Return to Article Details Intelligence and Governance in Iraq: from Authoritarianism to Fragmentation

الاستخبارات والحكم في العراق: من الاستبداد إلى التفكك

Intelligence and Governance in Iraq: from Authoritarianism to Fragmentation

مهند سلوم

الملخّص

ملخص:  تعرض هذه الدراسة التحّولّات التاريخية والمؤسساتية التي مرّت بها أجهزة الاستخبارات العراقية، بدءًا من استخدامها أدوات لترسيخ السلطة، وصولًا إلى تف ككها بعد عام 2003 إلى كيانات مجَّزَأة على أسس طائفية وإثنية وسياسية. وتحلل العوامل البنيوية والسياسية والقانونية التي شكّلت هذا التحوّل، مركزة على تأثير التدخلات السياسية الداخلية والخارجية والأزمات الأمنية المستمرة. واستندت إلى مصادر متنوعة، شملت وثائق رسمية وسجلات أرشيفية، وأكثر من 60 مقابلة مع ضباط مخابرات عراقيين، إلى جانب مراجعة الأدبيات الأكاديمية. وتخلص إلى أن انقسام الأجهزة الاستخبارية ما زال يعرقل الحوكمة الفعالة والاستقرار، حيث أفرزت المرحلة ما بعد 2003 جهازًا هشًا ومتعدد الولاءات، ما أضعف الأداء الأمني وثقة المواطن بالدولة.

Abstract

Abstract:  This study traces the historical and institutional evolution of Iraq's intelligence agencies, charting their transformation from instruments of authoritarian control under the Ba'ath regime to fragmented bodies fractured along sectarian, ethnic, and political lines after 2003. It analyses the structural, legal, and political forces driving this shift, highlighting the corrosive impact of domestic interference, foreign influence, and persistent security crises. Drawing on official records, archival sources, over more than sixty interviews, and scholarly literature, the study demonstrates how institutional fragmentation continues to undermine governance and national stability. Post-2003 Iraq is arguably marked by a weak, multi-loyalty intelligence apparatus that erodes public trust and impairs effective security provision.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستخبارات
  • حوكمة الأمن
  • العراق
  • البعث
  • الاستبداد
  • بناء الدولة
  • إصلاح القطاع الأمني
Keywords:
  • Intelligence Community
  • Security Governance
  • Iraq
  • Ba'ath Party
  • Authoritarianism
  • Surveillance
  • State-Building
  • Security Sector Reform

مقدمة

كشف انهيار الأجهزة الأمنية العراقية عام 2003 - وهو إخفاق أشار إليه المدير السابق لجهاز الاستخبارات العراقي فاضل صِلفيج العزّاوي - الهشاشة البنيوية العميقة التي تسم الاستخبارات في فترة حكم الأنظمة الاستبدادية1. وأوضح العزّاوي، في مقابلة أجراها عام 2024، أنّ الدائرة المقرّبة من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (2006–1937)، والتي هيمنت عليها ثقافة التملّق والخضوع الشخصي، فشلت في إجراء تقييم دقيق لمؤشرات الغزو الوشيك الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية2. وقد مثّل هذا الإخفاق في الأداء الاستخباري، سواء أكان ناجمًا عن الخوف أم عن قصور في الكفاءة المهنية، عاملًا محوريًا جعل العراق غير مهَّيَأ لمواجهة تهديد وجودي بهذا الحجم، كاشفًا في الوقت ذاته عن العواقب المدمّرة عندما تُبنى قرارات الأمن القومي على معلومات مضلّلة وعلى سلطة غير خاضعة لرقابة مؤسساتية ومهنية. تنطلق الدراسة من ذلك المثال لتتناول أجهزة الاستخبارات العراقية بوصفها نموذجًا للتحوّل المؤسسي في دولة ما بعد الاستبداد، متتبّعةً مسارها من أدوات مركزية في ترسيخ سيطرة النظام البعثي إلى كيانات منقسمة ومفككة على أسس سياسية وطائفية وإثنية بعد عام.2003 تُعدّ أجهزة الاستخبارات من العناصر الجوهرية في أيّ نظام حكم، إذ إن وظائفها تتكامل مع أجهزة الأمن الوطني الأخرى والهياكل السياسية في الدولة. وفي منطقة الشرق الأوسط، ارتبطت هذه الأجهزة في معظم الأحيان ارتباطًا وثيقًا بنمذج الحكم الاستبدادية، حيث شكّلت أداة مركزية في ترسيخ السلطة ومراقبة المجتمع. ويجسّد العراق هذه الظاهرة بصورة واضحة منذ نشأته في ظل الانتداب البرريطاني، مرورًا بفترة حكم البعث، وصولًا إلى النظام الذي تشكّل بعد عام 2003 تحت اسم "النظام الديمقراطي"3. ومن أجل فهمٍ أعمقَ لمسار هذا التحول، تطرح الدراسة سؤالين رئيسين: كيف تطوّرت أجهزة الاستخبارات العراقية من أدوات لتعزيز الحكم الاستبدادي إلى مؤسسات مفككة بعد عام 2003؟ وما تداعيات هذا التحوّل على الحوكمة والأمن في الدولة العراقية؟ وللإجابة عن هذين السؤالين، اعتمد البحث على منهج التحليل المؤسسي التاريخي، بما يتيحه من أدوات لتفكيك العوامل البنيوية والقانونية والسياسية التي أسهمت في تشكيل قطاع الاستخبارات. ويركّز هذا المنهج على رصد الأثر الممتد للخيارات المؤسسية السابقة، وتحليل المنعطفات الحاسمة Junctures Critical التي أعادت صياغة ملامح الأجهزة الاستخبارية، وفي مقدّمتها الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما ترتّب عليه من آثار بعيدة المدى في البنى والممرسات الاستخبارية القائمة حتى الحاضر. أدّى تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 في أثناء الانتداب البرريطاني إلى نشوء تحديات معقدة في إدارة الحكم، كان مصدرها الأساسي التنوع العرقي والطائفي والديني في البلاد. وقد اعتمدت الحكومات العراقية المبكرة، إلى حد بعيد، على أجهزة الاستخبارات ليس باعتبارها أدوات لإدارة هذا التنوع الاجتمعي والسياسي، بل أيضًا بوصفها آلية لقمع الحركات الوطنية المتنامية والمشاعر القومية المناهضة للاستعمر.

  1. عُّين فاضل صلفيج العزّاوي، عام 1984، معاونًا لمدير جهاز المخابرات العامة العراقية لشؤون العمليات، حيث كان مسؤولًا عن الأنشطة الاستخبارية خارج العراق، ثم شغل منصب مدير الجهاز بالوكالة بضعة أشهر، قبل أن يعّين مديرًا للجهاز حتى عام.1989
  2. احتلال أمريكا للعراق وسقوط نظام صدام حسين"، برنامج "شاهد على العصر"، الجزيرة 360، 2025، شوهد في 2025/9/9، ف:ي https://acr.ps/1L9GPdJ
  3. Bob de Graaff (ed.), Intelligence Communities and Cultures in Asia and the Middle East: A Comprehensive Reference (Boulder, CO/ London: Lynne Rienner Publishers, 2020).

