Return to Article Details Orders of Superiors Governance: An Approach to Governing the Security Sector through the Promotion of Human Rights

حوكمة الأوامر العليا: مدخل لحوكمة القطاع الأمني عبر تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون

Orders of Superiors Governance: An Approach to Governing the Security Sector through the Promotion of Human Rights

رشاد توام

الملخّص

ملخص:  في ظل ما يفرضه الانضباط العسكري من وجوب تنفيذ الأوامر من دون نقاش، تبرز أهمية التمييز بين الأوامر المشروعة وغير المشروعة، بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون. تهدف الدراسة إلى بلورة ضمانات لحوكمة الأوامر العليا، مستندةً إلى المعايير الدولية، وبذلك تسدّ فراغًا في أدبيات الإصلاح الأمني والعلاقات المدنية - العسكرية في العالم العربي. لم تعتمد الدراسة حالة دراسية محددة، بل تناولت 25 دستورًا لرصد كيفية تنظيم مسؤولية تنفيذ الأوامر. وتخلص إلى أن حوكمة الأوامر تمثّل مدخلًا أساسيًا لإصلاح القطاع الأمني؛ إذ إن غيابها يُبقي المرؤوس في مأزق دائم بين التعرض للمساءلة عند الامتناع عن تنفيذ أمر غير مشروع من جهة، وانتهاك القانون وحقوق الآخرين عند الامتثال له من جهة أخرى.

Abstract

Abstract:  Given the demands of military discipline, which often require the unquestioned execution of superior orders, the need to distinguish between lawful and unlawful orders becomes critical—particularly in accordance with human rights principles and the rule of law. This study seeks to articulate safeguards for the governance of superior orders, grounded in international standards, thereby addressing a notable gap in the literature on security sector reform and civil-military relations in the Arab world. Rather than focusing on a specific case study, the research addresses twenty-five constitutions to explore how they regulate accountability for the execution of orders. The study concludes that the governance of superior orders is a crucial entry point for effective security sector reform, as its absence places subordinates in a persistent dilemma: either face legal consequences for refraining from executing an unlawful order or risk violating the law and infringing upon the rights of others by complying with it.

الكلمات المفتاحية:
  • الأوامر العليا/ أوامر الرؤساء
  • المسؤولية الجزائية
  • العلاقات المدنية - العسكرية
  • المقاربة الدستورية
  • القانون العام
  • إصلاح القطاع الأمني
Keywords:
  • Superior Orders
  • Criminal Liability
  • Civil-Military Relations
  • Constitutional Approach
  • Public Law
  • Security Sector Reform

مقدمة

من بين المعضلات التي تعترض حل المشكلة، نظرة المرؤوسين للأوامر العليا، "حتى أنه ليقال بأن المشروعية بالنسبة لهم تنحصر في احترام النظام، والخضوع لأوامر الرؤساء"1. هذه المقولة صحيحة، ولكنها تمثّل مشكلة؛ إذ إن مضمونها يتعارض مع مبادئ دولة القانون التي لا تقرّ إلا بمشروعية القانون. وهنا يكمن الحل، المتمثل في الاحتكام إلى القانون في تنظيم المسؤولية عن إصدار الأوامر العليا غير المشروعة وتنفيذها، ولا سيم تلك التي تمسّ حقوق الإنسان وحكم القانون باعتبارهم من بين معايير حوكمة القطاع الأمني2، وباعتبار ثلاثتها مصالح أساسية مقابلة/ مواجهة لمصلحة "الانضباط العسكري" الذي يعتبرر "دستور الحياة العسكرية"3، حتى إنه يستحيل تعريف المصطلح من دون التأكيد على شموله لطاعة الأوامر4؛ إذ إنه يعود في معناه اللغوي إلى "إحكام السيطرة  "5. في الوقت الذي يقتضي فيه الانضباط العسكري تنفيذ الأوامر من دون نقاش أو مجادلة، تدفع المصالح الأخرى في اتجاه التمييز بين الأوامر المشروعة وغير المشروعة، وتطالب بالالتزام بجملة من الضمنات لحوكمة الأوامر العليا، أبرزها: أول، ا تجريم إصدار الأوامر غير المشروعة ومساءلة مصدريها. ثانيًا، الامتناع عن تنفيذ هذه الأوامر وعدم جواز التذرع بها للدفع بعدم مسؤولية المرؤوسين "الممتثلين"6. ثالثًا، حمية المرؤوسين "الممتنعين  "7 عن تنفيذها من المساءلة الرسمية (من خلال القانون) وغير الرسمية (كالانتقام)، ووجود آلية وطنية لحميتهم من ذلك. يمكن استشفاف هذه المتطلبات والضمنات من المعايير الدولية المستقاة من عدة أوعية/ مصادر (الملحق 1). وتعدّ بلورة هذه المعايير، باعتبارها منظومة لحوكمة الأوامر العليا، للاستفادة منها في خبررات الإصلاح التشريعي وإصلاح القطاع الأمني وتعزيز حقوق الإنسان في الدول العربية، أبرزَ ما تعد به هذه الدراسة، في ظل عدم اعتناء أدبيات الإصلاح الأمني والعلاقات المدنية - العسكرية بهذه المسألة8، في مقابل اهتممها بالعلاقة بين طاعة الأوامر واتخاذ العسكريين قراراتهم تجاه طبيعة تدخلهم خلال فترات الاضطراب9؛ إذ تنظر الدراسة إلى حوكمة الأوامر العليا باعتبارها مفتاحًا أو مدخلًا لإصلاح القطاع الأمني عبرر تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون؛ فم قيمة كل جهود الإصلاح تلك من دون سد ثغرة شعور المرؤوسين بحتمية المفاضلة بين مصلحتهم

  1. عاصم عجيلة، طاعة الرؤساء وحدودها في الوظيفة العامة: إداريًا، تأديبيًا، جنائيًا، مدنيًا (القاهرة: عالم الكتاب، [د. ت.])، ص.9
  2. ينظر: عبد الفتاح ماضي، الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية -   العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 127-122. يقصد ب "القطاع الأمني" إجرائيًا في هذه الدراسة، معنى موسع يشمل قطاع الدفاع والأمن والاستخبارات. ويشير تعبير "المكلفون بإنفاذ القانون" (المكلفون) و/ أو "العسكريون" إلى عموم منتسبي القطاع.
  3. إبراهيم الشرقاوي، الجريمة العسكرية (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2009)، ص.628
  4. ينظر: الموسوعة العسكرية، الهيثم الأيوبي (رئيس التحرير)، ج 1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص.131
  5. محمود عبد المنعم فايز، المسؤولية التأديبية لضباط الشرطة: دراسة مقارنة (القاهرة: مطابع الشرطة، 2004)، ص.375
  6. يشار إليهم اختصارًا تاليًا ب "الممتثلين" بصيغة الجمع أو المفرد، ويشار إلى وصف الفعل ب "الامتثال"، بمعنى الامتثال لتنفيذ أمر غير مشروع.
  7. يشار إليهم اختصارًا تاليًا ب "الممتنعين" بصيغة الجمع أو المفرد، ويشار إلى وصف الفعل ب "الامتناع"، بمعنى الامتناع عن تنفيذ أمر غير مشروع.
  8. من الإسهامات النادرة التي وردت فيها إشارة صريحة إلى حوكمة الأوامر العليا في مقاربة قانونية، ينظر: Gary White & Natalia Alejandra Escobar Cadena, Use of Police Force: A Framework to Ensure Good Governance over the Use of Force (Geneva: The Geneva Centre for Security Sector Governance (DCAF), 2021), pp. 20-21.
  9. ينظر مثل:ا ويليام تايلور، الاستجابات العسكرية للانتفاضات العربية ومستقبل العلاقات المدنية -   العسكرية في الشرق الأوسط، ترجمة أسامة عباس وعمرو بسيوني (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية، 2018)، ص 132-123؛ نونيهال سينغ، الاستيلاء على السلطة: المنطق الاستراتيجي للانقلابات العسكرية، ترجمة علي الفتلاوي وعادل الجنابي (عّم نا: دار وائل، 2022)، ص.46-45

بعدم تعرّضهم للمساءلة (الرسمية وغير الرسمية) حال الامتناع، وانتهاك حقوق الآخرين وسيادة القانون بالامتثال؟ يحتاج طرفا هذه المعادلة إلى ضمنات دستورية (أو قانونية على الأقل) تم عن توظيف الأوامر العليا مرًا لانتهاك الحقوق وسيادة القانون. لا تجعل هذه المعادلة الامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة واجبًا على المرؤوسين فحسب، بل تجعله حقًا لهم أيضًا. ولا تقل العناية بحقوق "المكلفين" أهمية عن العناية بحمية المدنيين، منهم ومن أفعالهم؛ فم المكلف في النهاية سوى "إنسان" أو "مواطن بالزي العسكري"، وهي المقاربة التي تأسست عليها التجربة الألمانية في إصلاح قواتها عقب الحرب العالمية الثانية10، واستلهمتها لاحقًا بلدان أخرى إبان انتقالها الديمقراطي11. وقد شددت على العناية بحقوق العسكريين جملةٌ من مصادر المعايير الدولية12. وهي المقاربة التي تأخذ بها اليوم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان13، وتتصل بالجدل القديم الجديد، في أدبيات الفلسفة والعلاقات المدنية - العسكرية، حول سؤال: من يحرس الحارس (العسكريون/ المكلفون)؟14لم تأخذ الدراسة أيًا من الدول حالةً دراسيةً "مقصودة"، بل عمدت في المقام الأول إلى دراسة المعايير الدولية للاستفادة منها في الجهود الإصلاحية لأيّ دولة، بحيث تكون تلك المعايير مرجعًا لتقييم نظامها القانوني. وهي بذلك تعدّ مدخلًا لدراسات تُعنى بالحالات التطبيقية. في المقابل، تعرض الدراسة لكيفية معالجة بعض الدول للمسؤولية عن الأوامر العليا على مستوى النص الدستوري (المقاربة الدستورية)، من خلال تكشيف دساتير دول العالم (الملحق 2)؛ فكانت عينة الدراسة، في الحصيلة، تشمل 25 دستورًا، ليس من بينها دستور أيّ دولة عربية، لكن الدراسة تستشهد أحيانًا بأمثلة من قوانين عقوبات عربية سارية15. تتوزع الدراسة على أربعة مباحث؛ يقدّم المبحث الأول مدخلًا للمقاربات الإطارية ذات الصلة، ويتناول المبحث الثاني المسؤولية عن تنفيذ هذه الأوامر، ويناقش المبحث الثالث ضمنات عدم إصدارها، ويدرس المبحث الرابع سبل حمية الممتنعين عن تنفيذها. وتُحيل الدراسة ضمنيًا إلى ملحقيها في توثيق المواد/ الأحكام التي تشير إليها، سواء على مستوى المعايير الدولية (الملحق 1) أو عينة الدساتير (الملحق 2)17.

  1. Bundesministerium der Verteidigung, "Innere Führung: Selbstverständnis und Führungskultur der Bundeswehr," Bundeswehr (January 2010), p. 5.
  2. Omar Hammady, Matthias Hartwig & Duncan Pickard, "Constitutional Provisions: Governance of Armed & Security Forces," Briefing Paper , no. 50, Democracy Reporting International (December 2014), p. 6.
  3. ينظر: رشاد توام، الدولة في الجندي: الجيش وتغيير النظام الدستوري في مصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.519-513
  4. Ian Leigh & Hans Born, Handbook on Human Rights and Fundamental Freedoms of Armed Forces Personnel (Warsaw: The OSCE Office for Democratic Institutions and Human Rights (ODIHR), 2008), p. 22.
  5. ينظر: طيبي غماري، الجندي والدولة والثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.14-13
  6. كلما كان ذلك ضروريًا لتعزيز طرح بعض المسائل. وفيما يلي سرد لهذه القوانين (يُشار إليها لاحقًا باختصار): الأردن، رقم (16) لسنة 1960؛ سورية، رقم (148) لسنة 1949؛ قطر، رقم (11) لسنة 2004؛ الكويت، رقم (16) لسنة 1960؛ لبنان، رقم (340) لسنة 1943؛ مصر، رقم (58) لسنة.1937 16 تستعمل الدراسة تسميات مختصرة للوثائق المشار إليها في الملحقين.

أولًا: مدخل يف المقاربات الإطارية

يمهد هذا المبحث للمباحث التالية، من خلال تحديده المفاهيم الأساسية في الدراسة وضبط نطاقها (الفرع 1)، واستعراضه الجدل النظري حول طاعة الأوامر العليا وحدودها (الفرع 2)، وطبيعة المعايير الدولية التي تستند إليها الدراسة (الفرع 3)، وحدود المقاربة الدستورية ذات الصلة بعينة الدساتير (الفرع.)4

1. تحديد المفاهيم وضبط النطاق

يُقصد بالأوامر العليا (أو "أوامر الرؤساء") لغة الخطاب الآمرة، باختلاف أشكال التعبير عنها (خطيًا أو شفويًا أو بالإشارة)، الصادرة من الأعلى رتبة (رئيس) إلى الأقل منه رتبة (مرؤوس)، تجاه حالة أو مسألة معيّنة، بشأن العمل الرسمي أو خلاله أو بسببه، يكون للرئيس فيها سلطة تقديرية، وليس إنفاذًا تلقائيًا لأحكام القانون. ولا يشمل هذا المفهوم "التعليمت المستديمة"18. وأما المقصود بعدم المشروعية، فهو مخالفة القانون (بمختلف مصادره ولا سيم التشريع)، بمعنى انطواء الأمر الصادر على الإيعاز بالقيام بفعل يحظره القانون، أو الامتناع عن فعل يوجبه. ولا يشمل ذلك الأوامر التي لم يتوافر فيها "شرط الاختصاص"، وإن كانت تلك أيضًا هي غير مشروعة؛ ذلك أن الدراسة تفترض توافر هذا الشرط19. وأخيرًا، يُقصد بالمسؤولية في هذه الدراسة المسؤولية الجزائية التي يترتب عليها إيقاع القضاء لعقوبة جزائية، وتكون فيها الجرائم والعقوبات محددة بنص تشريعي20. إضافة إلى هذه المفاهيم التي كان لا بد من تحديدها، ولا سيم للقراء غير المختصين بالقانون21، ومزيدًا في الإمعان بتحديد نطاق الدراسة، تجدر الإشارة إلى أن موضوعها لا يشمل مسألتين قد تبدوان أول وهلة متمهيتين معه: الأولى، جريمة "العصيان" أو "رفض السلطة"، التي تكون ضد السلطة ذاتها وليس الأمر، وجريمة "إهمل إطاعة الأوامر العسكرية" التي تعتبرر من جرائم الخطأ غير العمدي22. والثانية، مسألة أو موضوع معاكس لموضوع الدراسة، وهو مسؤولية الرؤساء عن أفعال مرؤوسيهم التي يعمدون إليها من دون أوامر من رؤسائهم23، أو ما يطلق عليه "الالتزام بالإشراف على أعمل المرؤوسين  "24.

