سياسات تعمير الصحراء في مصر: بواعث الإنجاز ودلائل الإخفاق
Desert Development Policies in Egypt: Motivations for Success and Signs of Shortcomings
الملخّص
ملخص: أولَت الحكومات المصرية المتعاقبة، عبر نصف القرن العشرين، تعمير الصحراء عناية خاصة، وخصصت لها ميزانيات ضخمة وخططًا استراتيجية واعدة. تضمّنت مشروعات الإعمر تلك برامج عدة لاستصلاح الأراضي وتأسيس مجتمعات عمرانية جديدة. كان المأمول من ذلك هو التخفيف من اكتظاظ وادي النيل وإعادة توزيع السكان توزيعًا متوازنًا. بيّنت الدراسة أن تلك الخطط لم تحقق عبر العقود الماضية إّلا أقل قدر من أهدافها، سواء السكانية أم الزراعية أم الصناعية. ولم تجذب المدن الجديدة ومشروعات الاستصلاح الضخمة الأعداد المليونية التي وعدت بها الخطط. حاولت الدراسة تفسير هذه النتائج المتواضعة من خلال مقارنتها بالمستهدفات الضخمة لخطط التنمية، وبيّنت أن الفكر التخطيطي والتنفيذي قد استلبه الاهتمم بجانب العرض المعزّز لخطاب شرعية الإنجاز، دون الطلب الذي يعكس الحاجات الفعلية للمواطنين. وأهملت السياسات أيضًا تقييم نتائج مشروعات العمران السابقة، ولم تقف عند أسباب ضعفها. وأخيرًا، أوصت الدراسة بضرورة ترشيد صناعة القرار المتصلة بمجالات العمران، والاهتمم بتدقيق وشفافية البيانات الخاصة بمشروعات الإعمر والتنمية.
Abstract
Abstract: Over the past half-century, successive Egyptian governments have placed special emphasis on desert development. Large budgets and strategic plans have been allocated, including extensive reconstruction projects for agricultural reclamation and the establishment of urban communities, particularly those focused on industry and coastal tourism. The stated objective was to alleviate population pressure in the Nile Valley by more evenly redistributing growth between the Valley and the desert. However, the study found that urbanization and reclamation plans achieved only a fraction of their intended goals, whether related to polulation relocation, agriculture, or industrial development. All new cities and massive reclamation projects failed to attract the millions of people promised in the plans. The study noted that planners and policymakers focused primarily on the supply side, often at the expense of addressing actual demand. Additionally, there was a lack of evaluation of previous construction projects to identify the reasons for their shortcomings. In its recommendations, the study emphasized the importance of strengthening decision-making in urbanization and desert development.
- سياسات العمران
- التخطيط العمراني
- مصر
- المدن الجديدة
- استصلاح الأراضي
- Egypt
- Urban Policies
- Urban Planning
- Desert Reconstruction
- Land Reclamation
- New Cities
مقدمة
توسّعت مصر في مشروعات تعمير الصحراء منذ سبعينيات القرن العشرين، عبر خطط استراتيجية متتابعة، تضمّنت أعمل استصلاح زراعي واسعة، وبناء عشرات المدن الجديدة. وحتى عام 2024، وصل عدد تلك المدن إلى 43 مدينة، أُنشئت بالفعل، أو ما زالت قيد الإنشاء1. وتبنّت الحكومات كذلك خططًا تستهدف نقل الصناعات من الوادي إلى الصحراء، فضلًا عن خطط لتنمية المحافظات السياحية التي لها امتداد صحراوي. أطّرت تلك الخطط مجموعة من الأهداف الكبرى، أبرزها تخفيف الاكتظاظ السكاني في الوادي والدلتا، وإعادة توزيع الكثافة السكانية في بلد تبلغ مساحته مليون كلم 2، بينم يتركز ساكنوه في مساحة لا تتجاوز 11 في المئة منها2. الملاحظ بالنسبة إلى هذه المشروعات الضخمة أنها لم تحقق إّلا قدرًا متواضعًا من أهدافها المعلنة، وعلى الرغم من ذلك، فإن المخططين الحكوميين ما زالوا يكررون السياسات نفسها، من دون تقييم جدي لنواتج ما سبق من خطط، والبحث عن أسباب تواضع نتائجها. وتُبّين البيانات التي توفرها الحكومة نفسها عدم توسّع التوزيع السكاني على الرقعة الجغرافية بأكثر من 8 في المئة خلال سبعة عقود3، وهي نسبة لا يمكن مقارنتها، في أي حال، بالأهداف المعلنة في خطط التنمية السابقة، التي وعدت بتوسيع رقعة المعمور إلى ما يراوح بين 20 و 32 في المئة. ولم تستطع المدن الجديدة جذب الملايين من السكان، كم وعدت تلك الخطط. يحتاج هذا الإخفاق في تحقيق الأهداف الكبرى لسياسات تعمير الصحراء المصرية إلى نظرة فاحصة. من هنا، تسعى هذه الدراسة لبيان أبعاد هذا الإخفاق ومسبّباته، من خلال تحليل الخطط الحكومية ومقارنتها بالنتائج الفعلية خلال النصف قرن الماضي، وبيان العوامل التي عرقلت إنجاز أهدافها. وتطرح الدراسة أيضًا، للتحليل، بعضَ النمذج القطاعية الدالّة على إشكالات إنجاز التوسع في قطاعات العمران الزراعي أو السكني أو الصناعي في مصر4، وذلك من خلال السؤال عن: كيف فشلت سياسات استصلاح الصحراء في مصر في تحقيق أهدافها الكبرى على مدار نصف قرن؟ ولماذا؟5تعتمد الدراسة في الأساس على البيانات الحكومية الخاصة بمشروعات التوسع العمراني والزراعي وما يتصل بها من مؤشرات اقتصادية، تخص العمل والنموّ وغيرهم، كم تعتمد على ما يرصد من الإشغال السكني أو الصناعي، استنادًا إلى عدّة مصادر، منها التعداد العام للسكان في مصر، وما أُجري منه خلال مدة الدراسة
(1986، 1996، 2006، 2017)، وتعزّز ذلك بتقييمت لظواهر متصلة بالإشغال السكني ويحوطها التناقض، مثل ظاهرة الوحدات السكانية المغلقة في أثناء أزمة الإسكان. وتنظر الدراسة في بيانات ظاهرة العشوائيات في المدن والمحافظات الكبرى، التي تتسع بالتوازي مع إنشاء المدن الجديدة. تنطلق الدراسة من نواتج أبرز الأدبيات السابقة التي تناولت الموضوع. وكانت القضية محل اهتمم علمي متصاعد منذ التسعينيات، نحا إلى نقد سياسات استصلاح الأراضي الصحراوية في مصر، ولا سيم سياسات الاستصلاح لأغراض زراعية وسكنية، ومنها مشروع توشكى الذي نال الجانب الأكبر من النقد. وتنوّعت الكتابات النقدية الجزئية التي ركزت على جانب أو أكثر من سياسات العمران بمفهومها الأوسع الذي لا يقتصر على الزراعة والسكن فحسب، بل يمتد إلى الصناعة والسياحة والتعدين وغيرها. يشير مسح جزئي للدراسات العمرانية في المكتبة المركزية لجامعة القاهرة إلى أربعة اتجاهات نقدية في دراسة السياسات العمرانية في مصر: الاتجاه الأول نقدي من منظور سياسي، يركز على سياسات تخصيص الأراضي واختلالاتها وأوجه الفساد المتصلة بها6؛ الاتجاه الثاني نقدي من منظور استراتيجي، يركز على جدالات تعمير سيناء وأسباب فشلها من حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 إلى الآن7؛ الاتجاه الثالث نقدي أيضًا من منظور عمراني، يركّز على دراسات التخطيط العمراني ومعايير تقييمها من منظور الاختصاص الفني8، ويتفرّع منه اتجاه تقييم جزئي، يختص في تحليل مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية وآثارها9. مالت الدراسة إلى التركيز على تقييم الأهداف العمرانية الكبرى لسياسات تعمير الصحراء المصرية، في النواحي الزراعية والسكانية والصناعية. وتوسّلت في ذلك النواتج التي قدّمتها بعض الدراسات النقدية الحديثة في التخطيط العمراني التي تنطلق من نقد الخطاب العمراني الحكومي الذي يرتكز على مسألة الكثافة السكانية العالية في الوادي والدلتا11. واستعانت أيضًا بعدد وافر من الدراسات الأكاديمية ورؤى المتخصصين في العلوم السياسية والاقتصاد والجغرافيا.
، قُسّمت الدراسة، لإنجاز غايتها البحثية، ثلاثة مباحث. يشمل أولها عرضًا وتقييمًا لخطط الاستصلاح الزراعي ويضم محورًا عن نقد البيانات الحكومية وما تشتمل عليه من محاولات لستر عجز التنفيذ والتعمية على الفجوة بين المنفذ بالفعل وما جرى الترويج له والوعد به في الخطط الخمسية، كم يضم محورًا عن تفسير إخفاق الخطط من منظورات ديموغرافية وسياسية مركبة، مع لفت النظر إلى أهمية إعادة تحليل ظاهرة وضع اليد ودلالاتها. بينم يعرض المبحث الثاني تقييمًا لخطط المدن الجديدة وما تحقق من أهدافها السكانية بالفعل بعد مرور عقود على إطلاقها، مع تفسير ضعف الهجرة إليها، وتحليل ظاهرة الوحدات الشاغرة ودلالاتها. أما المبحث الثالث، فيعرض تقييمًا لخطط نقل الصناعات إلى خارج المدن المكتظة، إلى الصحراء، وأسباب إخفاقها في جذب أصحاب الصناعات المتوسطة والصغيرة، أو من يطلق عليهم أصحاب الورش الصغيرة، إضافة إلى تقييم مدينة دمياط للأثاث باعتبارها أول حالة نموذجية يعترف فيها السياسيون بأن تجاهل ظروف المجتمع والفئات المستهدفة من عملية التخطيط المركزية لمشروعات التنمية الإقليمية هو السبب الرئيس لإخفاقها في تحقيق أهدافها.
