". مجلة كلية الملك خالد العسكرية. العدد).1995(45 الرحيلي، حسين. التقييم المواطني للمء في تونس. تونس: المرصد التونسي للمياه،.2022

شايبي، ثامر وعبد القادر حمدان. ملف تونس للمياه. مياه الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، فاناك. 2020/3/4. ف:ي https://acr.ps/1L9zP2U الكافي، رواء. "الحوكمة المائية في تونس: السبيل إلى الاستدامة". ورقات سياسية. مركز الدراسات المتوسطية والدولية (فيفري ([شباط/ فبراير].)2023

محمد الحسن، عبد الرحمن. الجغرافيا الطبية. السودان: جامعة بخت الرضا،.2013

مخيمر، سامر وخالد حجازي. "أزمة المياه في المنطقة العربية: الحقائق والبدائل الممكنة". عالم المعرفة. العدد 209 (أيار/ مايو.)1996

المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومعهد التخطيط القومي بالقاهرة. تقرير التنمية العربية تغير المناخ والتنمية المستدامة في الدول العربية. الكويت.2023:

المعهد الوطني للإحصاء. نتائج التجارة الخارجية جوان 023 2. تونس.2021:

________. نتائج التجارة الخارجية أكتوبر 023 2. تونس.2021:

________. "مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي، سنة الأساس 2015: جوان 2023 ". إحصائيات تونس. نشريات. ف:ي https://acr.ps/1L9zP95 المناور، فيصل حمد. "المخاطر الاجتمعية". جسر التنمية. العدد 124 (أيار/ مايو.)2012

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتمعية. التقرير السنوي لقسم العدالة البيئية والمناخية: حقوق بيئية، تغيرات مناخية، عدالة بيئية واجتمعية. تونس.2024:

وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري. "مقرر من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري يتعلق بإقرار نظام حصص ظرفي وتحجير وقتي لبعض استعملات المياه." 2023/3/29:. في https://acr.ps/1L9zOKQ هنية، لطيفة [وآخرون]. المناخ والمنظومة المناخية. تونس: مركز النشر الجامعي،.2021 وزارة التجهيز والتهيئة الترابية والتنمية المستدامة. التقرير الوطني حول وضعية البيئة لسنتي 013-2012 2. تونس:.2014

وزارة الشؤون المحلية والبيئة. التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة. تونس.2017:

الأجنبية

Ben Boubaker, Habib. "L'eau en Tunisie: Faut-il s'attendre au pire." Policy Paper. Center for Mediterranean and International Studies. 2016.

Cahiers Géographiques de l'Ouest. no. 14-15 (2020). at: https://acr.ps/1L9zP8i

Concialdi, Pierre. Un budget de la dignité pour la Tunisie. International Alert: 2021.

Food and Agriculture Organization. An introduction to the basic concepts of food security. Rome: 2008.

Hénia, Latifa. Atlas de l'eau en Tunisie. Tunis: Université de Tunis, 2008.

Hénia, Latifa & Zouhaier Hlaoui (eds.). Contribution à l'étude des aléas & risques climatiques en Tunisie. Tunis: Imprimerie Officielle de la République Tunisienne,

Institut National de la Statistique. Analyse de l'impact des subventions alimentaires et des programmes d'assistance sociale sur la population pauvre et vulnérable. Tunis: 2013.

Jarraya, Mounir. "La vulnérabilité de la population aux parasitoses intestinales à Sfax: Quelle implication de l'eau?" Revue Cahiers Géographiques de l'Ouest. no. 14-15 (2020). at: https://acr.ps/1L9zP8i

Mahjoub, Azzam & Mohamed Mondher Belghith. La sécurité et la souveraineté alimentaires et le droit à l'alimentation en Tunisie. Tunis: 2022.

Ministère de l'Agriculture. des Ressources hydrauliques et de la Pêche. Rapport national du secteur de l'eau. Tunis: 2021.

Observatoire Nationale de l'Agriculture. La balance commerciale alimentaire à fin Décembre 2021. Tunis: 2021.

Sghari, Abdeljalil & Salem Chriha. "Rivalité sur l'eau souterraine dans le bassin minier de Gafsa (Sud tunisien): Témoignage d'une gestion incohérente." Revue GéoDév.ma. vol. 4 (2016). at: https://acr.ps/1L9zOkn