  1. كونها موجّهة إلى العموم المكلفين، وتكون عادة في قالب خطي ومنشورة، ويُستبعد من ثم انطواؤها على أوامر غير مشروعة.
  2. يتكون من ثلاثة عناصر: أن يكون الرئيس مختصًا بإصدار الأمر، وأن يكون المرؤوس مختصًا بتنفيذه، وأن يربط المرؤوس بالرئيس علاقة تبعية وظيفية. ينظر: فلاح العنزي، "الجريمة العسكرية في التشريع الكويتي والمقارن"، أطروحة دكتوراه، جامعة القاهرة، القاهرة، 1996، ص 344-342؛ نعمان فنون، "الأوامر العسكرية والمسؤولية الجزائية في تشريعات قوى الأمن الفلسطينية"، رسالة ماجستير، جامعة القدس، القدس، 2019، ص.13-9
  3. وهي بذلك تختلف عن المسؤولية الانضباطية و/ أو التأديبية. ينظر: الشرقاوي، ص 213-202؛ العنزي، ص 308-305.
  4. لفائدتهم أيضًا، تجدر الإشارة إلى أن الدراسة تميز بين ثلاثة مصطلحات قانونية دقيقة لعوارض المسؤولية الجنائية (موانع المسؤولية، وموانع العقاب، وأسباب الإباحة)، وإن كانت ثلاثتها تشترك في النتيجة النهائية المتمثلة في "عدم توقيع العقاب على الفاعل"، إلا أن "الأساس القانوني لكل منها يختلف كما تختلف الآثار المترتبة عليها". ينظر: فوزية عبد الستار، شرح قانون العقوبات: القسم العام (القاهرة: دار النهضة العربية، 1987)، ص.136
  5. حول الجريمتين، ينظر: الشرقاوي، ص.645-634
  6. ينظر بشأنه: Kai Ambos, "Superior Responsibility," in: Antonio Cassese, Paola Gaeta & John Jones (eds.), The Rome Statute of the International Criminal Court: A Commentary , vol. 3 (Oxford / New York: Oxford University Press, 2002), pp. 805-854.
  7. فايز، ص.798

2. جدل المقاربة النظرية

"تاج" الواجبات الوظيفية و"عمودها الفقري"؛ بتعبيرات كهذه تُوصف الطاعة في دلالة على كونها أهم تلك الواجبات، سواء في الوظيفة المدنية أو العسكرية، تبعًا لأهميتها في تسيير المرفق العام، وضمن وحدة الدولة25. وتحظى الطاعة في النظم العسكرية بأهمية خاصة، نظرًا إلى طبيعتها المتسمة بالشدة، وتسلسل الرتب فيها26، واقتضائها في القيادة الناجحة ومعايير القائد الكفء التي يجري التأكيد عليها في التأهيل العسكري27، حتى صار من المأثور القول إن "الطاعة هي قانون الجندي  "28، و"عصب الجهاز الأمني  "29، فارتفع صوت منطق "نفّذ ثم تظَّلَم!"30لكن واجب الطاعة يدخل في "عراك شديد مع مبدأ المشروعية حين يتلقى المرؤوس أوامر رئاسية مخالفة للقانون"، إلى درجة اعتبار هذه المشكلة الأكثر إثارة للجدل في فقه القانون العام31. وقد ثار جدل طويل حول مصدر ذلك الواجب، وتفرّق الفقهاء إلى اتجاهين أساسيين: يرى الأول أنه واجب مستقل يلزم المرؤوسين تجاه الرؤساء، في حين يرى الثاني أنه هو ذاته واجب الالتزام بالقانون. ووفقًا للاتجاه الثاني، فإن المرؤوس "لا يدين بالطاعة إلا للقانون وحده دون سواه، والسلطة الرئاسية لا يمكن لها أن تمارس نشاطها، إلا وفقًا للقوانين واللوائح"، وبناء عليه فإن التزام المرؤوس بالأمر هو في حقيقته التزام بالقانون. وفي حال كان الأمر غير مشروع، فلا التزام على المرؤوس بتنفيذه. وأما الاتجاه الأول، فيصف رواد الاتجاه الثاني بالفوضويين؛ إذ لا يمكن أن يحيط القانون بكل تفاصيل العمل الإداري الذي يتطلب مرونة في مواكبة المستجدات، فضلًا عن أن القاعدة القانونية قد يشوبها بعض الغموض أو العمومية بما يستدعي اجتهاد الرؤساء في تفسيرها، ومن ثم فإن إلزام المرؤوسين بهذا التفسير هو ما يتطلب فرض طاعة الرؤساء عليهم بوصفها واجبًا مستقلًا عن واجبهم بالالتزام بالقانون32. كذلك تباين موقف الفقه حول واجب طاعة الأوامر غير المشروعة؛ فأنصار "نظرية المشروعية" يرفضون تنفيذها مطلقًا، في حين يرى أنصار "نظرية الطاعة المطلقة" أن ضمن سير المرفق العام يستلزم الامتثال لها، مع إيقاع المسؤولية على الآمر. وقبالة هاتين النظريتين، ظهرت "النظرية التوفيقية" أو "النظرية الوسط"، لتوفّق بينهم، بدعوتها إلى إطاعة الأوامر متى توافرت فيها مجموعة من الشروط، مثل الوضوح والدقة والشرعية، ليكون في إمكان المرؤوس التحقق من سلامة الأوامر؛ فإذا لا ظح عدم مشروعيتها، فعليه أن ينبّه رئيسه، فإذا أصرّ الرئيس، وجب على المرؤوس الامتثال لها على مسؤولية الرئيس وحده. كم توجب النظرية أن تكون الطاعة نسبية، بمعنى الامتناع حال كانت عدم المشروعية ظاهرة، أو يترتب على تنفيذ الأوامر نتائج خطيرة33.

  1. ينظر: المرجع نفسه، ص 750-749؛ عجيلة، ص.7-5
  2. الشرقاوي، ص.623
  3. ينظر: عبد الرحمن العيسوي، في الثقافة والمعرفة العسكرية المعاصرة وأسسها القانونية (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2011)، ص.115-107
  4. عجيلة، ص.187
  5. راشد الغفيلي، الحدود النظامية لطاعة الأوامر العسكرية في المجال الأمني (الرياض: أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 1999)، ص.51
  6. العنزي، ص.350
  7. ينظر: عجيلة، ص.7-5
  8. ينظر: المرجع نفسه، ص.45-34
  9. ينظر: المرجع نفسه، ص 190-184؛ شعبان سلامة، مدى إعفاء الموظف العام عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة (الإسكندرية: مكتبة الوفاء القانونية، 2018)، ص 120-116؛ العنزي، ص.349-346

كان ذلك بخصوص الوظائف عمومًا، لكن ثمة من يميّز بين الوظيفتين المدنية والعسكرية، كالقول إن نظرية الطاعة المطلقة "تبدو وجاهتها وضرورتها بالنسبة للعسكريين بوجه عام"، لانسجامها مع الانضباط العسكري34، أو من خلال "النظرية التوفيقية"، ولكن على أن تكون نسبية الامتناع ضيقة جدًا، ومعلّقة فحسب على مخالفة الأمر للقانون الدستوري بانتهاك الحقوق أو منظومة العلاقات بين السلطات، أو القانون الجنائي بارتكاب جناية أو جنحة خطيرة35. وهنالك أيضًا تمييز داخل الوظيفة العسكرية ذاتها، تبعًا لمعيارَين: الأول، الزمن؛ حيث تكون الطاعة في حالة الحرب ملزمة على نحو أشد، على حساب اعتبارات المشروعية. أما المعيار الثاني، فيتمثل في التمييز بين العسكريين بالمعنى الدقيق (أي منتسبي الجيش) من جهة، ومنتسبي قوات الأمن والشرطة من جهة أخرى؛ حيث يضيق نطاق المشروعية أكثر بالنسبة إلى العسكريين36، باعتبارهم لا يتمتعون-ا كم الشرطيين مثل - "بسلطات تقديرية"37. قاد هذا التمييز إلى تطوير نظريات خاصة بالوظيفة العسكرية، أبرزها نظرية "الحراب الواعية"، أو "الطاعة العاقلة"38، التي "قضت على فكرة الطاعة المطلقة التي كانت منتشرة في المجال العسكري؛ حيث أقرّت أن العسكريين هم في الدرجة الأولى مواطنون أحرار ويمثلون الحراب الواعية القادرة على تحقيق سيادة القانون". وهي النظرية التي لاقت تأييد "غالبية الفقهاء"39، وتأثّر بها الفقه الحديث الذي يتفق على ضرورة الامتناع عن تنفيذ أوامر غير مشروعة على نحو ظاهر، وما زال يجادل في الحالات الأخرى40. ويلا ظح أن هذه النظرية، وإن كانت خاصة بالوظائف العسكرية، فإنّها تنطلق من نظرية المشروعية السابقة الذكر أو تتقارب معها. وقد جاءت هذه التطورات، في اتجاه تقويض نظرية الطاعة المطلقة، استجابةً لجملة من العوامل المؤثرة، أبرزها: أول، ا الدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من جرائم بناء على أوامر غير مشروعة41؛ إذ قادت السوابق القضائية لمحاكمت جرائم الحرب (تذرّع خلالها متّهمون كثر بالأوامر للدفاع عن أنفسهم42) إلى تطوير قاعدتين عرفيتين تضعان حدًا للطاعة المطلقة (القاعدتان 154 و 155)43. ثانيًا، مبدأ المشروعية، الذي بات طابعًا للدولة القانونية الحديثة44. وفضلًا عن ذلك، تهدر هذه النظرية (يطلق

  1. عجيلة، ص.187
  2. المرجع نفسه، ص.189
  3. المرجع نفسه، ص 252-251؛ ينظر: الشرقاوي، ص.203
  4. أنيكي أوسي، فهم العمل الشرطي: دليل لنشطاء حقوق الإنسان (أمستردام: الفرع الهولندي لمنظمة العفو الدولية، 2011)، ص.62
  5. العنزي، ص.353
  6. الشرقاوي، ص.629
  7. العنزي، ص.355-345
  8. المرجع نفسه، ص.360-356
  9. ينظر: ثقل العجمي وعلي النامي، "الدفع بإطاعة الأوامر العليا بين القانون الداخلي والقانون الدولي"، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، العدد 1 (2007)، ص.411-393
  10. Nils Melzer, International Humanitarian Law: A Comprehensive Introduction (Geneva: International Committee of the Red Cross, 2022), pp. 287-288.
  11. عجيلة، ص.161

عليها البعض "نظرية الأداة العمياء") قيمة القانون45، وتجرّد المرؤوسين من صفاتهم الإنسانية46. ومع ذلك، تجنّبت بعض الاتفاقيات الدولية إثارة مسألة حدود الطاعة، تاركة تنظيمها للتشريعات الوطنية وما يجدّ من تطورات على الصعيد الدولي47. ختامًا، تجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية تقدّم بهذا الخصوص مقاربة جديرة بالاهتمم، ولا سيم على مستوى النص القرآني: ﴿َأطِيعُوا الَّلهَ وأَطِيعُوا الَّرَسُولَ وَُأَُوِلي اَأْلَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تنَازَعْتُمْ في يَشْءٍ فَرُّدوهُ إَِلى الَّلَهِ وَالَّرَسُولِ﴾ (النساء: 59)؛ فعلى الرغم من أن طاعة "أولي الأمر" واجبة، فإنها ليست مطلقة، بل قابلة للجدل والتحكيم بين طرفي الأمر (الآمر والمأمور)، وردّت الآية الكريمة السلطة التحكيمية - وفقًا للتفسير - إلى القرآن ("الله" سبحانه وتعالى) والسنة ("الرسول" صلى الله عليه وسلّم)؛ فقياسًا عليها في الدولة المدنية اليوم، تكون السلطة التحكيمية للدستور والقانون، فإن كان الأمر مخالفًا لهم، يكون الأمر غير مشروع.

3. طبيعة المعايير الدولية

استقت الدراسة المعايير الدولية من ثلاثة أوعية/ مصادر (الملحق 1): أول، ا المعاهدات أو الصكوك التعاهدية، وهي المصدر الرسمي الأول للقانون الدولي، ولا خلاف على إلزاميتها القانونية لأطرافها. ثانيًا، العرف الدولي، وهو ثاني مصادر القانون الدولي، وملزم لجميع الدول. ثالثًا، الصكوك غير التعاهدية التي صدرت على شكل إعلانات أو توصيات من منظمت دولية، وهي ما يطلق عليها "القانون الناعم" Soft Law؛ ففي حين أنه لا خلاف على إلزاميتها الأدبية، تبقى إلزاميتها القانونية موضعًا للجدل، باستثناء ما تضمنته تلك الصكوك من تقنين لقواعد أصلُها عرفي، أو قواعد تعّبر عن "المبادئ العامة للقانون المعترف به من قبل الدول المتحضرة"؛ فهذه ملزمة كونها ثالث مصادر القانون الدولي. تتوزع هذه المعايير بين ثلاثة حقول للقانون الدولي العام: القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي. وعلى الرغم من تمايزها، فإنها حقول مترابطة ومتكاملة48. وهو ما دفع في اتجاه عدم تمييز الدراسة بينها، ولا سيم في ظل الأحكام الإيجابية التي يقدّمها القانون الدولي الإنساني (ويبني عليها القانون الجنائي الدولي)؛ فهو إن كان قانونًا خاصًا بوقت النزاعات، فإنه يحدد المعايير الإنسانية الدنيا في القانون الدولي العام ويكفلها49. ولمّا كان القانون الدولي الإنساني يخاطب- فيم يخاطب - العسكريين بالمعنى الضيق (المقاتلون)، فمن باب أولى أن ما هو محظور عليهم وقت النزاعات، محظور على المكلفين/ العسكريين بالمعنى الواسع، في جميع الأوقات. وبناء عليه، يحسن بالدول أن تستلهم من القانون الدولي الإنساني في حوكمة الأوامر العليا حتى في أوقات السلم.

  1. أحمد علي الشبلي، "واجب طاعة الرؤساء كمصدر لإباحة أفعال المرؤوس"، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد 55 (2022)، ص.412-411
  2. فايز، ص.1006
  3. ينظر مثل:ا Frits Kalshoven & Liesbeth Zegveld, Constraints on The Waging of War: An Introduction to International Humanitarian Law (Geneva: International Committee of the Red Cross, 2001), p. 150.
  4. Melzer, pp. 27-32.
  5. Ibid., p. 17.

4. حدود المقاربة الدستورية

تتسم الدساتير بإيجاز أحكامها، وإن كان بعضها أكثر إيجازًا من غيرها. أما على مستوى المضمون، ف "دساتير القانون"، على الرغم من أنها أقل إيجازًا، تتسم بالدقة وقابلية أحكامها للتقاضي50. ولذلك، فإن الاتجاه الغالب حاليًا هو إطالة الدساتير للعناية أكثر في كفالة الحقوق51. ومن هذا المدخل، تؤكد الدراسة أهمية تنظيم الدستور لمسألة الأوامر غير المشروعة، ولا سيم أن نتيجة تكشيف دساتير العالم - كم سبق وأشير إليه - لم تُظهر إلا 25 دستورًا فقط تضمّنت أحكامًا ذات صلة بذلك، فاتخذتها الدراسة عينة لها. في إمكان المقارنة بين عينة الدساتير أن تأخذ عدة محاور، إلا أن تباين التفصيلات التي رّك ز عليها كل دستور يدفع في اتجاه حصرها في ثلاثة محاور. يتناول المحور الأول نطاق الأحكام؛ فثمة دساتير حظرت إطاعة الأوامر التي تستهدف تهديد البررلمان تحديدًا (الدنمارك والنرويج)، أو قصرت حظر التذرع بها لارتكاب أيّ من أعمل "التعذيب"52، حصرًا (إسواتيني) أو على سبيل المثال (توغو)، أو أيّ هجمت على الأمن الشخصي (بوليفيا)، أو الإخفاء القسري أو أيّ عمل ينتهك أو ينتقص الحقوق المكفولة بالدستور (كرواتيا) والقانون (فنزويلا)، أو منحت المرؤوسين حق رفض الامتثال لها إن كانت تشكّل انتهاكًا لأحكام القانون الجنائي (النمسا)، أو ساوت بين مصدري أوامر تخالف الأحكام ذات الصلة ومنفذيها بتوقيف السجناء ونقلهم (المملكة المتحدة). في المقابل، هناك دساتير حظرت التذرع بأوامر الرؤساء على نحو مطلق (الإكوادور)، أو حظرت إطاعة أيّ أوامر ليس لها صفة شرعية واضحة (جنوب أفريقيا والمالديف)، أو أعفت من واجب طاعتها (الكونغو وغواتيملا)، أو حظرت مجرد إصدارها (النيجر وهندوراس)، أو أكدت على مساءلة مصدري أيّ أوامر تعسفية ومنفذيها (فرنسا)، ما لم يكن تنفيذ المرؤوس للأمر غير المشروع قد جرى بناء على اعتقاده بأنه قانوني، على أن يكون عليه عبء إثبات اعتقاده والأسباب المعقولة التي استند إليها (بابوا غينيا الجديدة). وتشترك ثلاثة دساتير - بصياغة متقاربة - في قصر تناولها لمسألة الأوامر على تأكيدها حق كل مواطن في عصيان الأوامر غير القانونية، التي تنتهك حقوقهم وحرياتهم وضمناتهم، ومقاومتها (تيمور الشرقية والرأس الأخضر) أو حقوق الإنسان وحرياته عمومًا (رواندا). أما المحور الثاني، فيقوم على حيثية هوية المخاطَبين بالأحكام؛ ففي حين تشترك الدساتير المشار إليها سابقًا في أنها خاطبت بتلك الأحكام العسكريين/ المكلفين أو موظفي الدولة عمومًا53، أو عموم المواطنين/ أيّ شخص بما يشمل العسكريين/ المكلفين54، فإن دساتير أخرى قصرت أحكامها على موظفي الخدمة المدنية حصرًا55، أو ميّزت في أحكامها بين مخاطبة العسكريين/ المكلفين وسواهم56.

