Return to Article Details Hamas Government's Management of the Security System in the Gaza Strip Following the Palestinian Political Division

إدارة حكومة حماس للنظام الأمني في قطاع غزة إثر الانقسام الفلسطيني

Hamas Government's Management of the Security System in the Gaza Strip Following the Palestinian Political Division

محمد أحمد صيام

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في كيفية تمكّن حكومة حماس من ضبط الأوضاع الأمنية في قطاع غزة بعد أحداث الانقسام عام 2007، على الرغم من حداثة تجربتها في الحكم، وحجم التحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. وتعرض أبعاد الانفلات الأمني الذي عرفه القطاع قبل الانقسام، ثم تعالج استراتيجية حكومة حماس في التعامل معه من حيث إعادة بناء الأجهزة الأمنية، والتصدي لعسكرة العائلات، ومواجهة التنظيمات المتطرفة. وتخلص إلى أن الحكومة نجحت في التعامل مع المشكلة الأمنية، مشيرةً إلى عوامل عديدة ساهمت في هذا، منها جاهزيتها من الناحية البشرية والمؤسسية، وتحرّكها السريع والحاسم، وإصرارها على تحمّل كامل مسؤولياتها عن الحكم بعد نجاحها في الانتخابات التشريعية عام 2006 وعلى صعيد العمل الأمني للحكومة، فقد عاب العديد من الممارسات الأمنية أمورٌ تتصل بإشكالية عدم الفصل بين الحركة والحكومة، مثل استدعاء أفراد من الجهاز العسكري لدعم القوات الأمنية، ودمج العمل الرسمي الأمني مع الأنشطة غير الرسمية.

Abstract

ملخص: تبحث هذه الدراسة في كيفية تمكّن حكومة حمس من ضبط الأوضاع الأمنية في قطاع غزة بعد أحداث الانقسام عام 2007، على الرغم من حداثة تجربتها في الحكم، وحجم التحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. وتعرض أبعاد الانفلات الأمني الذي عرفه القطاع قبل الانقسام، ثم تعالج استراتيجية حكومة حمس في التعامل معه من حيث إعادة بناء الأجهزة الأمنية، والتصدي لعسكرة العائلات، ومواجهة التنظيمت المتطرفة. وتخلص إلى أن الحكومة نجحت في التعامل مع المشكلة الأمنية، مشيرةً إلى عوامل عديدة ساهمت في هذا، منها جاهزيتها من الناحية البشرية والمؤسسية، وتحرّكها السريع والحاسم، وإصرارها على تحمّل كامل مسؤولياتها عن الحكم بعد نجاحها في الانتخابات التشريعية عام 2006. وعلى صعيد العمل الأمني للحكومة، فقد عاب العديد من الممرسات الأمنية أمورٌ تتصل بإشكالية عدم الفصل بين الحركة والحكومة، مثل استدعاء أفراد من الجهاز العسكري لدعم القوات الأمنية، ودمج العمل الرسمي الأمني مع الأنشطة غير الرسمية. كلمت مفتاحية: قطاع غزة، حكومة حمس، انتخابات 2006 في الضفة الغربية وقطاع غزة، الانفلات الأمني، إعادة بناء الأجهزة الأمنية. Abstract: This study investigates the mechanisms through which the Hamas government established and maintained security control in the Gaza Strip after the 2007 Palestinian political split, despite its relatively recent governance experience and the significant challenges posed by the Israeli occupation. Initially, the study addresses the dimensions of the pre-split security breakdown in Gaza, followed by an analysis of the strategies employed by the government to address these issues. Key areas of focus include the restructuring of security agencies, efforts to reduce the militarization of familial groups, and countermeasures against extremist organizations. The findings indicate that the Hamas government effectively managed to stabilize the security situation due to a combination of factors: its preparedness in terms of human and institutional resources, its prompt and decisive actions, and its commitment to assuming full governance responsibilities after winning the 2006 elections. Nonetheless, the study highlights certain criticisms related to the overlap between the Hamas movement and the formal government structure. Specific concerns include the reliance on military personnel to reinforce security forces and the blending of official security operations with informal activities.

الكلمات المفتاحية:
  • غزة
  • حماس
  • حكومة حماس
  • الأجهزة الأمنية
Keywords:
  • Gaza
  • Hamas
  • Government
  • Security Apparatus Restructuring
  • Security Breakdown

مقدمة

فازت حركة المقاومة الإسلامية "حمس"1، مطلع عام 2006، في انتخابات المجلس التشريعي الثاني الذي يُعدّ برلمان السلطة الفلسطينية التي تأسست بموجب اتفاق أوسلو، المعروف رسميًا بإعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي، بحصولها على 74 مقعدًا من أصل 132، في حين حصلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"2، منافسِتها الرئيسة في الانتخابات، على 45. وقد فتحت هذه النتيجة مقعدًا3الباب لسلسلة طويلة من الأحداث والتغّيارت على مستوى القضية الفلسطينية، كان الانقسام الفلسطيني واحدًا من أكبرها وأطولها عمرًا وأشدها تعقيدًا، الذي بدأ فعليًا يوم 14 حزيران/ يونيو 2007، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين المسلحين من حركة فتح والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من جانب، والمسلحين من حركة حمس من جانب آخر، وانتهت بحسم حمس لها وسيطرتها الشاملة على قطاع غزة4. انتهت أحداث الانقسام، لكن لم تنتهِ تبعاته؛ فقد أدركت حمس في اليوم التالي أنها أصبحت، بحكم الانقسام الواقع، أمام تحديات كبيرة داخل القطاع، حيث غدت المسؤول الفعلي عن إدارة حياة ما يقارب مليوَني مواطن في منطقة تُعدّ من المناطق الأعلى كثافةً سكانيةً في العالم5. وازداد الأمر صعوبة مع حصار إسرائيلي مطبِق على القطاع، فضلًا عن أزمات الكهرباء والوقود، وتوُّقُف موظفي السلطة عن العمل استجابةً لنداء الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) لهم بالجلوس في البيوت مع ضمن استمرار رواتبهم6، وليس انتهاءً بحالة التوتر المستمرة مع الاحتلال التي ستتفجر فيم بعد على شكل حرب إسرائيلية شاملة على القطاع نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009، كانت حلقة أولى ضمن سلسلة حروب لم تتوقف7. كانت التحديات الأمنية من أكبر تلك الصعوبات وأخطرها؛ فمن ناحية، أرادت حمس تثبيت سيطرتها على مقاليد الحكم في القطاع، حتى تمارس مهمتها الحكومية بعد أن استلمت "خرائب مؤسسات السلطة الفلسطينية" كم وصفها أحد الباحثين الأجانب8، وحاجتها إلى بناء أجهزة أمنية جديدة تدير دفّة الأمن.

  1. مأمون بسيسو، "العلاقة بين النمو السكاني في قطاع غزة والتحديات للقطاعات المختلفة والحلول الممكنة"، شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية (2022)، شوهد في 2023/7/21، في: https://bit.ly/3KbT4wD
  2. Charlie Hoyle, "Abbas Dismisses Thousands of Employees in Gaza," The New Arab , 4/7/2017, accessed on 5/11/2024, at: https://bit.ly/3XdtrkY

ومن ناحية أخرى، خَّيمَت على القطاع ظاهرة الانفلات الأمني في ذلك الحين9، وكان من أبرز مظاهره سطوة العائلات المسلحة، وفوضى السلاح، وبداية انتشار الحركات المتطرفة، ومشاكل أمنية أخرى كثيرة. ولكنّ حمس، الجديدة على مقاليد الحكم، تعاملت، فيم ظهر، مع جميع هذه الأمور في آنٍ واحد، فباشرت بإدارة الحياة المدنية، وتصدّت للمشاكل الأمنية، حتى يكاد يكون هناك إجمع "بين المراقبين على أنّ غزة – بعد سيطرة حمس – استتبّ فيها الأمن بشكل ملحوظ، وأنّ هذا ما تعتبره حمس إنجازها الأهم، حيث […] استطاعت فرض النظام، وضبط السلاح، وخفض القيادات العشائرية، والأنشطة الإجرامية والعدائية"11. وبناءً على ما سبق، تهدف الدراسة إلى البحث في كيفية تمكّن حكومة حمس من ضبط الأوضاع الأمنية الداخلية في قطاع غزة، مع أنها كانت حديثة العهد بالحكم، واستكشاف استراتيجيتها في بناء جهاز أمني متمسك قادر على مواجهة التحديات الأمنية الداخلية المرتبطة على نحو رئيس بسياسات الاحتلال الإسرائيلي. وتتمثل أسئلة الدراسة فيم يلي: ما أبعاد المشكلة الأمنية ومظاهر الانفلات في قطاع غزة قبل أحداث الانقسام؟ كيف تمكّنت حمس من التعامل مع هذه المشكلة الأمنية بعد أن تولّت شؤون الحكم عقب انتخابات 2006؟ أعكَس التعامل الأمني الحكومي في تلك الفترة سياسة واضحة، أم أنه كان ارتجاليًا فرضته ظروف الواقع الطارئ؟ وما نتائج ذلك على صعيد الوضع الأمني وعمل مؤسسات الحكم؟ اعتمدت الدراسة سبر الأدبيات التي عالجت موضوع إدارة حمس وسيطرتها على قطاع غزة منذ عام 2007، إلى جانب إجراء الباحث مسحًا باستخدام الاستبانة، تشكّلت عيّنته بأسلوب العينة المتدحرجة Snowball Sampling؛ وهو أسلوب لتشكيل عينة غير احتملية، عبر تعيين مستجيبين (وحدات أولى للعيّنة) يجري12الالتقاء بهم، ويُطلَب منهم التوصية بآخرين، ولتتفرع من خلال ذلك وحدات أخرى للعينة، وهكذا، في تدرّج شبكي يغطي فواعل الظاهرة المبحوثة. تضمنت الاستبانة ثلاثة أسئلة تغطي العناصر الأساسية للإشكالية، وقد بلغ عدد المستجيبين 144 مستجيبًا، كان ربعهم من الإناث، وكان ما يقرب من ثلاثة أرباعهم ينتمي إلى الفئة العمرية 40-20 عامًا. وجرت الاستعانة في بعض المواضع بالملاحظة والتجربة الشخصية التي عاشها الباحث في تلك الفترة. والهدف من الجمع بين النوعين هو أنّ الاستبانة توفر بيانات كمية قابلة للتحليل، في حين تتيح الملاحظة الشخصية فهمًا نوعيًا وسياقيًا للمواقف. وهذا المزيج يثري التحليل ويضمن دقة المعلومات المستخلصة وتنوّعها. وتجدر الإشارة إلى أنه قد تعذر إجراء مقابلات في هذا السياق، نظرًا إلى حساسية الموضوع اجتمعيًا وسياسيًا.