ومع قيام ثورة 1958، التي أطاحت النظام الملكي، دخلت أجهزة الاستخبارات مرحلة جديدة من التنافس السياسي الحادّ والتفكك المؤسسي، الأمر الذي أضعف تماسكها ومهّد الطريق لصعود حزب البعث إلى السلطة في انقلاب.1968 وفي عهد صدام حسين، غدت الأجهزة الأمنية والاستخبارية، وفي مقدّمتها رئاسة جهاز المخابرات العامة ومديرية الأمن العامة وجهاز الأمن الخاص، أدوات محورية في منظومة القمع الشامل والمراقبة الدائمة، موَّظَفة لترسيخ سلطة النظام وإحكام السيطرة على المجتمع. غير أنّ هذه الصورة لا تحجب جانبًا آخر، إذ إن المخابرات العراقية، على الرغم من انغمسها في بنية النظام القمعي، حافظت على قدر من المهنية الاستخبارية، حيث واصلت التركيز على جمع المعلومات وتحليلها وتنفيذ عمليات استخبارية خارجية وداخلية بمعايير قريبة من العمل المهني المتعارف عليه دوليًا. وتؤكد هذا التميّز النسبي بيانات أولية مستندة إلى وثائق سرّية اطّلعت عليها الدراسة، فضلًا عن مقابلات معمّقة مع مسؤولين سابقين وضباط عملوا في أجهزة الاستخبارات العراقية. أدّى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما تبعه من قرار سلطة الائتلاف المؤقتة بحلّ الهياكل الأمنية والعسكرية القائمة، إلى إحداث فراغ عميق في السلطة أسهم في تفاقم التوترات الطائفية وتعزيز ديناميكيات التفكك السياسي4. وقد اتّسمت جهود إعادة بناء الأجهزة الاستخبارية في العراق بدرجة عالية من التعقيد نتيجة التشرذم الحزبي، وصعود الجمعات المتمرّدة، فضلًا عن التأثيرات الخارجية المتعددة، وفي مقدمتها الدعم الإيراني للميليشيات المسلّحة. وإلى جانب ذلك، أفرزت البيئة الأمنية الهشة بعد عام 2003 فضاءً خصبًا لانتشار الجمعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة في العراق ولاحقًا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، اللذَين استغلا الثغرات المؤسسية والانقسامات السياسية لترسيخ حضورهم وتعميق عدم الاستقرار. وتستند الدراسة إلى قاعدة واسعة من المصادر الأولية والثانوية، تشمل مواد أرشيفية ووثائق حكومية سرّية، إلى جانب أكثر من ستين مقابلة معمّقة أُجريت في المدة 2025-2022 مع مسؤولين سابقين وحاليين وخبرراء في شؤون الاستخبارات العراقية، إضافة إلى مراجعة الأدبيات الأكاديمية المعاصرة. ويتيح هذا المزيج المنهجي تقديم تحليل شامل للتحولات التي شهدها قطاع الاستخبارات العراقي، بما يسلّط الضوء على العلاقة الجدلية بين العوامل البنيوية والتدخلات الخارجية ومسارات بناء الدولة في عراق ما بعد.2003 وتشير الدراسة إلى أن الواقع المفكك الذي تعانيه أجهزة الاستخبارات العراقية يشكّل عقبة بنيوية رئيسة أمام تحقيق الحكم الرشيد وضمن الاستقرار في إطار جهود إعادة بناء الدولة. ومن ثمّ، فإن إصلاح قطاع الاستخبارات يبررز بوصفه ضرورة ملحّة تستدعي معالجة أوجه القصور الهيكلية، وترسيخ الالتزام بالقوانين، وتطوير كوادر مهنية مؤهلة قادرة على أداء المهمت بكفاءة. وتُعدّ إعادة هيكلة هذه الأجهزة على أسس التوظيف المبني على الجدارة المهنية، وتعزيز الشفافية في ممرسة الوظائف، وتطبيق آليات رقابة ومساءلة مستمرة، خطوات أساسية نحو تقوية مرونة المؤسسات، وترسيخ وطنيتها، واستعادة ثقة المواطن بها. وتهدف الدراسة إلى تقديم فهم معمّق لواقع أجهزة الاستخبارات في العراق، مسلّطة الضوء على تحديات حوكمتها في سياق ما بعد الحكم الشمولي لحزب البعث، وتقترح مجموعة من الرؤى الإصلاحية التي يمكن أن تسهم في إعادة بناء قطاع استخباري مهني وفعّال يلبّي متطلبات الأمن الوطني والحكم الديمقراطي.

  1. James P. Pfiffner, "US Blunders in Iraq: De-Baathification and Disbanding the Army," Intelligence and National Security , vol. 25, no. 1 (2010), pp. 82-83.

أولًا: الإطار النظري: المؤسساتية التاريخية

توظّف الدراسة المدخل النظري للمؤسساتية التاريخية لتحليل تطوّر أجهزة الاستخبارات في العراق، مركّزةً على التأثير المستمر للخيارات المؤسسية السابقة في الهياكل والممرسات الراهنة5. يفترض هذا المدخل أن المؤسسات ليست أدوات محايدة، بل هي قوى مشِّكِلة للنتائج السياسية، حيث تؤثر التركات التاريخية والمنعطفات الحاسمة والتغييرات التدريجية في مسار الأنظمة السياسية6. أحد المفاهيم المركزية في هذا النهج هو تبعية المسار، الذي يوضح أن القرارات المبكرة والترتيبات المؤسسية الأولى تشكّل قيودًا وفرصًا تحدّد معالم التطورات المستقبلية7. في الحالة العراقية، كان تركيز الانتداب البرريطاني على السيطرة المركزية وقمع المعارضة، عبرر توظيف الاستخبارات لمراقبة الحركات الوطنية، قد وضع سابقة مؤسسية تبعتها الأنظمة الاستبدادية اللاحقة. وقد عزّز حزب البعث، خصوصًا في عهد صدام حسين، هذا الإرث من خلال تركيز السلطة على أجهزة الاستخبارات، وتكريسها للمراقبة الشاملة والقمع السياسي، ما أسس لثقافة خوف وانعدام ثقة عميقة الجذور. أسهمت هذه الممرسات الاستبدادية المتوارثة في جعل مهمة تفكيك إرث الماضي وإرساء رقابة ديمقراطية فعّالة على القطاع الاستخباري أمرًا بالغ الصعوبة بعد عام 2003. ويظهر أثر هذا الإرث بوضوح في استمرار التسييس، وغياب آليات الإشراف المؤسسي، واستخدام الأجهزة الاستخبارية لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، ما يؤكد قوة القيود التاريخية التي تكبّل جهود الإصلاح8. ويبررز المنهج المؤسساتي التاريخي دور المنعطفات الحاسمة، أي اللحظات التي تعيد تشكيل البيئة المؤسسية بصورة جذرية، ويُعدّ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 مث لًا بارزًا على ذلك؛ إذ إن قرار سلطة الائتلاف المؤقتة CPA Authority, Provisional Coalition بحلّ الهياكل الأمنية، بما فيها أجهزة الاستخبارات، مثّل لحظة فاصلة أعادت رسم ملامح القطاع كليًا. ونتج من هذا القرار، الذي جاء بدافع "اجتثاث البعث"، تفكيك مؤسسات مهنية، وتشتّت الكوادر الخبيرة، وتهيئة بيئة سمحت بصعود الميليشيات المسلحة والجمعات المتمرّدة. إنّ غياب استراتيجية متمسكة لإصلاح القطاع الأمني جعل هذه اللحظة التاريخية نقطة انكسار تركت آثارًا بعيدة المدى. وبعد أكثر من عقدين، ما زالت تبعاتها واضحة في مشهد استخباري مفكك يواجه صعوبة في بناء جهاز موحّد واحترافي، وهو ما يبررهن على أن المنعطفات الحاسمة تستمر في إلقاء ظلالها على المسارات المؤسسية اللاحقة9. إلى جانب ذلك، يتيح هذا المدخل فهمًا لتطور المؤسسات عبرر عمليات تدريجية مثل التراكم Layering، والانجراف Drif،t والتحويل Conversion. ويشير التراكم إلى إضافة وظائف أو فاعلين جدد إلى مؤسسات

  1. P.A. Hall & R.C.R. Taylor, "Political Science and the Three New Institutionalisms," Political Studies , vol. 44, no. 5 (1996), pp. 936-957.
  2. B. Guy Peters, Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism , 3 rd (ed.) (London: Continuum International Publishing Group, 2012).
  3. P. Pierson, "Increasing Returns, Path Dependence, and the Study of Politics," American Political Science Review , vol. 94, no. 2 (2000), pp. 251-267.
  4. J. Mahoney, "Path Dependence in Historical Sociology," Theory and Society , vol. 29, no. 4 (2000), pp. 507-548.
  5. G. Capoccia & R.D. Kelemen, "The Study of Critical Junctures: Theory, Narrative, and Counterfactuals in Historical Institutionalism," World Politics , vol. 59, no. 3 (2007), pp. 341-369.

قائمة من دون أن يحدث تغيير جذري في بنيتها10. ويظهر ذلك بوضوح في تجربة دمج الميليشيات المسلحة في الهياكل الأمنية الرسمية بعد عام 2003، ما أدى إلى إنتاج أنماط هجينة من الحوكمة الأمنية. أما الانجراف فيحدث عندما تنحرف المؤسسات تدريجيًا عن أهدافها الأصلية نتيجة تغّير السياقات السياسية أو الضغوط الخارجية؛ وهو ما حدث حين تحوّلت أجهزة الاستخبارات من حمية الأمن الوطني إلى خدمة المصالح الحزبية. بينم يشير التحويل إلى إعادة توظيف المؤسسات القائمة لخدمة برامج سياسية جديدة؛ وهو ما تجسد في استخدام الأجهزة الاستخبارية أداةً للقمع السياسي في عهد البعث، ثم أعادت الفصائل المسلحة استثمرها بعد عام 2003 لتحقيق أهداف طائفية. من خلال توظيف هذه المفاهيم النظرية، توضح الدراسة أنّ قطاع الاستخبارات العراقي لا يمكن فهمه إّلا عبرر التفاعل الجدلي بين التركات التاريخية، والمنعطفات الحاسمة، والعمليات التدريجية. وتكشف بذلك عن ديناميكيات معقدة من التغيير المؤسسي، تُظهر أن الماضي ما زال يفرض قيودًا ثقيلة على إصلاح الحاضر، وأن خيارات الأمس تفّسر التحديات الأمنية والاستخبارية التي يواجهها العراق اليوم.