  1. يوسف حاشي، في النظرية الدستورية (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2009)، ص.127-123
  2. محمد علي سويلم، العوار الدستوري: دراسة مقارنة (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2020)، ص.65
  3. كلما ذُكر هذا المصطلح بين علامتَي التنصيص، يقصد به: التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
  4. إسواتيني، والإكوادور، وجنوب أفريقيا، والمالديف، والنمسا، وهندوراس، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وبابوا غينيا الجديدة.
  5. الدنمارك، والنرويج، وبوليفيا، وتوغو، وكرواتيا، والكونغو، وفنزويلا، والنيجر، وتيمور الشرقية، والرأس الأخضر، ورواندا، وغواتيمالا.
  6. زيمبابوي.
  7. بنما، وتركيا، وكولومبيا.

أخيرًا، يتسم المحور الثالث بطبيعة خاصة؛ إذ يحاول أن يجري تقييمًا للأحكام الدستورية من حيث تناولها لأبرز ضمنات حوكمة الأوامر العليا التي تؤكد عليها هذه الدراسة. وهو ما اقتضى تأجيل طرح هذا المحور إلى الخاتمة.

ثانيًا: المسؤولية عن تنفيذ الأوامر العليا غير المرشوعة

الأساس في المسؤولية الجزائية أن تكون فردية. وإضافة إلى مساءلة مقترف الجريمة (الفاعل)، تمتد المساءلة لتشمل "المشتركين جرميًا"، كالشريك والمتدخل والمحرض57. ولا خلاف على مسؤولية الرئيس مصدر الأمر غير المشروع، باتفاق مصادر المعايير الدولية، وإن كان بعضها لم يصرّح بذلك. بل إن منها ما يؤكد على ضرورة مساءلة الرئيس حتى عن أفعال مرؤوسيه التي يقدمون عليها من دون أوامر منه في حالات معيّنة58. وهو أحد المبادئ التي تندرج ضمن "عقيدة مسؤولية القيادة"، ويندرج ضمنها أيضًا تحمّل الرؤساء مسؤولية الأوامر التي يصدرونها والتأكد من أنها متوافقة مع القانون59. على مستوى ا لصكوك التعاهدية والعرف الدولي، فقد ساوت اتفاقيات جنيف الأربع بين مساءلة الرئيس (الآمر) والمرؤوس (الممتثل) فيم يتعلق ب "المخالفات الجسيمة" لهذه الاتفاقيات60، وأكد نظام روما على مساءلة الآمر (المادة 3/25/ب) والممتثل للأمر (المادة 33). وهو ما يتوافق من حيث المبدأ مع قواعد العرف الدولي (القاعدتان 152 و 155)، والممرسات في غالبية الأنظمة العسكرية61. وبناء عليه، فإن إشكال المسؤولية ينصبّ أساسًا على مسؤولية المرؤوس، وإن كان في الإمكان إعفاؤه منها، حال امتثاله، بالاكتفاء بمسؤولية الرئيس. وأما مسؤولية المرؤوس في حال الامتناع، فهي تندرج ضمن نطاق المبحث الرابع الخاص بحمية الممتنعين. لذا، يتناول هذا المبحث مسؤولية المرؤوس في حال الامتثال. باستثناء الأفعال المحظورة لذاتها، والتي تعتبرر غير مشروعة مطلقًا وفي جميع الأحوال، ك "التعذيب" والاختفاء القسري و"الإعدام غير المشروع"62، لا يثار إشكال في تنفيذ الأوامر التي تمسّ حقوقًا محمية من حيث المبدأ، كسلامة الجسد وحرية الحركة وحرمة المسكن، حتى لو كان ذلك بأساليب عنيفة، متى ما توافرت شروط قيام الحالة التي تسوّغ ذلك قانونيًا؛ فهذه أوامر مشروعة، وتندرج ضمن مفهوم أداء الواجب بوصفه أحد أسباب الإباحة في القانون الجنائي. وبذلك، يتمثل الإشكال الذي تثيره الدراسة في تنفيذ الأوامر غير المشروعة. وفي هذا الصدد، وتأسيسًا على نظريات واجب الطاعة المشار إليها سابقًا، ظهرت ثلاثة مذاهب علمية، يقابل كلٌ منها إحدى تلك

  1. ينظر Melzer, pp. 285-286:؛ فخري الحديثي وخالد الزعبي، شرح قانون العقوبات: القسم العام (عّم نا: دار الثقافة، 2010)، ص.172-132
  2. ينظر مثلًا المواد: (28) من نظام روما؛ (6) من اتفاقية الاختفاء القسري؛ (19) من مبادئ 1989؛ الفقرة (26) من تعليق 2008. وهو الموضوع الذي أشير إليه في المقدمة باعتباره موضوعًا معاكسًا لموضوع الدراسة.
  3. Leigh & Born, p. 211.
  4. حُددت في الاتفاقيات الأولى (المادة 50) والثانية (المادة 51) والرابعة (المادة 147)، في حين ذكرت أمثلةً في الثالثة (المادة.)130
  5. Leigh & Born, p. 214.
  6. كلما ذُكر هذا المصطلح بين علامتَي تنصيص، يُقصد به: الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة.

النظريات63: يؤكد مذهب "المسؤولية المطلقة" على التزام المرؤوسين بالأوامر المشروعة فحسب، وتحمّلهم من ثم مسؤولية تنفيذ الأوامر غير المشروعة؛ بوصفهم فاعلين عقلانيين. أما مذهب "الرد على الرئيس"، فيحمّل المسؤولية للآمر وحده، وبناء عليه فإن على المرؤوسين تنفيذ الأوامر غير المشروعة، بداعي دعم الانضباط العسكري. ولما كان هذان المذهبان على طرَفي نقيض، جاء مذهب "المسؤولية المشروطة" ليحاول التوفيق بينهم؛ إذ يقوم على اعتبار أن المرؤوسين لا يمتلكون العنصر العقلي المقصود إذ ا اعتقدوا بصدق وخطأ أن الأمر غير المشروع مشروع فنفذوه. وتأثرًا بهذا المذهب، باتت بعض المعايير الدولية تسمح للمرؤوس بالدفع بالأوامر العليا لتجنّب المسؤولية أو تخفيف العقوبة عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة64. وفي الحصيلة، فإن مبدأ عدم التذرع/ الدفع بالأوامر العليا هو القاعدة التي تكون مطلقة تجاه بعض الأعمل غير المشروعة/ الجرائم المحددة، في حين يكون قابلًا للاستثناء تجاه بقيتها. وقد يكون هذا الاستثناء مباشرًا على القاعدة (الفرع 2)، أو غير مباشر (الفرع 3). ولكن قبل تناول هذه الاستثناءات، يجري التمهيد بتناول طبيعة الامتناع ما بين الحق والواجب (الفرع.)1

1. الامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة ما بين الحق والواجب

انطلقت الدراسة أساسًا من مقاربة "مواطن في الزي العسكري"، التي مفادها أن الجندي مواطن يرتدي زيًا عسكريًا ويستخدم حقوقه بوعي، ويقوم بوعي ممثل بالواجبات المرتبطة بهذه الحقوق65. وفي حين أشير سابقًا إلى شيوع هذه المقاربة، فإن الجدل حول مدى نطاق حقوق العسكريين ما زال قائمًا في بعض الدول66. أول وهلة، قد يبدو التفاكر بشأن إذا ما كان الامتناع واجبًا على المرؤوس أم حقًا له مسألةً ثانوية، كون العبررة أصلًا بضرورة الامتناع. ولكن إن كان الامتناع مجرّد حق، فهو قد يعني أن في إمكان صاحبه (المرؤوس) التخلي عنه. أما لو كان واجبًا، فإن المسألة ليست خاضعة لتقديره. تباينت مواقف مصادر المعايير الدولية في هذا الصدد، فمنها ما اعتبرر الامتناع حقًا (الاتفاقية الأميركية)، وأكثرها اعتبرره واجبًا (القاعدة العرفية 154، مدونة 2001، دليل 2008، مذكرة 2010)، وبعضها - وهو الموقف الأصوب - اعتبرره حقًا وواجبًا معًا (مبادئ 1989، إعلان 1992، معايير 1998). كذلك على مستوى عينة الدساتير، فمنها ما اعتبرراه حقًا على نحو صريح67، ومنها ما اعتبرره واجبًا على نحو صريح أو ضمني68.

  1. إذ تقابل نظرية المشروعية/ الحراب الواعية/ الطاعة العاقلة مذهب المسؤولية المطلقة Liability Absolute، وتقابل نظرية الطاعة المطلقة مذهب الرد على الرئيس/ الرد الأعلى Superior Respondent، في حين تقابل النظرية التوفيقية مذهب المسؤولية المشروطة.Conditional Liability
  2. Carmel O'Sullivan, Killing on Command: The Defence of Superior Orders in Modern Combat (London: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 15-16.
  3. Donald Abenheim, The Citizen in Uniform: Reform and its Critics in the Bundeswehr (California: Naval Postgraduate School, 1998), pp. 2-3; Jens-Olaf Koltermann, "Citizen in Uniform": Democratic Germany and the Changing Bundeswehr (Philadelphia: United States Army War College, 2012).
  4. ينظر في حالة فرنسا: رامو دو بللسيز، "إصلاح النظام العام للعسكريين"، مجلة القانون العام وعلم السياسة، العدد.)2006(2
  5. مثل: تيمور الشرقية، والرأس الأخضر، ورواندا، والمالديف، والنمسا.
  6. مثل: إسواتيني، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي، وفنزويلا.

وعلى الرغم من كون مقاربة الواجب هي الأهم، فإن ذلك لا يعني التنكر لأهمية مقاربة الحق. وبهذا الخصوص، في الإمكان التأسيس للامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة بالمقاربة مع حق "الاستنكاف الضميري" Objection nscientious Co، الذي عادةً ما يكون متصلًا بالاستنكاف عن الخدمة العسكرية الإلزامية69، لأسباب دينية أو فلسفية أو سياسية أو غيرها70. وهو عادة ما يفيد ذلك المعنى ما لم "ُيشُر بالتحديد إلى بعض أشكال الاستنكاف الأخرى"71. لم تعترف أيّ اتفاقية دولية بالاستنكاف الضميري باعتباره حقًا مستقلًا في ذاته، بل هو يوصف – عادة - بأنه "حق مشتق من تفسير الحق في حرية الفكر والوجدان والدين"72. وهو ما أخذت به لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان73، ومن ثم المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان74، في حين كفله صراحة ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي لعام 2000 (المادة 10)76. وهو ما تُقدم عليه بعض دساتير دول العالم؛ فعلى مستوى عينة الدساتير، فإن تسعة دساتير فقط - ممن تفرض الخدمة الإلزامية - كفلت الحق في الاستنكاف الضميري صراحةً أو ضمنيًا77. إن ما تطرحه الدراسة بهذا الخصوص هو أن الامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة ينطوي - كم الاستنكاف الضميري - على حق المرؤوس بإرضاء ضميره ووجدانه من خلال الامتناع78.

2. مبدأ عدم جواز التذرع بالأوامر العليا للدفع بعدم المسؤولية والاستثناءات المباشرة عليه

شدد العديد من مصادر المعايير الدولية على هذا المبدأ لعدم تبررير ارتكاب أعمل غير مشروعة. وحددت بعض تلك المصادر هذه الأعمل حصريًا: "التعذيب" (اتفاقية مناهضة التعذيب، مدونة 1979، معايير 1998، تعليق 2008، قرار 2022)، والاختفاء القسري (اتفاقية الاختفاء القسري، الاتفاقية الأمريكية، إعلان 1992)، و"الإعدام غير المشروع" (مبادئ 1989، معايير 1998)، والجرائم المخلّة بسلم الإنسانية وأمنها (مشروع 1991،

  1. المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية (نيويورك/ جنيف: منشورات الأمم المتحدة، 2012)، ص.2
  2. Hans Born, Parliamentary Oversight of the Security Sector: Principles, Mechanisms and Practices (Geneva: Inter-Parliamentary Union & Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces, 2003), p. 159.
  3. المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ص.2
  4. المرجع نفسه، ص.7
  5. الفقرة (11) في تعليقها العام رقم (22)، عام 1993. ينظر: الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، الدورة الثامنة والأربعون، " التعليق العام الذي اعتمدته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بموجب الفقرة 4 من المادة 40 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: التعليق العام رقم 22 (48)، المادة ")18(، 2023/9/27، شوهد في 2025/9/10، ف:ي https://acr.ps/1L9GPu8
  6. القرار (1998/77)، عبرر موقع المفوضية، ينظر: Office of the High Commissioner for Human Rights, "Conscientious Objection to Military Service Commission on Human Rights Resolution 1998/77," accessed on 9/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPpl
  7. لمطالعته عبرر موقع مكتبة حقوق الإنسان في جامعة منيسوتا: الاتحاد الأوروبي، البررلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي واللجنة الأوروبية، ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي (2008)، شوهد في 2025/9/10، في: https://acr.ps/1L9GPCt 75 صراحة: الإكوادور، وتيمور الشرقية، والرأس الأخضر، وكرواتيا؛ وضمنيًا: إسواتيني، وبابوا غينيا الجديدة، وفنزويلا، والمملكة المتحدة، والنمسا.
  8. يبدو أن التنظير لتوسيع مجالات الاستنكاف الضميري آخذ في التنوع، ينظر على سبيل المثال: صقر فارس، "الاستنكاف الضميري في الخدمة المدنية: دراسة مقارنة"، مجلة الحقوق، مج 14، العدد 1.)2017(

مشروع 1996)، ومخالفة مبادئ استخدام القوة والأسلحة النارية (مبادئ 1990). في المقابل، ذكرت مصادر أخرى الأعمل غير المشروعة على سبيل المثال، بنصها "انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، مثل الإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والتعذيب، أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية" (مبادئ 2006)، أو "الانتهاكات المعترف بأنها تشكّل أفع لًا جنائية إما بموجب القانون المحلي أو القانون الدولي، مثل [...]" (تعليق 2004). وعلى صعيد عينة الدساتير، فقد لو  ظح سابقًا أنها توزعت بين هذين الاتجاهين79. ينطلق هذا المبدأ من المساءلة الفردية، التي تعني أن من يرتكب عملًا غير مشروع يتحمّل مسؤوليته كاملة، حتى لو كان يتصرف بناءً على أوامر عليا. "مثل هذا النهج في المساءلة مهم من حيث تجنّب الإفلات من العقاب"، لضمنه خضوع الممتثلين "للمساءلة الفردية عن المخالفات أو الجرائم المرتكبة"81. وفي حين كان حظر التذرع بالأوامر العليا مطلقًا في الاتفاقيات المشار إليها سابقًا، وتأسيسًا على مذهب المسؤولية المشروطة والنظرية التوفيقية، فإن نظام روما (مادة 33) وحده - من بين الاتفاقيات – هو الذي وضع استثناء على ذلك. وهو ما يتفق، إلى حد ما، مع العرف الدولي (القاعدة 155)، وبعض الصكوك غير التعاهدية (مبادئ 1990، مشروع 1991). أشار نظام روما إلى حالة تقوم على ثلاثة شروط82، متى ما توافرت جميعها تقوم حالة (يُطلق عليها في هذه الدراسة "الحالة الأساسية") يمكن عندها إعفاء المرؤوس الممتثل، وهي83: 1. "كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني"، 2. "لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع"84، 3. "لم تكن عدم مشروعية الأمر ظاهرة"85. تثير هذه الحالة مسألة "الجهل والغلط في القانون"86 التي تتعارض مع قاعدة العلم بالقانون، وهي "قاعدة مفترضة ولازمة بطبيعتها لضمن تنفيذ القانون الجنائي"87؛ ما استدعى أن يستقر عليها التشريع والقضاء في غالبية الدول88، وتؤكد عليها قوانين العقوبات الوطنية89. كم أن جانبًا كبيرًا من الفقه ينكر على العسكريين خصوصًا التذرع بالجهل أو الغلط في القانون، كونه تذرّعًا غير مقبول من الأفراد العاديين، ومن ثم من باب