  1. 0 1  عبد الغني سلامة، "غزة حصاد ستة أعوام من حكم حماس"، مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، شوهد في، في:2023/6/19 https://acr.ps/1L9zOP5
  2. عبد الستار قاسم، "العلاقات الحمساوية الداخلية بعد الانتخابات"، في: قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها 007-2006 2، محسن صالح (محرر) (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص.255
  3. حول خصائص هذا الأسلوب، ينظر: "Snowball Sampling," APA Dictionary of Psychology , accessed on 5/11/2024, at: https://acr.ps/1L9zOpQ

تنتظم الدراسة عبر هيكلية مترابطة ومتسلسلة، تبدأ بهذه المقدمة التي تستعرض السياق التاريخي والسياسي للأحداث، وتسلط الضوء على الانقسام الفلسطيني، وتبّين الإشكالية البحثية والأسئلة المطروحة، إضافة إلى ثلاثة مباحث، يبدأ أولها بتحليل ظاهرة الانفلات الأمني، ثم يناقش ثانيها تداعيات الانقسام، ويحلل ثالثها أهم تحدياته التي تعاملت معها حمس ضمن استراتيجيتها للمعالجة؛ وهي ثلاث استراتيجيات: إعادة بناء الأجهزة الأمنية، والتصدي لعسكرة العائلات، ومواجهة التنظيمت المتطرفة، ثم خاتمة تقدّم تحليلًا معتمدًا على البيانات المستخلصة وأبرز نتائجها.

أولًا: المشكلة الأمنية يف قطاع غزة قبل أحداث الانقسام

في إطار تعدد تعريفات مفهوم "الأمن"13، فإن محاولة تعريفه في قطاع غزة يجب أن تأخذ في الحسبان البنية المعقدة للنظام الاجتمعي والسياسي، وكذلك الهيمنة العسكرية التي مارستها الجهات المسلحة داخله في اتجاه نشر الفوضى والانفلات. فالأمن من ناحية الدراسات الأمنية النقدية لا يمكن حصره في القدرة على بسط السيطرة العسكرية، بل يجب التركيز على كيفية توزيع السلطة والسيطرة ضمن العلاقات الاجتمعية والسياسية والاقتصادية. وفي تلك الفترة من تاريخ قطاع غزة، تحوّل مفهوم الأمن إلى أداة للسيطرة، فأُعيدَ إنتاج السلطة عبر الجمعات المسلحة وعناصر الأجهزة الأمنية التي لا تلتزم بالقانون، ولها مكانة خاصة عند أصحاب القرار، بحكم أنها اليد التي يبطشون ويسيطرون بها. وولّدت هذه الممرسات هذا المعنى الجديد للأمن داخل القطاع، الذي قاد إلى ظاهرة الانفلات الأمني، التي شملت بالأذى، والقتل أحيانًا، طائفةً كبيرةً من أبناء القطاع، وحوّلته إلى ما يشبه ميدان معركة بين جمعات مسلحة تتنافس في إبراز أكبر قدر من القوة والرعب. هذا الواقع الأمني لم يستطع أحدٌ إنكاره، فالأكاديمي والوزير السابق في السلطة وأحد أبرز الكتّاب المعارضين لحمس، إبراهيم أبراش، أكّد هذه الحقيقة بقوله: "فمنذ خروج إسرائيل من داخل القطاع في خريف 2005 والأوضاع الأمنية تسير في منحى مختلف عم هو في الضفة، حيث تحوّل قطاع غزة لثكنة عسكرية تعجّ بالسلاح والمسلحين من كل الأطياف مع حالة من الفوضى الأمنية"14. جاءت حمس، بوصفها حركة تحرر وطني، ضمن هذه المعطيات بوجهة نظر مخالفة لمفهوم الأمن السائد في القطاع في ذلك الحين، وهذا واضح من خلال ممرساتها فيم بعد، إذ يمكن تفسير سلوكها بحسب النظرية الأمنية الواقعية - مع أن الواقعية في نظرية العلاقات الدولية في المقام الأول تركّز على أمن السلطة الحاكمة وأجهزتها وديناميات القوة في نظام عالمي فوضوي15 - أنّ حمس أخذت بالبعد الآخر للأمن، المأخوذ من النظرية النقدية، والذي يركز على أن الأمن مرتبط بالفرد، أي بالأمن الإنساني، والرفاهية المجتمعية، وما له

  1. سيد أحمد قوجيلي، الدراسات الأمنية النقدية مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن (الجزائر: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2014)، ص.16–15
  2. إبراهيم أبراش، "تدهور الوضع الأمني في غزة وصفقة القرن"، ميدل إيست أونلاين، 2018/3/16، شوهد في 2023/7/30، في: https://bit.ly/3DC6NcC

من تأثير ملموس في حياة الناس اليومية16، وهكذا حققت نجاحات لم تتمكن السلطة بقيادة حركة فتح من تحقيقها17، وتمثّل العشائر مث لًا كم سيأتي تفصيله. ساهمت عدة عوامل في انتشار الانفلات الأمني داخل القطاع في ذلك الحين، كان من أبرزها الغياب شبه الكامل للقانون، وانتقال الحق في استخدام القوة وتنفيذ القانون من الأجهزة الأمنية باعتبارها مؤسسات، إلى أفراد من المواطنين، أو مجموعات عائلية أو متنفذة تقوم بنفسها بتطبيق القانون الذي تراه مناسبًا لمصالحها، ويحقق لها الغلبة. وفي اعتقادنا أن السبب الأهم في ولادة الانفلات الأمني هو الضياع التدريجي لهيبة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وعودة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فأصبحت الكفّة نتيجة لذلك راجحة لصالح الأجنحة العسكرية المقاوِمة، ما أدّى بقيادات السلطة وأجهزتها الأمنية إلى البحث عن سبل البقاء والمحافظة على المواقع والمصالح بحدّ أدنىى من الأضرار، آملين أن تنتهي الانتفاضة الجديدة سريعًا، وتعود الأمور إلى سابق عهدها. لكنّ ذلك لم يحدث، فمع استمرار الانتفاضة، اشتدّت الصراعات الداخلية بين الأجهزة الأمنية، وعلى وجه الخصوص بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، ووقعت أحيانًا اشتباكات مسلحة بين أفرادها18. وتفسيرنا هذا أقرب إلى الواقع من تفسير الباحث أشرف العجرمي21، الذي طرح تفسيرًا معاكسًا تمامًا، حيث ذكر "أنّ كل شيء بدأ بمقاومة الاحتلال في إطار أجهزة السلطة الوطنية التي تألفت منها مجموعات مقاتلة، ثم مجموعات خاصة تشكّلت خارجها، كانت تنتمي على الأغلب إلى حركة فتح. وبعد ذلك دخلت الحركات الإسلامية على الخط بعدما تأكد لها أن الانتفاضة لن تنتهي بسرعة"22. والدليل على هشاشة هذا التفسير ومخالفته لحقيقة ما حصل أنّ تلك الصراعات بين رموز السلطة وأجهزتها الأمنية امتدّت لتتحوّل إلى حرب اتهامات متبادَلة فيم بينها، وامتدت عبر ما يقارب عقدًا من الزمن، ثم ظهرت إلى العلن لاحقًا، ولم يعُد في الإمكان إخفاؤها أو إنكارها، وكان من أبرز تجلياتها الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 10 آذار/ مارس 2014 "أمام 120 عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح. وقد اختار عباس تخصيص نحو نصف خطابه الذي استمرّ ساعَتيَن، لتوجيه سلسلة اتهامات إلى محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية في قطاع غزة. فقد اتّهم دحلان، الذي طُرد من حركة فتح في العام 2011 ولم يعُد يتوّلى أيّ منصب رسمي في السلطة الفلسطينية، بالفساد والضلوع في الاغتيالات والعملة لإسرائيل. حتى إن رئيس السلطة الفلسطينية لمّح إلى أنه ربما كان لدحلان دور في وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات"23.

  1. 0 2  محمود جرابعة وليهي بن شطريت، "حركة فتح تحت وطأة الصراع بين عباس ودحلان"، صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2014/4/22، شوهد في 2023/7/31، في: https://bit.ly/3rRTK47 المصدر: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، شوهد في 2023/7/31، في: https://bit.ly/3z5TjqQ
  2. Aryanta Nugraha & Ludiro Madu, "Human Security: Contending Perspective of Liberalism, Critical Theory and Postcolonial Theory," Global & Strategis , vol. 7, no. 1 (January 2013), pp. 79-80, accessed on 31/7/2023, at: https://bit.ly/4cS25Xe
  3. Abdalhadi Alijla, "The (Semi) State's Fragility: Hamas, Clannism, and Legitimacy," Social Sciences , vol. 10, no. 11 (November 2021), p. 3.
  4. المركز يدين المواجهات المسلحة في غزة بين عناصر من جهازي الأمن الوقائي والاستخبارات العسكرية ويحذر مجددًا من حالة انفلات الأمن الداخلي"، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2004/10/21، شوهد في 2023/7/31، في: https://acr.ps/1L9zP9q
  5. كاتب فلسطيني محسوب على حركة فتح، ومعروف بعدائه للتيار الإسلامي، غادر غزة إلى رام الله بعد أحداث الانقسام، وكان وزيرًا في حكومة سلام فياض الأولى التي جاءت في تموز/ يوليو 2007؛ أي بعد شهر واحد من أحداث الانقسام.
  6. أشرف العجرمي، "الفلتان الأمني في غزة: حرب جديدة على الثقافة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 18، العدد 2 (2007)، ص 2، شوهد في 2023/8/3، في: https://bit.ly/45vBlZx

الخريطة (1) مدن قطاع غزة ومخيمت اللاجئين والمستوطنات فيه قبل الانسحاب عام 2005

وقد دفعت جميع هذه العوامل في اتجاه الانفلات الأمني، فظهرت كيانات مسلحة شكّلت مصدر تهديد لحياة الناس داخل القطاع، أبرزها عُرف باسم "فرقة الموت"24، التي أسسها دحلان، وتكوّنت من أفراد كانوا يتبعون لجهاز الأمن الوقائي، وقامت بالعديد من عمليات القتل والبطش قبل أن تُحلّ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004.25ولم تكن هذه الفرقة وحدها العامل المؤثر في حالة الانفلات الأمني، بل أصبح القطاع كأنه مُقَسَّم إلى ثكنات عسكرية موزّعة على مقارّ الأجهزة الأمنية (الخريطة 2). فعلى سبيل المثال، اشتهر مبنى "السفينة"26، الذي كان