أولًا: خطط الاستصلاح الزراعي للصحراء يف مصر
يتناول هذا المبحث تقييمًا لخطط الاستصلاح الزراعي للصحراء، ويضم محورًا عن نقد البيانات الحكومية وما تشتمل عليه من محاولات لستر عجز التنفيذ والتعمية على الفجوة بين المنفذ بالفعل وما جرى الترويج له والوعد به في الخطط الخمسية، كم يضم محورًا عن تفسير إخفاق الخطط من منظورات ديموغرافية وسياسية مركبة، مع لفت النظر إلى أهمية إعادة تحليل ظاهرة وضع اليد ودلالاتها بالنسبة إلى الخطط والسياسات.
. 1 التقييم بحسب المساحات المستصلحة بالفعل
بدأ الرئيس جمل عبد الناصر (1970-1954) في الخمسينيات بالترويج لفكرة الخروج إلى وادٍ جديد12 موازٍ لوادي النيل، ويمتد بطول الصحراء الغربية عبر مشروعات للاستصلاح، أُدرجت في الخطة الخمسية الأولى التي صدرت في عام 1959. استهدفت تلك المشروعات في جملتها استصلاح نصف مليون فدان في المرحلة الأولى، واعدة بأن تزيد في المراحل التالية إلى ثلاثة ملايين فدان15. بعد حرب 1973، صاغ الرئيس محمد أنور السادات مصطلح "غزو الصحراء"، وقدّم خريطته الجديدة عن مصر، مستحدثًا فكرة المدن الجديدة ومشروعات الاستصلاح الضخمة التي وعد بأن تستوعب الملايين من السكان بحلول عام.2000 استمر هذا الاتجاه بالإعلان عن خطط الاستصلاح الضخمة في عهد الرئيس محمد حسني مبارك الذي أطلق في عام 1987 مشروعًا لتوزيع الأراضي الصحراوية المستصلحة على الشباب الخريجين. وهو المشروع الذي عرف
بقرى الخريجين. وبعده بعقد، أطلق خطة مصر للتنمية الحضرية (2017-1997)، بهدف إعادة توزيع 24.4 مليون شخص في مناطق التعمير، على مدى 20 عامًا. وكان الوعد بأن يقطن 13.3 مليون شخص منهم في 44 مدينة جديدة، ويعمر البقية مشروعات لاستصلاح الأراضي الصحراوية، تصل مساحتها إلى 4.3 ملايين فدان. تضمّن ذلك مشروع توشكى الضخم. وفي عام 2005، أطلق مبارك مخطط عنون بقرى الظهير الصحراوي، الذي تضمّن بناء 400 قرية في أراضٍ مستصلحة، مساحتها مليون فدان، واعدًا أن تستوعب، بحلول عام 2022، خمسة ملايين شخص. نتبّين في واقع التنفيذ التباين الكبير بين المستهدف تخطيطًا والمتحقق فعليًا؛ ففي عهد الرؤساء الثلاثة، لم تنجح الحكومات في إنجاز الأرقام المستهدفة، سواء على صعيد المساحة المزروعة، أو على صعيد توفير فرص العمل وتوطين السكان. تُظهر البيانات الحكومية أن جملة الأراضي المستصلحة خلال ستين عامًا (-1952 2011) لم تتجاوز 3.77 ملايين فدان. وهو رقم ضئيل، مقارنة بالمُعلن في الخطط، ولا يستوعب حتى حجم الزيادة السكانية المضافة خلال تلك الفترة16. بلغت المساحات المستصلحة المسجلة في فترة الرئيس عبد الناصر قرابة 888 ألف فدان، 60.4 منها استصلحت خلال الخطة الخمسية الأولى (1965-1960)، بينم استصلحت نسبة 30.7 في المئة منها خلال الخطة الخمسية الثانية (1970-1965)، وسبقهم استصلاح 8.9 في المئة خلال 13 عامًا، بين قيام الثورة في عام 1952 وبدء أول خطة خمسية في عام.196517أما في فترة الرئيس السادات، فهبطت، بشدة، نتائج الاستصلاح الزراعي؛ إذ لم تتجاوز 80 ألف فدان21. ويُفسر ذلك بتوجيه غالبية الإنفاق العام إلى الجهود الحربية في استعدادت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حيث أدّت هذه الحروب إلى تبعات اقتصادية أثّرت كثيرًا في مشروعات الاستصلاح. أما خلال فترة الرئيس مبارك الممتدة طوال ثلاثين عامًا، فقد تجاوزت مساحة المستصلح 2.2 مليون فدان، بمتوسط 69 ألف فدان سنويًا في فترة حكمه. وقد وُزّعت كالتالي: 1.3 مليون فدان (1992-1981)، 443 ألف فدان (2000-1993)، 515 ألف فدان (2011-2001. وقد ارتفع حجم المساحة المزروعة خلال هذه الفترة)22نحو 2.74 مليون فدان، ليصل الحجم الإجملي إلى 8.74 ملايين فدان في عام 2011، مقارنة بنحو 5.87 ملايين فدان حين توّلى مبارك السلطة في عام 1981. وتجدر هنا الإشارة إلى فجوة بيانية في فترة مبارك، حيث23
زاد حجم المزروع من الأراضي على حجم المستصلح بنحو 500 ألف فدان. والشائع أن تأتي بيانات المستصلح أقل من المزروع25.
الجدول (1) تطور المساحات المستهدفة والمستصلحة في مصر خلال الخطط الخمسية (2021–1952)
| نسبة المساحات المستصلحة إلى المساحات المستهدفة (في المئة) | المساحات المستهدف استصلاحها (ألف فدان) | المتوسط السنوي (ألف فدان) | المساحات المستصلحة (ألف فدان) | الخطة الخمسية |
|---|---|---|---|---|
| - | - | 34.6 | 1038.6 | 1982/1981-1953/1952 |
| 29.8 | 637.7 | 38.0 | 189.8 | 1987/1986-1983/1982 |
| 113.4 | 750 | 170.2 | 850.8 | 1992/1991-1987/1986 |
| 67.0 | 872 | 116.8 | 584 | 1997/1996-1993/1992 |
| 22.8 | 580 | 26.4 | 132 | 2002/2001-1998/1997 |
| 40.6 | 803 | 65.3 | 326.4 | 2007/2006-2003/2002 |
| 22.6 | 825 | 37.3 | 186.4 | 2012/2011-2008/2007 |
| 28.6 | 1500 | 71.6 | 430 | ((1(2021-2015 |
وتؤكد نتائج مشروع توشكى الضخم، بعد مرور 15 عامًا على إطلاقه في عام 1997، الإخفاق في إنجاز مستهدفات خطط الاستصلاح في عهد مبارك26؛ ويُظهر تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات أن جملة المساحة المزروعة في المشروع، في 30 حزيران/ يونيو 2010، لم تتجاوز 23 ألف فدان. ولا تمثّل هذه المساحة سوى 6.6 في المئة من المساحات التي جرى تخصيصها للمستثمرين، والبالغة 343 ألف فدان، وتمثّل 4.2 في المئة
من إجملي مساحة المشروع نفسه، البالغة 540 ألف فدان27. وعلى الصعيد السكاني، لم يصل عدد الذين وطنوا في المشروع حتى عام 2006 أكثر من 2655 شخصًا، وبما يقل عن 1 في المئة من الملايين الثلاثة المعلنة مستهدفًا حتى عام.201731بالمثل، جاءت نتائج مشروع قرى الظهير الصحراوي ومشروع استصلاح المليون فدان الذي بدأ في عام 2005 متواضعة؛ فحتى عام 2013، كان مجمل ما تم بناؤه من مستهدف الأربعمئة قرية هو 13 قرية فقط، وبقيت 49 قرية أخرى قيد الإنشاء، ولم يتم استصلاح المليون فدان المستهدفة، بل أقيمت القرى على أراضٍ غير صالحة للزراعة، ولم تُخصّص أراضٍ مستصلحة للمستفيدين من البيوت الريفية، وبقيت غالبية القرى خاوية من السكان لعدم توصيل مياه الشرب إليها، أو لبنائها في مناطق الكثبان الرملية، أو في مخرّات للسيول32. حدت هذه الحال بالجهاز المركزي للمحاسبات إلى رفع تقرير ينتقد إهدار نصف مليار جنيه على هذه القرى التي لم تستغل، ولم يُستفَد منها إّلا بنسب ضعيفة جدًا33. تشير بيانات الاستصلاح الزراعي في فترات ما بعد مبارك إلى استمرار النتائج الضعيفة؛ حيث بلغ حجم المساحات المستصلحة خلال الفترة 2021-2011 قرابة 497 ألف فدان، بمتوسط 45 ألف فدان سنويًا فقط35. وقد بلغ إجملي المساحة المزروعة المضافة إلى الرقعة قرابة 500 ألف فدان خلال الفترة نفسها، ما يشير إلى تحوّل المساحات المستصلحة كلها تقريبًا إلى الزراعة من دون فقد36.