  1. ينظر في هذه الدراسة: المبحث الأول، الفرع.4
  2. Leigh & Born, p. 209.
  3. نؤكد على كونها ثلاثة شروط يجب توافرها معًا لقيام الحالة، وفقًا لصياغة المادة في النسخة الإنكليزية لنظام روما؛ وليس ثلاث حالات، متى ما توافرت إحداها صار في الإمكان التذرع بالأوامر، كما توحي بذلك صياغة المادة في النسخة العربية الرسمية لنظام روما. 80 المقصود ب "الشخص" فيما يلي هو "المرؤوس".
  4. ينسجم هذا الشرط مع القاعدة العرفية.)155(
  5. ينسجم هذا الشرط مع القاعدة العرفية (155)، ومبادئ 1990، إلا أن الأخيرة أضافت: لم يكن "لديهم [أي المرؤوسين] فرصة معقولة لرفض تنفيذه [الأمر."]
  6. يُقصد بالجهل بالقانون أن يكون الشخص لا يعلم بالقانون، كأن لا يعلم مثلًا أن مسلكًا ما مجرّم. في حين يُقصد بالغلط بالقانون أن يكون الشخص عالمًا بالقانون، ولكنه يفهمه/ يفسره بصورة خاطئة. ينظر: أكرم الغول، شرح قانون العقوبات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979: القسم العام (غزة: [د. ن].، 1998)، ص.177
  7. قدري الشهاوي، ملامح النظرية العامة للمسؤولية الشرطية جنائيًا وإداريًا (القاهرة: دار النهضة العربية، 2006)، ص.171
  8. العنزي، ص.463-462
  9. ينظر مثل:ا قانون العقوبات السوري (المادة 1/222)، والأردني (المادة 85)، واللبناني (المادة.)223

أولى عدم قبوله منهم90. ومن الفقه من يميز بين الجهل أو الغلط في قانون العقوبات، وغيره من القوانين؛ فيعتبرره نافيًا للقصد الجنائي في القوانين الأخرى فقط91. ولكن مع اتصال مسألة الغلط بالقانون بمسألة الغلط في الوقائع من جهة92، واتصال المسألتين بتنفيذ الأوامر من جهة أخرى، بات هنالك توجّه (مذهب المسؤولية المشروطة) يتحدث عن إمكانية تجاوز تلك القاعدة في اتجاه التعامل مع هذه المسألة ضمن "موانع المسؤولية"، لصلتها بالحالة النفسية/ العقلية للمأمور/ الجاني، الذي يضعه نظام الخدمة العسكرية في حال يتلقى فيها أمرًا، فيظنّه مشروعًا، لاعتقاده أساسًا بأن رئيسه الآمر أعلم منه بالقانون. تلاحَظ نتائج هذا التوجه في بلورة الحالة الأساسية المشار إليها سابقًا؛ ففيم يتعلق بنظام روما، وإضافة إلى إقراره، عمومًا، بالدفع بالغلط في القانون والوقائع بوصفهم سببين لامتناع المسؤولية الجزائية في حالة نجم عن هذا الغلط انتفاء الركن المعنوي للجريمة (المادة 32)، فإنه في الحالة الأساسية السابقة، اتفاقًا مع "مذهب المسؤولية المشروطة"، يُعفى المأمور من المسؤولية حال عدم علمه بعدم مشروعية الأمر الصادر إليه، وتعذر وضوح عدم مشروعيته (المادة 1/33). ولما كانت مسألة وضوح عدم مشروعية الأمر تبقى موضع جدل، فقد حرص نظام روما على وضع حكم يفترض أن الأمر يكون غير مشروع على نحو ظاهر – بالضرورة - في حال ارتكاب جرائم الإبادة الجمعية والجرائم ضد الإنسانية (مادة 2/33). وبناء على ذلك، لا يمكن الاحتجاج بأوامر عليا بخصوصها بأي شكل كان، بما يتوافق مع "مذهب المسؤولية المطلقة". وينسجم مع هذا المبدأ أيضًا حظر البرروتوكول الأول والقاعدة العرفية (46) "الأمر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة، أو تهديد الخصم بذلك، أو إدارة الأعمل العدائية على هذا الأساس"93. انتُقد نظام روما لأخذه بالمذهبين معًا، ولا سيم كونه لم يشمل باقي الجرائم التي نص عليها (جرائم الحرب والعدوان) في قرينة الوضوح بالضرورة، إلا أن مسلكه هذا في الحصيلة كان موضعًا للإشادة، باعتباره قدّم سابقة بتحديد معيار موضوعي لحدود التذرع بأوامر عليا تجاه الجرائم الأكثر جسامة، فجعله غير ممكن تجاهها94. وقد أخذت بهذا المسلك معايير دولية أخرى (مذكرة 2010). وتأتي أهمية وجود مثل هذا المعيار في ضوء الجدل الذي تثيره كيفية حسم القضاء لمسألة وضوح عدم المشروعية من عدمه95.

  1. ينظر: العنزي، ص 470-469؛ الشهاوي، ص.171
  2. عبد الستار، ص.177-176
  3. ينظر: المرجع نفسه، ص 176؛ العنزي، ص.468-467
  4. أورد البرروتوكول الثاني المقطع الأول فقط من الاقتباس أعلاه. حول أهمية هذا الحظر وما يترتب على انتهاكه من انتهاك لعدة قواعد أساسية، ينظر: 107-108 pp..Melzer,
  5. Marcus Abrahamsson, "The Defense of Superior Orders: Article 33 of the ICC Statute - A Departure from Customary International Law?" Master Thesis on Law, Lund University, Lund, 2018, pp. 1-3; Paola Gaeta, "The Defence of Superior orders: The Statute of the International Criminal Court Versus Customary International Law," European Journal of International Law , vol. 10, no. 1 (1999), pp. 173-174.
  6. ينظر في هذه الدراسة: المبحث الثالث، الفرع.4

على مستوى عينة الدساتير، وفيم يتعلق بالأحكام التي تخاطب العسكريين/ المكلفين أو تشملهم، يلا ظح أن منها ما أخذ بمذهب المسؤولية المطلقة، إما على نحو عام96، أو تجاه أفعال أو جرائم محددة بدقة98، أو على نحو موسع99، أو على نحو عام ومحدد أيضًا100. في حين أخذ بعضها بمذهب المسؤولية المشروطة101. أما من حيث ماذا يترتب على حالة الاستثناء الأساسية هذه، متى ما تحققت شروطها، فبالعودة مرة أخرى إلى المعايير الدولية المشار إليها سابقًا، فمنها ما يرتّب على ذلك إعفاء المرؤوس من المساءلة (نظام روما، مشروع 1991)، أو يخفف عقوبته فحسب (مشروع 1996). ويتوافق التوجه الأخير مع مسالك جملة من المحاكم الدولية، كم ورد في التعليق على القاعدة العرفية.)155(على ما يبدو أن تخفيف العقوبة أكثر قبولًا من الإعفاء من المسؤولية كليًا102؛ وذلك: أول، ا ما يفسر تراجع "مشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية وأمنها" عن الإعفاء من المسؤولية (مشروع 1991) إلى تخفيف العقوبة (مشروع 1996). ثانيًا، ما جعل ميثاق روما موضعًا للانتقاد بداعي مخالفته "لما استقر عليه القانون الجنائي الدولي" بتخفيف العقوبة وليس الإعفاء منها103. وفي النتيجة، الفعل غير المشروع قد ارتكبه المرؤوس، ومن ثم عليه أن يتحمل - ولو جزءًا - من العقوبة، عملًا بمبدأ المساءلة الفردية، وتحقيقًا لغايته. ثمة معايير دولية (مبادئ 2006) أكدت في هذا الصدد أن المقصود بتخفيف العقوبة هو التعامل مع المسألة "على أكثر تقدير" وفقًا ل "أسباب تخفيف العقوبة" Sentence Reduced، وليس "الأعذار" أو "الظروف المخففة" Circumstances Extenuating104؛ ذلك أن العقوبة في الأولى تكون جوازية وفقًا لتقدير القاضي، في كل حالة وتبعًا لخصوصيتها، بالمراوحة في اختيار العقوبة بين حدين أقصى وأدنى يحددهم التشريع، في حين أن الثانية تكون وجوبية بحكم التشريع، ويكون هامش التخفيف واسعًا، قد يصل إلى تخفيف العقوبة من الإعدام أو الأشغال الشاقة إلى الحبس سنة105.

  1. الإكوادور، وغواتيمالا.
  2. التعذيب" (إسواتيني)؛ "الهجمات على الأمن الشخصي" (بوليفيا)، الاعتداء على أمن البررلمان وحريته (الدنمارك، والنرويج)؛ إلقاء القبض والحبس ونقل السجناء (فرنسا، والمملكة المتحدة.)
  3. مثل هذه الانتهاكات" بالإشارة إلى المساس بالإنسان و"التعذيب" (توغو)؛ "حقوق الإنسان والحريات الأساسية" (كرواتيا)؛ "انتهاكًا لأحكام القانون الجنائي" (النمسا.)
  4. على نحو عام في المادة (25)، ومحدد بالإخفاء القسري في المادة (45) (فنزويلا)؛ على نحو عام من خلال عبارة "أوامر غير قانونية"، ومحدد من خلال عبارة "الأوامر التي تحتم ارتكاب جريمة ما" (هندوراس.) 97 بابوا غينيا الجديدة، وجنوب أفريقيا، ورواندا، والكونغو، والمالديف، والنيجر.
  5. ينظر: Anthony D'Amato, "Superior Orders vs. Command Responsibility," The American Journal of International Law , vol. 80, no. 3 (1986); L. C. Green, "Superior Orders and the Reasonable Man," The Canadian Yearbook of International Law (1970); Martha L. Minow, "Living Up to Rules: Holding Soldiers Responsible for Abusive Conduct and the Dilemma of the Superior Orders Defense," McGill Law Journal , vol. 52, no. 1 (2007).
  6. ينظر: إيهاب الروسان، "المسؤولية الجنائية الدولية للرؤساء والقادة"، دفاتر السياسة والقانون، العدد 16 (2017)، ص.120
  7. التعليق (58) على المبدأ (18) من "مبادئ."2006
  8. ينظر: الغول، ص 218-215؛ الحديثي والزعبي، ص.350-340

ولكن مع ذلك، قد يشهد الواقع حالات لا يكون فيها للمرؤوس البتّة إمكانية تحرّي المشروعية، كون عدم المشروعية غير واضحة إطلاقًا، ولا شبهات حولها؛ "مثال ذلك حالة تنفيذ أمر الحبس بحق شخص اتضح فيم بعد أنه لا يجوز حبسه وكان الأمر صادرًا ممن يملك حق إصدار[ه]"، فهنا تأبى العدالة معاقبة الممتثل، كون ظاهر الأمر مشروعًا106.

بناء عليه، إن كانت عدم مشروعية الأمر غير ظاهرة (كم في المثال السابق)، فالأصل عدم مساءلة/ عقاب المنفذ. وأما إن كانت هنالك شبهة عدم مشروعية، ونفّذ المرؤوس الأمر تحت الإكراه، فتخفّف عقوبته (مقارنة بعقوبة الآمر)107. وأخيرًا، إذا نفّذ المرؤوس أمرًا على الرغم من شبهة عدم المشروعية الظاهرة فيه، فيجري عقابه كم الآمر، من دون تخفيف عقوبته.

3. حالات الاستثناء غير المباشرة على مبدأ عدم جواز التذرع بالأوامر العليا غير المشروعة

إضافة إلى حالة الاستثناء الأساسية (المشار إليها سابقًا)، ورد ضمن نظام روما ذاته أن من بين أسباب امتناع المسؤولية الجنائية أن يكون الشخص قد ارتكب الجريمة "تحت تأثير إكراه ناتج عن تهديد بالموت الوشيك أو بحدوث ضرر بدني جسيم مستمر أو وشيك ضد ذلك الشخص أو شخص آخر، وتصرف الشخص تصرفًا لازمًا ومعقولًا لتجنب هذا التهديد، شريطة ألا يقصد الشخص أن يتسبب في ضرر أكبرر من الضرر المراد تجنّبه، ويكون ذلك التهديد: 1- صادرًا عن أشخاص آخرين، 2- أو تشكّل بفعل ظروف أخرى خارجة عن إرادة ذلك الشخص" (المادة 1/31/د). في مثل هذه الحالات يكون التذرع بالأمر دفعًا صحيحًا108. كم ورد ضمن صك غير تعاهدي (مشروع 1991) حالة الإعفاء من المسؤولية في حال عدم إمكانية الامتناع عن تنفيذ الأمر "في ظل الظروف السائدة". وفي التعليق على هذا النص، ورد ضمن الصك ذاته، أن من الأمثلة على تلك الظروف "الإكراه المعنوي أو الجسدي الذي لا يقاوم، وحالة الضرورة والخطأ الواضح والمقبول". تثير هذه الحالة، وإن جرى التراجع عنها، بعدم تضمينها في النسخة الأحدث لهذا الصك (مشروع 1996)، في الأساس مسألةً من المبادئ العامة للقانون الجنائي، فيم يعرف ب "موانع المسؤولية". وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه المسألة في تعليقها على القاعدة العرفية (155)، بنصها على أن قاعدة عدم التذرع بالأوامر العليا لا تنطوي بالضرورة على الإجحاف "بوجود دفاعات أخرى، كالإكراه بالتهديد". تشترك موانع المسؤولية مع أسباب الإباحة وموانع العقاب في عدم توقيع العقاب على الفاعل، إلا أنها تتميز منها بأنها "أسباب شخصية تتعلق بنفسية الجاني فتعدم لديه التمييز أو حرية الاختيار"، وتختل من ثم الأهلية

  1. الغول، ص.111
  2. ورد ضمن التعليق (5) على المادة (5) من "مشروع 1996": "المرؤوس الذي يرتكب جريمة عن غير قصد بناءً على أمر صادر عن رئيسه بسبب الخوف من العواقب الوخيمة على نفسه أو على أسرته الناتجة عن عدم تنفيذ هذا الأمر لا يتحمل نفس الدرجة من اللوم مثل المرؤوس الذي يشارك عن طيب خاطر في ارتكاب جريمة".
  3. Melzer, p. 288.

القانونية الجنائية، وينهار الركن المعنوي للجريمة، "فلا تقوم المسؤولية الجنائية لمرتكب الفعل وبالتالي لا يوقع العقاب"109. ومن بين موانع المسؤولية، واتص لًا بموضوع الدراسة، فإنها تُعنى ب "الإكراه" و"حالة الضرورة  "110. من الوارد أن يمتثل المرؤوس للأمر غير المشروع تحت تأثير "الإكراه" الذي يوقعه الرئيس الآمر. وعادة ما تنص قوانين العقوبات الوطنية على هذا النوع من موانع المسؤولية111، إلا أنه يجب على هذه القوانين ألا تغفل كفالة ضمنات مهمة أكد عليها نظام روما في المادة (1/31/د) المشار إليها سابقًا؛ إذ لا بد من قصر التذرع بالإكراه على حالات التهديد بالموت والإصابات الجسيمة، وليس ما دونها. ولا بد أيضًا من وضع شرط عدم التسبب بضرر أكبرر من المراد تجنّبه. وفي جميع الأحوال، فإن "تقدير توافر الإكراه المعنوي أو عدم توافره متروك لمحكمة الموضوع التي يتعّين عليها بحث كل حالة على حدة"، مراعيةً في ذلك شخصية من أوقع عليه الإكراه112. ولكن مع ذلك، هناك توجه ينكر على العسكريين التعذر بالإكراه، كونهم مطالبين ب "مواجهة كافة الأخطار والتحديات"، ومن ثم إذا قُبل لهم التذرع بالإكراه، فيجب أن يكون ذلك "في أحوال نادرة واستثنائية"113؛ فإضافة إلى ما سبق، لا يُقبل التذرع بالإكراه إذا كانت هنالك إمكانية لتفادي الخطر بغير الامتثال114. وثمة معايير دولية ترى أن الإكراه لا يعفي من المسؤولية، وإنما يخفف العقوبة (مشروع 1996). أما في الشريعة الإسلامية، فيذهب بعض الفقهاء إلى أنها تحظر التذرع بالإكراه في القتل وقطع الأطراف والضرب المهلك، ولا تستثني من ذلك الجنود الممتثلين للأمر الواقع بالإكراه115. أما "حالة الضرورة"116، فهناك من ينكر على العسكريين التذرع بها جملة وتفصيل، ا بداعي "أن أداء الواجب يفرض عليه[م] الثبات والالتزام في حالة الخطر (الضرورة")117. وهو ما تؤكد عليه عادة قوانين العقوبات الوطنية118، ويؤيده جانب من الفقه119. ولكن ماذا لو كنا، مثل، ا أمام حالة يتطلب فيها إخمد حريق كبير نشب في مدينةٍ ما تفجيرَ سد، بما ينجم عنه تدمير ممتلكات، وترجيح التضحية بحياة بعض الأشخاص مجاورين للسد، مقابل ترجيح إنقاذ مئات الأشخاص من الحريق؟ ماذا لو صدر أمر بتفجير السد؟ هل يمت عن المرؤوس بداعي أن ذلك غير مشروع، وأنه ورئيسه ليس في إمكانهم التذرع بحالة الضرورة؟ يؤكد مثال كهذا جدلية هذه المسألة، بما لا يشجّع على تقديم توصية محددة للتعامل مع حالة الضرورة على نحو خاص فيم يتعلق بتنفيذ الأوامر العليا، وخصوصًا أن تطبيقات حالة الضرورة كثيرة ومتشعبة،

  1. عبد الستار، ص.136
  2. من غير المتصور قيام الحالات الأخرى، كصغر السن والاختلال العقلي؛ إذ يفترض أن العسكريين/ المكلفين بإنفاذ القانون بالغون عاقلون.
  3. وإن كان منها ما تعتبرره مانع عقاب وليس مانع مسؤولية، مثل قانون العقوبات السوري (المادة 226)، والأردني (المادة 88)، واللبناني (المادة.)227
  4. الشرقاوي، ص 442؛ العنزي، ص.460-459
  5. العنزي، ص.460
  6. حكم للقضاء الأميركي، مشار إليه في: العنزي، ص.461
  7. ينظر: عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، ج 1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1968)، ص 562-561،.569-568
  8. يُقصد بها "حلول خطر لا سبيل إلى دفعه إلا بارتكاب المحظور". وقد يكون مصدر هذا الخطر هو الطبيعة أو السلطة العامة أو الإنسان. ينظر: الشرقاوي، ص.450-446
  9. فنون، ص 104-103؛ الغول، ص.191-189
  10. ينظر: قانون العقوبات اللبناني (المادة 230)، والأردني (المادة 90)، والسوري (المادة.)229
  11. ينظر: الشرقاوي، ص.452-451

ومنها ما لا يصح فعلًا تجاهها التذرع بها؛ فلا يجوز مثلًا التذرع بالأمر في تعذيب شخص للاعتراف بموقع قنبلة موقوتة. وبناء عليه، يبدو ترك الفصل في المسألة للقضاء بخصوص كل حالة، استنادًا إلى المبادئ العامة للقانون، أكثر إنصافًا من محاولة حسمها بنص تشريعي خاص.