  1. أمر "فرقة الموت" لا يخفى على متابع للشأن الفلسطيني في تلك الفترة، إذ كان أعضاؤها يصولون ويجولون في شوارع القطاع قتلًا وتهديدًا لحياة الناس. للمزيد، ينظر: "الإعلان عن حل فرقة الموت غير كافٍ"، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2004/11/28، شوهد في 2023/7/31، في: https://bit.ly/3qgwfkz؛ "الأمن الوقائي يحل فرقة الموت والبرغوثي يساند عباس"، الجزيرة نت، 2004/11/28، شوهد في 2024/11/5، ف:ي https://acr.ps/1L9zOO4
  2. فرقة الموت التابعة لجهاز الأمن الوقائي في غزة"، موقع معرفة، شوهد في 2023/7/31، في: https://bit.ly/3OyzywS
  3. يُذكر أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية هي التي قامت ببنائه، وكان مقرًا دائمًا لضباطها الذين يعقدون الدورات والاجتماعات فيه. اقتحم عناصر حماس المبنى خلال أحداث الانقسام، وأخرجت منه كمية كبيرة من الأسلحة والمستندات السرية. للمزيد ينظر: خالد كريزم، "سفينة غزة التي تأبى الغرق"، مدونات الجزيرة، 2020/1/18، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/3Ofqg7B المصدر: خريطة مدينة غزة من موقع بلدية غزة، ومواقع الأجهزة الأمنية حددها الباحث، شوهد في 2023/8/1، ف:ي https://bit.ly/3AU5qaY

مقرًا لجهاز المخابرات العامة بقيادة أمين الهندي، بأنه مقر للتعذيب، وُينمع الاقتراب منه على شاطئ بحر غزة، وكذلك مقر جهاز الأمن الوقائي في منطقة تل الهوا غرب غزة، الذي كان المرور بجانبه أشبه بالمرور من حاجز عسكري يعجّ بالمسلحين المستنفَرين، فضلًا عن جهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان يقوده موسى عرفات، ويقع مقره في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، ويخيّم شبح الخوف منه على محيط المنطقة بكاملها. عُرفت الأجهزة الأمنية الثلاثة السابقة وقادتها بالبأس الشديد على المستوى الشخصي، واستخدام التعذيب داخل أروقتها على المستوى الميداني، ما أدى إلى حالات وفاة عديدة موثّقة27. وقد رسمت طريقة اغتيال موسى عرفات، في أيلول/ سبتمبر 2005، مشهدًا جلًّيًا من مشاهد الانتقام أول، ا والانفلات الأمني ثانيًا، حيث اقتحم عدد كبير من المسلحين بيته، وقاموا بإعدامه واختطاف نجله28، مع ضرورة التذكير أن هذا كله كان قائمًا قبل دخول حمس المعترك السياسي، وقبل وقوع الانقسام عام.2007

الخريطة (2) توزّع مقار الأجهزة الأمنية في مدينة غزة

  1. إياد السراج، "حقوق الإنسان في ظل السلطة الفلسطينية"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 8، العدد 30 (1997)، شوهد في 2023/8/1، ف:ي https://bit.ly/3q3iK84
  2. رولاند فريدريك وأرنولد ليتهولد، "المدخل إلى إصلاح القطاع الأمني في فلسطين"، مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة (2007)، ص 79، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/47gJdQf

وقد ولّدت مظاهر الانفلات الأمني خلال تلك الفترة ضغوطًا على المجتمع الفلسطيني؛ ففي خلال عام 2006 وحده، أحصت الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان 345 حالة قتل ناجمة عن الانفلات الأمني وغياب القانون، منها 251 حالة في قطاع غزة، و 130 حالة في الضفة الغربية31، واعتبرت أنّ عام 2007 هو الأسوأ، حيث بلغ عدد حالات القتل نتيجة الانفلات الأمني وغياب القانون وفوضى السلاح 585 حالة، منها 503 حالات في قطاع غزة وحده، و 82 حالة في الضفة الغربية32. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار ارتفاع أعداد القتلى في القطاع دون الضفة، إذا أردنا البحث له عن دلالة، مؤشرًا على أنّ السلطة الفلسطينية في الضفة كانت لا تزال تتمتع بالقوة، ولم يكن أمامها قوة مكافئة لها أو أقوى منها كم هو الحال في القطاع، إذ إن السلطة هناك مازالت مُحكمةً قبضتها على نشاطات حركة حمس وأفرادها، ويساعدها في ذلك الاستهداف المستمر بالاغتيال والاعتقال اللذَين تقوم بهم قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ إعادة احتلال الضفة، بُعيد انطلاق انتفاضة الأقصى مطلع عام.2000 لقد مثّل القتل يومًّيًا المشكلة الأكبر في حالة الانفلات الأمني، وراح ضحيته العديد من الأبرياء المسالمين والقيادات والكوادر الاجتمعية والدينية والسياسية والتّجار وأصحاب الرأي وأئمة المساجد والقضاة، وأفراد عاملون وقيادات في الأجهزة الأمنية من جميع الحركات والفصائل والتوجهات السياسية33. وكانت هناك ظواهر أخرى لهذا الانفلات، مثل اختطاف أجانب، وتفجير مبانٍ تابعة للمنظمت الدولية والأمم المتحدة34، ما دفع بعض وكالات الأمم المتحدة داخل القطاع إلى تغيير أماكن عملها، مثل نقل مقر عمل بعض الطواقم التي تعمل مع بيتر هانسن، المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنىى "الأونروا" إلى القدس35. وقد أظهرت نتائج الاستبانة أن ثلاثة أرباع المستجيبين نحَوا إلى تقييم سلبي للأمن قبل أحداث الانقسام (48 في المئة قيّموه أنه سيئ جدًا، إضافة إلى 27.4 في المئة وصفوه بالسيئ)، وذلك كم يظهر في الشكل.)1(عمومًا، تفاقمت حالة الانفلات الأمني وتحوّلت إلى معضلة أحالت مدن القطاع إلى مجال للاضطراب الأمني الواسع؛ فبحسب تقرير للمركز الوطني لحقوق الإنسان، انقلب الانفلات الأمني إلى "إطار واسع من الاعتداءات على سيادة القانون وأخذ القانون باليد وتغليب شريعة الغاب على حكم القانون، وتطال حياة الأفراد وأمنهم وممتلكاتهم كم تطال مؤسسات عامة وخاصة، وتمتد هذه الظاهرة لتشمل أيضًا حوادث قتل أخرى تتصل بسوء استخدام السلاح من قبل فصائل المقاومة"36. وانحرفت بوصلة السلاح

  1. 0 3  "آخر الأحداث الإنسانية تموز 2004"، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (2004)، شوهد في 2023/7/31، في: https://bit.ly/44KTanh
  2. 31 التقرير السنوي للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للعام 005 2 (رام الله: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2006)، ص 64، شوهد في 2023/8/2، في: https://bit.ly/3QjMR5B سيئ سيئ جدًا جيد جيد جدًا ممتاز والنشر، 2021)، ص.57 المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى تحليل نتائج الاستبانة.
  3. 26 وضع حقوق المواطن الفلسطيني خلال عام 006:2 التقرير السنوي الثاني عشر، 1 كانون ثاني -200631 كانون أول 006 2 (رام الله: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، 2006)، ص 286-252، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/458JFy1
  4. 27 وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الفلسطينية: التقرير السنوي الثالث عشر، 1 كانون ثاني -200731 كانون أول 007 2 (رام الله: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، 2007)، ص 302-261، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/3rMSpeF
  5. تعمّد الباحث عدم ذكر أيّ أسماء محددة لشخصيات ضحايا أحداث الانفلات الأمني وعمليات القتل التي حصلت في ذلك الحين، لأن الأسماء كثيرة وليس هناك قدرة على تحقيق العدل في ذكر بعضها وإهمال الآخر، والسبب الثاني هو الحفاظ على الموضوعية في كتابة البحث، بحيث لا تُذكر أسماء تابعة لتنظيمات معيّنة، وربما تُغفل أسماء تابعة لتنظيمات مختلفة، فيُتوَّهَم عند ذلك عدم الحياد.
  6. في أحدث تجليات حالة الفلتان الأمني في قطاع غزة مسلحون يفجرون مبنى للأمم المتحدة في مدينة غزة، وآخرون يختطفون مواطنًا إيطاليًا في خان يونس"، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (2006)، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/3Ykypwb

ممثلة في النهاية.

قبل 2007

ثانيًا: الانقسام الفلسطيني وتداعياته

من الفلسطيني إلى صدر الآخر الفلسطيني، وهو ما يخدم مصلحة الاحتلال ويمثّل هدفًا لم يتوانَ عن تعزيزه، لأنه بذلك يضمن ذهاب مفاهيم التحرير والمقاومة واللاجئين والأسرى في مهبّ ريح المتقاتلين على الحكم والسلطة. هذا وصف مجرد لحقيقة ما حصل، وهو يتطابق مع مواقف بعض الباحثين الذين يعتبرون أنّ ترتيبات الحكم الذاتي في الضفة والقطاع الناتجة من اتفاق أوسلو كانت عملية فوضوية منذ بدايتها، "ونفذت عملية إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية [...] بطريقة غير منظمة من خلال القرارات التي اتخذها عرفات دون استشارة الاختصاصيين"37، وما أنتجَت هذه الفوضى في البداية إلا فوضى

الشكل (1) كيف تقيّم الوضع الأمني داخل قطاع غزة قبل أحداث الانقسام عام 0072؟

أعلن فوز حمس في الانتخابات التشريعية عام 2006 عن انطلاق عملية انتقال سياسي جديدة، وهي في العادة عملية يشوبها الكثير من التوتر، وتكون بيئة خصبة لتوُّلُد الاضطرابات، وهذا وارد في جميع الدول، لا فرق فيها بين المتفوقة ديمقراطيًا أو المتخلفة والمبتدئة، لكنها تختلف من سياق إلى آخر، فقد وقع مثل هذا في الولايات المتحدة الأميركية التي تُعدّ واحدة من ديمقراطيات العالم المتقدمة، حيث شَّكَك الرئيس السابق دونالد ترامب (2021-2017) في نتائج الانتخابات أمام منافسه الرئيس الحالي جو بايدن نهاية عام 2020،

  1. أسعد غانم، القضية الفلسطينية بعد أوسلو: تحديات داخلية وخارجية وآفاق الخروج من المأزق (بيروت: المؤسسة العربية للأبحاث