2. إشكالية قراءة بيانات الاستصلاح الرسمية
نشير هنا إلى ثلاث ظواهر تخص البيانات، تُبّين جانبًا من مصاعب الدراسة، وفي الوقت نفسه، تُبّين كيف غلب الخطاب السياسي وغاياته الدعائية على توظيف البيانات الرسمية وعرضها.
لا تسعف المصادر البيانية الحكومية عن استصلاح الأراضي، وأبرزها النشرة التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بصورة دورية، الباحثين في تبّين حقيقة الموقف وتقييمه. هذه النشرة، وعلى الرغم من أهمية
ما تقدمه عن حالة الاستصلاح في البلاد منذ الستينيات، فإنها غير كافية لتقييم تطور قطاع الزارعة في مصر؛ إذ تُغفل عددًا من الظواهر المرتبطة بهذا التقييم، مثل تآكل الرقعة الزراعية نتيجة التعديات والبناء العشوائي وتغيير النشاط، أو لأسباب نزع الملكية لأغراض إنشاء المرافق العامة، كم تُغفل ظاهرة الأراضي المستصلحة زراعيًا عبر نظام وضع اليد المحظور قانونًا. وفي بعض الأحيان، لا يجري التمييز في بيانات الاستصلاح بين ما أُنجز فعليًا، وهو كم بيّنت الإحصاءات المشار إليها سابقًا محدود، ووعود الاستصلاح الضخمة المستهدفة في خطط المشروعات الكبرى، التي تكون بمئات الآلاف أو ملايين الأفدنة. أضف إلى ذلك الخلط بين المساحات المستصلحة وتلك المزروعة بالفعل. ونتبّين من التقارير تكرار ظاهرة تأخر زراعة الأراضي المستصلحة سنوات عديدة، بسبب معوّقات بيروقراطية، على الرغم من تجهيزها ومد مرافقها. ومن تلك المعوّقات التسويف في إجراءات التخصيص وتوقيع العقود، وإجراءات عروض المناقصات والمزادات العامة، خاصة في الأراضي الخاضعة للهيئات الحكومية، مثل الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية. وتسهم في ذلك أسباب أخرى مثل انقطاع التيار الكهربائي عن طلمبات الري العاملة التي تعمل بالكهرباء37، أو ضعف مصادر المياه41، وهي ظاهرة متكررة في الأراضي الصحراوية المستصلحة، خاصة في المناطق المخصصة للشباب الخريجين42.
يُعزّز نقدنا ما كشفته نتائج دراسة تقييمية صادرة في عام 1999، بالتعاون بين هيئة المعونة الأميركية ووزارة الزراعة المصرية، أشارت إلى أن 58 في المئة من الأراضي المستصلحة فقط قد زُرعت، و 24 في المئة منها صنّفت باعتبارها منتجة على نحوٍ فعال43. ويشير كذلك ديفيد سيمز إلى وجه مهم من وجوه نقد البيانات الرسمية بشأن استصلاح الأراضي في ما وصفه ب "لعبة الفدان" Acres the of Game، حيث تتعمّد الجهات المصدّرة الإحصاءات الرسمية عدم التمييز بين عدد ما هو مستصلح من أفدنة وعدد المزروع منها. ويكون الناتج هو نشر أوهام عن إنجازات لم تحقق غايتها التنموية، وتتجاهل الهدر الناجم عن تدهور جزء كبير من الأراضي المسلّمة للاستصلاح بسبب ارتفاع درجات الحرارة ومشكلات المياه وضعف إنتاجية الأراضي الجديدة، بما يصل إلى النصف، مقارنة بالأراضي القديمة، ما يجعل المزراعين يتركونها معطلة عدة أشهر44. مثال على ذلك، أشارت الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية إلى أن مساحة الأراضي المستصلحة بلغت 2.6 مليون فدان بين عامي 1952 و 1997، بينم أشارت تقديرات أخرى لوزارة الموارد المائية والري (استنادًا إلى بيانات وزارة التخطيط) إلى أن العدد لا يتجاوز 1.6 مليون فدان، منها 815 مليون فدان زُرِعت بالفعل. أما مشروع توشكى العملاق، فهو مثال على هذا التضارب، حيث جرى الإعلان عن المشروع مرات عديدة منذ عام 1997 من جهة
الحكومات المصرية المتعاقبة، بالمستهدف نفسه الذي يزيد على نصف مليون فدان، ليتضح في عام 2004 أن ما يقارب 1500 فدان فقط هو ما زُرع بالفعل، ترويه قناة مائية واحدة، تم إكملها من أصل ثلاث قنوات مائية كانت مخططة. وينحو سيمز إلى أن الحكومة المصرية قد مارست عمدًا خلط البيانات لأغراض دعائية، أو ما سّما ه "لعبة الفدان"45. تشير المفارقات السابقة إلى ضرورة التدقيق في بيانات الأراضي المستصلحة سنويًا من حيث دخولها إلى حيّز الزراعة بالفعل ومتابعة حالتها الإنتاجية، مقارنة بغيرها، للوصول إلى تقييمت دقيقة لأوجه النجاح والإخفاق.
يجدر ضم الإحصاءات الخاصة بظاهرة فقدان الأراضي الزراعية في مصر سنويًا، سواء في شقّها المتعلق بالتعديات والبناء العشوائي، أو فى شقّها الآخر الخاص باستقطاع أجزاء منها لأغراض المرافق العامة، مثل الطرق والكباري والمياه والصرف الصحي والغاز والكهرباء وخلافه، ومن آثارها تآكل المساحات المزروعة. تظهر تقديرات لوزارة الزراعة فقدان الرقعة الزراعية نحو 376 ألف فدان تقريبًا في الفترة 2018-1983. ويضيف تقرير صادر من46الإدارة المركزية لحمية الأراضي في وزارة الزراعة، في عام 2018 أن تلك الأراضي المفقودة تتوزع بين 139 فدانًا تعديات، و 72 ألف فدان لمشروعات المرافق العامة، و 163 ألف فدان لتوسيع الأحوزة العمرانية للقرى والعزَب والنجوع بجميع محافظات الجمهورية. وقد بلغ عدد التعديات على الأراضي الزراعية خلال الفترة 2018-2011 نحو 1.9 مليون مخالفة، أضرت بمساحة 84 ألف فدان تقريبًا. أُزيل منها 28 ألف فدان، بنسبة 33 في المئة من إجملى التعديات، بينم بقي 56 ألف فدان تقريبًا فى إطار تنفيذ قرارات الإزالة التي تشدّد عليها الحكومة الحالية أكثر من أي حكومة أخرى كانت. ويكشف التقرير أيضًا عن أن إجملي مساحة التعديات على الأراضي الزراعية بداية من صدور قانون التعديات في عام 1983 إلى 24 كانون الثاني/ يناير 2011 (أي قبل الثورة بيوم واحد)، بلغت 103 آلاف فدان، أزيل منها 58 ألف فدان تقريبًا حتى عام.2018 تُدرج تحت هذه الزاوية الإحصائية المهمّشة ظاهرة أخرى يجري تجاهلها في إطار تحليل تطورات الرقعة الزراعية ومساحات الاستصلاح السنوية، تختص في تحايل بعض الشركات ورجال الأعمل على أغراض مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية التي خُصّصت لهم بأسعار رمزية، بغرض زراعتها للمساهمة في نمو الرقعة الزراعية وزيادة الإنتاج الغذائي، وذلك بتحايلهم على الهدف الزراعي، بتحويل تلك الأراضي إلى البناء الفاخر، ابتغاء التربح السريع47. وتحضر هذه الظاهرة في جدالات الفساد، في حين يظل إحصاؤها غامضًا، في غياب البيانات الرسمية عن حجمها.
كم يُدرج ضمن تقدير الأراضي الزراعية المفقودة المشروعات الحكومية التي تقوم بتبوير الأراضي الزراعية، لتشييد المرافق، مثل محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق، خاصة السريعة منها المرتفعة عن سطح الأرض، التي يزيد عرضها على 50 مترًا (إحصاء قرارات نزع الملكية وتحليل مساحتها، يمكن أن يساعد في إحصاء مساحة الأراضي المفقودة من ذلك)48، إضافة إلى المشروعات العقارية التي تُقام على أراضٍ زراعية، مثل مشروع جزيرة الوراق الجديدة49 الذي يتسبب في هدر 1500 فدان زراعي (مساحة الجزيرة التي ظلت زراعية وسمكية سنوات طويلة)51 لمصلحة مشروع بناء سلسلة من الفنادق السياحية والمباني السكنية والتجارية على النيل، بالشراكة مع مستثمرين إماراتيين52، إضافة إلى ذلك يمكن ضم المساحات المهدورة من الأراضي الزراعية المفقودة في مشروع تطوير القرى المصرية (حياة كريمة)53، ومشروعات تطوير عواصم المحافظات التابعة لصندوق التنمية الحضرية. يمكن أن يسهم إحصاء الأراضي المهدورة، من كل هذه العناصر المهمشة ومتابعتها دوريًا، في تقديم بيانات سنوية دقيقة عن صافي المساحة المزروعة في مصر وتطوّراتها صعودًا وهبوطًا، ما سيساعد بطبيعة الحال في ترشيد صنع القرار المتصل بمجالات العمران المختلفة في البلاد.