ثانيًا: الاستخبارات العراقية: من حنين إلى المخابرات (2003–1968)

مثّل صعود حزب البعث إلى السلطة عام 1968 نقطة تحوّل حاسمة في مسار أجهزة الاستخبارات العراقية، حيث أعيد تنظيمها لتصبح إحدى الركائز الجوهرية للحكم وأداة مركزية لضمن بقاء النظام السياسي. فقد استخلص البعثيون دروسهم من عقود الاضطراب السياسي، والانقلابات العسكرية المتكررة، ومحاولات إطاحة الحكومات السابقة، فكان تركيزهم على بناء جهاز استخباري شديد المركزية، يعمل على القضاء الممنهج على المعارضة السياسية، وترسيخ النقاء الأيديولوجي للحزب، والتصدي لمصادر التهديد الداخلية والخارجية على حد سواء11. في بدايات حكم البعث، اعتمد الحزب على جهاز نحين الذي أُسّس عام 1964 بإشراف مباشر من صدام حسين الشاب، الذي كان حينها مسؤولًا عن ملف الأمن الداخلي للحزب. وقد اضطلع الجهاز، المعروف في بداياته أيضًا باسم الشعبة الثانية، بمهمت أساسية شملت جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها، ومراقبة الخصوم السياسيين، وتنفيذ عمليات اغتيال داخل العراق12. ومع توّلي البعث السلطة عام 1968، تحوّل الجهاز إلى مكتب العلاقات العامة بإشراف صدام حسين ومجموعة من المقرّبين منه الذين عُرفوا في تلك الفترة ب "الصداميين"13. غير أنّ محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها ناظم كزار (1973–1940)، رئيس مديرية الأمن العام، ضد الرئيس أحمد حسن البكر (1982–1912) ونائبه صدّام حسين، في تموز/ يوليو 1973، كشفت عن ثغرات خطيرة في البنية الأمنية القائمة. وقد شكّل هذا الحدث منعطفًا حاسمًا في تفكير صدّام بشأن

  1. Wolfgang Streeck & Kathleen Thelen (eds.), Beyond Continuity: Institutional Change in Advanced Political Economies (Oxford: Oxford University Press, 2005).
  2. Charles Tripp, A History of Iraq , 3 rd (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 216.
  3. Joseph Sassoon, Saddam Hussein's Ba ʿ th Party: Inside an Authoritarian Regime (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), p. 96.
  4. شامل عبد القادر، ظاهرة الشقاوات في الأحزاب السياسية في العراق: حزب البعث العربي الاشتراكي... أنموذجًا (بيروت: دار البيضاء، 2015)، ص.93-92

الحاجة إلى جهاز أشد صلابة وولاءً مطلقًا للقيادة. ونتيجة لذلك، تولى تفكيك مكتب العلاقات العامة وأسّس في 9 أيلول/ سبتمبرر 1975 جهازًا استخباريًا أكثر قوة وانضباطًا، هو رئاسة جهاز المخابرات العراقي، ليصبح لاحقًا المؤسسة المحورية في منظومة الأمن والاستخبارات العراقية خلال حقبة البعث14. مثّل الانتقال من جهاز نحين إلى رئاسة جهاز المخابرات العراقي تطورًا نوعيًا في البنية الأمنية للدولة، مدفوعًا بالحاجة إلى إنشاء جهاز أكثر تنظيمًا واحترافية وشمولية، قادر على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية على نحو فعّال. فقبل عام 1968، لم يكن للعراق جهاز استخبارات مدني رسمي بالمعنى المؤسسي، وكانت معظم المهمت الخارجية تُسنَد إلى مديرية الاستخبارات العسكرية، في حين انصبّ التركيز الداخلي على متابعة الخصوم السياسيين عبرر الأجهزة الأمنية، وخصوصًا مديرية الأمن العامة. مع تأسيس جهاز المخابرات عام 1975، عهد صدام حسين بقيادته إلى شخصيات موثوقة من دائرته الضيقة؛ فأسند المهمة أولًا إلى سعدون شاكر (2015-1939)، أحد أبرز أعضاء القيادة البعثية المقرّبة منه، ثم إلى برزان التكريتي (2007-1951)، أخيه غير الشقيق، الذي أشرف على عملية توسّع غير مسبوقة للجهاز. فتحوّل الجهاز، بقيادة برزان، إلى أداة مركزية في السياستين الداخلية والخارجية للنظام، ونفّذ عمليات دولية حساسة، واخترق حكومات أجنبية، وعمل على تجنيد عناصر داخل الجمعات المعارضة في الخارج. وطوّر شبكة واسعة من المكاتب والوكلاء على مستوى العالم، مستخدمًا واجهات تجارية سرية غطاءً لعمليات جمع المعلومات الاستخبارية، ولتمويل أنشطة الجهاز بطرق يصعب تتبّعها وربطها مباشرة بالدولة العراقية15. بحلول عام 1979، أصبحت أجهزة المخابرات والاستخبارات في العراق ذات بنية أمنية قوية شملت الوكالات الرئيسة التالية16: مديرية الأمن العام (الأمن العام): كانت تركز على المراقبة المحلية، والاستخبارات المضادة، والأمن الداخلي. مديرية الاستخبارات العسكرية: كانت مختصة بالاستخبارات العسكرية والاستراتيجية، ومكافحة التجسس العسكري، واستخبارات الدفاع. جهاز المخابرات العراقي: كان يركز بالتحديد على مكافحة التجسس، والخدمة السرية (العمليات السرية خارج العراق)، وجمع المعلومات وتحليلها لصانع القرار، وكل مهمة تكلفه بها رئاسة الجمهورية. جهاز الأمن الخاص: كان مرتبط ا ارتباطًا مباشرًا بصدّام حسين، ولديه صلاحيات واسعة لضمن حمية النظام من الانقلابات وحمية أمن النظام وسلامة الرئيس. كّتم نود لاح لاخًااادتم ايرًابختسا لاكًاايه مادّص سسّأ دقلّن أيّ وكالة واحدة من احتكار السلطة الأمنية، الأمر الذي أتاح له الإشراف المباشر في بعض الأحيان على العمليات الاستخبارية لضمن ترسيخ دعائم نظامه. وتميّزت أجهزة المخابرات البعثية بانتشار المراقبة الشاملة في جميع مستويات المجتمع، من الجامعات وأماكن العمل إلى المساجد والعائلات، بحيث أُعيدت صياغة الحياة اليومية تحت أنظار الدولة الأمنية. وقد شجّع النظام المواطنين على الإبلاغ بعضهم عن بعض، بمن في ذلك أفراد العائلة الواحدة، ما أرسى ثقافة خوف وغياب ثقة

  1. سالم الجميلي، المخابرات العراقية 2003-1968: أسوار وأسرار (أبوظبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2023)، ص.23
  2. سالم الجميلي: صدام حسين أسس جهاز نحين المخابراتي"، عمار تقي، يوتيوب، 2024/8/26، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9GPbd
  3. Sassoon, p. 97; وأكد هذه المعلومة أيضًا: ضابط مخابرات سابق IIO28، مقابلة شخصية،.2022/12/30