بل هاجم أنصاره مبنى الكابيتول (المجلس التشريعي الأميركي) في واشنطن، أثناء جلسة التصويت على فوز بايدن، واشتبكوا مع الشرطة، وقُتل شخص في الأحداث التي اعُتبُرت إرهابًا محليًا أميركيًا38. وفي النهاية، لم يحضر ترامب حفل تنصيب بايدن. توافرت عوامل كثيرة في السياق الفلسطيني لتدفع نحو التوتر، أوّلها أنّ فوز حمس في الانتخابات، حتى وإن كان متوَّقَعًا، جاء بأغلبية ساحقة42، وثانيها أن حركة فتح، التي كانت آنذاك ممسكة بزمام السلطة منذ أكثر من عقد، صعُب عليها، بل استحال، أن تسلّم مقاليد السلطة لخصمها السياسي والفكري، والتراجع إلى الوراء نحو صفوف المعارضة بسهولة وُيسُر، بل إنّ الرئيس عباس حاول جهده لإفشال حمس ووضع المصاعب في طريقها للحكم، مثل تقويض المجلس التشريعي والسيطرة على أجهزة الأمن وأكبر قدر من مؤسسات السلطة وجعلها تابعةً له43، ما أنتج صراعًا في الصلاحيات بين الرئاسة (فتح) والحكومة (حمس)44. لذلك، شكّل فوز حمس في الانتخابات دفعة إضافية لحالة الانفلات الأمني، وأضاف وقودًا على شعلته اللاهبة أصل، ا فتفاقمت حالة الانفلات هذه أضعاف ما كانت عليه من قبل. ولعل ذلك التفاقم كان ترجمةً لما ورد في تسريب صوتي منسوب إلى محمد دحلان ظهر بعد فوز حمس قال فيه "أنا راح أستلمهم خمسة بلدي"47، وهي عبارة تشير إلى نيّته إحداث قلاقل وفوضى48. وهذا ما حصل بالفعل، بل أكثر من ذلك، إذ كانت هناك مقاومة لكل من حاول في الماضي محاربة الانفلات. ففي عام 2004، اقتحمت فرقة الموت مقر الشرطة الفلسطينية في غرب غزة وهاجمت قائد الشرطة غازي الجبالي وأهانته، ردًا على مساعيه في إنهاء الانفلات الأمني50. وازداد تفاقم الانفلات الأمني، فبحسب أحد الباحثين، أصبح من الشائع أن تقوم مجموعات مسلحة بإغلاق الشوارع والحصول على امتيازات خاصة، أو الاحتجاج على قرارات السلطة، وعدم التزام الأجهزة الأمنية بسلطة وزارة الداخلية التابعة لحمس، وسيطرة بعض العائلات على مقر المجلس التشريعي غرب مدينة غزة "للتنفيس عن غيظها في حال تشاجرت مع عائلات أخرى"51. ويضاف إلى ما سبق شعور حمس بأن فوزها الانتخابي تحوّل إلى شكليّ صوريّ لا أكثر، حيث لا سلطة فعلية في يد الحكومة، ولا تبدي الأجهزة الأمنية والمدنية ولاء حقيقيًا تجاهها، ولا قدرة جدّية على ممرسة دورها

  1. 0 4  خلف خلف، "الفلتان الأمني في فلسطين يدق ناقوس الخطر"، جريدة إيلاف، 2006/12/19، شوهد في 2023/8/3، في: https://bit.ly/3Qp1uVA
  2. Domestic Terrorism and the Attack on the U.S. Capitol," Congressional Research Service , 13/1/2021, accessed on 7/8/2023, accessed on 5/11/2024, at: https://bit.ly/3QuqdaJ
  3. حصلت حماس على 74 مقعدًا من مقاعد المجلس التشريعي من أصل 132 مقعدًا، مقابل 45 مقعدًا لفتح، وهناك مقاعد قليلة لبقية الفصائل. للمزيد، ينظر: "الانتخابات التشريعية الثانية 2006: التوزيع النهائي لمقاعد المجلس التشريعي"، لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، شوهد في 2023/8/3، في: https://bit.ly/3qpncy4
  4. عماد الصوص، "الديمقراطية المنتخبة والاستبداد النافذ: فشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية، 2007-2006 "، سياسات عربية، مج 8، العدد 45 (تموز/ يوليو 2020)، ص.15
  5. أحمد الحيلة، "تجربة حماس والحكومة العاشرة في إدارة الملف الأمني الداخلي" في: قراءات نقدية في تجرية حماس وحكومتها 007-2006 2، محسن صالح (محرر) (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007)، ص.243-241
  6. سعد الوحيدي، "دحلان في غزّة.. دبّ في كرم حماس"، متراس، 2021/4/13، شوهد في 2023/8/3، في: https://bit.ly/3LEn2u4
  7. يمكن الاستماع إلى التسريب الصوتي كاملًا على موقع يوتيوب، ينظر: "تسريب بصوت محمد دحلان قبل خمسة عشر عامًا وخمسة بلدي وكيف يريد إجبار حماس على الاعتراف بإسرائيل"، يوتيوب، 2021/1/18، شوهد في 2024/11/5، في: https://bit.ly/43ZHo7a
  8. Alijla, p. 7.

بوصفها حكومة منتخَبة. وقد أدى كل ذلك إلى أن تتخذ حمس والحكومة التابعة لها قرارات تهدف إلى تغيير الواقع، كان أبرزها التنسيق مع الرئيس عباس على تشكيل جهاز أمني خاص جديد يتبع وزير الداخلية، سُمي "القوة التنفيذية"، تكوّن من نحو 3500 عنصر أمني، على الرغم من أن أجهزة الأمن الفلسطينية كانت تضم نحو 78 ألف عنصر أمني، بمن فيهم الذين عُرفوا بجنود تحت الاختبار، وعددهم نحو 20 ألفًا52. شكّلت القوة التنفيذية الجديدة قوة عسكرية ضاربة في يد الحكومة، تستطيع استخدامها وقتم تشاء، فهي تأتمر بأمرها، وتدين لها بالتبعية والولاء، لا سيم أنّ معظم أفرادها كانوا من أبناء حمس أو مناصريها وحلفائها. ويمكننا القول إن تشكيلها كان أول علامة على حتمية مواجهة عسكرية قادمة بين الحكومة من جانب، وجميع الأطراف الأخرى التي تخالفها وتعارضها من جانب آخر. فبعد أن كانت الحكومة خالية الوفاض من أيّ قوة، أصبحت قادرة على مواجهة الخارجين على القانون، وينطبق هذا على الأجهزة الأمنية الثمنية التابعة للسلطة، والتي لم تقبل الانضواء تحت لواء الحكومة الجديدة. في البداية، لم يساهم تشكيل القوة التنفيذية في مواجهة الانفلات الأمني على نحو واضح، ولا في ردع نيات المعارضين لحمس في تعزيز دائرته وتوسيعها، بل على العكس، انفجرت الأوضاع الميدانية في وجه حمس وحكومتها على نحو مباشر ومُوَجَّه، بدءًا بقرارات رئاسية تعزز صلاحية الرئيس، وتسلب الحكومة قيمتها وصلاحياتها، مرورًا بعدم الاعتراف بها دوليًا، وفرض الاحتلال الإسرائيلي حصارًا سياسيًا واقتصاديًا عليها، وصولًا إلى الشروط التعجيزية التي فرضتها اللجنة الرباعية الدولية على الحركة53، ورفض فتح المطلق المشاركة في حكومة وحدة وطنية معها. أما من الناحية الميدانية، فقد زادت عمليات اختطاف أفراد الحركة والحكومة واغتيالهم في الشوارع والمساجد والمنازل، مع ضغوط ممثلة من مسلحي فتح والأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، ووصلت إلى حد عدم السمح لموكب رئيس الوزراء إسمعيل هنية (2007-2006) بالمرور من أمام مقر الأمن الوقائي في غزة. وصاحب ذلك استقطاب سياسي حادّ بين الطرفين، واتهامات متبادلة وهجمت إعلامية شارك فيها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة آنذاك، حيث وجّه اتهامات إلى الرئيس عباس بالتآمر والانقلاب على الحكومة، في حين ردّ عليه عباس بأنه "مشعل الفتنة"54. وأُضيف إلى هذه الأجواء المشحونة فشل عدة جولات بين الطرفين للتوافق وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ودخلت البلاد في موجة إضرابات متكررة عطّلت الحياة، وأوقفت مصالح الناس، مع استمرار حملات الاغتيال ضد القيادات والرموز. ثم وقعت حوادث سرّعت من قرار حمس بالتحرك العسكري، منها مثلًا قتل ثلاثة أطفال أثناء توجههم إلى مدرستهم، إضافة إلى مُرافقهم، والأطفال هم أبناء المقدّم في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية بهاء بعلوشة. ثم وقعت محاولة اغتيال هنية أثناء عودته من معبر رفح

  1. 41 وضع حقوق المواطن الفلسطيني خلال عام 006 2، ص.13
  2. اللجنة الرباعية الدولية حول الشرق الأوسط "تتألف من الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة، تأسست في عام 2002 لتيسير مفاوضات عملية السلام في الشرق الأوسط. وتسترشد بثلاثة مبادئ رئيسية، وهي نبذ العنف والاعتراف بدولة إسرائيل وقبول الاتفاقات السابقة، لتعزيز عملية السلام في الشرق الأوسط"، وهي الشروط ذاتها التي ط لب من حماس الموافقة عليها. للمزيد، ينظر: "المجموعة الرباعية"، الأمم المتحدة، قضية فلسطين، شوهد في 2024/11/5، في: https://acr.ps/1L9zP3N
  3. حسن ابحيص ووائل سعد، التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية 007-2006 2، ج:1 ملف الأمن في السلطة الفلسطينية، محسن صالح (محرر) (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008)، ص 23–15، شوهد في 2023/8/7، في: https://bit.ly/3s7k0Y7