عادة ما ينظر إلى ظاهرة وضع اليد على الأراضي واستصلاحها، من دون إذن من الحكومة، بوصفها ظاهرة عشوائية غير قانونية، ومحل مقاومة واشمئزاز من الحكومة، لكن نتائج هذه الظاهرة كانت إيجابية من حيث إضافتها آلاف الفدادين إلى الرقعة المستصلحة. يقسّم سيمز وضع اليد قسمين: الأول، ينشأ ضمن نطاق صغير وتدرّجي كامتداد للحقول، ويجري تطبيع وجوده بمرور الوقت، ويقوم به الأهالي بصورة عرفية؛ أما النوع الثاني، فيتم على نطاق أوسع، حيث شركات محلية يملكها بعض كبار الملاك. والملاحظ أن وضع اليد يؤدي دورًا معاكسًا للدور الذي يقوم به التحايل على أغراض الاستصلاح وتحويل الأرض من نشاط زراعي إلى نشاط سكني أو سياحي بعد تخصيصها. يتورط في هذا الكثير من الشركات ورجال الأعمل ممن حصلوا على قرارات التخصيص، وبمساحات كبيرة. وقد عجّت المحاكم المصرية بعشرات النزاعات القضائية التي تظهر حجم هذه الممرسة غير القانونية وأرباحها الضخمة منذ عام 2009 وحتى بعد ثورة 25 يناير 2011، من أبرزها نزاعات مدينتي بالم هيلز وسوديك54.
من الغريب أن تتجاهل الهيئات الحكومية الرئيسة المسؤولة عن استصلاح الصحراء إسهام ظاهرة وضع اليد المحلية في الاستصلاح، ولا سيم وزارة الري والموارد المائية والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية. وبحسب الأرقام الصادرة عن وزير الزراعة، فقد بلغت المساحة الإجملية لأراضي وضع اليد بحلول عام 2006، نحو 1.3 مليون فدان، بينم أشارت مصادر أخرى في عام 2010 إلى مساحة إجملية "لا تقل عن مليوني فدان"55. من هنا نتفق وسيمز على ضرورة تنويع النظرة إلى ظاهرة وضع اليد بحسب نتائجها. فالمناطق الصحرواية المنخفضة التي لا تحتاج إلى تكاليف في رفع المياه، يُعدّ استصلاحها بطريقة الأهالي جادًا ومربحًا، ويحقق مصالح الدولة والمجتمع معًا، ويسهم جهد الأهالي في إنجازها بسرعة كبيرة، وتشير عدة حالات إلى إمكان جني أول محصول في غضون ستة إلى ثمانية أشهر من بدء الاستصلاح، مقارنة بسنوات يستغرقها أصحاب الحيازات الصغيرة في مشروعات الاستصلاح الحكومية التي تعوّقها الإجراءات الشكلية وتعقّد البيروقراطية والفساد، ما يجعل المقارنة لمصلحة نمط الاستصلاح الأهلي ذي السرعة والإنجاز والإنتاجية العالية. نحن أمام مساحة من الأرض تعادل أكثر من نصف ما أنجزته عمليات الاستصلاح الصحراوي الرسمية على اختلاف أنواعها56. في عرضٍ للبيانات المجموعة عن الأراضي الجديدة، الواردة في تقرير للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، صادر في عام 2000، لوحظ إغفال إحصاءات ما سمّه التقرير "استصلاح الأراضي العشوائية"، فلا يظهر لها تسجيل أو قياس لمدى الإنجاز. يتجنّب المسؤولون الحكوميون الاعتراف باستصلاح وضع اليد، بوصفها ظاهرة يحتقرونها ويرغبون في زوالها، ولعل هذا يتشابه بصورة كبيرة مع المواقف الحكومية تجاه السكن العشوائي في المناطق الحضرية (العشوائيات)، ولا سيم في إقليم القاهرة الكبرى57.
3. تفسير الإخفاق
على الرغم من طرح أرقام متفائلة جدًا في بعض الأحيان حول عشرات الآلاف من فرص العمل التي قد يولّدها مخطط معّين للاستصلاح، فإن البيانات بشأن كمية الوظائف وأنواعها، التي يتم إنشاؤها في مناطق الاستصلاح، محدودة جدًا، باستثناء مخططات الخريجين ومشروعات أصحاب الحيازات الصغيرة الأخرى. فلمذا لا تستطيع الأساليب السائدة لاستصلاح الصحراء خلق وظائف دائمة، أو توفير فرص عيش جديدة خارج الوادي والدلتا؟ وفي الإمكان هنا طرح تفسيرين لذلك:
خلال وضع المخططات الأصلية لهذه المشروعات، تجاهل المخططون الخصائص الاقتصادية والديموغرافية المؤثرة، الأمر الذي استمر حتى بعد عقود طويلة من إطلاق تلك المخططات، ما أعاد إنتاج إخفاقاتها. يطرح سيمز أسبابًا لهذا الإخفاق أبرزها:
اعتمد معظم عمليات استصلاح الصحراء على المستثمرين من القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، وعلى أنماط الزراعة الخاصة بالشركات، التي تجاوزت 75 في المئة من إجملي الأراضي المستصلحة في المتوسط، وكذا على ما يقوم به أصحاب الحيازات الصغيرة، ولا سيم خلال العقدين الأخيرين من عهد مبارك. تغلب على نمط الزراعة عبر الشركات كثافة مدخلات رأس المال61، أي الاعتمد على الآلات الزراعية أكثر، مع توظيف عدد أقل من العمل الدائمين، استنادًا إلى أن هذا النمط أكثر إنتاجية وأقل تكلفة من الزراعة كثيفة العملة62. يزيد الأمر في حالة الشركات الأجنبية التي تعمل في البلدان النامية، حيث تتجنب توظيف عدد كبير من العملة المحلية وتفضل الأجانب. يعزّز هذا التحليل في حالة مصر مسح أجري على حالة الوظائف في مزارع مشروع توشكى في عام 2012، وكانت نتيجته تحديد أربع وظائف شاغرة بالضبط في المنطقة بأكملها، كلها خاصة بتشغيل آلات الحصاد الضخمة المتطورة، التي لا يتأهل لها سوى عدد قليل جدًا من المصريين63. اعتمد مشروعات الاستصلاح الصحراوي العملاقة، مثل توشكى وغيره، على الري المحوري، وهو نظام يتميّز بكونه منخفض العملة، على خلاف الري بالتنقيط الذي يحتاج إلى عملة أكثر. التركيز الشديد على إنتاج المحاصيل البستانية (التفاح، والبرتقال، والزيتون)، وهي محاصيل لا تحتاج إلى الكثير من العملة، وقد استحوذ هذا النوع من المحاصيل على 18.1 مليون فدان، تمثل 42 في المئة من إجملي 78.2 مليون فدان مزروعة في الأراضي الجديدة في عام 2012-2011. وبحسب التقديرات، فإن المليون فدان المزروعة بالبساتين في صحراء مصر في عام 2012، لم تكن لتتمكن في أحسن الأحوال من توفير 40-30 ألف وظيفة دائمة على الأكثر65. ثمة أسباب مضافة عن عدم إسهام مشروعات استصلاح الأراضي في إحداث التحولات السكانية المرجوّة في مصر، منها أسباب اجتمعية خاصة بالعمل والفلاحين، وعادة ما تغفلها الحكومة أو تتجاهلها؛ فمن النادر استقرار العمل في مزارع الشركات والمستثمرين مع عائلاتهم، ليس لأن الحياة الأسرية في هذه المزارع صعبة وتفتقر إلى روابط الأهل والأصحاب والأقارب، ولا لأنها باهظة الثمن فحسب، لكن بسبب تفضيل معظم أصحاب العمل إيواء عّما لهم في مساكن جمعية غير عائلية، تعتمد على فكرة التناوب الأسبوعي أو الشهري بين العمل. وهي ظاهرة منتشرة في جميع المشروعات الصحراوية، بما في ذلك مشروعات المنتجعات السياحية والمناطق الصناعية، ما يشير إلى أهمية إدخال الأبعاد السوسيولوجية في تحليل نتائج مشروعات الاستصلاح الصحراوية في مصر، إلى جانب الأبعاد الفنية المتصلة بالأرض وتكلفتها وإنتاجيتها وغيرها.