ثالثًا: ضمنات عدم إصدار أوامر غير مرشوعة وتنفيذها

في الإمكان الحديث في هذا الصدد عن خمس ضمنات أساسية، أربع منها يتناولها هذا المبحث، وهي: تجريم إصدار الأوامر والإكراه عليها والتصريح القانوني بمسؤولية الآمر (الفرع 1)، تعليق صحة الأوامر على توافر معايير شكلية (الفرع 2)، تدقيق المرؤوس لمشروعية الأمر (الفرع 3)، ضبط معايير تقدير المشروعية من عدمها (الفرع 4). أما الضمنة الخامسة، فتؤجّل إلى المبحث التالي المتعلق بحمية الممتنعين، لصلتها بذلك، وتتمثل في وجود آلية شكاوى وتبليغ عن الأوامر غير المشروعة.

1. تجريم إصدار الأوامر والإكراه عليها والتصريح القانوني بمسؤولية الآمر

أُشير سابقًا إلى أنه لا خلاف على مسؤولية الرئيس الآمر. ولكن ذلك لا يعني التسليم كليًا بعدم وجود إشكالات تثار حول التشكيك في مسؤولية الآمر؛ فالقاعدة العرفية (152) تفيد أن الرئيس مسؤول جزائيًا عن الجرائم التي تُرتكب بناء على أوامره. ولكن هل تقتصر مساءلة الرؤساء على حالة ارتكاب الجريمة فعلًا (أي تنفيذ الأمر)؟ أم تشمل كذلك محاولة ارتكاب الجريمة (الشروع)؟ أو حتى أيضًا المساءلة عن مجرد إصدار الأمر غير المشروع (من دون وقوع الجريمة أو الشروع فيها)؟ يفيد تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على هذه القاعدة أن الممرسة الدولية (التطبيقات) تتجه إلى مساءلة الرئيس الآمر أيضًا في حالة الشروع. وبالفعل، نجد من بين المعايير الدولية أن نظام روما ساوى في مسؤولية الرئيس بين ارتكاب الجريمة والشروع فيها (المادة 3/25). كم يلا ظح أن جملة من مصادر المعايير الدولية الأخرى تحظر إصدار الأمر غير المشروع في حد ذاته، من دون تعليقه على تنفيذه أو الشروع فيه. ومنها ما حظر ذلك على نحو صريح (مبادئ 1989، مبادئ 1990، إعلان 1992، معايير 1998، مدونة 2001، مدونة 1994)، ومنها على نحو ضمني (اتفاقيات جنيف الأربع، اتفاقية الاختفاء القسري، تعليق 1992). وبناء عليه، لا بد من تجريم إصدار الأوامر غير المشروعة في حد ذاته، بغضّ النظر إن كانت الأوامر قد نُفذت أم شرع في تنفيذها أم لا. وهو ما يقتضي بطبيعة الحال التصريح بالمسؤولية الجزائية للرئيس على إصدار الأوامر غير المشروعة، ومساءلته، حتى لو استفاد الممتثل للأمر من سبب إباحة أو مانع من موانع المسؤولية، ولا سيم في ضوء اتجاه بعض المعايير الدولية إلى اعتبار الآمر من بين "الجناة الذين يتحملون أكبرر قدر من المسؤولية"، ضمن أولويات المقاضاة في العدالة الانتقالية120.

  1. بابلو دي غريف، العدالة الانتقالية: قضايا وتحديات (بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، جامعة بيرزيت، 2025)، ص.265

2. تعليق صحة الأوامر على توافر معايير شكلية

يتصل هذا الضمن، في الأساس، بأحد الشروط الشكلية لصحة الأوامر؛ فإن شاب الأمر عيب من عيوب الشكل، بات الأمر غير مشروع121. ومن ثم، يجب صدور الأمر طبقًا للشكل الذي يتطلبه القانون122؛ ذلك أن القاعدة هي عدم تقييد الأوامر على نحو معّين، "إلا إذا تطلّب المشرع شكلًا خاصًا"، وفي حال مخالفته يكون للمرؤوس حق رفضه123.

وبناء عليه، قد يكون الأمر شفويًا ما لم يشترط القانون أن يكون خطيًا. وللرئيس الآمر أن يحرر الأمر الخطي بالصيغة التي يراها مناسبة، ما لم يشترط القانون صيغةً بعينها. وللرئيس أيضًا عدم تضمين الأمر الخطي نصوصًا تشريعية أو اعتبارات واقعية، ما لم يشترط القانون ذلك. إذًا، فشكل الأمر غير محدد ما لم يحدده القانون. ولما كان الأصل مساءلة الآمر والممتثل، وبما يضمن الحد من إصدار أوامر غير مشروعة، وعدم مساءلة الممت عن، فستكون أبرز ضمنة لذلك نص القانون على أن تكون الأوامر (أو على الأقل التي تحمل منها صبغة إشكالية، كاتصالها بحقوق الإنسان) خطيةً/ مكتوبةً، لتكون قرينة على مُصدرها124؛ إذ ليس في الإمكان إثبات الأوامر الشفوية أو الصادرة بالإشارة، إلا بوجود شهود لديهم "الشجاعة" لذلك. ومن الفقه من يرى في هذه الضمنة أنها تمنح الرئيس فرصةً لدراسة الأمر قبل إصداره125. لم يتطرق أٌّيٌ من المعايير الدولية إلى شكل الأمر، في حين يوصي فقه الإدارة العامة بتفريغ الأوامر خطّيًا، "إذا تعلقت بموضوعات معقدة أو تناولت كثيرًا من التفصيلات"، تفاديًا للأخطاء والتأويل126. وهناك من يطرح ترك المسألة للأعراف العسكرية، فإن جرت مخالفتها وفقًا لتقدير القضاء، اعُتبُرر الأمر غير مشروع127. ولما كان الشك في مشروعية الأمر قد يبررر للمرؤوس عدم تنفيذه (كم سبق وأشير إليه)، فعلى الآمر توخّي الدقة في صياغة الأمر أو النطق به، بغية تحقيق الوضوح، وتجنّبًا للتأويل128، بل تجنّب المفردات المتعددة المعاني129، والتلاعب بقلب المعنى أيضًا130. صحيح أن الأوامر الخطية توفّر ضمنات أكثر من غيرها، ولكنها في مجال العمل العسكري/ الأمني تطرح إشكاليتين: تتصل الأولى بمقتضيات السرية، في حين تتصل الثانية بدواعي الاستعجال أحيانًا. "ولكن مع ذلك

  1. عجيلة، ص 179؛ العنزي، ص.334
  2. الغول، ص.111
  3. عجيلة، ص.119
  4. رشاد توام، "المسؤولية عن تنفيذ أوامر الرؤساء غير المشروعة"، في: رشاد توام [وآخرون]، محفظة مواد تدريبية حول حقوق الإنسان موجهة للمكلفين بإنفاذ القانون: نسخة المدرب (بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان في جامعة بيرزيت؛ رام الله: وزارة الداخلية الفلسطينية، 2020)، ص.6
  5. فايز، ص.1009
  6. عجيلة، ص.120
  7. فنون، ص.14
  8. عجيلة، ص.121
  9. من الأمثلة التاريخية الشهيرة الأمر الذي وجّهه خالد بن الوليد إلى أحد جنوده بأن "يُدفِئ" الأسرى، بمعنى وقايتهم من البررد، فعمد إلى قتلهم، كون تلك المفردة تعني القتل أيضًا!
  10. من الشائع – مثلًا - أن يصدر رئيس أمرًا بخصوص موقوف بعبارة من قبيل "أوصيك به"، بمعنى العناية، فيفهمها المرؤوس بالمعنى الساخر المتعارف عليه (الذي قصده غالبًا الرئيس)، فيقوم بمعاملته بشدة أو تعذيبه. ثم يتنصل الرئيس من المسؤولية، بالدفع بأنه قصد المعنى المباشر.

يبقى لحقوق الإنسان اعتبارات لها أولوية، وبالأخص في ضوء تطور وسائل الاتصال والتواصل، وما تتيحه من خاصيات توفر توثيق الأوامر المتداولة من خلالها"131. فعلى سبيل المثال، في الإمكان توثيق الأوامر الشفوية من خلال تسجيل المكالمات رسميًا، على نحو آلي، عبرر الهاتف والأجهزة اللاسلكية. وحتى الأوامر التي تصدر ميدانيًا أو في مواجهة المخاطب بها، في الإمكان توثيقها من خلال محضر صوتي مسجل، عبرر موجة لاسلكية مخصصة لذلك. وبناء عليه، يُوصى بأن يحدد القانون جملةً من الحالات التي يجب أن تكون فيها الأوامر خطية، اتص لًا بمدى حساسيتها وصلتها بحقوق الإنسان، وأن يطالب في الحالات الأخرى الرؤساء بتوثيق أوامرهم كلم كان ذلك ممكنًا، وبالطريقة أو الآلية التي تناسب كل ظرف.

3. تدقيق المرؤوس لمشروعية الأمر

إضافة إلى تجاوز الأمر شرط الاختصاص132، أو مخالفة الأمر للشكل الذي يتطلبه القانون، كأسباب شكلية يترتب عليها تحقق عدم مشروعية الأمر، هنالك أسباب موضوعية تتعلق بمضمون الأمر ذاته، وتأتي بمخالفة أحد ثلاثة شروط تتوخى المصلحة العامة (السبب، والمحل، والغاية)، فإن تجاوز أحدها الرئيس بات الأمر غير مشروع133. على سبيل المثال: صدور أمر بالقبض على شخص يشارك سلميًا في مظاهرة سلمية يفقد الأمر مشروعية السبب؛ وتعنيف ذلك الشخص يعيب المحل؛ وإن كان إصدار الأمر لتحقيق غاية شخصية أو حزبية، وليس المصلحة العامة، فتكون الغاية غير مشروعة134. ولكن، هل في الإمكان أن يدقق المرؤوس مشروعية الأمر من حيث صحة تلك الشروط؟ نظريًا، يمكنه ذلك بالنسبة إلى "المحل" كونه ظاهرًا دائمًا، وربما أيضًا بالنسبة إلى "السبب" إن لم يكن مستترًا. ولكن "الغاية" في كثير من الأحيان تكون مضمرة، بحيث يصعب حتى على القضاء ذاته أن يفصل فيها. لذلك، برزت فكرة "قرينة الشرعية في الأوامر الرئاسية" أو "قرينة الرشاد"؛ بمعنى أن المرؤوسين يميلون في الغالب إلى احترام تلك الأوامر وإطاعتها، "حتى ولو حامت شكوكهم حولها"، لافتراضهم أن الرئيس التزم "غاية القانون في إصدارها". وهو ما يتفق مع "الاعتبارات العملية في الإدارة" التي تأبى "أن ينقلب المرءوسون إلى قضاة للمشروعية"، لعدم اختلال سير العمل135. ومع ذلك، فإن للموظف في محيط الوظيفة المدنية أن يناقش رئيسه، أو حتى رفض أمره لعدة اعتبارات، منها الشك البسيط في مشروعيته. ولكن هذه الفسحة، في اعتقاد كثيرين، لا وجود لها في النظام العسكري، بل تُعتبرر "من المحرمات"136، في ظل "الامتثال الشديد المطلوب من العسكريين"137، وإن كان هناك من يرى خلاف ذلك138.

  1. توام، "المسؤولية عن تنفيذ أوامر الرؤساء"، ص.6
  2. لم تثره الدراسة، وأعلنت تعاملها معه على افتراض تحققه.
  3. العنزي، ص 345؛ الغول، ص.111
  4. ينظر: الشرقاوي، ص 633-632؛ فنون، ص.20-15
  5. عجيلة، ص.178
  6. العنزي، ص.329
  7. الغفيلي، ص.51
  8. ينظر: الشهاوي، ص.173

وبناء عليه، يرى جانب كبير من الفقه أن في منح المرؤوس سلطة التدقيق قد يفضي إلى عرقلة سير العمل139. ولذلك، نجدهم يقصرونها على حالة انطواء الأمر على "جريمة خطيرة أو واضحة عدم المشروعية"140، أو "مخالفة القانون مخالفة ظاهرة لا تدع مج لًا للشك في مضمونه". ومنهم من وسّع مداها لتشمل "انتهاك مبادئ الأخلاق السائدة"141. على صعيد المعايير الدولية، وإضافة إلى إقرار غالبيتها ضمنيًا بحق/ واجب المرؤوس في التدقيق، فمنها ما أكد ذلك صراحة (دليل 2008). وهو ما يتفق معه جانب من الفقه142، وتؤكده بعض قوانين العقوبات الوطنية باعتباره واجبًا، ويتصل بمعيار "حسن النية"؛ بإلزام المرؤوس بإثبات بناء اعتقاده على أسباب معقولة، وأنه قد قام بالتثبت والتحري اللازمين للتحقق من مشروعية فعله143. وهو المسلك الذي توصي الدراسة الأخذ به. أما فيم يتعلق بكيفية تقدير المرؤوس لعدم مشروعية الأمر، فقد يكون ذلك من خلال معايير من قبيل مدى تعارض الأمر مع الدستور أو تشريعات الدولة144. ولكن نجاعة هذه المعايير تعتمد على فهم كل شخص للقانون. وهنا مرة أخرى، تلحّ أهمية ترسيخ معيار المسؤولية المطلقة.

على كل حال، إذا ما تأكد المرؤوس أو رجّح أن الأمر غير مشروع، يثار التساؤل حول ما ينبغي له فعله في ظل إصرار الرئيس على التنفيذ؟ تجيب المعايير الدولية وبعض الدساتير (ضمن العينة) على شق من هذا السؤال، وهو الامتناع. ولكن "ماذا بعد؟"، فلا تقف المسألة عمليًا عند هذا الحد، وخصوصًا قبالة إصرار الرئيس على تنفيذ الأمر. فقهيًا، يُنصح المرؤوس بتقديم شكوى إلى الرئيس الأعلى "الذي يأنس فيه تحقيق شكواه"، على حساب مخالفة التسلسل الوظيفي. وفي حال اتصل الأمر بتوريط المرؤوس بجريمة، يُنصح بتبليغ "الجهات المختصة وحدها بتلقّي البلاغات"145. أما على مستوى تجارب الدول، فمنها ما أنشأ آليات خاصة بمتابعة مثل هذا النوع من الشكاوى146، وهو ما تعرض له الدراسة لاحقًا147. ومن بين عينة الدساتير، قدّم دستور واحد فقط (فنزويلا) إجابة إضافية عن السؤال - إلى جانب الامتناع - وهو أن يقوم المرؤوس ب "إبلاغ السلطات المختصة" عن ذلك الأمر.