اجتمعية عميقة. واحتفظت الأجهزة الأمنية بملفات استخبارية موسّعة، لم تقتصر على النشاطات السياسية، بل شملت العلاقات الاجتمعية والسلوكيات الشخصية، في مسعى لترهيب الخصوم وفرض الولاء المطلق للنظام17. أدّت أجهزة الأمن والاستخبارات دورًا محوريًا في قمع المعارضة وترسيخ الحكم الفردي، ويتجّلى ذلك بوضوح في حملة التطهير الدموية داخل قاعة الخلد عام 1979 التي دبّرها صدّام بمشاركة دائرة ضيقة من حلفائه. فقد استند إلى التحقيقات التي قادتها الأجهزة الاستخبارية لتبررير اتهامات بالخيانة ضد عدد من كبار المسؤولين البعثيين، ثم أوكل إلى هذه الأجهزة المشاركة المباشرة في تنفيذ الإعدامات في حقّهم، ما عزّز هيبتها بوصفها أداة قمعية للنظام18. ولم يقتصر دورها على العمل الأمني، بل امتد إلى المجال الدعائي، حيث استخدمت حملات إعلامية منظمة وعمليات نفسية ومحاكمت صورية لترسيخ سرديات النظام وتكريس صورة صدّام بوصفه القائد المطلق. وقد مكّنتها قدراتها على إنتاج المعلومات المضللة ونشرها من إعادة صياغة المجال العام بالقوة، بما عزّز شخصنة السلطة وشرعن استمرارها19. ارتبطت أجهزة الاستخبارات العراقية على نحو وثيق، مع حكم البعث، بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت التعذيب المنهجي، والاحتجاز التعسفي، والإعدامات خارج نطاق القضاء. وأضحت مرافق مثل سجن أبو غريب رموزًا دولية لهذه الانتهاكات، بما عكس الدور المركزي للأجهزة الأمنية في إدارة العنف السياسي20. وقد مثّلت حملة الأنفال عام 1988 أبرز الأمثلة على توظيف القدرات الاستخبارية في خدمة سياسات الإبادة؛ إذ إنّ المراقبة الدقيقة والشبكات الاستخبارية الواسعة مكّنت النظام من استهداف المجتمعات الكردية المختلفة، ما أسفر عن فظائع جمعية تُعدّ من أخطر الجرائم ضد الإنسانية في تاريخ العراق الحديث21. وبالمثل، أدّت الاستخبارات دورًا رئيسًا في قمع ما سُمّي الانتفاضة الشعبانية عام 1991، التي حظيت بدعم إيراني مباشر من خلال الحرس الثوري وميليشيات عراقية مرتبطة بإيران (مثل فيلق بدر، وحزب الدعوة، والمجلس الأعلى الإسلامي)22. وقد استخدمت الأجهزة تقارير استخبارية دقيقة لتحديد الأهداف، نتج منها إعدامات واسعة النطاق بلا محاكمت وتدمير مواقع دينية وثقافية، تحت غطاء حملة مكافحة التمرد التي أطلق عليها النظام اسم صفحة الغوغاء. إلا أن الهدف الجوهري لم يكن أمنيًا بحتًا بل كان سياسيًا أيضًا، إذ ركّز في القضاء على المعارضة الداخلية وتعزيز فرص بقاء النظام في السلطة23.

  1. L. Blaydes, State of Repression: Iraq Under Saddam Hussein (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018), pp. 72, 93; Kenan Makiya, Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq (Berkeley: University of California Press, 1998).
  2. للتاريخ طالب علي السعدون قيادي سابق في حزب البعث الجزء 1"، قناة البغدادية الفضائية، يوتيوب، 2023/8/22، شوهد في 2025/9/1، في: https://acr.ps/1L9GPPn
  3. شاهد على العصر | صلاح عمر العلي (7) تصفية صدام لقيادات حزب البعث"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2003/6/29، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9GPLM
  4. Radical Relives Horror of Regime's Most Feared Prison," The Guardian , 17/4/2003, accessed on 3/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPDl
  5. Hiltermann Joost, "The 1988 Anfal Campaign in Iraqi Kurdistan," SciencePo , 3/2/2008, accessed on 3/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPbP
  6. ضابط مخابرات عراقي سابق (34 IIO)، مقابلة عن بعد،.2023/5/8
  7. Toby Dodge, Iraq: From War to a New Authoritarianism , Adelphi Series (London: Routledge, 2013).

إنّ اعتمد النظام البعثي على الخوف أداةً لضبط أجهزة الاستخبارات أفضى، بصورة غير مباشرة، إلى تقويض فاعلية الجهاز نفسه24. فقد كان الضباط، حرصًا على سلامتهم الشخصية وخشية العقاب، يعمدون إلى تحريف المعلومات الاستخبارية أو تزييفها على نحو متكرر، ما أدى إلى إنتاج تقديرات استراتيجية خاطئة، كم ظهر بوضوح خلال حرب الخليج عام 199125. وقد ساهمت هذه الثقافة القائمة على الخوف، والتي تفاقمت بفعل الدمار الاقتصادي الناتج من نظام العقوبات الدولية الشامل وما رافقه من تفّشي الفساد وصراعات النفوذ داخل النخبة، في إضعاف قدرة الأجهزة الاستخبارية على إنجاز وظيفتها الأساسية. وبذلك غدت هذه الأجهزة عاجزة عن توفير تقييمت دقيقة للتهديدات أو تقديم دعم عملياتي فعّال يخدم المصالح العليا للدولة، لتتحوّل تدريجيًا إلى أدوات لضمن بقاء النظام أكثر من أنها مؤسسات لحمية الأمن الوطني26. وبينم اتسم جهاز الأمن والاستخبارات في العراق تحت حكم البعث بالمراقبة الشاملة والقمع المنهجي، يبررز هذا الوضع بوضوح عند مقارنته بتجارب أنظمة استبدادية أخرى في المنطقة. ففي سورية، شكّلت أجهزة المخابرات في عهد حافظ الأسد (2000–1971) نموذجًا لنظام أمني متعدد الطبقات، يقوم على شبكة واسعة من الأجهزة المتداخلة التي اعتمدت بدرجة كبيرة على المراقبة الداخلية والقمع العنيف للمعارضة27. ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، تعزز الطابع الطائفي على نحو أكبرر؛ إذ إن الأجهزة الاستخبارية ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بالولاءات العلوية، وهو ما تجلى بوضوح في السنوات التي سبقت انهيار النظام في أواخر عام 202428. أما في العراق، فعلى الرغم من أنّ نظام صدّام حسين غذّى التوترات الطائفية لتعزيز أركان حكمه، فإنه سعى في مرحلة أولى إلى تقديم نفسه في إطار قومي عربي وعلمني الطابع، مع تكوين تركيبة أكثر تنوعًا نسبيًا في هياكل الاستخبارات. غير أن هذا التنوع لم يم عن الأجهزة من أن تبقى خاضعة لقبضة مركزية صارمة، كرّستها الولاءات الشخصية والارتباط المباشر بشخص صدّام، الأمر الذي جعلها في نهاية المطاف تشبه الأنظمة الأمنية الاستبدادية الأخرى من حيث الجوهر، وإن اختلفت في آليات التعبئة والشرعنة. وبالمثل، فإنّ جهاز المخابرات العامة المصري في عهد محمد حسني مبارك (2011–1981)، وعلى الرغم من اشتهاره باستخدام أساليب قمعية، اتبع نهجًا أكثر دقة ومرونة في السيطرة الاجتمعية مقارنة بالقسوة الصريحة التي ميّزت أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية. فقد اعتمد النظام المصري، بدرجة أكبرر، على التغلغل في المجتمع المدني ورصد الأنشطة الاجتمعية والسياسية، إلى جانب القمع الانتقائي الموجّه ضد المعارضين، ما أتاح له الحفاظ على واجهة استقرار سياسي نسبي مع ضبط المجال العام29.

  1. Janine R. Wedel, Collision and Collusion: The Strange Case of Western Aid to Eastern Europe, 1989–1998 (New York: St. Martin's Press, 1998).
  2. Richard K. Betts, Enemies of Intelligence: Knowledge and Power in American National Security (New York: Columbia University Press, 2007).
  3. Sarah Graham‑Brown, Sanctioning Saddam: The Politics of Intervention in Iraq (London/ New York: I.B. Tauris in association with MERIP / Distributed by St. Martin's Press, 1999).
  4. Andrew Rathmell, "Syria's Intelligence Services: Origins and Development1," Journal of Conflict Studies , vol. 16, no. 2 (1996).
  5. Why has the Syrian Regime Restructured its Security Apparatus?" Jusoor for Studies , 6/3/2024, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPU2
  6. Owen L. Sirrs, The Egyptian Intelligence Service: A History of the Mukhabarat, 1910–2009 (London/ New York: Routledge, 2010).

وعلى الجانب الآخر، شّك لت وزارة الاستخبارات والأمن في إيران نموذجًا مغايرًا، إذ إنها انخرطت بعمق في أنشطة المراقبة الداخلية والعمليات الخارجية، ولكن ضمن إطار ديني – أيديولوجي ركّز على فرض النقاء العقائدي والتمسّك بالطقوس الدينية باعتبارها معيارًا للشرعية. وهذا يتناقض بوضوح مع النهج البعثي في العراق، الذي انطلق من مشروع قومي عربي ذي طابع علمني، وإن لم يمنعه ذلك من اللجوء إلى القمع الممنهج أداةً لبقاء النظام.