يطرح هذا التفسيرُ الارتباطَ بين طبيعة النظام السياسي القائم، من حيث كونه ديمقراطيًا أم غير ديمقراطي، ومدى كفاءته في إدارة مشكلات البلاد؛ تزعم إيماري هيوتمان أن مشروعات الاستصلاح الكبرى للصحراء في مصر خلال العقود الماضية لم تستند إلى دراسات جدوى جادة، أو إلى تخطيط رشيد، بقدر ما كانت تستند إلى أبعاد سياسية لحكومات مأزومة، تبحث عن تسويق أي إنجاز، ولو مختلق، أمام شعبها، هربًا من مواجهة مشكلات البلاد الحقيقية التي تعجز عن حلّها. لم تبحث الدراسات السابقة، التي تناولت هذه المشروعات، عن الأسباب التي قد تدفع حكومة ما إلى إعادة إحياء مشروع ثبت فشله سابقًا بالفعل، مثل مشروع توشكى الذي وصفته هيوتمان ب "الفيل الأبيض"؛ إذ إنه استثمر مرهق، وله تكلفة باهظة، ويصعب تحقيق عوائد منه. والحال، بحسب الباحثة، هو تعمّد الأنظمة الحاكمة تجاهل المشروعات التي فشلت سابقًا، إّلا حين تُقدّر أن العائد السياسي من الإعلان عنها أكبر من عائد تنفيذها الفعلي. ربما كان هذا هو الدافع وراء طرح مبارك مشروع توشكى في عام 1997، ولم يكن الأمر سوى إعادة إحياء لمشروع تنمية جنوب الوادي الذي طرح سابقًا في عهد الرئيس عبد الناصر في عام 1958. وجرى تأطيره في دعاية النظام آنذاك في صورة وادٍ جديد موازٍ لوادي النيل، ثم تخّلى عنه عبد الناصر في النهاية لضعف جدواه، بسبب المناخ الحار ومعدلات التبخر العالية وتدهور التربة واحتوائها على مستويات عالية من الأملاح. لكن مبارك أعاد إحياءه بصورة جديدة66. وصفت الباحثة المشروع بأنه "صمم للخداع"، وأن مبارك أراد به الهروب من مواجهة الأزمة الاقتصادية من خلال الدعاية الإعلامية عن مشروعات ضخمة والادعاء أنها ستكون أمل البلاد في حل مشكلاتها المزمنة. كان عائد التكاليف الباهظة التي تكبّدها المشروع هو مجرد دعاية للشعب، مفادها أن الحكومة تسعى لحل المشكلات الاقتصادية وتستحق مساعيها أن يُصبر عليها67.
ثانيًا: التوسع الحضري يف المدن الجديدة
يعرض هذا المبحث تقييمًا لخطط المدن الجديدة وما تحقق من أهدافها السكانية بالفعل بعد مرور أربعة عقود على إطلاقها من عام 1977 إلى آخر تعداد سكاني في عام 2017، وصولًا إلى تفسير أسباب ضعف الهجرة إليها، وتحليل ظاهرة الوحدات الشاغرة ودلالاتها بالنسبة إلى الخطط والسياسات.
1. قدرة الخطط على تحقيق هدف جذب السكان
تشير الدراسات إلى أن المدن المنشَأة في عهد الرئيسين السادات ومبارك، التي كانت تستهدف جذب ما يراوح بين 5 و 6 ملايين شخص في مخططاتها الأصلية، أو أكثر، قد أخفقت في تحقيق هذا الهدف وظهرت النتائج ضعيفة بكل المقاييس71.
كان مبارك قد صرّح في خطاب أمام مجلسي الشعب والشورى، في عام 1996، أن المطلوب ليس نزوحًا رمزيًا إلى الصحراء، بل إعادة نظر كاملة في توزيع السكان في جميع أنحاء البلاد72، وفي العام التالي أطلق خطة مصر للتنمية الحضرية لعام 2017، هدفت إلى إعادة توزيع 24.4 مليون شخص على مدى 20 عامًا، في مشروعات العمران السكني والزراعي الكبرى للصحراء، حيث يذهب 13.3 مليون منهم إلى 43 مدينة جديدة، يبدأ إنشاؤها من الصفر في قلب الصحراء، والباقى جرى تخطيطه في هيئة مشروعات للاستصلاح الزراعي على مساحة إجملية تصل إلى 4.3 ملايين فدان. على النقيض، بيّنت نتائج التعداد السكاني في عام 1986 أن النمو السكاني في المدن الست الجديدة التي تم إنشاؤها في عهد الرئيس السادات كان بطيئًا جدًا. فقد بلغ عدد سكان أقدم مدينة جديدة منها "العاشر من رمضان" ثمانية آلاف و 509 أشخاص فقط، بينم سجّلت مدينتا السادات والسادس من أكتوبر أعدادًا ضئيلةً، لم تتجاوز 669 و 528 شخصًا على التوالي، أما مدينة 15 مايو، فسجلت العدد الأكبر، متجاوزة 24 ألف شخص. وبالمثل، قدّمت نتائج تعداد عام 1996 أرقامًا مخيّبة للآمال، تخص المدن العشر الجديدة بعد التوسع؛ إذ بلغ عدد سكانها كلها 190.3 ألف شخص فقط، أي ما يُعادل 0.32 في المئة من سكان مصر في ذلك الوقت. ثم جاءت نتائج تعداد عام 2006 على الشاكلة نفسها، وفي وقتها أُضيفت 12 مدينة جديدة إلى العدد القائم. لم يتجاوز عدد سكان المدن الجديدة 800 ألف شخص، منهم 600 ألف في المدن الجديدة الملاصقة للقاهرة؛ أي إن مجمل الإسهام في خلق تجمعات سكانية بعيدًا عن الوادي لم يتخطَ نسبة 1 في المئة من إجملي سكان البلاد، البالغ حينذاك 72.8 مليون شخص. تظهر نتائج تعداد عام 2017 وصول عدد سكان المدن الجديدة إلى 1.7 مليون نسمة؛ أي إنها لا تمثّل سوى 1.8 في المئة من إجملي عدد السكان، الذي وصل في ذلك العام إلى 94.8 مليون شخص. صحيح أن منحنى نمو السكان في المدن الجديدة قد تصاعد خلال العقود الثلاثة (2017-1996)، وتنامى من 190 ألف نسمة إلى 1.7 مليون شخص73، لكن عند وضع هذا العدد في مقارنة بالمستهدفات السكانية التي أعلنتها مخططات المدن الجديدة في وقت إنشائها، والتي تقدر ب 5.5 ملايين شخص في أقل التقديرات، فإن المتحقق عبر أربعة عقود يبقى أقل من 31 في المئة74. ولم مُيثّل إجملي عدد سكان المدن الجديدة خلال تلك العقود سوى 7.7 في المئة من الزيادة البالغة 22 مليون شخص في الفترة 2017-2006. يُبّين الجدول (2) صورة لنمو بعض تلك المدن.
الجدول (2) تطوّر نموّ السكان في المدن الجديدة من نشأتها إلى عام 0172 ومقارنتها بالمستهدف
| عدد السكان المستهدف | عدد السكان 2017 | عدد السكان 2006 | عدد السكان 6991 | عدد السكان 6891 | سنة الإنشاء | اسم المدينة |
|---|---|---|---|---|---|---|
| 500000 | 350000 | 157000 | 35354 | 528 | 1979 | 6 أكتوبر |
| 500000 | 91000 | 29000 | 0 | 0 | 1995 | الشيخ زايد |
| 500000 | 13000 | 44000 | 997 | 0 | 1982 | العبور |
| 250000 | 90000 | 90000 | 65560 | 24105 | 1978 | 15 مايو |
| 500000 | 87000 | 21000 | 0 | 0 | 1995 | الشروق |
| 500000 | 218000 | 124000 | 47833 | 8509 | 1977 | 10 رمضان |
| 250000 | 31000 | 17000 | 248 | 0 | 1982 | بدر |
| 500000 | 297000 | 112000 | 0 | 0 | 2000 | القاهرة الجديدة |
| 500000 | 44000 | 41000 | 7051 | 0 | 1979 | برج العرب الجديدة |
| 270000 | 50000 | 26000 | 6520 | 70 | 1980 | دمياط الجديدة |
| 70000 | 53000 | 19000 | 8140 | 461 | 1982 | الصالحية الجديدة |
| 500000 | 178000 | 28000 | 18619 | 669 | 1978 | مدينة السادات |
| 50000 | 79000 | 40000 | 0 | 0 | 1986 | النوبارية الجديدة |
| 130000 | 27000 | 17000 | 208 | 0 | 1986 | بني سويف الجديدة |
| 120000 | 15000 | 5000 | 68 | 0 | 1986 | المنيا الجديدة |
| 115000 | 8000 | 1700 | 0 | 0 | 2000 | أسيوط الجديدة |
| 60000 | 174 | 57 | 0 | 0 | 2000 | سوهاج الجديدة |
| 60000 | 21000 | 1000 | 0 | 0 | 2000 | طيبة الجديدة |
| 5380000 | 1700000 | 783103 | 190598 | 34346 | إجملي المدن الجديدة |
. 1 مسببات الإخفاق
كم بيّنا، كانت أهداف التوطين لكل مدينة جديدة تبدأ متواضعة نسبيًا، ولم تكن تصل في مجموعها إلى 4 ملايين شخص، لكن وزارة الإسكان عمدت إلى مضاعفة هذه المستهدفات تدريجًا حتى عام 1999، ليبلغ المجموع 8.1 ملايين شخص، ثم حدثتها مرة أخرى في عام 2013، إلى 20.5 مليون شخص. وعلى الرغم من هذه القفزات في الوعود، فإنه لم يتحقق منها في الواقع إّلا جزء ضئيل. فم تفسير ذلك؟ يمكن الوقوف عند بعض المداخل التفسيرية، منها:
ينتقد سيمز المخططين الحكوميين بسبب تهوينهم من بعد مسافة غالبية المدن الجديدة عن الوادي والدلتا75. وكذلك تعرقل قواعد توزيع الاستخدامات خلق المزيد من فرص العمل بسبب تحديد مناطق النشاطات الحرفية والتجارية بصفة غير مدروسة؛ وذلك على الرغم من أن قطاعات الأعمل الصغيرة والمتناهية الصغر تمثل 45 في المئة من الوظائف في البلاد، ما يعني خنق أي فرص محتملة لظهور أنشطة تجارية داعمة لاحتياجات سكان المدن الجديدة76.