أخيرًا، يتطلب تدقيق مشروعية الأمر والتشكي حوله، إضافةً إلى آليات حمية الممتنعين وضمناتها، شجاعةً لدى المرؤوس للخوض في مثل هذه الإجراءات التي لا تخلو من المخاطر؛ ففي حال تبّين أن حكمه الشخصي بعدم مشروعية الأمر غير صحيح، سيتحمّل المسؤولية عن عدم الامتثال لأوامر مشروعة148. في ضوء ذلك،

  1. العنزي، ص.348
  2. المرجع نفسه، ص 349؛ يتفق معه: الغول، ص.111
  3. عجيلة، ص.179
  4. ينظر: المرجع نفسه، ص.183
  5. ينظر: قانون العقوبات الكويتي (المادة 38)، والقطري (المادة 48)، والمصري (المادة 63). للمزيد حول معياري حسن النية والتثبت والتحري، ينظر: طلال السويط، "طاعة الأوامر الرئاسية وتحديد نصيبها من الإباحة في القانون الكويتي"، المجلة القانونية، مج 8، العدد 5 (2020)، ص.22-19
  6. Leigh & Born, p. 215.
  7. ينظر: عجيلة، ص 183؛ فايز، ص.751
  8. ينظر.Leigh & Born, pp. 215-216:
  9. ينظر في هذه الدراسة: المبحث الرابع، الفرع.2
  10. Leigh & Born, p. 215.

نتفهم آليات أخرى يوصي بها آخرون، مثل إنشاء مكتب خبرراء قانونيين، أو آلية لإحالة الأوامر بسرعة إلى المحكمة الدستورية149، وإن كانت (لا سيم الثانية) صعبة في التطبيق.

4. ضبط معايير تقدير المشروعية من عدمها

تطرح مسألة "البحث في مدلول الأمر غير الشرعي صعوبات قانونية جمة، ترجع إلى غياب النصوص التشريعية التي تعالج هذه المشكلة بالتحديد والبيان"150. وتتعاظم هذه المشكلة في غياب وجود معيار لاستيعاب "مذهب المسؤولية المطلقة" بخصوص الجرائم والمخالفات الأكثر جسامة، على النحو الذي أخذت به بعض المعايير الدولية (كنظام روما). ولكن حتى مع وجود معيار للمسؤولية المطلقة، هنالك داعٍ لمعيار يستوعب مذهب المسؤولية المشروطة؛ ذلك أن الأول لا يُعنى بغير الجرائم الأكثر خطورة. وفي حين قد يُكتفى لغايات الأول بتحديد تشريعي لجملة من الأفعال التي تعتبرر غير مشروعة بصورة ظاهرة، فإن الثاني في حاجة إلى معيار غير تشريعي، كونه غير قابل للحصر، بل هو معيار قابل لأن يستخدمه القضاء في كل حالة على حدة. على صعيد عينة الدساتير التي أخذت بمذهب المسؤولية المشروطة151 الذي تثار في نطاقه مسألة التدقيق في المشروعية، فإن ثلاثة منها فقط (من أصل ستة) تضمّنت توضيحًا في هذا الخصوص، وأحدها فقط قدّم معيارًا لتقدير المشروعية، أو بالأحرى أحال تنظيمه إلى القانون (النيجر). وأما الدستوران الآخران، فأكدا على وجوب أن يثبت المرؤوس الأسباب التي دعته إلى الاعتقاد أن الأمر الذي امتثل له مشروع (بابوا غينيا الجديدة)، أو بالعكس بإثبات عدم مشروعية الأمر الذي امت عن عن تنفيذه (الكونغو). أما على صعيد الفقه، فقد توزع الفقهاء في مناصرة أحد معياريين: الأول موضوعي، "يتعلق بالأمر الرئاسي في ذاته". أما الثاني فهو شخصي، "يعتمد على الظروف الذاتية للمرؤوس ومدى علمه بعدم المشروعية"152، وهو ما يجري فحصه من خلال معيار "الإنسان العاقل" Man Reasonable153، أو الإنسان المعتاد أو العادي154؛ بمعنى تقدير المسألة في كل حالة، تبعًا لشخصية المرؤوس الممتثل، ومؤثرات الظروف المحيطة، والنظر إن كان شخصٌ آخر بأهليته الذهنية والمعرفية ذاتها سيقدّر مسألة المشروعية بالطريقة ذاتها. ولما كنا نتحدث عن نظام يحتكم إلى الرتب العسكرية، فالأصل أن يكون ثمة اعتبار لمعيار الرتبة؛ بمعنى التشدد مع أصحاب الرتب العليا، على افتراض أنهم أكثر تعليمًا و/ أو دراية بأحكام القانون. وهناك من تحدّث عن معيار "حسن النية"، بالتقاطع مع معيار "الإنسان العاقل"155. وفي جميع الأحوال، تقدّر المحكمة هذه المعايير والظروف156.

  1. متحدثًا حول السياق التونسي، ينظر: Sharan Grewal, Soldiers of Democracy? Military Legacies and the Arab Spring (Oxford: Oxford University Press, 2023), p. 270.
  2. عجيلة، ص.179-178
  3. أشير إليها في هذه الدراسة في: قسم ثانيًا، الفرع.2
  4. عجيلة، ص.181
  5. ينظر.Green:
  6. عبد الستار، ص.178
  7. ينظر: الشهاوي، ص.172
  8. المرجع نفسه، ص.176

تتبنى الدراسة في هذا الصدد الموقف الداعي إلى الاعتمد على المعيار الموضوعي على نحو أساسي، والمعيار الشخصي بالتبعية، لتلافي القصور في المعيار الموضوعي، ولسدّ الطريق أمام تهرّب الممتثلين لأوامر يعلمون يقينًا بعدم مشروعيتها، على الرغم مم تبدو عليه من مشروعيةٍ في ظاهرها157، ولا سيم أن معيار "الإنسان العاقل" يفتح الباب أمام تقبّل فكرة وجود مرؤوسين غير مثقفين في القانون و/ أو حقوق الإنسان. وبناء عليه، تجدر الإشارة إلى أن هذه الضمنة والضمنة السابقة تتطلبان ضمنة أخرى، مستقلة عنهم من جهة، ومرتبطة بهم من جهة أخرى، وتتمثل في ضرورة تدريب العسكريين/ المكلفين كافة على حقوق الإنسان، ولا سيم الرتب الدنيا، ليكون لديهم الأساس المعرفي الذي ينطلقون منه في تقدير مدى مشروعية الأوامر158. وهي مسألة لطالما أكدتها جملة من المعايير الدولية، منها في سياق حظر تطبيق الأوامر غير المشروعة (مبادئ 1989، وإعلان 1992)، أو التعذيب (المادة 10 من اتفاقية مناهضة التعذيب)، ومنها في سياق عام، حول احترام حقوق الإنسان (مقدمة معايير 1998، المواد 30-26 من مدونة 2001، القاعدة U من مذكرة.)2010 وهو ما ينسجم مع ما تدعو إليه أدبيات العلاقات المدنية - العسكرية بشأن إصلاح مراكز التعليم العسكري وفرض الرقابة المدنية عليها وتقريبها من الجامعات159، بما يتمهى وطروحات "نظرية التوافق" في العلاقات المدنية - العسكرية، في إعلائها قيمة الحوار بين العسكريين والمدنيين والتكامل بينهم160.

رابعًا: حمية الممتنعين عن تنفيذ الأوامر العليا غير المرشوعة

إذا ما كان الامتناع واجبًا على المرؤوسين وحقًا لهم، فهل يستقيم أن يترتب عقاب على أداء الواجب وممرسة الحق؟ يأبى المنطق والعدالة ذلك، لكنّ المسألة ليست بهذه البساطة والمباشرة، بل تتطلب نظامًا لحمية الممتنعين. يعرض هذا المبحث لأشكال تلك الحمية (الفرع 1) وآلياتها (الفرع.)2

1. أشكال حمية الممتنعين

لا تقف أشكال الحمية المنشودة للممتنعين عند حدود حميتهم من المساءلة الرسمية التي قد تلحق بهم وفقًا لأحكام القانون التي توجب على المرؤوسين الامتثال، بل تشمل أيضًا حميتهم من المساءلة غير الرسمية التي قد يُلحقها بهم رؤساؤهم الآمرون، من خلال أعمل انتقامية أو ما شابه ذلك. أكدت على حمية الممتنعين من المساءلة الرسمية جملةٌ من المعايير الدولية، بعبارات من قبيل مطالبة الحكومات بكفالة عدم فرض أيّ عقوبات جنائية أو تأديبية على الممتنعين (مبادئ 1990، تعليق 1992). وهو ما شددت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في عدة قرارات لها (مثل: قرار 2003، قرار 2005، قرار.)2022

  1. عجيلة، ص.183-181
  2. Leigh & Born, p. 218.
  3. ينظر: ماضي، ص 112،.144
  4. حول النظرية، ينظر: Rebecca Schiff, The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil-Military Relations (London/ New York: Routledge, 2009), pp. 32-48.

أما الحمية من المساءلة غير الرسمية، فقد تنبّه لها اثنان من مصادر المعايير الدولية، وأكدا عليها على نحو صريح وحصري فيم يتعلق بالامتناع عن تنفيذ أوامر ب "التعذيب"؛ فنص أحدها على وجوب عدم إخضاع الممتنعين "لأيّ معاملة سيئة" (تعليق 1992)، في حين نص الثاني على واجب "توفير الحمية [لهم] من الانتقام أيًا كان نوعه" (تعليق.)2008

2. آليات حمية الممتنعين

لا سبيل لحمية الممتنعين من المساءلة الرسمية إلا من خلال نصوص تشريعية تكفل ذلك، وتعلّق تجريم الامتناع على الأوامر المشروعة فحسب، على نحو صريح، من دون مواربة أو غموض. وأما حميتهم من المساءلة غير الرسمية، أو محاولة استغلال ثغرات في القانون لمساءلتهم رسميًا، فهم في حاجة إلى آلية حمية واضحة، توفر جملة من الضمنات، ويدعمها ابتداء وجودُ أحكام قانونية، بل الأفضل دستورية، تجرّم هذا النوع من المساءلة. تندرج الآلية التي تقترحها الدراسة نظريًا ضمن فلسفة "مؤسسات أمناء المظالم" Ombudsman، التي لاقت إقب لًا على إنشائها في العديد من الدول الديمقراطية، للتعامل مع الشكاوى ومعالجتها في القطاع الأمني، ولا سيم تلك التي تُعنى بالعسكريين/ المكلفين بشأن المظالم التي تقع عليهم أثناء خدمتهم أو بسببها161، أو ما تُوصف بكونها مختصة بالجوانب الدفاعية162؛ إذ كان بين دوافع إنشاء مؤسسات أمناء المظالم المعنية بهم هو "حمية حقوق الجنود عن طريق إعداد آليات تفوق غيرها في نجاعتها وكفاءتها في التعامل مع الشكاوى وإنصاف المتظلمين"163. ويبدو أن هذه الفلسفة قد حظيت بتطبيقات في التاريخ العربي- الإسلامي مثل نظام "الحجوبية"164. ولا خلاف على الأثر الإيجابي لحمية حقوق العسكريين/ المكلفين في حمية حقوق المدنيين165. يوجد العديد من التطبيقات المتنوعة بتنوع التجارب على مستوى العالم، تبعًا لخاصية المرونة في تشكيل مؤسسات أمناء المظالم المعنية بالعسكريين/ المكلفين، التي ساهمت في انتشار هذه المؤسسات وتطورها. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن تصنيف تلك التطبيقات إلى ثلاثة نماذج أساسية، هي: المؤسسات الداخلية التي تندرج ضمن المؤسسة العسكرية/ الأمنية، والمؤسسات الخارجية/ المستقلة التي تمتلك الاختصاص الحصري على القوات العسكرية/ الأمنية، ومؤسسات أمناء المظالم العامة التي يكون لها نطاق ولاية يشمل

  1. انتصار أبو خلف [وآخرون]، مؤسسات أمناء المظالم وحكم القطاع الأمني (رام الله: مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، 2010) ص.5
  2. Born, p. 90.
  3. بنجامين بوكلاند وويليام ماكديرموت، مؤسسات أمناء المظالم المختصة بالقوات المسلحة: دليل (جنيف: مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، 2012)، ص.16-15
  4. ينظر: عطية الويشي، النظم القضائية في الجيوش والبيئات العسكرية عبر العصور الإسلامية (الكويت: كلية القانون الكويتية العالمية، 2021)، ص.200-199
  5. ترى المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية DRI أن احترام العسكريين/ المكلفين لحقوق الإنسان يبدأ بتجسيد هذا الاحترام داخل صفوفهم، والرهان هنا بأن انتهاك مبادئ حقوق الإنسان والقانون الإنساني من طرف الجنود الذين يعامَلون باحترام سيكون أقل احتمالًا منه مع الجنود الذين يعيشون في جو يغيب فيه القانون. ينظر: 6 p. Pickard, & Hartwig.Hammady,

المدنيين أيضًا أو في الأساس، وتكون بطبيعة الحال خارج المؤسسة العسكرية/ الأمنية. وأما من حيث تسميتها الرسمية، فمتنوعة وتختلف من تجربة إلى أخرى166. وعلى الرغم من أهمية الآليات/ المؤسسات الداخلية، لا سيم في غياب غيرها، فإنه يؤخذ عليها افتقادها إلى الاستقلالية، لتعارضها مع "مصالح التسلسل الهرمي العسكري"167؛ لذلك توصي المعايير الدولية بأن يُجري التحقيق في الجرائم الخطيرة هيئات من خارج السلسلة القيادية، وتشجّع المرؤوسين على التواصل معها في حال ملاحظة عدم جدّية التحقيقات الداخلية، وتطالب أيضًا بعدم تعريض المبلّغين لأيّ "عقوبات إدارية أو غير إدارية"، وحميتهم من "أعمل الانتقام". ولكن مع ذلك، من الضروري تعزيز آليات الرقابة الخارجية بآليات داخلية168، ولا سيم أنها أكثر تلبية لمتطلبات السرية التي تقتضي عدم "إفشاء الأسرار  "169. أما المؤسسات العامة، فيؤخذ عليها افتقادها "المعارف المحددة والمصداقية" في أوساط العسكريين/ المكلفين، "وقد تفشل - بسبب صلاحياتها الفضفاضة - في تركيز اهتممها" على المشاكل التي تواجههم بوصفهم فئة خاصة170. في المقابل، يشاد بالمؤسسات الخارجية ذات الاختصاص الحصري بالعسكريين/ المكلفين لتلافيها سلبيتَي النموذجين الآخرين؛ فهي مستقلة من جهة، ومختصة من جهة أخرى، إلا أن "سلبيتها" تتمثل في تطلب إنشائها تكاليف مادية أكثر نسبيًا171. يتباين مدى الاندماج المؤسسي لهذه المؤسسات في النظام السياسي من دولة إلى أخرى172. وفي العموم، فإن للنمذج الثلاثة تطبيقات ما زالت قائمة على مستوى العالم، وثمة تجارب تأخذ بأكثر من نموذج في الآن ذاته173. ولا تفاضل المعايير الدولية بين نموذج وآخر، فتسلّم بأن لكل دولة حق اختيار النموذج "الأصلح لاحتياجاتها الخاصة على الصعيد الوطني"174. ولكنها تشدد على ضمن استقلال مؤسسة أمين المظالم ونزاهتها، وفقًا للمعايير التي أرستها "مبادئ باريس" لعام 1993175.

