Return to Article Details Conflict Mediation in the Arab World

الوساطة في النزاعات في العالم العربي

Conflict Mediation in the Arab World

عبد الفتاح سعيد محمد

الملخّص

يتناول كتاب "الوساطة في النزاعات في العالم العربي" موضوع الوساطة في النزاعات المسلحة في العالم العربي من منظور تحليلي نقدي، ويتضمن ثلاثة أجزاء رئيسة، يشتمل كل منها على دراسات معمّقة يقدّمها باحثون وخبراء، ويتناول نحو خمس عشرة حالة دراسية، تستعرض مختلف جهود الوساطة في النزاعات داخل العالم العربي، إلى جانب مبادرات وساطة قامت بها دول عربية في نزاعات مجاورة؛ مثل الدور الجزائري في الوساطة بين إثيوبيا وإريتريا، والوساطة القطرية بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة طالبان في أفغانستان. وقد حرّر الكتاب إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وإسحق سفينسون Isak Svensson، أستاذ النزاعات الدولية بجامعة أوبسالا السويدية. ويوضح المحرران، في مقدمة الكتاب، أن تركيز الكتاب على جهود الوساطة في النزاعات داخل المنطقة العربية جاء نتيجةً لافتقار المكتبة الأكاديمية إلى مؤلفات تحليلية حديثة تتناول النزاعات المسلحة التي اندلعت بعد ما يُعرف بـ "ثورات الربيع العربي". ويشيران إلى أن العديد من الكتب المتوافرة حول الوساطة تعود إلى ما قبل عام 2000، وأنها لا تعكس التعقيدات والتحولات التي شهدتها النزاعات العربية في العقدين الأخيرين.

Abstract

* أستاذ الشؤون الدولية المساعد، جامعة حمد بن خليفة – الدوحة. Assistant Professor of International Affairs, Hamad Bin Khalifa University – Doha Email: abdulmohamed@hbku.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • الوساطة
  • النزاعات والحروب
  • العالم العربي
Keywords:
  • Mediation
  • Conflicts and Wars
  • Arab World

تزامن صدور هذا الكتاب مع مرحلة دقيقة يمرّ بها العالم العربي؛ إذ تشهد المنطقة سلسلة من النزاعات المسلحة، بما في ذلك الحروب الأهلية في سورية والعراق واليمن وليبيا، وهو ما أفسح مج لًا لتدخلات إقليمية ودولية. وقد جرت عَسْكَرة تلك النزاعات وتحويل مطالبها المشروعة، مثل تحقيق العدالة الاجتمعية والعيش الكريم والحريات المدنية والسياسية، إلى ذرائع لتغذية صراعات دامية، أسفرت عن حممات دمٍ، وبراميل متفجرة تنهال على رؤوس الأبرياء، وحالات نزوح جمعي وهجرات قسرية. اتخذت النزاعات في المنطقة أشك لًا متعددة؛ فكانت أحيانًا نتيجة تدخلات خارجية، أو بسبب جمعات مسلحة غير نظامية، أو صراعات طائفية ومذهبية، وكانت أحيانًا أخرى صراعات إقليمية تُدار عبرر وكلاء محليين. وفي أثناء غياب واضح وشلل شبه تام للمنظمت الإقليمية، أصبح من الصعب مقارنتها بنظيراتها في أوروبا وآسيا وأفريقيا؛ ما زاد المشهد تعقيدًا وأغلق آفاق الحلول في العالم العربي. يتناول كتاب "الوساطة في النزاعات في العالم العربي" موضوع الوساطة في النزاعات المسلحة في العالم العربي من منظور تحليلي نقدي، ويتضمن ثلاثة أجزاء رئيسة، يشتمل كل منها على دراسات معمّقة يقدّمها باحثون وخبرراء، ويتناول نحو خمس عشرة حالة دراسية، تستعرض مختلف جهود الوساطة في النزاعات داخل العالم العربي، إلى جانب مبادرات وساطة قامت بها دول عربية في نزاعات مجاورة؛ مثل