ثمة تجاهل آخر لتضخم ظاهرة الوحدات الشاغرة في البلاد، حيث تظهر نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وجود 13 مليون وحدة سكنية، إما قيد الإنشاء، وإما مستكملة، لكنها خالية، مقارنة ب 22.5 مليون وحدة مأهولة. ويشكل الرقمن معًا 35.5 مليون وحدة، في بلد يتجاوز عدد سكانه 100 مليون شخص، بما يعادل 2.7 شخص لكل وحدة، ما يتفوّق على الولايات المتحدة الأميركية التي يقل فيها عدد أفراد الأسرة، مقارنة بعددها في مصر، حيث يصل المعدل الأميركي إلى 2.4 شخص لكل وحدة بحسب مكتب الإحصاء السكاني الأميركي81. لا تقتصر ظاهرة الوحدات الشاغرة أو غير المستغلة على المدن القديمة المزدحمة فحسب، بل تمتد إلى المدن الجديدة التي شيّدتها الحكومات المتعاقبة خلال العقود الأخيرة، فقد أظهرت نتائج تعداد عام 2006، أن الوحدات السكنية المغلقة تمثل غالبية الوحدات في كل مدينة جديدة حول القاهرة، وكانت المعدلات أعلى في المدن الجديدة الأخرى. فعلى سبيل المثال، بلغت معّدلّات الشواغر للوحدات في مدينتي السادس من أكتوبر والقاهرة الجديدة 61 و 63 في المئة على التوالي، بينم بلغت نسبة الشغور في مدينة الشيخ زايد 69 في المئة، وفي مدينة البدر الجديدة 71 في المئة، وفي مدينة الشروق 79 في المئة، ما يشير إلى أن عدد الوحدات المبنية يكاد يساوى عدد السكان الفعلي، بحسب عبارة تهكمية ساقها سيمز في تحليله للإشارة إلى ضخامة عدد المباني، مقارنة بعدد البشر82.
تنطوي ظاهرة الوحدات الشاغرة على ما هو أخطر من ذلك، إذا ما تم تقييمها من منظور اقتصادي محض، لما في ذلك من هدر استثمرات ضخمة (حكومية وخاصة)، كانت البلاد في حاجة ملحّة إلى إعادة توجيهها إلى أنشطة أكثر إنتاجية بديلة (صناعية، وتجارية، وزراعية)، تساعد في حل أزماتها الاقتصادية المزمنة منذ عقود (يطلق عليها سيمز ظاهرة رأس المال الميّت)83. كم يلاحظ أن جزءًا كبيرًا من رؤوس الأموال الخاصة والعامة، في المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة الكبرى خاصة، ذهب للمضاربة في مجال الإسكان، مع بقاء غالبية العقارات إما شاغرة وإما معطّلة أو متوقفة. وتمتد هذه الظاهرة من الإسكان الاجتمعي المخصص للفئات الفقيرة والمتوسطة، إلى بعض المجمعات السكنية الفاخرة المستهدفة لشرائح الميسورين والأغنياء، فعلى الرغم من نجاح هذه المجمعات/ الكومباوندات في بيع الفيلل أو الوحدات الفاخرة ذات الحدائق الخاصة، فإن العديد منها، وأحيانًا معظمها، ظل غير مشغول. لاحظ سيمز أيضًا أن بعض إجراءات وزارة الإسكان تدفع بقوة إلى تفاقم ظاهرة رأس المال الميت، عبر إلزام المواطنين المتقدمين لشراء قطع الأراضي العامة المخصصة للإسكان بضرورة دفع مقدم مالي للدولة، ثم بناء طابق أول على الأرض في غضون 3 سنوات من تسلم الأرض التي عادة ما تكون بنظام القرعة. ويدفع مثل هذا الوضع غالبية الأفراد إلى هدر جزء كبير من مدخراتهم على أعمل بناء جزئية، بهدف استيفاء الشروط الحكومية، بينم ستبقى الوحدات المبنية جزئيًا غير مكتملة سنوات، ولن يُعمّرها أحد. تشترك ملاحظات سيمز مع نتائج دراسة تقييمية أعدّها معهد التخطيط القومي فى عام 2011 عنوانها المدن الجديدة في إعادة التوزيع الجغرافي للسكان في مصر، وقد انتهت إلى فشل تلك المدن في إنجاز الأهداف المخططة لها. واستندت في تلك النتيجة إلى بيانات تعدادات عامة متتالية، أجريت في الأعوام 1986، و 1996، و 200685. وأظهرت الدراسة أن عدد السكان الإجملي فى المدن الجديدة، التي أُسّست خلال ثلاثة عقود سابقة، لم يتجاوز 903 آلاف شخص، بنسبة 5 في المئة من عدد السكان المستهدف لهذه المدن. ولم تقع الدراسة على ما يدل على أن تلك المدن حققت تغييرات ملموسة في سوق العمل، أو أسهمت في خفض مستوى البطالة، كم لم تُسهم في الحدّ من انتشار المناطق العشوائية التي كان يعيش فيها نحو 20 مليون شخص، حين إجراء الدراسة.
شهدت فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي (2014 حتى الآن)، توسعًا هائلًا في خطط تشييد المدن الجديدة بصورة قياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وذلك في إطار خطة موسّعة، أطلقها السيسي مبكرًا (2014)86، لبناء مليون وحدة سكنية، من أجل استيعاب الطلب المتزايد على السكن في البلاد، وقد بلغ عدد المدن التي أطلقت خلال الفترة 2023-2014، 22 مدينة جديدة من الجيل الرابع على مستوى الجمهورية،
باستثمرات ضخمة، وصلت إلى 975 مليار جنيه، بحسب تقديرات عاصم الجزار وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة91. بينم بلغت التكلفة الاستثمرية لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، بمرحلتيه الأولى92 والثانية، قرابة 750 مليار جنيه، قابلة للزيادة وفقًا لتقديرات رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية المصرية93. أشار وزير الإسكان إلى أن إجملي عدد الوحدات السكنية التي نُفّذت، أو تنفيذها جارٍ بمعرفة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة خلال 45 عامًا، أي منذ تأسيسها في عام 1979 وحتى نهاية حزيران/ يونيو 2023، بلغت نحو 1.33 مليون وحدة سكنية في المدن الجديدة والقرى السياحية، منها 376 ألف وحدة سكنية نُفّذت بالفعل منذ التأسيس وحتى حزيران/ يونيو 2014، ومليون و 8 آلاف وحدة سكنية نُفّذت، أو بدأ تنفيذها بين تموز/ يوليو 2014 ونهاية حزيران/ يونيو 2023، أي إن عدد الوحدات السكنية التي نُفّذت أو يجري تنفيذها بوساطة الهيئة خلال 9 سنوات من فترة السيسي، وحتى نهاية حزيران/ يونيو 2023، تزيد على ما نفّذته خلال 35 عامًا بأكثر من ضعفين ونصف الضعف (270 في المئة). كم بلغ معدل الإنفاق الاستثمري على المجتمعات العمرانية الجديدة في الفترة 2023-1978 نحو 2.36 تريليون جنيه، منها 64 مليار جنيه خلال 36 عامًا (2014-1978)، أي بمعدل إنفاق سنوي قدره 1.8 مليار جنيه، و 1.3 تريليون جنيه خلال 9 سنوات من عهد السيسي (2023-2014)، أي بمعدل إنفاق سنوي قدره 144 مليار جنيه95، ما يشير إلى ضخامة حجم الإنفاق العام الموجّه إلى إنشاء المدن الجديدة في عهد السيسي وصعوبة مقارنته بأي فترات سابقة من فرط تواضعها في الخطط والإنفاق. من الصعب الوقوف على بيانات لتقييم أهداف جذب السكان في المدن الجديدة التي شُيّدت في عهد السيسي، وربما يشكل التعداد السكاني العام المزمع إجراؤه في عام 2028 مصدرًا مُيكّن من هذا التقييم. لكن ثمة تصريحات رسمية متكررة، أهمها من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الذي قال إن المدن الجديدة، بأجيالها المختلفة، أصبحت تستوعب 12 مليون شخص96، وهو رقم ضخم جدًا، ويصعب التحقق منه، خاصة مع نسب الإشغال الضعيفة لمدن الأجيال القديمة نفسها التي لم تتجاوز 1.7 مليون شخص بحسب آخر تعداد (2017). وإلى الآن لا يتوافر مصدر عن بيانات الإشغال الخاصة بال 22 مدينة الجديدة المشيّدة في عهد السيسي، ولا نتوقع أن تكون نسبًا كبيرة نظرًا إلى حداثة تشييدها. والحال أن عدد الوحدات السكنية
الجديدة التي شيّدتها هيئة المجتمعات العمرانية في 45 عامًا، حتى حزيران/ يونيو 2023، لم تتجاوز 1.33 مليون وحدة، بحسب وزير الإسكان، وبالتقريب مع متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر، فمن الصعب أن يتجاوز العدد 5.3 ملايين شخص، ذلك لو افترضنا عدم استمرار ظاهرة الوحدات الشاغرة التي سبق ذكرها. وفي المدن الأسبق، حالَ بُعد المسافة، وضعف فرص العمل، وارتفاع تكلفة المعيشة في المدن الجديدة، مع ضعف خدمات التعليم والصحة والأمن وغيرها، دون إقبال السكان على العيش الدائم فيها. تزعم وزارة الإسكان أن مشروعات الإسكان والمرافق في عهد السيسي قد نجحت في توفير 6.5 ملايين فرصة عمل، منها 2.9 مليون فرصة عمل مباشرة. وعزَت ذلك إلى نجاحها في إحداث رواج بالأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة بقطاع التشييد والبناء، وقدّم الوزير تفاصيل عن حجم التجهيزات في المدن والمستهلك من مواد في إنشائها، واسترسل في شرحها بدقة ولم تتضمن التصريحات أي شيء عن حجم توطين البشر في تلك المدن، على الرغم من أنها مهمة تتكلّف بها وزارته. يُظهر مثل هذا التصريح من أقطاب الحكومة استمرارَ حكومات ما بعد مبارك على النهج نفسه في تخطيط المدن الجديدة، وإغفالها تقييم نتائج النمذج السابقة، خصوصًا أن الدراسات المتوافرة تؤكد ضعف المدن الجديدة عن تحقيق أهدافها التخطيطية والتنموية، سواء في جذب السكان أم في خلق الوظائف. ويبدو النهج المهيمن منصبّا على التشييد، مكرّرًا الافتراض الذي حكم خطط العمران السابقة، ومبيّنًا محدودية صحته، من أن توفير بنية عقارية كافٍ بذاته لجلب السكان.