  1. بوكلاند وماكديرموت، ص.36-35
  2. المرجع نفسه، ص.37
  3. ينظر: المواد (87، 90، 142) من دليل.2008
  4. أوسي، ص.203
  5. بوكلاند وماكديرموت، ص.40
  6. المرجع نفسه، ص.38
  7. Born, p. 91.
  8. من الأمثلة على ذلك، نقلًا عن: بوكلاند وماكديرموت، ص 41؛ مؤسسات أمناء المظالم الداخلية: بلجيكا، وسلوفينيا، وفرنسا*، والنمسا*، وهولندا، والولايات المتحدة. مؤسسات أمناء المظالم العامة: أستراليا، وإستونيا، وبولندا، وتيمور الشرقية*، والجبل الأسود، ورومانيا، وسلوفينيا، والسويد، وصربيا، والفلبين، وفنلندا، وكولومبيا*، والمكسيك، وناميبيا، وهندوراس*، وهنغاريا، وهولندا. مؤسسات أمناء المظالم الخارجية ذات الاختصاص الحصري: ألمانيا، وإيرلندا، والبوسنة والهرسك، وكندا، والمملكة المتحدة*، والنرويج، والنمسا*. ملاحظة: يشير رمز* إلى كون الدولة ضمن عينة الدساتير (الملحق.)2
  9. الفقرة (3) من قرار الجمعية العامة (186/A/RES/75)، ينظر: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة الخامسة والسبعون،" قرار اتخذته الجمعية العامة في 16 كانون الأول/ ديسمبرر "2020، 2020/12/28، شوهد في 2025/9/9، في: https://bit.ly/3tVJAAt
  10. صدرت ملحقة بقرار الجمعية العامة (134/A/RES/48)، ينظر: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة الثامنة والأربعون، "قرار اتخذته الجمعية العامة: المؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان"، 1994/3/4، شوهد في 2025/9/9، في: https://bit.ly/3QmD9Ob

ومع ذلك، تنظر الدراسة إلى المؤسسات الخارجية باعتبارها الخيار الأكثر نجاعة، في حين يأتي النموذجان الآخران باعتبارهم ثاني أفضل خيار، وليسا بديَليَن مكافَئيَن للخيار الأول، بل معززَين له. وكان الملا ظح في بعض التجارب أن المؤسسات المختصة ساهمت بقوة في تعزيز الثقة بالمؤسسة العسكرية/ الأمنية وداخلها، من خلال تعزيز الشفافية في العملية الإدارية من دون المساس بالتسلسل الهرمي العسكري أو الجاهزية العسكرية176. يتطلب إنشاء هذه المؤسسات مراعاة جملة من المعايير التي أكدت عليها "مبادئ باريس" المشار إليها سابقًا، ولا سيم: إقامتها على أساس قانوني متين، مع أفضلية ترسيخها دستوريًا، وتعزيز استقلاليتها، ماليًا وعملياتيًا، مع أهمية خاصة لتمكينها من الوصول إلى المعلومات، وتحقيق الأمن الوظيفي للعاملين فيها، وتفويضها بالاختصاصات اللازمة للقيام بعملها بكفاءة، فيم يتعلق باستقبال الشكاوى ومتابعتها وإجراء التحقيقات ورفع التقارير والتوصيات، وتوفير جملة من الضمنات التي تشجّع على الإقبال عليها، ولا سيم فيم يتعلق بحمية المشتكي من الانتقام177.

خاتمة

ماذا نتوقع من إنسان يجد نفسه في موقف يبحث فيه عن حمية نفسه في المفاضلة بين الامتثال لأمر غير مشروع أو الامتناع عنه؟ سيضحّي غالبًا بأيّ مصالح سامية إن شعر بأن القانون لن ينصفه! وبناء عليه، تأتي أهمية حوكمة الأوامر العليا بنصوص دستورية وقانونية، وإن كان ذلك في الواقع ليس بحل كافٍ، في غياب شجاعة المرؤوسين في الامتناع، ولا سيم في السياقات الثورية/ الانقلابية التي يبات فيها الدستور والقانون نصوصًا تعصف بها حركة الفاعلين، أو حتى في الأوضاع العادية التي يجري خلالها التحايل على القانون أو اختراقه من خلال شبكات النفوذ وعلاقات القوة. على سبيل المثال، شهدت الأرجنتين خلال الثمنينيات من القرن العشرين، تظاهرات للعسكريين ضد إصلاحات ديمقراطية قادها الرئيس للحد من سيطرتهم ومحاسبتهم على انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان، ما ألجأ الرئيس إلى دعم إصدار "قانون الطاعة الموجبة" الذي يحصّن كبار الضباط من الملاحقة القضائية، على اعتبار أنهم "عملوا من منطلق إطاعة الأوامر"178. وقد بقي هذا القانون نافذًا حتى قرر القضاء عدم دستوريته مطلع القرن الحالي179. تقدّم الأنظمة مثل هذه الحصانات بوصفها حوافز للعسكريين للخروج الآمن من الحياة السياسية180، وقد شهدت مصر خبررة مشابهة صيف 2018، بإصدار القانون الخاص ب "معاملة بعض كبار قادة القوات

  1. Born, p. 93.
  2. ينظر قرار الجمعية العامة (134/A/RES/48)، في: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة الثامنة والأربعون؛ وينظر: بوكلاند وماكديرموت، ص 33-29، 65-47،.163-151
  3. ينظر: زولتان باراني، الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين، ترجمة نبيل الخشن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.243-237
  4. ينظر: دي غريف، ص 262،.484
  5. ينظر: علي الدين هلال، الانتقال إلى الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2019)، ص.132-131 المصدر: من إعداد الباحث.

المسلحة"، أو ما عُرف إعلاميًا ب "قانون تحصين العسكر"181. وهناك من يشير إلى تطبيقات حصانة مشابهة في المغرب182. وهي المسالك التي تأتي خلافًا للمعايير الدولية، بما فيها المتصلة بالعدالة الانتقالية183. في المقابل قدّمت تونس خلال الانتقال (2014-2011) مث لًا معاكسًا؛ إذ جرت محاكمة عسكريين/ مكلفين عن امتثالهم لأوامر مشكوك في مشروعيتها، في ظل اعتقادهم أنهم امتثلوا لأوامر مشروعة. وهو ما دعاهم لاحقًا إلى المطالبة بتنظيم قانوني أكثر وضوحًا184. تعدّ حوكمة الأوامر العليا متطلبًا أساسيًا لمبدأ الشرعية وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، وهو مدخل لطالما جرى إغفاله في الأدبيات. وقد حاولت هذه الدراسة بلورة مجموعة من الضوابط والضمنات للترسيخ لهذه الحوكمة، تلخّصها في الشكل، وذلك استنادًا إلى المعايير الدولية، ومطالعة تجارب بعض الدول على مستوى المقاربة الدستورية، وإن كانت نتائج تلك المطالعة ليست بالمشجعة على الاقتداء بأٍّيٍ منها، بل البناء على الجزئيات الإيجابية في كل تجربة.

شكل يوضح نموذج منظومة مقترحة لحوكمة الأوامر العليا شكل يوضح نموذج منظومة مقترحة لحوكمة الأوامر العليا

بالعودة إلى إثارة المحور الثالث للمقاربة الدستورية الذي تأجّل تناوله إلى هذا الموضع؛ كونه يجري تقييمًا للأحكام الدستورية من حيث تناولها لأبرز ضوابط حوكمة الأوامر العليا وضمناتها التي تؤكد عليها الدراسة، يلا ظح أن أًّيًا من تلك الدساتير لم يُعنَ بالضمنة الثالثة المتعلقة بحمية المرؤوسين الممتنعين عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة ووجود آلية وطنية لحميتهم185. وعلى مستوى الضمنة الأولى المتمثلة في تجريم إصدار الأوامر غير المشروعة ومساءلة مصدريها، فقد أكّد نحو ثلث الدساتير فقط على هذه الضمنة صراحةً أو

  1. ينظر: توام، الدولة في الجندي، ص.576
  2. ينظر: الزبير خواجا، "الجيش في الأنظمة الملكية العربية بين الولاء للملك والولاء للدستور: دراسة حالة المغرب"، في: الدساتير والقطاع الأمني في مرحلة ما بعد 2011 (تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، 2021)، ص.137-136
  3. ينظر: دي غريف، ص. 253
  4. ينظر: Mohamed Meddeb, Réflexions sur Défense & Sécurité Nationale: Quelles réformes pour l'ère démocratique? (Tunis: Edition Leaders, 2015), pp. 52-57.
  5. يستثنى من ذلك- إلى حد ما - إشارة دستور فنزويلا إلى وجوب أن يبلغ الممت عن "السلطات المختصة" بالأمر غير المشروع الصادر إليه.

ضمنيًا186. وأما على مستوى الضمنة الثانية المتمثلة في التأكيد على ضرورة الامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة وعدم جواز التذرع بها للدفع بعدم مسؤولية المرؤوس الممتثل، فإن غالبية الدساتير أكدت على هذه الضمنة، على نحو صريح أو بما يفيد ذلك؛ لتبقى في الحصيلة دساتير ثلاث دول فقط هي التي اتخذت موقفًا يسمح للعسكريين/ المكلفين بالتذرع بالأوامر العليا187، في مخالفة واضحة للمعايير الدولية، وتماهٍ مع نظرية الطاعة المطلقة. وفي النتيجة، فإن أيّا من الدساتير في العينة (25 دستورًا) لم يقدّم أحكامًا تكفل الضمنات الثلاث مجتمعة، ومن ثم يتفاوت الانسجام مع المعايير الدولية بين دستور وآخر188. لا تنفي هذه النتيجة أهمية المقاربة الدستورية، بل على العكس تعزّزها، ولكن على أن تكون صياغة الأحكام الدستورية شاملةً للضمنات جميعها، وتحيل تاليًا إلى القانون لتنظيمها بما لا ينتقص منها. وإضافة إلى ذلك، يجب العناية بصياغة اليمين القانونية أو قسم الولاء الذي يؤديه العسكريون/ المكلفون قبل الانخراط في الخدمة، بحيث تعكس صياغته ولاءهم للدستور والقانون، وليس للقائد أو رئيس الدولة؛ فعلى سبيل المثال، وعلى خلفية التظاهرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية ربيع 2020، في إثر مقتل مواطن من أصول أفريقية خلال اعتقال الشرطة له، لوّح الرئيس الأميركي حينئذ بإنزال الجيش للشارع لمواجهة التظاهرات، إلا أن المؤسسة العسكرية قابلت ذلك بالرفض على أساس أن قسم ولاء العسكريين هو للدستور. وبناء عليه، "أثيرت مسألة إمكانية رفض أوامر القائد العام [الأعلى]، أي الرئيس، إذا كانت مخالفة للقسم"189. والجدل ذاته شهدته تونس صيف 2021، عقب ما أُطلق عليه "الانقلاب الرئاسي"، ولكن في ظل موقف معاكس تمثّل في امتثال الجيش والأجهزة الأمنية لأوامر الرئيس؛ فخلال نقاش بين نائبة في البررلمان وجندي أمام مبنى البررلمان لإقناعه بالسمح لهم بالدخول، ذكّرته بأنه أقسم على "حمية الدستور"، فأجاب "لا، أقسمت على حمية الوطن"190. إن ما تخلص إليه هذه الدراسة، وقامت عليه أساسًا، يحاكي ما ختم به المفكّر العسكري سن تزو Sun Tzu أحد فصول كتابه فن الحرب، قبل نحو قرنين ونصف القرن، بالقول: "يرعى القائد الجيد القانون الأخلاقي، ويلتزم بالقوانين والانضباط. من هنا، ففي قدرته التحكم بالنجاح"191. وبذلك، يأتي الانضباط العسكري ضابطًا تبعيًا لضابط أسمى هو القانون. وفي نظر مفكر عسكري آخر مثل شارل ديغول، فإن الطبيعة المطلقة للانضباط العسكري سارعت فيم سمها "النظرة الانحدارية" للجهد الذهني في العمل العسكري، والتي تفاقمت "بتأثير الجزمية المتغطرسة المتوارثة في التثقيف العسكري"192.

  1. بنما، وفرنسا، وفنزويلا، والكونغو، والمالديف، والمملكة المتحدة، والنيجر، وهندوراس.
  2. بنما، وتركيا، وكولومبيا.
  3. نذكر أن عينة الدراسة اقتصرت على مستوى النصوص الدستوري، ولم تشمل التشريعات الأدنى؛ فألمانيا مثلًا لم تدخل ضمن العينة كون دستورها لم يتطرق إلى مسألة الأوامر العليا، ولكن تشريعاتها الأدنى أوجبت صراحة رفض الأوامر المؤدية إلى ارتكاب جرائم أو تسيء للكرامة الإنسانية. ينظر: حاشي، ص.433
  4. ماضي، ص.21-20
  5. Grewal, pp. 256-258; للمزيد حول هذا الجدل، ولا سيما مقارنة بمواقف مغايرة سابقة للجيش التونسي، ينظر: Hicham Bou Nassif, "Why the Military Abandoned Democracy," Journal of Democracy , vol. 33, no. 1 (2022).
  6. سن تزو، فن الحرب، جيمس كلافيل (محرر)، ترجمة كاظم نعمة (طرابلس، ليبيا: منشورات أكاديمية الدراسات العليا، 2003)، ص.34
  7. بازل ليدل هارت، السيف والقلم: مختارات من أهم المقالات العسكرية في العالم، أدريان ليدل هارت (محرر)، ترجمة عدنان نور الدين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982)، ص.328 وأشير بمحاذاة كل رابط باختصار AR أو EN للدلالة على لغة المصدر الذي يحيل إليه الرابط. دولية.

الملحق (1): المعايير الدولية193

أ. المعاهدات الدولية/ الصكوك التعاهدية195

#عينوان الصكالعنوان المختصر
فيم الدراسة
الموادرابط المصدر
1اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال
الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في
الميدان، لعام 1949
اتفاقيات جنيف
الأربع (((19
49AR: https://bit.ly/4gl8NZn
2اتفاقية جنيف الثانية لتحسين حال
جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة
في البحار، لعام 1949
50AR: https://bit.ly/3JLi4NT
3اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة
أسرى الحرب، لعام 1949
129AR: https://bit.ly/4fYvnXf
اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حمية
الأشخاص المدنيين في وقت الحرب،
لعام 1949
146AR: https://bit.ly/41qKtis
5مررالبرروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف
المتعلق بحمية ضحايا المنازعات
اررلمسلحة الدولية، لعام 1977
البرروتوكول الأول40AR: https://bit.ly/4lT0NzM
6ممررالبرروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف
المتعلق بحمية ضحايا المنازعات
اررلمسلحة غير الدولية، لعام 1977
البرروتوكول الثاني1/4AR: https://bit.ly/45Wes31
7اراتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من
ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو
اللاإنسانية أو المهينة، لعام 1984
اتفاقية مناهضة
التعذيب
3/2AR: https://bit.ly/3FybXI2
8الاتفاقية الأمريكية بشأن الاختفاء
القسري للأشخاص، لعام 1994
الاتفاقية
الأمريكية
8AR: https://bit.ly/3JQSYLk
9نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية
الدولية، لعام 1998
نظام روما3/25،
33-31
AR: https://bit.ly/3YYiRwM
10الاتفاقية الدولية لحمية جميع الأشخاص
من الاختفاء القسري، لعام 2010
اتفاقية الاختفاء
القسري
6AR: https://bit.ly/3yLr4Ka

من الاختفاء القسري، لعام 2010

القسري 6

  1. يعرض هذا الملحق للمعايير الدولية ذات الصلة بحوكمة الأوامر العليا، المستقاة من ثلاثة أوعية/ مصادر. حول طبيعة هذه المصادر وقيمتها القانونية ينظر في هذه الدراسة: المبحث الأول، الفرع 3. وقد أُعيد استرجاع الروابط المشار إليها في هذا الملحق بتاريخ.2025/8/31:
  2. الاتفاقية الأميركية" اتفاقية إقليمية تقتصر على الدول المنضمة إليها من أعضاء منظمة الدول الأميركية، في حين أن البقية اتفاقيات
  3. الحكم ذاته ورد في الاتفاقيات الأربع، ولكن بأرقام مواد مختلفة. ومن ثم تشير إليها الدراسة معًا.