عقب انتهائه من جولة عربية. وأعلن الرئيس عباس نيته التوجه إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، ما دفع نحو مزيد من التوتر والاستقطاب55. وفي ظل تلك المعطيات، فشلت محاولات الحوار، ما أفشل كلّ الاتفاقات الموقّعة بين الطرفين، بما في ذلك اتفاق مكة المعروف، وحتى حكومة الوحدة التي نتجت منه لم تصمد، فم إن نالت الثقة من المجلس التشريعي حتى اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة بين الطرفين. ودارت عجلة العنف من جديد، واستقال في إثرها وزير الداخلية هاني القواسمي من منصبه لعجزه عن فعل شيء تجاه الموجة العاتية للانفلات الأمني56، تبعها موجة دامية من الاشتباكات المسلحة بين الطرفين. استمرّت التوترات الأمنية المسلحة على مستوى القطاع وصولًا إلى يوم 12 حزيران/ يونيو 2007، حين قُصف منزل هنية بقذائف الهاون، وصدرت تهديدات مباشرة من القيادي الفتحاوي سميح المدهون بقتل جميع أفراد حمس المدنيين والعسكريين57. ويبدو أن حمس في هذه اللحظة قررت وضع حٍّدٍ نهائي لجميع أشكال الانفلات الأمني في القطاع، وحسم الأمور لصالحها، وتمَّثَل قرارها هذا في فرض السيطرة الكاملة على القطاع بالقوة العسكرية. تحركت حمس لتحقيق هذا الهدف يوم 14 حزيران/ يونيو 2007، وتمكّنت من حسم الأمور لصالحها بسهولة، بفعل تفوّقها العسكري، وسيطرت على القطاع خلال ساعات فقط، سقط فيها عشرات القتلى والجرحى60، وهرب خلالها المئات من عناصر السلطة والأجهزة الأمنية تجاه السياج الفاصل للحدود بين غزة والأراضي المحتلة، حيث قام جيش الاحتلال بتجميعهم في حافلات وترحيلهم إلى مدينة رام الله. وأعلن الرئيس عباس حالة الطوارئ، وأقال حكومة حمس، واعتبر ما حدث انقلابًا على السلطة، في حين ردّ مشعل بأنّ ما قامت به حركته هو اضطرار أمني استباقي فُرض عليها، لحفظ الأمن وحمية الأرواح61. وأًّيًا كانت مبررات ما حصل ونتائجه، فإنه لا يمكن الإنكار أنّ حمس انزلقت مضطرةً أو مختارةً إلى مربع الاقتتال الداخلي، ودفع الجميعُ أثمانًا باهظة، وهذا ما اعترف به أحد قياداتها من رموز تلك المرحلة بعد عشر سنوات من حكمها62، لكنها في الوقت نفسه استطاعت بقرارٍ حاسم إنهاء الانفلات الأمني على مستوى قطاع غزة، وهذا ما دفع أحد الباحثين إلى القول "وقد نُسب الفضل لحمس حتى من قبَل خصومها في تحسين الأمن الداخلي في قطاع غزة بعد الاستيلاء عليها، مُنهيةً شهورًا من الفوضى الأمنية في جميع أنحاء المنطقة"63.

  1. المرجع نفسه، ص.31-25
  2. Are Hovdenak, "Hamas in Gaza: Preparing for Long-Term Control," PRIO Policy Brief , no. 11, Peace Research Institute Oslo (2010), p. 3, accessed on 5/11/2024, at: https://bit.ly/3OV3nI9
  3. أشرف بدر، السلطة الفلسطينية: أزمة شرعية أم مشروعية؟ (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2018)، ص.59
  4. Tareq Baconi, Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance (Stanford: Stanford University Press, 2018), pp. 133-134.
  5. محمد المدهون، "تجربة حماس في الحكم.. الجدليات والإشكالات"، الجزيرة نت، 2016/3/20، شوهد في 2023/8/14، في: https://bit.ly/3KE4IAx

ثالثًا: استراتيجيات حمس في السيطرة وضبط الأمن يف القطاع

وهكذا انتهت فترة طويلة من دوامة العنف والاقتتال في قطاع غزة، أُزهقت فيها أرواح من جميع الأطراف. وبعد يوم 14 حزيران/ يونيو كانت نهاية ما يشبه الحرب الأهلية64، وانقسم الفلسطينيون بعد ذلك اليوم، سياسيًا وجغرافيًا واجتمعيًا. وصار هناك كيانان فلسطينيان جغرافيان منقسمن، أحدهم في الضفة الغربية المحتلة، والثاني في قطاع غزة المحاَصر، يتبادلان الاتهامات بالانقلاب، ويدّعي كلاهم أنه وحده يمتلك الشرعية؛ وحكومتان تنسب كل منهم الحرص على مصلحة الشعب إلى نفسها حصرًا. وبات كل طرف يستهدف الآخر في كيانه، فعلى مستوى الضفة، أصبح كل من له علاقة بحمس ملاحَقًا ومطلوبًا ومُستهدفًا من السلطة التي تقودها حركة فتح65، أما في القطاع فبدأت حمس بالمثل العمل على استهداف أيّ تحرّك لفتح يساهم في الرجوع بعقارب الساعة إلى الوراء. وفي الوقت ذاته، استيقظت حمس على مسؤولية كبيرة فرَضتها على نفسها بالأمر الواقع، فقد تُرك لها القطاع بما فيه، بسكّانه وأعبائه ومشاكله، وتحدياته الأمنية الكثيرة والخطيرة. ولسنا هنا بصدد التعرض لأيّ منها سوى الأمنية، لنستكشف كيفية تعاملها معها، وقدرتها على التغلب عليها، وصولًا إلى حالة الاستقرار والضبط الأمني.

1. إعادة الهيكلة والبناء من جديد

بُعيْد الأحداث، انسحبت السلطة الفلسطينية ورموزها وقياداتها على نحو شبه كامل من قطاع غزة، ولم يعُد لها أيّ وجود على الأرض، وخلّفت وراءها أجهزة أمنية متهالكة، تساندها هيئات ومديريات وإدارات متعددة، هي هيئة التنظيم والإدارة، وهيئة القضاء العسكري، وهيئة التدريب العسكري، وهيئة الإمداد والتجهيز، وهيئة التوجيه السياسي والوطني، ومديرية الارتباط العسكري، ومديرية التسليح المركزي، ومديرية الخدمات الطبية العسكرية، والإدارة المالية العسكرية. وكانت هذه أولى التحديات التي اضطرت حمس إلى التعامل معها. وانقسم أفراد الأجهزة الأمنية بعد أحداث الانقسام إلى ثلاثة أقسام: قسم خرج إلى الضفة الغربية والتحق بالسلطة هناك، وقسم استجاب لنداء الرئيس عباس فتوقف عن العمل وجلس في بيته داخل غزة، والقسم الثالث هم الذين رفضوا نداء عباس وتحوّلوا للعمل مع حمس في الأجهزة الأمنية الجديدة التي سيجري بناؤها. وبخصوص القسم الثالث تحديدًا، نتفق مع يزيد صايغ الذي اعتبر أن الأفراد الذين انضموا إلى قطاع الأمن بقيادة حمس، بعد حزيران/ يونيو 2007، ساهموا مساهمة كبيرة في استعادة القانون والنظام العام في قطاع غزة، ما أثبت أنه تحت إدارة حمس كان "أكثر فعالية في استخدام الموارد البشرية المحدودة المتاحة لديه - بما فيها جداول ومناهج التدريب، والنظم الإجرائية، والهياكل الإدارية التي ورثها - مم كانت عليه قوات أمن السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح المنافسة"66.

  1. الحيلة، ص.251
  2. يزيد صايغ، "بناء الدولة أم ضبط المجتمع؟ القطاع الأمني الفلسطيني والتحول السلطوي في الضفة الغربية وقطاع غزة"، أوراق كارنيغي، مركز كارنيغي للشرق الأوسط (شباط/ فبراير 2011)، ص 13، شوهد في 2023/8/3، في: https://bit.ly/44Smbxc
  3. Jonathan Schanzer, State of Failure: Yasser Arafat, Mahmoud Abbas, and the Unmaking of the Palestinian State (New York: St. Martin's Publishing Group, 2013), p. 125.

يتضح مم ذُكر أن حمس عملت بوتيرة متسارعة على إعادة ترميم البنية الأمنية داخل القطاع، وذلك لأنها لن تكون قادرة على تنفيذ أيّ خطط أمنية من دون أجهزة وهيكليات واضحة، وإلا ستقع في المشكلة السابقة نفسها التي عانتها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من تعارُضٍ في الصلاحيات ومنافسةٍ على النفوذ وفوضى في الأداء. ولم تكن عملية الإحلال وإعادة البناء تلك مقتصرة على الجانب الأمني، فنتيجةً للفراغ الحاصل من استنكاف عدد كبير من موظّفي السلطة عن العمل بعد سيطرة حمس على السلطة، استبدلت تقريبًا جميع موظفي الوزارات في القطاع67. وبالانتقال مرة أخرى إلى القطاع الأمني، فقد كان اعتمده الكلي في البداية على القوة التنفيذية المسنودة بعناصر كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحمس، عند اللزوم، لكنها حُلّت في تشرين الأول/ أكتوبر 2007، ودُمج أعضاؤها في هياكل الأجهزة الأمنية، وأصبحت هناك بنية هيكلية أمنية جديدة في غزة، من أبرز أجهزتها: الأمن الداخلي، والأمن الوطني، والمخابرات العامة. ومع هذه الهيكلية الجديدة، والاندفاع الواضح نحو فرض السيطرة الكاملة على مجال الأمن، اقتربت الحركة خطوةً على طريق إنهاء ظاهرة الانفلات الأمني، وكان نجاح حكومة هنية "ناجمًا أساسًا عن إنشاء تسلسل قيادي واضح، وعن تبعية قطاع الأمن إلى السيطرة المدنية التي يمارسها وزير الداخلية المفوّض تفويضًا واضحًا لا لبس فيه"71. من جانب، طبّقت حمس وحكومتها بعض أساسيات الحوكمة ومبادئها في عملها الأمني، مثل إعادة الهيكلة والبناء، فكانت أشد فاعلية في استخدام الموارد البشرية المحدودة المتاحة لديها، بما فيها النظم الإجرائية، والهياكل الإدارية، وأقرّت سياسات الضبط والتدريب والمحاسبة. ومن جانب آخر، غابت مظاهر الحوكمة في العديد من الممرسات الأمنية، مثل استدعاء أفراد من جهاز حمس العسكري ومشاركتهم لإسناد القوات الحكومية في بعض العمليات، وكذلك قيام الكثير من أفراد الأجهزة الأمنية الحكومية بالدمج بين العمل الرسمي والعمل غير الرسمي ضمن صفوف الجهاز العسكري، في مشهد يؤكد عجزًا نسبيًا لدى حمس في الفصل بين الحركة والحكومة. والمبررات لجميع هذه المشاهد كانت واحدة، وهي أنّ حالة الاحتلال التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وحجم التحديات والمؤامرة التي تقع على حمس، كل ذلك يجعل الاستثناءات مسموحة من غير حرج من وجهة نظر الحركة.