ثالثًا: نقل الصناعات والإخفاق يف توزيع الفرص الاقتصادية بين الوادي والمدن الجديدة
يعرض هذا المبحث تقييمًا لخطط نقل الصناعات خارج المدن المكتظة إلى الصحراء، وأسباب إخفاقها في جذب أصحاب الصناعات المتوسطة والصغيرة، أو ما يطلق عليهم أصحاب الورش الصغيرة، إضافة إلى تقييم مدينة دمياط للأثاث، باعتبارها أول حالة نموذجية يعترف فيها السياسيون بأن تجاهل ظروف المجتمع، والفئات المستهدفة من عملية التخطيط المركزية لمشروعات التنمية الإقليمية، هو السبب الرئيس لإخفاقها في تحقيق أهدافها.
1. خطط نقل الصناعات يف التسعينيات
أصدرت الحكومة في منتصف الثمنينيات قرارات متعددة على المستويين المركزي والمحلي، توجّه بنقل الصناعات إلى الصحراء. وكان المجلس القومي للخدمات والتنمية الاجتمعية قد دعا في عام 1988 إلى إغلاق إقليم القاهرة الكبرى أمام التنمية الصناعية، ووقف إنشاء مصانع جديدة، مع نقل الموجود منها إلى المدن الجديدة. وأوصى بتوزيع الصناعات بين تلك المدن، خصوصًا القريبة من المحافظات الطاردة للسكان، أملًا في توطين الفائض السكاني في تلك المحافظات والحدّ من الهجرة إلى القاهرة. ونشطت
الأجهزة المحلية في تخليص المدن مم اعتبرته أنشطة غير مرغوب فيها، بما في ذلك ورش الإصلاح والصيانة وأعمل الحديد والمسابك والمدابغ وغيرها من الصناعات الصغيرة. وكانت مدن الصحراء هي الوجهة المفضلة دائمًا لعمليات النقل المخططة. مثال ذلك برنامج مدعوم من الاتحاد الأوروبي، بدأته محافظة القاهرة عقب زلزال عام 1990، بالتعاون مع الهيئة العامة للتنمية الصناعية ومركز تحديث التصنيع، استهدف نقل المئات من مؤسسات دباغة الجلود إلى مدينة بدر الجديدة، التي تبعد عن مركز المحافظة نحو سبعين كيلومترًا. تحقق مثل هذه الخطط هدفًا جزئيًا على مستوى نقل بعض الصناعات الثقيلة والأكبر حجمًا، لكنها فشلت في جذب الصناعات المتوسطة والصغيرة المتغلغلة في المدن والمحافظات المصرية كافة. فقد افترضت الحكومة أن تزويد الشركات الصغيرة والمتوسطة بالمواقع الصناعية الصحراوية المجهزة والتراخيص السهلة نسبيًا، ولا سيم في المدن الجديدة، سيكون كافيًا لمسارعتها إلى الانتقال من كثافة المدن المختنقة بالازدحام. وتجاهل هذا الافتراض صغر حجم المشروعات الصغيرة وانخفاض رأس مالها، وكذا حاجتها إلى القرب من الأسواق، وتوفير تكلفة نقل العملة، وقلقها من أن تكون عرضة لرقابة مشددة من هيئة التنمية الصناعية، هذا فضلًا عن اعتمدها في التسويق على الشبكات والروابط الاجتمعية، وسلاسل التوريد المتصلة، وهي أمور لا تتوافر في مدن صحراوية بعيدة، وبما يُعرّض هذه الأعمل للانهيار. افترضت الخطط الحكومية أن هؤلاء المنتجين الصغار، بوصفهم في الغالب أصحاب صناعات مغذية للصناعات الكبيرة، سينتقلون وراء المصانع الكبيرة المنتقلة إلى المناطق الصناعية في المدن الجديدة، لكن هذه الافتراضات تجاهلت أن المدخلات نادرًا ما كانت مطلوبة، وبات الاعتمد على الاستيراد كبيرًا.
2. اعتراف مدينة دمياط للأثاث
لا يوجد سبب واضح لاستمرار نهج التخطيط نفسه في عهد مبارك الذي كان يُصرّ على تجاهل الخصائص الديموغرافية والظروف الاقتصادية والاجتمعية لصغار المصنعين. المثال البارز في هذا الخصوص هو مدينة دمياط للأثاث (2022-2017). وهي وإن كانت لا تُصنّف ضمن المدن الصحراوية، فإنها مثال على ضعف التفكير في تلك الخصائص. هدَف مخططُ المدينة التي افتتحت في نهاية عام 2019 إلى أن تكون أكبر تجمع صناعي وتجاري للأثاث في الشرق الأوسط، وهي المدينة التي لا تبعد سوى 10 كيلومترات، أو ما يعادل 20 دقيقة عن قلب مدينة دمياط. إّلا أن عدد الورش المبيعة للمتقدمين، بعد ما يقرب من عامين على افتتاح المدينة، لم يتخطَ 440 ورشة فقط، من أصل 1348 ورشة مخططة وجاهزة؛ ما يعني أن نسبة استجابة أصحاب الورش من أهل البلد لم تتجاوز 32.6 في المئة، بينم بقيت 67.4 في المئة من الورش تبحث عن مشترين، ومن دون جدوى. ولم يتجاوز عدد الورش التي بدأت العمل بالفعل 240 ورشة من إجملي الورش المسلّمة إلى أصحابها، البالغ عددها 339 ورشة. والحال أن البنية التحتية المتقدمة والتسهيلات التي أعلنت
عنها الحكومة، إلى جانب انخفاض أسعار الأرض، لم تكن هي العناصر الحاسمة في قرار الصناعات للانتقال. دفعت محدودية إنجاز الأهداف في نقل الورش الرئيس السيسي إلى الاعتراف العلني، في نهاية عام 2022، بأن تجاهل الأبعاد الاجتمعية في تخطيط المدينة وعدم مراعاة عادات أهل البلد في قرب ورشهم من أماكن سكنهم إلى حد التداخل، كان سببًا رئيسًا في ضعف قدرة المدينة الصناعية المطوّرة على جذبهم إليها. وعزا ذلك إلى عدم دراسة البيئة الاجتمعية. ربما يمثل هذا الاعتراف أول تراجع عن النهج المتعجل المعتمد في اتخاذ القرارات المتصلة بالمشروعات الكبرى، حيث صرّح في عام 2019 بعدم وضعه دراسات الجدوى في الاعتبار، مفتخرًا بذلك بحجة تسريع وتيرة الإنجاز وتلافي معوّقات البيروقراطية. جاء إخفاق دمياط الجديدة متجاوزًا توقعات الخبراء المراهنين على قرب موقعها، مقارنة بالمدن الصناعية الأبعد. ونراه مث لًا لافتًا ود لًا على معضلة المدن الصناعية الصحراوية الأبعد مسافة، والأقل اتص لًا بالأسواق الكبرى.
خاتمة
بيّنت هذه الدراسة أن هدف نقل أعداد مليونية من السكان إلى الصحراء قد هيمن على تفكير النظم المصرية المتعاقبة، من عبد الناصر إلى السيسي، ذلك على الرغم من وجود مبررات كالأمن الغذائي والتوظيف وتوفير النقد الأجنبي، لكن هذا الهدف ظل المهيمن على استراتيجيات التخطيط والتنفيذ. وعرضت أيضًا كيف أن حصيلة خطط الاستصلاح الزراعي والتعمير السكاني والصناعي خارج الوادي ظلت ضئيلة؛ وهو ضعف يتوافق مع ما أظهرته تجارب دولية أخرى، من ضآلة تأثير المشروعات الكبرى في أنماط الهجرة الكبيرة، كم في حالة إندونيسيا. رصدت الدراسة ملامح التباين بين الخطاب الحكومي والمنجز فعليًا، في حين يتجاهل الخطاب التنموي حقيقة تضاؤل العائد من تلك المشروعات. وهي حال لم تتغّير مع إعلان مخططات واسعة من الحكومات في العقد الماضي، فلم تؤخذ خطوات واضحة لتقييم أنماط الهجرة إلى مناطق التوسعات الزراعية والحضرية، وبيان أسباب ضعفها وعدم إنجازها المأمول والمخطط بشكل كبير. فرّسر ت الدراسة تواضع النتائج، استنادًا إلى مشكل اعترى الرؤية والاستراتيجية التي تبنّتها الهيئات المسؤولة عن تخطيط تعمير الصحاري خارج وادي النيل وتنفيذه؛ إذ انصب تفكيرها على جانب العرض، دون الطلب. كان ضغط الغاية السياسية في تعزيز شرعية الإنجاز، وتضخيم المشروعات، يدفع نحو غضّ الطرف عم يتّصل بالحاجات الفعلية للمواطنين؛ أي جانب الطلب، ووضع ضمنات لجذبهم للانتقال إلى تلك المناطق الجديدة.