تكشف المقارنة بين هذه الأنظمة أنّ جميعها تشترك في التزامها باستخدام أجهزة الاستخبارات باعتبارها أدوات محورية للحفاظ على السيطرة الاستبدادية، غير أنها تختلف في أساليبها التشغيلية ومرجعياتها الأيديولوجية ومستوى اعتمدها على الولاءات الطائفية أو العرقية أو العقائدية. ومع ذلك، تميّزت الحالة العراقية، لا سيم في عهد صدّام حسين، بقدرٍ غير مسبوق من التركيز الشخصي للسلطة داخل الجهاز الاستخباري، وهو ما منح صدّام قدرة مباشرة على التحكم في أدق تفاصيل العمل الأمني والاستخباري، وجعل الجهاز أكثر خضوعًا لشخص الحاكم حتى عند مقارنته بأكثر الأنظمة الاستبدادية قمعًا في المنطقة. يُعدّ الفشل الذريع للقيادة العراقية في توقّع غزو عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة دليلًا قاطعًا على التداعيات البنيوية السلبية التي تفرضها الأنظمة الاستبدادية على عمل الاستخبارات. فقد أدّى تركيز النظام البعثي المترسخ على حمية الأمن الداخلي وضمن بقاء السلطة إلى إغفال التهديد الخارجي المتصاعد الذي شكّله التحالف الدولي. وقد انعكس هذا القصور الاستراتيجي في فشل استخباري كارثي، إذ إن جهد الأجهزة تركّز على تعزيز استقرار النظام بدلًا من حمية الأمن القومي. أنتج هذا النهج الانعزالي، القائم على المعلومات المشوّهة، ما يمكن وصفه ب "فقاعة الوهم" التي منعت إجراء تقييم واقعي لغزوٍ وشيك. كم أنّ الطابع السياسي للتقارير الاستخبارية، حيث كان الضباط يحرّفون الحقائق حفاظًا على حياتهم ومناصبهم، فاقم الأزمة. ويشير هيرمان إلى أن الفشل الاستخباري غالبًا ما ينشأ عن الهفوات التنظيمية والضغوط السياسية التي تشوّه تدفق المعلومات30، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة العراقية. فقد كبحت ثقافة الخوف أصوات التحذير، فجرى تحريف التقديرات لتتمشى مع السردية المفضلة لدى القيادة السياسية. وبذلك تبّين أنّ الجيش العراقي ومؤسساته الأمنية لم يكونا على استعداد كافٍ لمواجهة الغزو السريع والشامل، ما عجّل بالانهيار الكامل للنظام. وُيبُررز هذا المثال العيب الجوهري للأجهزة الاستخبارية في الأنظمة الاستبدادية: فهي تميل إلى إعطاء بقاء النظام الأولوية المطلقة، على حساب التقييم الموضوعي للتهديدات، الأمر الذي يجعلها عاجزة في لحظات الأزمات عن حمية الأمن الوطني. إجمل، ا شكّلت أجهزة الاستخبارات العراقية في المدة 2003-1968 أداةً محورية في ترسيخ الحكم الاستبدادي، وأسهمت في إطالة عمر النظام السياسي عبرر القمع المنهجي والمراقبة الشاملة للمجتمع. غير أن هذا الإرث من الإكراه والتفكك المؤسسي ترك بصمته العميقة على مرحلة ما بعد الغزو عام 2003؛ إذ إنه تحوّل إلى عائق بنيوي حال دون إنجاح جهود الإصلاح وإعادة بناء أجهزة الأمن الوطني. وهكذا، فإنّ ثقافة القمع والمراقبة المقترنة بهشاشة البنى المؤسسية لم تتبدد بسقوط النظام، بل أعاقت على نحو جوهري مسار التحوّل نحو مؤسسات أمنية مهنية وفعّالة.

  1. Michael Herman, Intelligence Power in Peace and War (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

ثالثًا: إعادة التشكيل بعد عام 2003: بوتقة التفكك والتأثيرات الخارجية

أدّى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما ترتب عليه من انهيار نظام البعث، إلى تفكيك غير قابل للإصلاح للبنية الاستخبارية القائمة، لتبدأ بعدها عملية إعادة بناء شاملة سادها منذ بدايتها التفكك والتدخلات الخارجية. فلم يفضِ قرار حلّ المؤسسات الأمنية العراقية إلى إنشاء جهاز استخبارات وطني موحّد، بل أسفر عن مشهد فوضوي تنافست فيه الميليشيات الطائفية والإثنية والقوى الإقليمية والفصائل السياسية الداخلية على السيطرة والتغلغل داخل القطاع الاستخباري. ولم يكن هذا التحوّل تغييرًا مؤسسيًا تقنيًا فحسب بل مثّل انقطاعًا جذريًا في العقد الاجتمعي للدولة العراقية، انعكس في أزمة ممتدة على صعيدَي الشرعية السياسية والأمن الوطني. ومن ثم، غدا قطاع الاستخبارات بعد عام 2003 ساحة لصراعات الولاء والتأثير الخارجي أكثر من أنه مؤسسة سيادية معنية بحمية الدولة والمجتمع31. مثّل قرار سلطة الائتلاف المؤقتة بحلّ جهاز الأمن البعثي، الوارد في الأمر رقم (2) الصادر في 23 أيار/ مايو 2003، منعطفًا حاسمًا في مسار إعادة تشكيل القطاع الأمني العراقي. واستندت هذه السياسة إلى افتراض مفاده أنّ اجتثاث العناصر البعثية يُعدّ شرطًا ضروريًا للانتقال الديمقراطي، غير أنّ تطبيقها جاء بصورة متسرّعة وارتجالية أدّت إلى تفكيك كامل للهياكل الأمنية والاستخبارية القائمة. وقد أحدث هذا التفكيك فراغًا مؤسسيًا ملأته سريعًا الفوضى وغياب الاستقرار، إذ جرى تجاهل الوظيفة الجوهرية للمؤسسات الأمنية في حفظ النظام وحمية المجتمع32. علاوة على ذلك، نُفّذت عملية اجتثاث البعث بطريقة تفتقر إلى التمييز المؤسسي33، حيث لم تفرّق بين النواة الصلبة للنظام البعثي وفئة التكنوقراط والكوادر المهنية الضرورية لاستمرارية مؤسسات الدولة34، أي إنّ تنفيذ عملية الاجتثاث جرى بطريقة تفتقر إلى التنظيم والتخطيط، حيث فشلت في التمييز بين الموالين للنظام وفئة التكنوقراط الضرورية لاستمرار المؤسسات. وأسفر ذلك عن إقصاء نحو 400000 موظف، من بينهم ضباط استخبارات يمتلكون خبررة تراكمية حيوية، وهو ما جعل الدولة الناشئة عاجزة أمام التحديات الأمنية المتسارعة، وفتح المجال أمام الميليشيات والفواعل الخارجية لملء الفراغ35. لقد كانت تداعيات قرار حلّ الأجهزة الأمنية والاستخبارية عميقة وبعيدة المدى على المشهد العراقي. فإقصاء الكوادر المدربة لم يحرم العراق فقط من خبرراتهم الحيوية في جمع المعلومات ومكافحة التجسس والتصدي للتهديدات الإرهابية، بل ساهم أيضًا في تأجيج مشاعر الإقصاء والاستياء، ما أتاح بيئة خصبة لاندلاع التمرد. وكم يشير جوزيف ج. كولينز وريتشارد د. هوكر في كتابهم الدروس المستفادة: التعلم من الحرب الطويلة،

  1. Iraq: A Decade of Abuses," Amnesty International , 11/3/2013, accessed on 9/4/2025, at: https://acr.ps/1L9GPxv
  2. Larry Diamond, Squandered Victory: The American Occupation and the Bungled Effort to Bring Democracy to Iraq (New York: Times Books, 2005).
  3. Shamiran Mako, "Institutionalising Exclusion: De-Ba'athification in Post-2003 Iraq," in: Religion, Violence, and the State in Iraq , Pomeps Studies 35 (October 2019), pp. 17-21, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPJM
  4. Tripp.
  5. Losing Iraq," Frontline (2014), accessed on 9/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GP6u