2 ى. إنهاء فوض السلاح وعسكرة العائلات

كانت فوضى السلاح من أبرز مظاهر الانفلات الأمني، حتى إن الكثير من الأشخاص كانوا يسيرون في الشوارع يحملون أسلحتهم من دون أدنىى حرج، وهذا كان مدعاةً للإسراع في استخدامها عند أيّ اشتباك، وهو بالفعل ما كان يحدث، فضلًا عن مظاهر العسكرة وتخويف الناس. هذا على مستوى الأفراد، ولكن كان هناك مستوى آخر من فوضى السلاح مرتبط بالعائلات، حيث كانت عائلات وعشائر غزّية مسلحة بالكامل، وانبثق منها ميليشيات إجرامية وتنظيمت متطرفة، وفرضت سطوتها بالقوة على مربعات سكنية كاملة مغلقة على شكل مناطق عسكرية، أو حصون لا يمكن الولوج إليها، وكانت تصدر منها بعض الأحداث المخلّة بالأمن، لا سيّم بعد إعلانها أن نزع سلاحها منها لن يكون من دون قتال، وأنها لن تقبل بإنهاء سيطرتها على مناطقها

  1. Hovdenak, p. 3.
  2. صايغ، ص.14

الخاصة72. لكنّ الحكومة رفضت هذا، وأصرّت على إنهاء هذه الظاهرة، ما أدى إلى وقوع اشتباكات معها، بل استخدمت قواتها صواريخ مضادة للدبابات في الاشتباكات مع إحدى القبائل في مدينة خانيونس بعد رفضها دفع الرسوم المستحقة لنقل الرمال من الكثبان القريبة منها73. وخاضَت القوات نفسها اشتباكات مسلحة على مدار أشهر مع عائلة (د)74 المتمركزة وسط مدينة غزة حتى أخضعتها، وتمكّنت بعد ذلك من إطلاق سراح مراسل بي بي سي، الصحافي البريطاني ألان جونستون الذي ظلّ مُختطَفًا لدى العائلة مدة أربعة أشهر75. لم تتوانَ قوات الحكومة عن استمرار تصدّيها لما اعتبرته "بلطجة" من بعض العائلات والعشائر، فكانت هناك مواجهة جديدة مع عائلة (ب) ونزعت سلاحها، وذلك بعد أن أطلق مسلحون منها النار على أعضاء القوة التنفيذية في مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة، انتقامًا لمقتل أحد أفراد العائلة الفتحاويين البارزين77. وكذلك حصلت مواجهة أخرى مع عائلة (ح)، المحسوبة في معظمها على حركة فتح، والمعروفة بحيازتها للسلاح وفرض سطوتها على مربع كامل في منطقة الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث جرت محاصرة المنطقة التي تتمركز فيها العائلة، يوم 2 آب/ أغسطس 2008؛ بمبرر ضلوع أفراد من العائلة في تنفيذ تفجير في مخيم الشاطئ، أو إيواء العائلة أفرادًا متهمين بذلك، أدى إلى مقتل خمسة أفراد من حمس81، وانتهت الواقعة بالقضاء على جميع المظاهر العسكرية التي كانت العائلة تقوم بها في المنطقة. وفي اعتقادنا أنه لا شيء يمنع من احتملية أن يكون للانتمء السياسي للعائلة دور في الهجوم عليها، ويتعارض ذلك مع قيام قوات حكومة حمس بالأمر نفسه مع عائلات أخرى كم سبق ذكره، وتبقى الاحتملات جميعها واردة. تفيد أمثلة الاشتباكات هذه مع العائلات أن قرار فرض الأمن وإنهاء مظاهر الانفلات الأمني في قطاع غزة كان قرارًا حاسمًا لدى حكومة حمس، لأن هذه الاشتباكات صاحبها جمع ومصادرة للسلاح بكميات كبيرة، وإزالة لجميع مظاهر العسكرة العائلية، حيث أُزيلت جميع الحواجز التي كانت تقيمها العائلات، وفُتحت الطرق، وأُعلن عن حظر المواطنين إطلاق النار. وتابعت قوات الحكومة جميع مظاهر الانفلات والجريمة، مهم صغُرت؛ فعلى سبيل المثال، ساعدت الحكومة كتائب القسام بحملة "تطهير" شاملة على مستوى القطاع، اعتُقل فيها عدد من لصوص السيارات، وتجار الخمور، ومزوّري الأموال وغيرهم82. كم نجحت قوة عسكرية تابعة للحكومة في تحرير لبؤة كان أحد ذوي النفوذ قد اختطفها من حديقة الحيوان في غزة83. وفي ضوء معالجة حمس لفوضى سلاح العائلات والعشائر، يمكن القول إنّها لم تكن دائمًا تلجأ إلى العنف، بل كانت تلجأ إلى طرائق أخرى بديلة حين يمكنها ذلك، مثل استيعاب تلك العائلات والعشائر من خلال المفاوضات، والعمل المشترك، وتشكيل لجان الإصلاح، ودمج كبار العائلات من رجال الإصلاح (والمخاتير) في

  1. حماس تتصدى لعصابات الجريمة المنظمة بغزة"، الجزيرة نت، 2007/6/24، شوهد في 2023/8/23، في: https://bit.ly/47M3BZN
  2. Inside Gaza," p. 15.
  3. Inside Gaza: The Challenge of Clans and Families," Middle East Report , no. 71," International Crisis Group, 20/12/2007, p. 1, accessed on 23/8/2023, at: https://bit.ly/44m6zRu
  4. Inside Gaza," p. 15.
  5. Ramzy Baroud, "Family Politics and the New Gaza Crisis," Arab News , 20/8/2008, accessed on 5/11/2024, at: https://bit.ly/45iQHAQ
  6. صايغ، ص.13
  7. اشتباكات بغزة بين الشرطة وعائلة [د] توقع 11 قتيل"ا، الجزيرة نت، 2008/9/16، شوهد في 2023/8/23، في: https://bit.ly/3YI2JkJ

المؤسسات الرسمية مثل وزارة الداخلية. ففي حين كانت حمس مستعدة لاستخدام العنف، كانت كذلك جاهزة للتعاون، والنتيجة أنّها قدّرت قيمة أفراد العائلات والعشائر القوية، ولا سيم من لديهم سجلات إجرامية والذين كانوا على استعداد ل "التوبة"، واستهدفهم فرع "الدعوة" في حمس ودعاهم إلى "العودة إلى الله" والعمل معها بوصفها حركة إسلامية84. والخلاصة أن حركة حمس تمكنت من فرض النظام في الشارع الفلسطيني داخل القطاع، ونجحت إلى حد بعيد في إنهاء ظاهرة الانفلات الأمني.

3. مواجهة التنظيمت والجمعات المتطرفة

يمكن القول إنّ سيطرة حمس - وهي تنظيم ذو مرجعية إسلامية كم هو معروف - على السلطة في قطاع غزة فتحت شهية بعض التنظيمت الإسلامية المتطرفة الأخرى للنشاط داخل القطاع، ربما لاعتقادٍ توَّلَد لديها أن التشابه في الأيديولوجيا مع حمس سيجعل لها مكانًا تنشط فيه من دون ملاحقة، وأنّ الاشتراك معها في تصنيف "تنظيم إسلامي" سيكون مبرّرًا لأن تغضّ الطرف عنها. وواقع الأمر أن حمس ذات الصبغة الفكرية الإخوانية تختلف، من ناحية، عن تلك التنظيمت، بل إنّ التنظيمت المتشددة الأخرى، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، تعتبر حمس تنظيمًا مرتًّدًا85. ومن ناحية أخرى، فإنّ البراغمتية التي تتمتع بها حمس وتوظيفها للعنف يتناقضان مع العنف المتطرف وغير المحدود الذي يمارسه تنظيم القاعدة أو السلفية الجهادية86. وإضافةً إلى ذلك، أوضحت حمس عمليًا من خلال ممرساتها التي تلت أحداث الانقسام أنها عازمة على ممرسة سلطة كاملة على القطاع، وهذا كان المدخل للاشتباك مع التنظيمت المتطرفة التي ظهرت في ذلك الحين. وفي الواقع، حاولت جمعات السلفية الجهادية بكل مسمياتها التي ظهرت عليها في قطاع غزة اكتساب الزخم الجمهيري والامتداد الشعبي من خلال التشكيك في شرعية حمس، وأصبحت تنظر إليها على أنها تخَّلّت عن طابعها الإسلامي87، ومن ثم طرحت السلفيةُ نفسها بديلًا شرعيًا مقاوِمًا للاحتلال، على اعتبار أن حمس انخرطت في وحل "المنكرات السياسية والفكرية"، وأصبحت قضايا مثل التلكؤ في تطبيق الشريعة، واحترام الاتفاقيات الدولية، وإقامة علاقات مع الأنظمة العربية "الكافرة"، اتهامات متكررة من جانب السلفية لحمس. وكان واضحًا من عمليات استهداف تلك الجمعات للمصالح الغربية في القطاع رغبتها في إحراج حمس أمام الرأي العالم العالمي، بحكم أنها الحاكم الفعلي فيه، ويجب عليها أن تكون قادرة على حمية تلك المصالح التي تقع في نطاق صلاحياتها91. ونعرض فيم يلي عددًا من هذه الجمعات.

  1. Alijla, p. 7.
  2. Terrence K. Kelly et al., "Knowing the Enemy: Understanding the Islamic State and Principles for Defeating It," RAND Corporation, 21/3/2017, p. 9, accessed on 30/8/2023, at: https://acr.ps/1L9zP6t
  3. Beverley Milton-Edwards, "Islamist Versus Islamist: Rising Challenge in Gaza," Terrorism and Political Violence , vol. 26, no. 2 (April 2014), p. 264.

أولها جمعة السلفية الجهادية، التي يَرى الباحث أكرم حجازي أنها "تيار عقدي يضم رموزًا وعلمء وأنصارًا ومجاهدين، لا فواصل بينهم، ولا امتيازات ولا مغريات ولا هوى من أيّ نوع كان"92. وهذا الوصف للجمعة من ناحية موضوعية فيه مبالغة، لأنه لو صحّ، فمعناه أنّ أفراد التنظيم قد وصلوا إلى رتبة العصمة والملائكية، وهذا غير صحيح البتّة بواقع بشريّتهم المشاهَدة، لكننا نتفق معه فيم نقله عن أبي محمد المقدسي93 أنّ السلفية "الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آنٍ واحد"94. إذًا، تعتبر السلفية الجهادية الجهادَ الوسيلة الفضلى لدعوة الناس إلى التوحيد، وكم هو معروف عند أهل الاختصاص أنّ الدعوة إلى التوحيد تتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناءً عليه، مارست الجمعة ذلك بطريقتها الخاصة التي يرى أعضاؤها أنها جهاد. وقد انعكس هذا الفهم في قطاع غزة بظهور السلفية الجهادية تحت مسمى جمعة "جند أنصار الله" أواخر عام 2008، وجاءت ممرساتها على شكل أعمل عنف نفّذتها، وهجمت تفجيرية استهدفت العديد من95المراكز الثقافية الدولية96، وهجمت أخرى استهدفت مواقع أخرى مثل محال تجميل نسائية ومحال لبيع الحاسب الآلي والمدرسة الأميركية الدولية والمعسكرات الصيفية للأونروا97. وتعاملت حمس بصورة فردية مع هذه الممرسات، ظًّنًا منها أنها أحداث متفرقة لم ترقَ إلى أن تكون سياسة تنظيم أو جمعة. وتلاشى هذا الظنّ عندما أعلن زعيم الجمعة عبد اللطيف موسى عن إقامة إمارة إسلامية في منطقة رفح جنوب القطاع، منتصف آب/ أغسطس 2009. وتعاملت حمس مع الأمر على درجة عالية من الحسم، فحاصرت الرجل وأفرادًا من جمعته في مسجد ابن تيمية في مدينة رفح، ووقعت بين الطرفين اشتباكات دامية أدت إلى تدمير المسجد ومقتل 11 شخصًا، من بينهم أمير الجمعة ومساعده، ثم أتبعت ذلك بحملة اعتقالات واسعة لأعضاء الجمعة وقياداتها، كان من ضمنهم هشام السعيدني الذي خلَف موسى في قيادة الجمعة، وكان الإفراج عنه على رأس مطالب أفراد من أنصاره اختطفوا المتضامن الإيطالي الشهير فيتوريو أريغونيVittorio Arrigoni، في 14 نيسان/ أبريل 2011، وقتلوه. وفي إثر ذلك لاحقت حكومة حمس المجموعة وقتلت أفرادها في مخيم النصيرات وسط القطاع، ثم استمرت في ملاحقة بقية أعضاء الجمعة، وتضييق الخناق عليها إلى أن انتهت وطُويت صفحتها. وهناك ما عُرف ب "جيش الإسلام"، وهو فرع من فروع السلفية الجهادية بمسمى مختلف، لكنه في الحقيقة لا يعدو كونه امتدادًا لفوضى العائلات وعسكرتها، لا سيم أن زعيمه هو ضابط سابق في جهاز الأمن الوقائي، وابن إحدى أكبر العائلات التي تواجهت مع حمس بعد أحداث الانقسام في إطار الانفلات الأمني. هاجمت