وبقيت الأسئلة الديموغرافية المهمة تطرح بعيدًا عن فكر الجهات القائمة بالتخطيط والقرار؛ من قبيل فهم سمت السكان والأنماط التاريخية للهجرة الداخلية، وعوامل تشجيعها وتثبيطها. أضف إلى ذلك تقييم أوضاع من انتقل بالفعل للاستيطان في المشروعات الصحراوية. شدّدت الدراسة على أن لعامل الترابط الاجتمعي أثرًا كبيرًا في تضاؤل عوائد التنمية الصحراوية. وأوضحت أن فهم النسيج الاجتمعي في مناطق وادي النيل والدلتا، وأسباب الكثافة الكبيرة، كان غائبًا، والسبب يلخّصه شوكت وهنداوي ب "أساطير التخطيط العمراني في مصر". واتفقت الدراسة معهم في أن سبب الفشل هو هيمنة نمط التخطيط من أعلى، والاقتناع بمقولات غير مثبتة حول ضغط الكثافة السكانية على محافظات الوادي والدلتا؛ وهي أمور كانت لتعيد النظر في تصورات أساسية في التخطيط العمراني للتوجه نحو الصحاري. ليس سبب هجرة سكان الوادي إلى القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية)، هو مجرد الهرب من التزاحم، بل إنه يكمن في غياب الفرص؛ من نقص الوظائف والخدمات وتهميش قطاع الزراعة والإشكال في توزيع التنمية واستئثار القاهرة والمدن الرئيسة بالموازنات، وبما يوجب التوصية بضرورة توزيع التنمية على نحو متوازن لتتجه ليس إلى الصحراء فحسب، وفقًا لما هو سائد في الخطاب التنموي، إنما إلى مناطق الوادي والدلتا المحرومة. توصي الدراسة صناع القرار والمخططين بضرورة تقييم نتائج مشروعات العمران السابقة وتحليلها بصورة جادة، للوقوف عند أسباب ضعفها، ذلك قبل الشروع في الخطط الجديدة للاستصلاح وبناء المدن الجديدة. وأوضحت أن من إجابة واضحة عن سؤال: لماذا لم يهاجر الناس إلى الصحراء على نطاق واسع؟ ولا بد كذلك من تقييم واقع هدر الموارد في أثناء الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. وتوصي الجهات القائمة على الإحصاء في مصر برصد بيانات بعض الظواهر المتفرقة، بخاصة بيانات استصلاح الأراضي بوضع اليد، وقرارات نزع الملكية للمنفعة العامة، خاصة الطرق والكباري وأعمل البنية التحتية، إضافة إلى بيانات تآكل الرقعة الزراعية المحتملة (التي تتحول إلى مشروعات الإسكان الفاخر)، وضمّها إلى بيانات التآكل بسبب البناء العشوائي على الأراضي الزراعية القائمة. وتنبه الدراسة إلى أن إحصاء الأراضي المهدرة وفهم أسباب هذا الهدر، ومنها تلك العوامل، سيُسهمن في تدقيق بيانات المساحة المزروعة في مصر وتطوراتها صعودًا وهبوطًا. وهو ما يساعد بطبيعة الحال في ترشيد صنع القرار المتّصل بمجالات العمران المختلفة في البلاد.
المراجع
العربية
إبراهيم، مجدي عبد القادر [وآخرون]. المدن الجديدة في إعادة التوزيع الجغرافي للسكان في مصر. سلسة قضايا التخطيط والتنمية 299 القاهرة: معهد التخطيط القومي.،.2011
برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية. برنامج الموئل. برنامج التخطيط الحضري والبنية التحتية في سياق الهجرة: ملف التنمية الحضري لمدينة دمياط. 2024/1/10:. في https://acr.ps/1L9zOir
جمهورية مصر العربية، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. الكتاب الإحصائي السنوي 2 010 (تشرين الأول/ أكتوبر 2010:). في https://acr.ps/1L9zP8J
_______. النشرة السنوية لاستصلاح الأراضي 022-1960 2. في https://acr.ps/1L9zOtL:
_______. النشرة السنوية لإحصاءات المساحة المحصولية للإنتاج النباتي عام /2020 1 02 2.
2024 فيhttps://acr.ps/1L9zOUE:. آذار/ مارس 2. 024 مصر في أرقام _______. 2023 فيhttps://acr.ps/1L9zP8Y:. آذار/ مارس 2. 023 مصر في أرقام _______. _______. نشرة الإسكان في مصر /2021 2 02 2 (آذار/ مارس).2023
جويدة، فاروق. اغتصاب وطن: جريمة نهب الأراضي في مصر. القاهرة: دار الشروق،.2010
حمدان، جمل. سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا. القاهرة: دار الهلال،.1993
_______. شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان. القاهرة: دار الهلال،.2001
زكي، وائل. "تقويم دور سياسات التنمية الريفية تجاه العمران الريفي في مصر خلال خمسين عامًا". رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. كلية التخطيط العمراني. جامعة القاهرة، 1999. (غير منشورة)
سلامة، محمد عادل. "التنمية العمرانية لقرى الظهير الصحراوي في مصر - دراسة تقييمية". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه. معهد الدراسات والبحوث البيئية والعلوم الهندسية. جامعة عين شمس،.2009
سليم، علاء. "النمو العمراني وأثره في تناقص الرقعة الزراعية: دراسة تطبيقية على نماذج بمحافظة الغربية". رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. كلية الآداب. جامعة المنوفية، 1999. (غير منشورة)
عبد الناصر، هدى جمل. موسوعة الأعمل الكاملة لخطب وتصريحات الرئيس جمل عبد الناصر. القاهرة: المكتبة الأكاديمية،.2005
عبد النور، صقر. الأرض والفلاح والمستثمر: دراسة في المسألة الزراعية والفلاحية في مصر. القاهرة: دار المرايا للإنتاج الثقافي،.2017
عرفات، علاء الدين. الأرض والسكن في مصر. القاهرة: شركاء التنمية للبحوث والتدريب،.2012
علام، أحمد. الخروج من الوادي والقاهرة. القاهرة: دار نهضة مصر للنشر والتوزيع،.2007
عمر، ثناء علي. المدن الجديدة في مصر: رؤية جغرافية. القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية،.2011 فرحات، إيمان. "تقييم سياسات التنمية الموجهة للخروج بالسكان من وادي النيل والدلتا في مصر". رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. قسم التخطيط العمراني. كلية الهندسة. جامعة القاهرة، 2012.. (غير منشورة)
مؤتمر صنع القرار في مجال التنمية في مصر. القاهرة: مركز شركاء التنمية للبحوث والاستشارات،.2007
"مجلس إدارة 'هيئة المجتمعات العمرانية' يستعرض إنجازاتها منذ التأسيس وحتى نهاية يونيو الماضي". هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة. 2024/3/14:. في https://n9.cl/u5ovv
محمود، سارة. "تقييم الدور التنموي لمشروعات استصلاح الأراضي في مصر". رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. كلية التخطيط العمراني. جامعة القاهرة، 2012. (غير منشورة)
مرزوق، أحمد. "دور الظهير الصحراوي فى صياغة استراتيجيات التنمية العمرانية الإقليمية". رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. كلية التخطيط العمراني. جامعة القاهرة، 2010. (غير منشورة)
منصور، نديم. تخصيص أراضي الدولة: نماذج للفساد الإداري والسياسي. القاهرة: المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتمعية،.2011
النجار، أحمد السيد. مياه النيل: القدر والبشر. القاهرة: دار الشروق،.2010
نوفل، محمود. "المدن الجديدة في جمهورية مصر العربية: الإيجابيات والسلبيات". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في الهندسة. جامعة أسيوط، 1990. (غير منشورة)
هويدي، فهمي. الفساد وسنينه. القاهرة: دار الشروق،.2006
الأجنبية
Blanco, Cesar & Xavier Raurich. "Agricultural Composition and Labor Productivity." Journal of Development Economicsm. vol. 158 (September 2022).
Deputy, Emmarie. Designed to Deceive: President Hosni Mubarak's Toshka Project. Austin: The University of Texas at Austin, 2011.
Leinbach, Thomas R. "The Transmigration Programme in Indonesian National Development Strategy: Current Status and Future Requirements." Habitat International. vol. 13, no. 3 (1989).
Sims, David. Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control. Cairo: The American University in Cairo Press, 2012.
_______. Egypt's Desert Dreams: Development or Disaster? Cairo: The American University in Cairo Press, 2015.