"لأنه لم تكن هناك قوات كافية لاحتلال مراكز السكان العراقية بالكامل، كان لدى عناصر النظام السابق الوقت والمساحة للتعافي وتنظيم قواتها لشنّ حملة ضد التحالف"36. تجّلى هذا الفراغ الأمني في أنّ عددًا من ضباط الاستخبارات المسرّحين، الذين واجهوا البطالة وخطر الانتقام، انجذبوا إلى الجمعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة في العراق ولاحقًا "داعش"، وهو ما ساهم بصورة مباشرة في تصعيد دوامة العنف. ومع انهيار البنى الأمنية الوطنية، برزت الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران، مثل فيلق بدر وعصائب أهل الحق ولاحقًا الحشد الشعبي، باعتبارها بدائل فعلية في المشهد الأمني. لم تقتصر هذه الميليشيات على أداء دور عسكري بل أسست شبكات استخبارية خاصة بها، مارست عبررها نوعًا من المؤسسات الموازية على أسس طائفية، ما زاد من تفكك الدولة وأضعف شرعيتها37. وفي الوقت ذاته، حاولت الولايات المتحدة إعادة بناء قطاع الاستخبارات من خلال إنشاء مؤسسات جديدة، مثل جهاز المخابرات الوطني العراقي بدعم وتدريب أميركَييَن. غير أنّ هذه الجهود اتسمت بالتسرع، وافتقرت إلى فهمٍ عميق للسياق المحلي، ما جعل المؤسسات الوليدة هشة ويسهل اختراقها من جانب الفصائل السياسية والطائفية. وفي المقابل، استثمرت إيران في تغذية الشبكات الموازية عبرر الميليشيات والأحزاب المتحالفة معها، مانحةً إياها موارد وتمويلًا وتدريبًا، ما مكّنها من الهيمنة على الأرض. أُنشئ جهاز المخابرات الوطني العراقي، عام 2004، بدعمٍ مباشر من الولايات المتحدة؛ ليكون مؤسسة مهنية ومحايدة تتولى قيادة العمل الاستخباري. غير أن مسار تطوير هذا الجهاز سرعان ما تعّثر بفعل بروز أجهزة استخبارية موازية مرتبطة بالأحزاب السياسية والتكتلات الطائفية والإثنية، الأمر الذي قوّض مشروعه المؤسسي منذ البداية. وبذلك وجد الجهاز الجديد، الذي صُمّم ليحلّ محل جهاز المخابرات العامة المنحلّ، نفسه يعمل في بيئة معقدة تشكّلت معالمها عبرر نصوص الدستور العراقي لعام 2005 والتشريعات الأمنية اللاحقة، وهي بيئة عززت التعددية المؤسسية أكثر من بناء جهاز مركزي موحّد38. وعلى الرغم من أنّ اختصاصاته الرسمية اقتصرت على جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها وتقييم التهديدات وتقديم المشورة للحكومة، فإنّ تدخّل القوى السياسية الذي اقترن بصعود الهياكل الأمنية الموازية، أدى إلى إضعاف فاعليته وإفراغ الكثير من مهمته من مضمونها العملي39. هكذا، أصبح المشهد الاستخباري العراقي بعد عام 2003 ساحة تنافس أميركي – إيراني، فبينم حاولت واشنطن فرض نموذج مؤسسي هشّ تحت شعار "الأمن الوطني"، عملت طهران على بناء جهاز أمني – استخباري بديل متجذر داخل الميليشيات. ونتيجة لذلك، تبلور قطاع استخباري مزدوج الولاءات، متشرذم ومسيّس، تحكمه أجندات متناقضة؛ ما جعل إصلاح الاستخبارات الوطنية مهمة شبه مستحيلة وأبقى العراق رهين صراع نفوذ خارجي ممتد.

  1. Richard D. Hooker, Jr. et al. (eds.), Lessons Encountered: Learning from the Long War (Washington, DC: National Defense University Press, 2015), p. 96.
  2. Anthony H. Cordesman, Iraqi Security Forces: A Strategy for Success (Westport, CT: Praeger Security International,
  3. جمهورية العراق، مجلس النواب، الدستور العراقي 2005، المادة 9 الفقرة (د)، شوهد في 2025/9/4، في: https://acr.ps/1L9GPf2
  4. ضابط مخابرات عراقي (8 IIO)، مقابلة شخصية، 2022/12/17، العراق.

1. صعود الكيانات الاستخباراتية المتنافسة

مع بروز الحكومات ذات الأغلبية الشيعية بعد عام 2003، باتت مؤسسات أمنية، مثل مديرية الاستخبارات في وزارة الداخلية، خاضعة على نحو متزايد لنفوذ الفصائل السياسية الشيعية، لا سيم تلك المرتبطة بإيران. وقد عكست هذه الظاهرة مسارًا أوسع لما يمكن تسميته "احتلال الدولة" من جانب النخب الحزبية والجمعات المسلحة التابعة لها40. إلى جانب ذلك، أدى تأسيس جهاز مكافحة الإرهاب عام 2007، وجهاز الأمن الوطني عام 2005، اللذَين كان يفترض أن يساهم في تعزيز الأمن، إلى تعقيد المشهد الاستخباراتي. فبينم مُنح جهاز مكافحة الإرهاب صلاحيات واسعة لمواجهة التهديدات الإرهابية، أوكلت مهمت الحفاظ على الأمن الداخلي إلى جهاز الأمن الوطني، لكنّ تداخل اختصاصاتهم سرعان ما أوجد بؤر نزاع وتنافس، وتفاقم ذلك بسبب محدودية الكوادر المؤهلة41. ثمّ إن ظهور قوات الحشد الشعبي Popular Mobilization Forces, PMFوإنشاءَها جهازًا استخباريًا خاصًا بها زاد الوضع الأمني تعقيدًا42، في حين واصل إقليم كردستان العراق تشغيل وكالات استخباراتية مستقلة تستجيب لمصالحه الإقليمية بالدرجة الأولى43. لقد أسفر هذا التشرذم، المدعوم بتأثيرات خارجية واسعة، عن مشهد استخباراتي متصدع، حيث عملت الوكالات المختلفة باعتبارها أدوات لخدمة برامج سياسية وطائفية بدلًا من أن تكون أذرعًا لحمية الأمن الوطني. ونتيجة لذلك، لم يُضعف غياب هيكل استخباراتي وطني موحّد جهود مكافحة الإرهاب فحسب، بل عمّق الانقسامات الطائفية وأعاق بناء دولة عراقية مستقرة وموحدة44.

2. الفاعلون الخارجيون وتأثيرهم

أعادت التدخلات الخارجية رسم المشهد الاستخباري في العراق بعد عام 2003، حيث سعى كل فاعل دولي إلى ترسيخ نفوذه بما يخدم مصالحه الاستراتيجية. في البداية، امتلكت الولايات المتحدة، بوصفها القوة المحتلة، اليد العليا. غير أنّ مشروعها لإنشاء جهاز الاستخبارات الوطني العراقي تعّثر نتيجة ضعف إدراكها لتعقيدات البنيَتيَن الاجتمعية والسياسية العراقيتين، إضافةً إلى سياسات اجتثاث البعث المتسرعة45. وعلى الرغم من تركيزها المكثف على التدريب وتزويد الأجهزة بالمعدات الخاصة بمكافحة الإرهاب، فإنّها أهملت معالجة القضايا البنيوية الأعمق، من قبيل المحاصصة الطائفية والفساد المؤسسي، ما أضعف فاعلية جهودها46.

  1. M. Knights, H. Malik & C. Smith, "How Tehran-Backed Terrorist Organisations and Militias Captured the Iraqi State," CTC Sentinel , vol. 16, no. 11 (December 2023), pp. 1-24, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPek
  2. David Witty, "The Iraqi Counter Terrorism Service," Center for Middle East Policy at Brookings (June 2016), accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPvC
  3. ضابط مخابرات عراقي.)IIO 8(
  4. ضابط مخابرات كردي (1 IKIO)، مقابلة عن بعد،.2024/11/11
  5. ضابط مخابرات عراقي (27 IIO)، مقابلة شخصية، 2024/3/6، العراق؛ Pierre-Jean Luizard, "Islam as a Point of Reference for Political and Social Groups in Iraq," International Review of the Red Cross , vol. 89, no. 868 (December 2007), pp. 843–855.
  6. ضابط مخابرات عراقي (57 IIO)، مقابلة عن بعد،.2025/3/4
  7. المرجع نفسه.

في المقابل، اعتمدت إيران استراتيجية أكثر صبرًا ومرونة، مستندة إلى علاقاتها الوثيقة مع الفصائل الشيعية المسلحة. فقد وفر الحرس الثوري الإيراني دعمًا مباشرًا لجمعات، مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق، وأسهم في بناء شبكات استخبارية موازية ذات استقلالية كبيرة عن الدولة العراقية47. وشكّلت هذه الشبكات رافعة حاسمة لترسيخ النفوذ الإيراني داخل القطاع الأمني، وغالبًا ما كانت تتجاوز المؤسسات الرسمية القائمة أو تضعفها. أما القوى الإقليمية الأخرى، كالسعودية وتركيا وقطر، فقد تبنّت أساليب غير مباشرة للتأثير. إذ إن السعودية، القلقة من تنامي النفوذ الإيراني، دعمت الفصائل السياسية السنّية؛ بينم ركزت تركيا على حمية مصالحها في شمل العراق، خصوصًا فيم يتعلق بتوازناتها مع الجمعات الكردية. في حين مارست قطر تأثيرها عبرر أدوات القوة الناعمة، من خلال وسائل الإعلام وشبكاتها الدبلوماسية، فضلًا عن توفير الدعم لعدد من الفصائل السياسية48. أدى تشرذم قطاع الاستخبارات في العراق إلى تداعيات عميقة على الحكم والأمن الوطني. فقد ساهم غياب التنسيق وتبادل المعلومات بين الوكالات المتنافسة في حدوث إخفاقات استخبارية حاسمة، كان أبرزها صعود تنظيم داعش49. وعلى الرغم من تأسيس آليات رسمية للتنسيق، مثل الهيئة الوطنية لتنسيق الاستخبارات، ومجلس الاستخبارات الوطني، ومركز التنسيق الوطني المشترك، فإنّ هذه الأطر ظلت في معظم الأحيان غير فعالة؛ نتيجة الانقسامات السياسية وانعدام الثقة المتبادل50. حولت الأجهزة الاستخباراتية تدريجيًا إلى أدوات للمراقبة السياسية والقمع، وهو ما قوّض الثقة العامة وأسهم في تأجيج التوترات الطائفية. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية عام 2013 تورط قوات الأمن في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الإعدامات خارج نطاق القضاء، الأمر الذي عمّق عزلة المجتمعات المحلية وأسهم في إنتاج دورات متجددة من العنف51. إنّ تجربة إعادة تشكيل الاستخبارات العراقية بعد عام 2003 تمثّل دراسة حالة بارزة لتحديات بناء الدولة في سياقات ما بعد الصراع. فقد أدى حل الهياكل الأمنية القائمة، مقترنًا بالطائفية والتنافس السياسي والتدخلات الخارجية، إلى إنتاج بيئة استخباراتية تتسم بالضعف والانقسام الولائي. وكانت لهذا التفكك انعكاسات عميقة وطويلة الأمد على الحوكمة والأمن الوطني، وحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة الفعالة للتهديدات المتغيرة، بما يسلط الضوء على الحاجة الملحّة إلى إصلاح مؤسسي جذري يضمن استقلالية العمل الاستخباراتي عن التجاذبات السياسية.