  1. 0 7  أحد أبرز منظّري التيار السلفي الجهادي. للمزيد، ينظر: محمد أبو رمان، "أنا سلفي"، مؤسسة فريدريش آيبرت (2014)، ص.115
  2. المرجع نفسه، ص.37
  3. عوني فارس، "السلفية الجهادية في فلسطين"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 101 (2015 شوهد في)،، في:2023/9/13 https://bit.ly/3RgGrEQ
  4. محمد أحمد أبو سعدة، "حماس والحركة السلفية في قطاع الواقع والآفاق"، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية (2016)، ص.2
  5. ماجد عزام، "السلفية في فلسطين: الخلفية الواقع والآفاق"، تقارير، مركز الجزيرة للدراسات، 2023/2/20، ص 6، شوهد في 2023/9/11، ف:ي https://bit.ly/3PwCrPs
  6. Milton-Edwards, p. 209.
  7. فيتوريو أريغوني"، الجزيرة نت، 2011/4/15، شوهد في 2023/9/11، في: https://bit.ly/3Zcr8yV
  8. أكرم حجازي، دراسات في السلفية الجهادية، ط 3 (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2013)، ص.19–18

هذه الجمعة مؤسسات غربية، واحتجزت صحافيين أسبوَعيَن تقريبًا، وطالبت بإطلاق سراح سجناء مسلمين في سجون أميركية. ولم تكتفِ الجمعة بذلك، بل هاجمت أيضًا مقاَّرَ تابعة لجمعية الشبان المسيحية والمدرسة الأميركية في غزة، واعتدت على عدد من قيادات حمس، كان من بينهم أفراد من كتائب القسام. وقد كانت نهاية جيش الإسلام في الليلة نفسها التي قامت فيها حمس بمحاصرة عائلة (د) في تموز/ يوليو 2007، كم ذكرنا سابقًا، وكان عناصره من ضمن الذين اعتُقلوا أو قُتلوا في تلك الليلة، ولم يُسمع بأيّ حضور له منذ ذلك الحين. وأخيرًا، تنظيم "جَلجَلت"، وهو تنظيم جديد ظهر أول مرة على الساحة الفلسطينية عام 2007، وهو جمعة شبابية تتبنى فكر السلفية الجهادية، ولكن باسم مختلف أطلقه عليه الغزّيون، ولم يكن التنظيم نفسُه من حدّد اسمه. وهو بحسب الباحث عقل صلاح اسم يمكن اعتباره جامعًا "لكل التنظيمت السلفية في القطاع، ومردّه إلى أنشودة جلجلت التي انتشرت بين معتنقي الفكر الجهادي في أفغانستان والعراق والشيشان. ويعتبر (م. ط.) الناشط السابق في حمس أحد أهم قادته. حاول استهداف موكبَي الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ورئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير، اللذين كانا في زيارتين منفصلتين لغزة، ويُنسب إليه أيضًا تفجير العشرات من مقاهي الإنترنت، وكذلك تفجير منزل النائب الحمساوي مروان أبو راس". وقد تصدّت حمس له بالطريقة نفسها التي تصدّت بها للتنظيمت المتطرفة كلها، والأرجح أن هذا الاسم ذاب تدريجيًا مع إحكام حمس قبضتها على القطاع، وانتهى من تلقاء نفسه بعد رَواجٍ بين فئة الشباب صغار السنّ. كانت هناك مسميات لحالات أخرى ظهرت في القطاع، وهذه الثلاثة كانت أبرزها، لما ترتّب على ظهورها من أحداث جِسام داخل القطاع، ومن مواجهة وصِدام مباشرين مع حكومة حمس، ومهم أقللنا أو أكثرنا من الأمثلة، فإنّ النتيجة واحدة، وهي أن حمس تعاملَت مع الجميع بالأسلوب الجامح نفسه الذي يرى في تلك التجمّعات شذوذًا عن النسق الإسلامي الفلسطيني، وتهديدًا للأيديولوجيا المعتدلة التي تتبناها، وبالمقدار نفسه الذي أرادت به فرض سيطرتها الكاملة وممرسة صلاحياتها الحكومية على القطاع من دون الانشغال بظواهر ناشئة أول، ا ولا تتناسب مع الحالة الفلسطينية التي كانت قائمة في تلك الفترة ثانيًا. وحرٌّيٌ بالذكر أنّ الصفة المشتركة الأبرز بين هذه الجمعات كانت غياب الشيوخ والمراجع الفكرية المحلّية، وما انبعاثها في قطاع غزة إلا تقليد ومحاكاة لأسلوب تنظيم القاعدة، وهي في أحسن الأحوال مجموعات شبابية افتُتنت بالفكر السلفي الجهادي، ظنًا منها أنها بذلك تطبّق النموذج الأمثل في مقاومة الهيمنة الأميركية العالمية، أو حتى الإسرائيلية على فلسطين. وفي الواقع، افتقر معظم الناشطين فيها إلى التجربة والخبرة والرؤية، وهنا نتفق مع الباحث عوني فارس الذي أكد أنه ربما دفع "الحصارُ الخانق الذي فرضه الاحتلال على القطاع، وما واكبه من ارتفاع معدلات البطالة ونقص المواد الأساسية وتراجع مستوى الخدمات

  1. 0 8  المرجع نفسه.
  2. عزام. سيئ سيئ جدًا جيد جيد جدًا ممتاز
  3. ينظر: عوني فارس، "السلفية الجهادية في فلسطين"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد.)2015(101
  4. المرجع نفسه، ص.49
  5. عقل صلاح، "حماس والسلفيون في غزة 2017-2007 "، دراسات، مركز دراسات الوحدة العربية، 2019/5/10، شوهد في 2023/9/17، ف:ي https://bit.ly/3ZiQxqU

مقنع وذي مصداقية لها".

في حكم القطاع.

قيّموه أنه جيد جدًا، إضافة إلى 24.8 في المئة وصفوه بالجيد)، كم هو واضح في الشكل.)2(العامة، إلى انتشار الإحساس بالإحباط وفقدان الأمل لدى قطاعات شبابية متعددة، الأمر الذي عزز نظرتهم السلبية إلى واقعهم، وتركهم فريسة لأفكار السلفية الجهادية الصدامية والحادة". ورأى الباحث ماجد عزام أنها انتهت "موضتها" ولم يُرَ لها حضور، فهي مهم فعلت "لن تستطيع تحدّي حمس أو تشكيل بديل أرادت حمس أن تحكم القطاع بلا منازع، في محاولة منها لإثبات قدرتها على ممرسة الحكم والمقاومة في آنٍ معًا كم صرّح بذلك أكثر من مسؤول رسمي فيها، وحتى تتفرغ لما لديها من أولويات أخرى مثل العلاقة مع السلطة في رام الله، والمسؤولية الكاملة عّما يقارب مليوَني نسمة داخل القطاع، وتحديات الحصار، وغيرها من القضايا الملحّة، لذلك كانت كل تصرفاتها الميدانية والرسمية تشير إلى أنها تحّضر لمكثٍ طويلٍ وإجمل، ا حققت الحركة غاياتها الأمنية في إحكام سيطرتها على القطاع مع فرض الاستقرار الأمني. وانعكس أثر ذلك في آراء المستجيبين، فعلى النقيض من التقييم السلبي للوضع الأمني قبل الأحداث، يلاحظ بوضوح أن ما يقرب من ثلثَيهم قيّم الوضع الأمني بعد الانقسام وسيطرة حمس على القطاع إيجابيًا (39.6 في المئة

الشكل (2) كيف تقيم الوضع الأمني داخل قطاع غزة بعد الانقسام %()؟

  1. فارس، ص.48
  2. المرجع نفسه، ص.8 المصدر: المرجع نفسه.
  3. Hovdenak. ﻣﻮاﻓﻖ ﻣﻮاﻓﻖ ﺑﺸﺪة ﻏ ﻣﻮاﻓﻖ المصدر: المرجع نفسه.

وتشير عناصر التحليل التي أوردناها إلى إمكان تفسير هذا التحسن بنجاعة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها حمس، إذ إنها أدت إلى استقرار نسبي معقول لمسه الناس في غزة، مقارنةً بالوضع الصعب الذي عايشوه خلال فترة ما قبل الانقسام. وتبّين نتائج الاستبانة، بخصوص مدى نجاح حمس في ضبط الأوضاع الأمنية وإنهاء ظاهرة الانفلات الأمني، أنّ تقييم المستجيبين يميل إلى اعتبار أنها نجحت نجاحًا واضحًا، وكانت نسبة الموافقة والموافقة بشدة على هذه المقولة تبلغ في مجموعها 81.2 في المئة من مجموع الإجابات (الشكل.)3

الشكل (3) ما تقييمك للمقولة التالية: نجحت حمس في ضبط الأوضاع وإنهاء ظاهرة الانفلات الأمني بعد الانقسام؟

لقد تعاملت حمس مع التحديات الأمنية وفقًا لما رأت أنه يتمشى مع مسؤولياتها الأمنية الجديدة في القطاع، وبدرجة من القسوة والحسم، تحمل في طياتها رسائل قصدت إرسالها عمليًا إلى أكثر من طرف، من أبرزها أن القطاع لن يكون إلا برأس حاكم واحد، فكان من الأفضل إنهاء جميع مظاهر المنافسة معها في أسرع وقت ممكن، وبقوة وحسم شديدَين. وبعد سنين طويلة من تلك الأحداث، وتبُّين وجه الحقيقة، تتأكد أنّ مزاعم وارن مارشال بشأن أنّ حمس دفعت خمسة ملايين دولار لجيش الإسلام، وأكثر من مليون طلقة لسلاح كلاشينكوف، هي مزاعم بعيدة عن الموضوعية، وغير صحيحة، لذلك كانت نهاية هذه الجمعات متوزعة بين ثلاثة احتملات؛ إما أنّ حمس تعاملت معها وقامت بإنهائها ميدانيًا، وإما جرى استيعابها داخل صفوف الحركة، وإما تلاشت وحدها.