الدور الجزائري في الوساطة بين إثيوبيا وإريتريا، والوساطة القطرية بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة طالبان في أفغانستان. حرّر الكتاب إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، وإسحق سفينسون Svensson Isak، أستاذ النزاعات الدولية بجامعة أوبسالا السويدية. ويوضح المحرران، في مقدمة الكتاب، أن تركيز الكتاب على جهود الوساطة في النزاعات داخل المنطقة العربية جاء نتيجةً لافتقار المكتبة الأكاديمية إلى مؤلفات تحليلية حديثة تتناول النزاعات المسلحة التي اندلعت بعد ما يُعرف ب "ثورات الربيع العربي". ويشيران إلى أن العديد من الكتب المتوافرة حول الوساطة تعود إلى ما قبل عام 2000، وأنها لا تعكس التعقيدات والتحولات التي شهدتها النزاعات العربية في العقدين الأخيرين. يعرض الكتاب جهود مبعوثي الأمم المتحدة الخاصين، الذين كُلفوا بتيسير وقيادة عمليات الوساطة الهادفة إلى وقف العنف والتمهيد لتسوية النزاعات في عدد من الدول العربية مثل سورية، وليبيا، واليمن، والقضية الفلسطينية، والأزمة الخليجية. وتناول أيضًا دوافع الوسطاء – سواء كانت إيجابية أو سلبية – واستراتيجياتهم المختلفة في إدارة عمليات الوساطة. ويشير المحرران إلى أنه من غير الواقعي اعتبار أن الوساطة تُجرى بدوافع نبيلة بحتة، بل غالبًا ما تكون مصحوبة بأجندات خفية ذات طابع استراتيجي، أو اقتصادي، أو سياسي، أو دبلوماسي ناعم، أو بدوافع تتعلق بالمصالح الوطنية للدولة التي ينتمي إليها الوسيط. ويوضح المحرران أن الكتاب يهدف إلى تحقيق غرضين رئيسين؛ أولهم تحقيق فهم أعمق لعمليات الوساطة في النزاعات داخل المنطقة العربية، من خلال تحليل النظريات والتجارب والدروس المستفادة ضمن حقل الدراسات الدولية حول النزاعات، وثانيهم دفع المعرفة في هذا الحقل قُدمًا عبرر تقديم إضافات نوعية مستخلصة من تجارب الوساطة في المنطقة؛ بما في ذلك تحليل أسباب تعّثهرا، والتحديات التي واجهتها، وفشلها في التوصل إلى حلول مستدامة للنزاعات خلال العقد الماضي. في افتتاحية الكتاب، يشير وليام زارتمان Zartman William - صاحب نظرية "نضج النزاعات" Theory Ripeness - إلى أهمية قبول الأطراف المتنازعة الحوار والجلوس إلى طاولة التفاوض، ويفترض أن الوساطة المحلية تتميز بخلوّها من التأثيرات المصاحبة للوساطات الخارجية، سواء كانت تحت برعاية الأمم المتحدة، أو دول كبررى، أو منظمت الإقليمية. لكنه، في الوقت ذاته، لا يغفل الإشارة إلى الدور الإيجابي لبعض المنظمت الإقليمية، ومنها منظمة الاتحاد الأفريقي على سبيل المثال. وينبّه زارتمان إلى الأثر العميق للنزاعات في النسيج الاجتمعي، مشيرًا إلى أن النزاعات التي أعقبت ما يُعرف ب "ثورات الربيع العربي" قد أدت إلى تشظّي النسيج الاجتمعي العربي، وانقسامه الحادّ نتيجة الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية. ويلاحظ أنه في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات العنف والنزاعات في أفريقيا، فإنّ المنطقة العربية شهدت، في مقابل ذلك، تصاعدًا غير مسبوق في حدة التوترات والنزاعات. استعرض الجزء الأول التحديات والاتجاهات العامة موضحًا السياقات الإقليمية والهيكلية التي تعرقل نجاح الوساطات في المنطقة العربية. وقارن بيتر ويلنستاين Wallensteen Peter وستينا هوجبلاد Högbladh Stina بين الشرق الأوسط وأفريقيا في فاعلية اتفاقيات السلام، مشيرَين إلى أن الإرث الاستعمري وحده لا يكفي لتفسير ضعف الوساطة العربية. أما لوري ناثان Nathan Laurie، فقد تناول مشكلة "التفويض الإقصائي" للوسطاء، محذرًا من أن استبعاد أطراف رئيسة من العملية التفاوضية - كم حدث في ليبيا وسورية واليمن