رابعًا: التحديات الأمنية وصعود الجمعات المتطرفة

شهد العراق بعد عام 2003 تحديات أمنية عميقة كان أبرزها صعود الجمعات المتطرفة، وفي مقدمتها القاعدة في العراق ومن بعدها تنظيم داعش. فقد أسهم انهيار مؤسسات الدولة وحلّ الجيش والتوترات

  1. Joseph H. Felter & Brian Fishman, "Iranian Strategy in Iraq: Politics and 'Other Means'," Occasional Paper Series , Combating Terrorism Center at the U.S. Military Academy, 13/10/2008.
  2. Michael R. Gordon & Bernard E. Trainor, The Endgame: The Inside Story of the Struggle for Iraq, from George W. Bush to Barack Obama (New York: Pantheon Books, 2012).
  3. Shamiran Mako, "Divided Opposition, Fragmented State Building: Elite Bargaining in Pre- and Post-2003 Iraq," International Peacekeeping , vol. 30, no. 5 (2023), pp. 585-610.
  4. ضابط مخابرات عراقي.)IIO 57(
  5. Iraq: A Decade of Abuses."

الطائفية المتصاعدة في ظهور بيئة خصبة للتمرد المسلح، حيث استغلت هذه الجمعات شعور التهميش لدى المكوّن السني وضعف الأجهزة الاستخباراتية الناشئة52. ظهر تنظيم القاعدة بقيادة أبي مصعب الزرقاوي (2006-1966) في ظل فراغ أمني وفوضى سياسية، مقدّمًا نفسه مدافعًا عن السنّة في مواجهة ما عدّه تهميشًا من جانب الحكومات ذات الغالبية الشيعية. واعتمدت استراتيجيته على تأجيج الصراع الطائفي عبرر استهداف المدنيين الشيعة ومقدساتهم، وكان تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006 نقطة مفصلية فجّرت موجة عنف طائفي مدمرة53. وقد كشفت تلك الحادثة عن إخفاقات استخباراتية جوهرية54، أبرزها ضعف التنسيق بين وزارة الداخلية ومديرية الاستخبارات العسكرية وفشل نشر قوات كافية لحمية الموقع55. تكررت الإخفاقات نفسها مع صعود داعش، الذي استغل الحرب الأهلية السورية والفراغ السياسي في العراق. وعلى الرغم من توافر تحذيرات متكررة من مسؤولي الجيش وقادة محليين بشأن خطر التنظيم، فإن الحكومة المركزية تجاهلتها، ليتجسد الانهيار الأمني الأكبرر بسقوط الموصل في حزيران/ يونيو 2014 وإعلان "الخلافة". مثّل هذا الحدث ذروة الفشل الاستخباراتي، حيث ساهم الفساد والطائفية والتفكك المؤسسي واختراق القوات الأمنية في انهيارٍ شبه كامل للقدرات الدفاعية للدولة56. وأظهر عجز العراق عن مراقبة تدفّق المقاتلين الأجانب وتمويل الجمعات المتطرفة محدودية قدراته الاستخباراتية العابرة للحدود، وزاد من اعتمد بغداد على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من محاولات الإصلاح اللاحقة، ظل مشهد الاستخبارات العراقي مرتهنًا للتجاذبات السياسية والولاءات الطائفية، بينم غذّى تدخّل إيران عبرر الحشد الشعبي المخاوف من إعادة إنتاج الهشاشة نفسها تحت غطاء جديد57. إنّ التنسيق غير الفعّال بين وكالات الاستخبارات العراقية التي تم إعادة تشكيلها بعد 2003 قد قوّض إلى حٍّدٍ بعيد الجهود لمكافحة تمرد القاعدة في العراق. كانت هذه الوكالات، التي كانت لا تزال في مرحلة إعادة البناء بمساعدة الولايات المتحدة، تعاني ضعف التنسيق وقدرة تشغيلية محدودة وميولًا طائفية كبيرة58. واستغل مقاتلو القاعدة ضعف هذه الأجهزة، مستخدمين الشبكات اللامركزية وتكتيكات الحرب غير المتمثلة التي تجاوزت رد الحكومة العراقية. وأدى غياب تبادل المعلومات بين الوحدات العسكرية العراقية ووزارة الداخلية والوكالات الاستخباراتية المختلفة إلى إعاقة جهود تعطيل عمليات القاعدة في العراق. وقد جرى تسليط الضوء على هذه المشكلة في تقرير صدر عام 2007، أشار إلى أنّ "مشاركة المعلومات والتعاون بين

  1. Patrick Cockburn, The Rise of Islamic State: ISIS and the New Sunni Revolution (London: Verso, 2015), pp. 24-25.
  2. Fawaz A. Gerges, The Rise and Fall of Al-Qaeda (Oxford: Oxford University Press, 2011), p. 107.
  3. Fred eric Wehrey et al., "The Iraq War and the Future of Terrorism: Lessons Learned and New Strategic Trends," in: Frederic Wehrey et al., The Iraq Effect: The Middle East After the Iraq War (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2010), pp. 105-142.
  4. ضابط في مكافحة الإرهاب (2 CTSO)، مقابلة عن بعد،.2024/10/5
  5. سقوط الموصل'.. تقرير يكشف اللغز"، الجزيرة نت، 2015/8/17، شوهد في 2025/4/9، في: https://acr.ps/1L9GPs0
  6. Exploiting Disorder: Al-Qaida and the Islamic State," Crisis Group Special Report , 14/3/2016, accessed on 3/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GQ28
  7. ضابط في مكافحة الإرهاب (2 CTSO)؛ ضابط مخابرات عراقي (12 IIO)، مقابلة عن بعد،.2022/11/7

مجتمع الاستخبارات العراقي والقوات الأمنية العراقية غير مُرْضٍ، وهو مشكلة تفاقمت بسبب المنافسة البيروقراطية وعدم الثقة بين المنظمت الاستخباراتية المكررة"59. إضافةً إلى ذلك، واجهت وزارة الداخلية العراقية تحديات تتعلق بقدرتها المحدودة على دعم خدمات الشرطة العراقية ميدانيًا60. كان التحيّز الطائفي أحد العوامل المهمة في صعود القاعدة في العراق. فقد ركزت الحكومات ذات القيادة الشيعية العديد من موارد الاستخبارات على مراقبة التهديدات المحتملة من الفصائل السياسية السنية وقمعها، بدلًا من معالجة التمرد المتطرف المتزايد في المناطق ذات الأغلبية السنية61. وسمح هذا التركيز على الخصوم السياسيين بدلًا من التهديدات المتطرفة الناشئة للقاعدة في العراق بالتمركز في مناطق استراتيجية، لا سيم في محافظة الأنبار وأجزاء أخرى من غرب البلاد. أتاح تفكك المنظومة الاستخباراتية العراقية وضعف آليات التنسيق بين مؤسساتها بيئة ملائمة لتمدد تنظيم القاعدة في المناطق ذات الغالبية السنية. فقد عملت الوكالات الاستخباراتية غالبًا بمعزل بعضها عن بعض، الأمر الذي أسفر عن تقديرات مجَّزَأة للتهديدات وفشل في بلورة استجابة موحدة وفعّالة62. ومع توسّع عمليات القاعدة، مستهدفة قوات الأمن العراقية والجنود من التحالف، أصبح غياب تبادل المعلومات الاستخباراتية موضعًا متزايدًا للمشاكل. وقد أنشأت القاعدة من خلال استخدام استراتيجي للتفجيرات والاغتيالات المستهدفة شعورًا متزايدًا بعدم الاستقرار، ما جعل فرض الحكومة العراقية سلطتها أو استقرار البلاد أمرًا صعبًا63. مثّل ظهور تنظيم داعش، عام 2014، تصعيدًا كبيرًا في أزمة العراق الأمنية. وخلفًا لتنظيم القاعدة في العراق، حقق داعش نجاحًا سريعًا من خلال استغلال غياب الاستقرار السياسي في العراق والحرب الأهلية في سورية المجاورة. وجمع داعش، بقيادة أبي بكر البغدادي (2019-1971)، بين الأيديولوجيا المتطرفة والدقّة العسكرية، ونجح في جذب مقاتلين من العديد من دول العالم، ووسّع رسالته من خلال وسائل التواصل الاجتمعي64. في حزيران/ يونيو 2014، فاجأ داعش العالم بالاستيلاء على الموصل، ثاني أكبرر مدينة في العراق، وأعلن عن إنشاء "الخلافة"65. كان النجاح السريع لداعش بمنزلة تأكيد للفشل الاستخباراتي الكبير في جهاز الأمن والاستخبارات العراقي. وقد ساهمت عدة عوامل رئيسة في هذه الإخفاقات تمثّلت في التحيزات الطائفية وتفكك خدمات الاستخبارات والفساد المستشري واختراق الوكالات الحكومية. كانت خدمات الاستخبارات التي يهيمن عليها الشيعة تركّز