  1. Warren Marshall, "Al-Qaeda in Gaza: Isolating 'The Base'," Journal of Terrorism Research , vol. 1, no. 1 (November 2010), p. 56, accessed on 5/11/2024, at: https://bit.ly/4htOsB4

خاتمة

شَّكلَت أحداث الانقسام عام 2007 منعطفًا حاًّدًا في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته، حيث انقسم أصحاب القضية الواحدة جغرافيًا وسياسيًا، وحتى اجتمعيًا. وكان من أبرز نتائجه سيطرة حركة حمس، التي فازت بأغلبية الانتخابات التشريعية عام 2006، على قطاع غزة سيطرة مطلقة وكاملة، وأصبحت مسؤولة عن كل شؤونه وسكّانه. وأبرز تحديات الحركة في ذلك الوقت كانت المشكلة الأمنية، التي حملت عنوان "الانفلات الأمني"، وهي المشكلة التي تجد جذورها من فترة حكم السلطة. وقد بيّنت الدراسة تعُّدُد أبعاد هذه المشكلة واستفحال مظاهر الانفلات، وخصوصًا في الفترة ما بين انتخابات 2006 وأحداث الانقسام عام 2007، والتي تمثلت في حالات القتل العشوائي، وانتشار السلاح، وعسكرة العائلات، وظهور التنظيمت المتطرفة. وانعكس ذلك سلبيًا على شعور أهل القطاع بالأمان، ما ألجأهم إلى تأمين أنفسهم بحمل السلاح، وكان من نتائج ذلك زيادة التوترات. وقد تمكنت حمس من التعامل مع هذه المشكلة الأمنية الداخلية بنجاح، واضطلعت بدورها بوصفها حكومة أمر واقع. وبيّنت الدراسة أن عامل تفوّقها على بقية المكونات الفلسطينية في قطاع غزة على صعيد الجاهزية والعمل المؤسسي قد أسهم في حسم الأمور لصالحها. ولا يمكن إغفال أن السياق كان معقدًا بشدة، وانطوى عمل حكومتها فيه على مسؤولية إدارية ومعيشية تجاه سكان القطاع الذين قاربوا مليوَني نسمة، وفي ظل حصار خانق من جميع الجهات، وشروط دولية تعجيزية مفروضة عليها، وكذلك الاعتداءات الإسرائيلية المتعاقبة على القطاع. وكشفت الدراسة على الصعيد السياساتي أن الحكومة كانت تمتلك تصورًا مسبقًا عن كيفية التعامل مع التحديات الأمنية الضخمة التي واجهتها، حيث إن تحركاتها الأمنية جاءت سريعة وحاسمة، وبما يُظهر توافر معالم لسياسة أمنية متفق عليها التزمت بها على نحو ضبط تحركاتها نسبيًا. إلا أنها في تحركها خلال أحداثٍ بعينها، رأت فيها ضرورة استخدام قدر كافٍ من القوة، فنتج منه عدد من الضحايا، سوّغته بأنه جرى ضمن اشتباكات مسلحة، وكان اللجوء إلى القوة ضروريًا في ظل حالة الانفلات الأمني والخشية من استفحال مظاهرها. تتضمن استراتيجية الحركة في التعامل الأمني في تلك الظروف ثلاث أدوات، هي إحداث تغيير مؤسسي في الهياكل الأمنية، وشمل ذلك إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتطبيق أنظمة للضبط والتدريب، وإنهاء مظاهر الاعتمد على التكوينات غير المؤسسية، وإنهاء مظاهر عسكرة العائلات، فضلًا عن مواجهة الجمعات السلفية المسلحة. وبيّنت الدراسة على صعيد العمل الأمني للحكومة أن العديد من الممرسات الأمنية قد عابتها أمور تتصل بإشكالية عدم الفصل بين الحركة والحكومة، من ذلك الاضطرار إلى استدعاء أفراد من الجهاز العسكري لدعم القوات الأمنية، وبعض مظاهر دمج العمل الرسمي الأمني مع الأنشطة غير الرسمية، وغير ذلك.

  1. Hovdenak, p. 1.

المراجع

العربية

ابحيص، حسن [وآخرون]. صراع الإرادات: السلوك الأمني لفتح وحمس والأطراف المعنية 007-2006 2. محسن صالح (محرر). بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008:. في https://bit. ly/3DN1DKI ابحيص، حسن ووائل سعد. التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية 007-2006 2. محسن صالح (محرر.) بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008:. في https://bit.ly/3s7k0Y7

أبو رمان، محمد. "أنا سلفي". مؤسسة فريدريش آيبرت.)2014(

أبو سعدة، محمد أحمد. "حمس والحركة السلفية في قطاع الواقع والآفاق". المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية.)2016(

بدر، أشرف. السلطة الفلسطينية: أزمة شرعية أم مشروعية. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، براون، ناثان ج. "غزة بعد خمس سنوات: حمس تتكيّف". أوراق كارنيغي. مركز كارنيغي للشرق الأوسط (2012:). في https://bit.ly/3MzqI09 بسيسو، مأمون. "العلاقة بين النمو السكاني في قطاع غزة والتحديات للقطاعات المختلفة والحلول الممكنة." شبكة المنظمت الأهلية الفلسطينية (2022:). في https://bit.ly/3KbT4wD

التقرير السنوي للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للعام 005 2. رام الله: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2006:. في https://bit.ly/3QjMR5B جرابعة، محمود وليهي بن شطريت. "حركة فتح تحت وطأة الصراع بين عباس ودحلان". صدى. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. 2014/4/22:. في https://bit.ly/3rRTK47

حجازي، أكرم. دراسات في السلفية الجهادية. ط 3. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2013

السراج، إياد. "حقوق الإنسان في ظل السلطة الفلسطينية". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 8، العدد 30 في (1997:). https://bit.ly/3q3iK84 سلامة، عبد الغني. "غزة حصاد ستة أعوام من حكم حمس". مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية. في: https://acr.ps/1L9zOP5 صايغ، يزيد. "بناء الدولة أم ضبط المجتمع؟ القطاع الأمني الفلسطيني والتحول السلطوي في الضفة الغربية وقطاع غزة". أوراق كارنيغي. مركز كارنيغي للشرق الأوسط (شباط/ فبراير 2011:). في https://bit. ly/44Smbxc صلاح، عقل. "حمس والسلفيون في غزة 2017-2007 ". دراسات. مركز دراسات الوحدة العربية.2019/5/10. ف:ي https://bit.ly/3ZiQxqU الصوص، عمد. "الديمقراطية المنتخبة والاستبداد النافذ: فشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية، -2006 2007 ". سياسات عربية. مج 8، العدد 45 (تموز/ يوليو.)2020

العجرمي، أشرف. "الفلتان الأمني في غزة حرب جديدة على الثقافة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 18، العدد 2 (2007:). في https://bit.ly/45vBlZx عزام، ماجد. "السلفية في فلسطين: الخلفية الواقع والآفاق". تقارير. مركز الجزيرة للدراسات. 2023/2/20. ف:ي https://bit.ly/3PwCrPs غانم، أسعد. القضية الفلسطينية بعد أوسلو: تحديات داخلية وخارجية وآفاق الخروج من المأزق. بيروت: المؤسسة العربية للأبحاث والنشر،.2021

فارس، عوني. "السلفية الجهادية في فلسطين". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد)2015(101 ف:ي https://bit.ly/3RgGrEQ فريدريك، رولاند وأرنولد ليتهولد. "المدخل إلى إصلاح القطاع الأمني في فلسطين". مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة (2007:). في https://bit.ly/47gJdQf

قراءات نقدية في تجربة حمس وحكومتها 007-2006 2. محسن صالح (محرر). بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2007

قوجيلي، سيد أحمد. الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن. الجزائر: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2014

وضع حقوق المواطن الفلسطيني خلال عام 006:2 التقرير السنوي الثاني عشر، 1 كانون ثاني -200631 كانون أول 006 2. رام الله: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، 2006:. في https://bit.ly/458JFy1

وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الفلسطينية: التقرير السنوي الثالث عشر، 1 كانون ثاني -200731 كانون أول 007 2. رام الله: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، 2007:. في https://bit.ly/3rMSpeF

الأجنبية

Alijla, Abdalhadi. "The (Semi) State's Fragility: Hamas, Clannism, and Legitimacy." Social Sciences. vol. 10, no. 11 (November 2021).

Baconi, Tareq. Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance. Stanford: Stanford University Press, 2018.

Berti, Benedetta. "Non-State Actors as Providers of Governance: The Hamas Government in Gaza between Effective Sovereignty, Centralized Authority, and Resistance." Middle East Journal. vol. 69, no. 1 (2015).

Hovdenak, Are. "Hamas in Gaza: Preparing for Long-Term Control." PRIO Policy Brief. no. 11. Peace Research Institute Oslo (2010). at: https://bit.ly/3OV3nI9

"Inside Gaza: The Challenge of Clans and Families." Middle East Report. no. 71. International Crisis Group. 20/12/2007. at: https://bit.ly/44m6zRu

Kelly, Terrence K. et al. "Knowing the Enemy: Understanding the Islamic State and Principles for Defeating It." RAND Corporation. 21/3/2017. at: https://acr.ps/1L9zP6t

Marshall, Warren. "Al-Qaeda in Gaza: Isolating 'The Base'." Journal of Terrorism Research. vol. 1, no. 1 (November 2010). at: https://bit.ly/4htOsB4

Meng, Qingyi & Haiyi Zhang. "To What Extent is the Security Dilemma an Inescapable Feature of International Security?" Advances in Politics and Economics. vol. 6, no. 3 (July 2023). at: https://bit.ly/3ARuBLc

Milton-Edwards, Beverley. "Islamist Versus Islamist: Rising Challenge in Gaza." Terrorism and Political Violence. vol. 26, no. 2 (April 2014).

Nugraha, Aryanta & Ludiro Madu. "Human Security: Contending Perspective of Liberalism, Critical Theory and Postcolonial Theory." Global & Strategis. vol. 7, no. 1 (January 2013). https://bit.ly/4cS25Xe

Schanzer, Jonathan. State of Failure: Yasser Arafat, Mahmoud Abbas, and the Unmaking of the Palestinian State. New York: St. Martin's Publishing Group, 2013.