ب. العرف الدولي196

رابط المصدررقم القاعدة وعنوانها#
AR: https://bit.ly/3tglHnhالقاعدة (46): الأمر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة1
AR: https://bit.ly/3U4zdDjالقاعدة (102): المسؤولية الجنائية الفردية2
AR: https://bit.ly/3TZOllrالقاعدة (151): المسؤولية الفردية3
AR: https://bit.ly/3nI3N9Wالقاعدة (152): مسؤولية القيادة عن الأوامر4
AR: https://bit.ly/3LxkgaEالقاعدة (154): إطاعة الأوامر العليا5
AR: https://bit.ly/3JPJLmkالقاعدة (155): الدفع بحجية الأوامر العليا6

ج. الصكوك غير التعاهدية العنوان

#الصنفعمينوان الصكالعنوان
المختصر
فيم الدراسة
الموادرابط المصدر

2
3
قرارات
الجمعية
العامة للأمم
المتحدة
(أمثلة)
رقم (164/58)، لعام 2003في
قرار 2003
11AR: https://bit.ly/3Fu1oW3
رقم (148/60)، لعام 2005قرار 20057AR: https://bit.ly/3Z2AUSC
رقم (209/77)، لعام 2022قرار 20223AR: https://bit.ly/40dHBSU
4
عم
ام
5
6
تعليقات
عامة لهيئات
المعاهدات
لرئيسة للأمم
المتحدة
تعليق اللجنة المعنية
بحقوق الإنسان رقم (20)،
لعام 1992
تعليق
1992
13AR: https://bit.ly/3lrMIAg
تعليق اللجنة المعنية
بحقوق الإنسان رقم (31)،
لعام 2004
تعليق
2004
18AR: https://bit.ly/3YW29hx
تعليق لجنة مناهضة
التعذيب رقم (2)، لعام
2008
تعليق
2008
26AR: https://bit.ly/3lp0RhA
  1. تعتمد الدراسة في هذا الخصوص على "قواعد بيانات القانون الدولي الإنساني"، التي صاغتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (https://ihl-databases.icrc.org/ar/customary-ihl)، بالاعتماد على عدة مصادر.
#الصنفعمينوان الصكالعنوان
المختصر
فيم الدراسة
الموادرابط المصدر
7صكوك
متنوعة صادرة
عن:
[أ]
الأمم المتحدة
(أجهزة
وهيئات
ممإممأمرختلفة)
مدونة لقواعد سلوك
الموظفين المكلفين بإنفاذ
اينملقوانين، لعام 1979
في
مدونة
1979
5AR: https://bit.ly/3n4WRmB
8من
مبادئ الم عن والتقصي
الفعالين لعمليات الإعدام
خارج نطاق القانون
والإعدام التعسفي
والإعدام دون محاكمة،
لعام 1989
مبادئ
1989
3، 19AR: https://bit.ly/3JMDTdB
9م
مبادئ أساسية بشأن
استخدام القوة والأسلحة
النارية من جانب الموظفين
المكلفين بإنفاذ القانون،
لرعام 1990
مبادئ
1990
25،
26
AR: https://bit.ly/42leJdj
10م
مشروع مدونة الجرائم
المخلة بسلم الإنسانية
ورااأمنها، نسخة 1991
مشروع
1991
11EN: https://bit.ly/42poV4r
11إعلان حمية جميع
الأشخاص من الاختفاء
اارلقسري، لعام 1992
إعلان
1992
6AR: https://bit.ly/3lmdc6b
12م
ير
مشروع مدونة الجرائم
المخلة بسلم الإنسانية
وررأمنها، نسخة 1996
مشروع
1996
5EN: https://bit.ly/3FEibG7
13مشروع مبادئ بشأن إقامة
العدل عن طريق المحاكم
ارلعسكرية، لعام 2006
مبادئ
2006
18/أAR: https://bit.ly/3zb7szi
14ب][منظمة العفو
اإملدولية
م
معايير أساسية لحقوق
الإنسان موجهة إلى
الموظفين المكلفين بإنفاذ
القانون، لعام 1998
معايير
1998
8، 9AR: https://bit.ly/40jUWto
1م5ج][المجلس
ارمألأوروبي
م
مدونة قواعد السلوك
للشرطة الأوروبية، توصية
لجنة الوزراء رقم (10)
لرمعام 2001
مدونة
2001
16،
39
AR: https://bit.ly/3z7Wsmi
16م
المذكرة التفسيرية لتوصية
لجنة الوزراء رقم (4) لعام
2010: حقوق الإنسان
لأفراد القوات المسلحة
مذكرة
2010
UEN: https://bit.ly/3KrJqXi

لأفراد القوات المسلحة العنوان

العنوان

#الصنفعمينوان الصكالعنوان
المختصر
فيم الدراسة
الموادرابط المصدر
17
من
18
د][نظمة الأمن
والتعاون
بأوروبا)OSCE(
دليل عمل الشرطة في
النظم الديمقراطية، لعام
2008
في
دليل
2008
13AR: https://bit.ly/3JNTCb5
مدونة قواعد السلوك
في المجالات السياسية
والعسكرية للأمن، لعام
1994
مدونة
1994
31AR: https://bit.ly/3Ku21lH

الملحق (2): عينة الدساتير197

رابط الدستور
من المصدر (((19
الاستنكاف
الضميري
(أرقام المواد)
الأوامر العليا
(اأرقام المواد)
التعديل
األأخير (((19
سنة
ارألإصدار
الدستور
اإلدولة (((19
#
EN: https://bit.ly/3tsqmSE)C/3(17)3(57-2005إسواتيني1
AR: https://bit.ly/3ToTLGq6615920152008الإكوادور
EN: https://bit.ly/48Wg9ht)2(4320820161975بابوا غينيا
الجديدة
3
EN: https://bit.ly/3Qi9N50×3420041972بنم4
AR: https://bit.ly/3yODIrO×)3(110، 245-2009بوليفيا5
AR: https://bit.ly/3Jzv6dQ]72[)4(17، 13720171982تركيا6
EN: https://bit.ly/3S9aXkm×)3(2120071992توغو7

7 توغو 1992 2007

طبيعة التكشيف ضمن المستوىتاريخ التكشيف
المستوى الأول: تكشيف عموم الدساتير، بحثًا عن الأحكام ذات الصلة بالأوامر العليا، باستخدام
كلمات مفتاحية محددة.
19-16 تشرين الأول/ أكتوبر 2023
ارلمستوى الثاني: تكشيف الدساتير المتح
الأحكام ذات الصلة بالاستنكاف الض
حصلة من نتيجة التكشيف على المستوى الأول، بحثًا عن
ضميري، باستخدام أدوات التصفية الموضوعية في المصدر.
29 تشرين الأول/ أكتوبر 2023

EN: https://bit.ly/3S9aXkm

  1. يعرض هذا الملحق لعينة الدراسة من دساتير العالم المستخلصة نتيجة تكشيف الدساتير السارية، المتوافرة عبرر المصدر على مستويين:. Constitute المصدر, at: www.constituteproject.org: وهو قاعدة تحتوي على 53 دستورًا في واجهتها العربية، و 193 دستورًا في واجهتها الإنكليزية. 194ُسر دت الدول وفقًا للترتيب الألفبائي لأسمائها.
  2. وفقًا لما يوفره المصدر. وقد تكون هنالك تعديلات أحدث لم يجرِ بعد تضمينها فيه، وذلك في حدود تاريخ التكشيف المشار إليه أعلاه.
  3. أعيد استرجاع الروابط في 2025/8/31، إلا أن تكشيف الدساتير كان في التاريخ المشار إليه أعلاه.
رابط الدستور
من المصدر
الاستنكاف
الضميري
(أرقام المواد)
الأوامر العليا
(اأرقام المواد)
التعديل
األأخير
سنة
األإصدار
الدستور
اإلدولة
#
EN: https://bit.ly/46Wx5mx)3(45)1(28-2002تيمور الشرقية8
AR: https://bit.ly/3LxnZVG×)6(19920121996جنوب أفريقيا9
AR: https://bit.ly/404qXWV×34-1953الدنمارك10
EN: https://bit.ly/3Qgiywh)8(48،)3(2711819921980الرأس الأخضر11
EN: https://bit.ly/48T5aph×)2(4920152003رواندا12
EN: https://bit.ly/3ZWtjHq×)2(20020172013زيمبابوي1م3
EN: https://bit.ly/45BmDQj×519931985غواتيملا14
AR: https://bit.ly/3TuEiV9×((19(720081958فرنسا15
AR: https://bit.ly/42eYmyO13425، 4520091999فنزويلا16
EN: https://bit.ly/46MKUUi472020131991كرواتيا17
AR: https://bit.ly/3QlIpTq])3(216[9120151991كولومبيا18
EN: https://bit.ly/3M3N0Hq×2820112005الكونغو19
EN: https://bit.ly/48YyJWg×64، 245، 255-2008المالديف2م0
EN: https://bit.ly/3ZXHmfK((19()b/3(4((19(VIII20131215المملكة المتحدة2م1
AR: https://bit.ly/45ygXq6×8520161814النرويج22
AR: https://bit.ly/3Foedkw)4-3(A9)2-1(2020131920النمسا23
EN: https://bit.ly/3QjgaUz×1520172010النيجر24
AR: https://bit.ly/3n1rN7o×)2(32320131982هندوراس25

25 هندوراس 1982 2013 AR: https://bit.ly/3n1rN7o

  1. هذه المادة من "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" لعام 1789، الذي يعتبرر جزءًا من الدستور.
  2. هذه المادة من "قانون المثول أمام القضاء" لعام 1679، الذي يعتبرر جزءًا من الدستور.
  3. هذه المادة من "قانون حقوق الإنسان" لعام 1998، الذي يعتبرر جزءًا من الدستور.

المراجع198

العربية

أبو خلف، انتصار [وآخرون]. مؤسسات أمناء المظالم وحكم القطاع الأمني. رام الله: مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة،.2010 أوسي، أنيكي. فهم العمل الشرطي: دليل لنشطاء حقوق الإنسان. أمستردام: الفرع الهولندي لمنظمة العفو الدولية،.2011 باراني، زولتان. الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين. ترجمة نبيل الخشن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 بوكلاند، بنجامين وويليام ماكديرموت. مؤسسات أمناء المظالم المختصة بالقوات المسلحة: دليل. جنيف: مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة،.2012 تايلور، ويليام. الاستجابات العسكرية للانتفاضات العربية ومستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في الشرق الأوسط. ترجمة أسامة عباس وعمرو بسيوني. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية،.2018 توام، رشاد. الدولة في الجندي: الجيش وتغيير النظام الدستوري في مصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. توام، رشاد [وآخرون]. محفظة مواد تدريبية حول حقوق الإنسان موجهة للمكلفين بإنفاذ القانون: نسخة المدرب. بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان في جامعة بيرزيت؛ رام الله: وزارة الداخلية الفلسطينية،.2020 حاشي، يوسف. في النظرية الدستورية. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2009 الحديثي، فخري وخالد الزعبي. شرح قانون العقوبات: القسم العام. عّم ن: دار الثقافة،.2010 دو بللسيز، رامو. "إصلاح النظام العام للعسكريين". مجلة القانون العام وعلم السياسة. العدد).2006(2 دي غريف، بابلو. العدالة الانتقالية: قضايا وتحديات. بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، جامعة بيرزيت،.2025 الروسان، إيهاب. "المسؤولية الجنائية الدولية للرؤساء والقادة". دفاتر السياسة والقانون. العدد).2017(16 سلامة، شعبان. مدى إعفاء الموظف العام عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة. الإسكندرية: مكتبة الوفاء القانونية،.2018

  1. لا تحوي مصادر المعايير الدولية (ينظر الملحق 1) وعينة الدساتير (ينظر الملحق 2)، والتشريعات والمواثيق الدولية؛ إذ اكتُفي بتوثيقها في الحواشي.

السويط، طلال. "طاعة الأوامر الرئاسية وتحديد نصيبها من الإباحة في القانون الكويتي". المجلة القانونية. مج 8، العدد 5.)2020(سويلم، محمد علي. العوار الدستوري: دراسة مقارنة. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية،.2020 سينغ، نونيهال. الاستيلاء على السلطة: المنطق الاستراتيجي للانقلابات العسكرية. ترجمة علي الفتلاوي وعادل الجنابي. عّم ن: دار وائل،.2022 الشبلي، أحمد علي. "واجب طاعة الرؤساء كمصدر لإباحة أفعال المرؤوس". مجلة البحوث القانونية والاقتصادية. العدد).2022(55 الشرقاوي، إبراهيم. الجريمة العسكرية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة،.2009

الشهاوي، قدري. ملامح النظرية العامة للمسؤولية الشرطية جنائيًا وإداريًا. القاهرة: دار النهضة العربية،.2006

سن تزو. فن الحرب. جيمس كلافيل (محرر). ترجمة كاظم نعمة. طرابلس، ليبيا: منشورات أكاديمية الدراسات العليا،.2003 عبد الستار، فوزية. شرح قانون العقوبات: القسم العام. القاهرة: دار النهضة العربية،.1987 العجمي، ثقل وعلي النامي. "الدفع بإطاعة الأوامر العليا بين القانون الداخلي والقانون الدولي." مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية. العدد).2007(1 عجيلة، عاصم. طاعة الرؤساء وحدودها في الوظيفة العامة: إداريًا، تأديبيًا، جنائيًا، مدنيًا. القاهرة: عالم الكتاب، [د. ت.].

العنزي، فلاح. "الجريمة العسكرية في التشريع الكويتي والمقارن". أطروحة دكتوراه. جامعة القاهرة. القاهرة،.1996

عودة، عبد القادر. التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي. بيروت: دار الكتاب العربي،.1968 العيسوي، عبد الرحمن. في الثقافة والمعرفة العسكرية المعاصرة وأسسها القانونية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2011 الغفيلي، راشد. الحدود النظامية لطاعة الأوامر العسكرية في المجال الأمني. الرياض: أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية،.1999

غمري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الغول، أكرم. شرح قانون العقوبات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979: القسم العام. غزة:].[د. ن،.1998 فارس، صقر. "الاستنكاف الضميري في الخدمة المدنية: دراسة مقارنة". مجلة الحقوق. مج 14، العدد 1.)2017(فايز، محمود عبد المنعم. المسؤولية التأديبية لضباط الشرطة: دراسة مقارنة. القاهرة: مطابع الشرطة،.2004 فنون، نعمن. "الأوامر العسكرية والمسؤولية الجزائية في تشريعات قوى الأمن الفلسطينية". رسالة ماجستير. جامعة القدس. القدس،.2019

ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية. نيويورك/ جنيف: منشورات الأمم المتحدة،.2012 المنظمة العربية للقانون الدستوري. الدساتير والقطاع الأمني في مرحلة ما بعد 2011. تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري،.2021 الموسوعة العسكرية. الهيثم الأيوبي (رئيس التحرير). بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1981 هارت، بازل ليدل. السيف والقلم: مختارات من أهم المقالات العسكرية في العالم. أدريان ليدل هارت (محرر). ترجمة عدنان نور الدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1982 هلال، علي الدين. الانتقال إلى الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2019 الويشي، عطية. النظم القضائية في الجيوش والبيئات العسكرية عبر العصور الإسلامية. الكويت: كلية القانون الكويتية العالمية،.2021

الأجنبية

Abenheim, Donald. The Citizen in Uniform: Reform and its Critics in the Bundeswehr. California: Naval Postgraduate School, 1998. Abrahamsson, Marcus. "The Defense of Superior Orders: Article 33 of the ICC Statute – A Departure from Customary International Law?" Master's Thesis in Law. Lund University, 2018. Born, Hans. Parliamentary Oversight of the Security Sector: Principles, Mechanisms and Practices. Geneva: Inter-Parliamentary Union & Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces, 2003. Bou Nassif, Hicham. "Why the Military Abandoned Democracy." Journal of Democracy. vol. 33, no. 1 (2022). Bundesministerium der Verteidigung. "Innere Führung: Selbstverständnis und Führungskultur der Bundeswehr." Bundeswehr (January 2010). Cassese, Antonio, Paola Gaeta & John Jones (eds.). The Rome Statute of the International Criminal Court: A Commentary. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2002. D'Amato, Anthony. "Superior Orders vs. Command Responsibility." The American Journal of International Law. vol. 80, no. 3 (1986).

Gaeta, Paola. "The Defence of Superior Orders: The Statute of the International Criminal Court Versus Customary International Law." European Journal of International Law. vol. 10, no. 1 (1999). Green, L. C. "Superior Orders and the Reasonable Man." The Canadian Yearbook of International Law (1970). Grewal, Sharan. Soldiers of Democracy? Military Legacies and the Arab Spring. Oxford: Oxford University Press, 2023. Hammady, Omar, Matthias Hartwig & Duncan Pickard. "Constitutional Provisions: Governance of Armed & Security Forces." Briefing Paper. no. 50. Democracy Reporting International (December 2014). Kalshoven, Frits & Liesbeth Zegveld. Constraints on the Waging of War: An Introduction to International Humanitarian Law. Geneva: International Committee of the Red Cross, 2001. Koltermann, Jens-Olaf. Citizen in Uniform: Democratic Germany and the Changing Bundeswehr. Philadelphia: United States Army War College, 2012. Leigh, Ian & Hans Born. Handbook on Human Rights and Fundamental Freedoms of Armed Forces Personnel. Warsaw: OSCE Office for Democratic Institutions and Human Rights (ODIHR), 2008. Meddeb, Mohamed. Réflexions sur Défense & Sécurité Nationale: Quelles Réformes pour l'ère Démocratique? Tunis: Edition Leaders, 2015. Melzer, Nils. International Humanitarian Law: A Comprehensive Introduction. Geneva: International Committee of the Red Cross, 2022.

Minow, Martha L. "Living Up to Rules: Holding Soldiers Responsible for Abusive Conduct and the Dilemma of the Superior Orders Defense." McGill Law Journal. vol. 52, no. 1 (2007).

O'Sullivan, Carmel. Killing on Command: The Defence of Superior Orders in Modern Combat. London: Palgrave Macmillan, 2016. Schiff, Rebecca. The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil–Military Relations. London/ New York: Routledge, 2009. White, Gary & Natalia Alejandra Escobar Cadena. Use of Police Force: A Framework to Ensure Good Governance over the Use of Force. Geneva: The Geneva Centre for Security Sector Governance (DCAF), 2021.