- يُقِوِّض فاعلية الوساطة منذ البداية. وركز محمد أبو نمر على التحديات البنيوية لعمليات الحوار الوطني في السياقات العربية، مشيرًا إلى غياب الميكانيزمات الفاعلة محلًّيًا للحوار. يمثل الجزء الثاني "العمود الفقري" للكتاب، ويقدّم تحليلات معمّقة لحالات النزاع ووساطات الأمم المتحدة وغيرها. تناول ويليام زارتمان الأزمة السورية من منظور نظرية "نضج النزاع"، وميّز بين وساطة إدارة النزاع وفَضّه، مبينًا كيفية فشل محاولات كوفي عنان، والأخضر الإبراهيمي، وستافان دي ميستورا، بسبب غياب الإرادة السياسية والتضارب بين الرعاة الدوليين. وانتقد ماغنوس لوندغرين Lundgren Magnus الاستخدام المفرط ل "الوصفة التقليدية" لما بعد الحرب الباردة، معتبرًا أن الحالة السورية تحتاج إلى معالجة تتجاوز المفاوضات النمطية. وقدّمت ألما عبد الهادي جاد الله Abdul-Hadi-Jadallah Alma تحليلًا معمّقًا لتجربة اليمن، مستعرضة أداء مبعوثي الأمم المتحدة الثلاثة، وعوائق الحرب متعددة الأبعاد، بما فيها الإرهاب ونقص الموارد. وتناول محمد الشرقاوي فشل وساطة الأمم المتحدة في ليبيا، مشيرًا إلى تشابك العوامل المحلية والدولية، ودور السياسات بالوكالة في تفاقم الأزمة. وقارن ألارد دورسم Duursma Allard بين اتفاقيتَي أبوجا والدوحة بشأن دارفور، مؤكدًا أهمية متابعة الوساطة بوصفها عاملًا حاسمًا في استدامة عملية السلام. واهتمّ سينيسا فوكوفيتش ć Siniša Vukoviودانيلي مارتنDanielle Martin بتردّد الولايات المتحدة في أداء دور الوسيط في الأزمة الخليجية، رغم امتلاكها الأدوات اللازمة، معتبرَين أن "تكلفة المشاركة فاقت المكاسب المحتملة". أما لوف كاليسندورفCalissendorff Love وميمي كوفاكس Kovacs Söderberg Mimmi، فقد درسَا وساطات المصالحة الفلسطينية بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وحركة المقاومة الإسلامية "حمس"، محلَّليَن ستّ جولات من الوساطة، ومحذّرَين من غياب آليات تنفيذ فعّالة. وسلّطت نجلاء المنقوش الضوء على البُعد الثقافي في الوساطة، متناولة الاستراتيجية العمنية القائمة على السرية والدبلوماسية الإسلامية، مقارنةً ذلك بالنمذج الليبررالية والغربية. واستعرض غسان الخطيب الوساطة الأميركية وإخفاقات عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية خلال ثلاثة عقود، محمّلًا الطرفين، إلى جانب السياقات الدولية، مسؤولية فشلها. وجاء الجزء الثالث حول الديناميكيات المحلية، وعلى الأخص العوامل المجتمعية والثقافية داخل النزاعات. وفي هذا السياق، كتب دزيريه نيلسون Nilsson Desirée ولويس مارتينيز لورنزو Lorenzo Martínez Luís عن مشاركة المجتمع المدني خلال عملية السلام في الجزائر. وبحث مصعب الألوسي في أبعاد الطائفية في العراق، مشددًا على ضرورة المصالحة السنية – الشيعية عبرر استراتيجية طويلة الأمد وداعمة. ودرست ماري هوب شويبل Schwoebel Hope Mary تأثير حركة الشباب في الوساطة القبلية في جنوب الصومال، مشيرةً إلى أن كثيرًا من التغيرات الثقافية لم توَّثَق علميّا بعد. يخلص الكتاب إلى أن فشل معظم الوساطات في العالم العربي لا يعود إلى تعقيد النزاعات فحسب، بل إلى قصور الاستجابة المؤسسية الإقليمية، وضعف تصميم عمليات الوساطة، وغياب الفهم العميق للسياقات المحلية أيضًا. ويؤكد الباحثون أنه لا توجد "وصفة جاهزة" لوساطة ناجحة، لكن الفهم المتعدد الأبعاد للسياق، وإعادة النظر في الافتراضات السائدة، يمكن أن يسهَما في تحسين مخرجات الوساطة في المستقبل. ويمكن القول إن أهميّة هذا الكتاب تبررز في قدرته على الغوص في التفاصيل الدقيقة التي كثيرًا ما تُتجاهل، وهو ما يضفي عليه طابعًا تحليليًا عميقًا ومتكامل، ا ويزيد من قيمته الأكاديمية. وقد تنوعت منهجيات

البحثية المعتمدة لمؤلّفي الكتاب؛ فبعضهم لجأ إلى المقابلات الميدانية، وبعضهم اعتمد على خبرراتهم المباشرة في عمليات وساطة أممية في ليبيا واليمن، في حين اعتمد بعضهم الآخر على التحليل الكمي، بينم لجأ آخرون إلى التحليل المقارن، وهو ما أضفى على فصول الكتاب تنوعًا علميّا ثريّا. يمثّل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية والدولية في حقل فَضّ النزاعات؛ من حيث ثراء المادة العلمية، وتنوع الحالات المدروسة، والتكامل بين البُعدين النظري والتطبيقي. وعلى الرغم من أن نتائجه لا توحي بتفاؤل كبير، فإنها تسهم في بناء فهمٍ أكثر واقعية لفرص الوساطة وتحدياتها في المنطقة العربية.