  1. C. Anthony Pfaff, "Professionalizing the Iraqi Army: US Engagement after the Islamic State," Strategic Studies Institute and U.S. Army War College Press (January 2020), p. 68, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPPe
  2. U.S. House of Representatives, Committee on Armed Services, Subcommittee on Oversight and Investigations, "The Continuing Challenge of Building the Iraqi Security Forces" (2008), pp. 54-80, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPbA
  3. Andrew Tilghman, "The Myth of AQI," Washington Monthly , 1/10/2007, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPaW
  4. ضابط في مكافحة الإرهاب (1 CTSO)، مقابلة عن بعد،.2024/10/5
  5. Omar Ashour, How ISIS Fights: Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021).
  6. Ibid., pp. 39-41.
  7. Michael Weiss & Hassan Hassan, ISIS: Inside the Army of Terror (New York: Regan Arts, 2016).

على السيطرة السياسية على حساب التهديدات المتطرفة الناشئة، بينم كان غياب التنسيق بين الوكالات يُحدث ثغرات كبيرة. استغل داعش ضعف المؤسسات الأمنية في العراق، بما في ذلك الفساد المستشري واختراق الوكالات الحكومية من جانب الموالين المتطرفين. إنّ سقوط الموصل كان يمثل انهيارًا أوسع لجهاز الأمن العراقي. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة، فشلت الحكومة العراقية في إدراك حجم التهديد. وعندما شنّ داعش هجومه، انهارت القوات الأمنية العراقية بسرعة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للسيطرة الحكومية. لقد دفع صعود داعش وفقدان مساحات كبيرة من الأراضي العراقية إلى التركيز المتجدد على إصلاح الاستخبارات وتنسيق القطاع الأمني. ولهذا، بدأت الحكومة العراقية، بدعمٍ من المجتمع الدولي، في تنفيذ عدة إصلاحات رئيسة تهدف إلى تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق والقدرة التشغيلية. وأدى التحالف الدولي لهزيمة داعش، بقيادة الولايات المتحدة، دورًا محوريًا في تقديم الدعم الاستخباراتي الحيوي للعراق وتدريب الكوادر. كم أصبح دور قوات الحشد الشعبي محوريًا، على الرغم من أن تورط فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران أثار مخاوف من الطائفية والتدخل الخارجي66. إنّ التحديات الأمنية التي مثّلها تنظيم القاعدة في العراق وداعش تسلط الضوء على قضيةٍ أعمق في حكم العراق، وهي تحويل أجهزة الاستخبارات إلى أدوات لتحقيق الأغراض السياسية. إنّ الطبيعة المفككة والمسيّسة لجهاز الاستخبارات في العراق، كم يتضح من خلال عدم القدرة على التصدي بفاعلية للتهديدات المتطرفة، تُظهر التفاعل الخطير بين المؤسسات الأمنية والسلطة السياسية. هذه الديناميكية، التي يتم فيها استخدام الاستخبارات لتحقيق مكاسب حزبية بدلًا من الأمن الوطني، لها عواقب بعيدة المدى على استقرار العراق وتطور الديمقراطية فيه. ومن ثم، ينتقل النقاش في هذا السياق إلى دراسة كيفية معالجة تورط هذه الوكالات الاستخباراتية، التي جرى تصميمها لحمية الدولة، في صراعات السلطة السياسية وتقويض مهمتها الأساسية والمساهمة في تهديدات الأمن التي كان من المفترض أن تمنعها.

خامسًا: آفاق الإصلاح والتحديات المنتظرة

بينم يسعى العراق إلى تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ ديمقراطيته الهشة، يبررز إصلاح حوكمة الاستخبارات بوصفه شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار. ويتطلب هذا الإصلاح تبنّي مقاربة شاملة تعطي المساءلة المؤسسية الأولوية، بحيث تعمل الأجهزة الاستخبارية ضمن إطار قانوني واضح يخدم المصلحة الوطنية لا المصالح الفئوية. ويُعدّ تحديد اختصاصات قانونية دقيقة وإنشاء آليات رقابة فعّالة وتفعيل عمليات مساءلة مستقلة خطوات جوهرية نحو بناء قطاع استخباراتي مهني وشفاف يرسخ ثقة المجتمع ويعزز شرعية الدولة. تتمثل إحدى الركائز الجوهرية لإصلاح القطاع الاستخباري في نزع التسييسDepoliticization عن مؤسساته. إذ إنّ الحد من التدخّل السياسي في عمل الأجهزة، واعتمد معايير الجدارة في التوظيف والترقيات، وتعزيز ثقافة المهنية، تمثل خطوات أساسية لاستعادة الصدقية والفاعلية. فمن دون هذه التدابير، ستظل الاستخبارات أدوات للهيمنة السياسية بدلًا من أن تكون مصدرًا موضوعيًا لتقدير التهديدات. ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز التعاون بين الوكالات. فالمشهد الاستخباري العراقي يتسم بالتشظي، حيث تعمل

  1. FATF, Financing of the Terrorist Organisation Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL) (February 2015), accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GP7r

الوكالات المتنافسة في اتجاهات متعارضة. إن تطوير آليات مؤسسية لتبادل المعلومات وبناء الثقة بين الكيانات المختلفة شرطان لتعزيز التنسيق وتحسين جودة التقييمت الاستخباراتية، وهو ما سينعكس إيجابيًا على الأمن الوطني. ومن دون إجراء هذه الإصلاحات، سيبقى قطاع الاستخبارات في العراق عاملًا مولّدًا لعدم الاستقرار، بما يقوّض الحوكمة الفعّالة ويغذّي دوائر العنف وفقدان الثقة المجتمعية. إن إعادة توجيه الأجهزة الاستخبارية من أدواتٍ للهيمنة السلطوية إلى مؤسسات مكَّرَسة لخدمة الأمن الوطني تمثّل شرطًا أساسيًا ليس فقط لاستقرار العراق على المدى الطويل، بل أيضًا لترسيخ الديمقراطية وضمن الرفاهية المستقبلية.

المجالات الرئيسة للإصلاح

.أ وضع تفويضات قانونية دقيقة

يمثّل وضع تفويضات قانونية دقيقة لأجهزة الاستخبارات العراقية خطوة محورية في مسار الإصلاح. ذلك أنه يجب أن يحدد الإطار القانوني بوضوح أدوار هذه الأجهزة ومسؤولياتها وحدود صلاحياتها؛ بما يعزز المساءلة ويحول دون إساءة استخدام السلطة67. في الوقت الراهن، يعاني القطاع غياب الشفافية، الأمر الذي يقوّض ثقة الجمهور ويفتح المجال أمام ممرسات غير خاضعة للرقابة68. وينبغي أن تتضمن الإصلاحات القانونية نصوصًا صريحة بشأن التفويضات التشغيلية ونطاق المراقبة المسموح به والضمنات اللازمة لم عن التسييس. فقد سمح الغموض القانوني الحالي بعمل الأجهزة بدرجة عالية من الاستقلالية، بل تداخلها مع الجيش والشرطة، وهو ما أسهم في توظيف الاستخبارات لأغراض سياسية داخلية أحيانًا على حساب حقوق الإنسان69. إنّ بناء إطار قانوني واضح ومُلزِم، مصحوب بآليات إشراف صارمة، يمثّل شرطًا أساسيًا لإعادة توجيه الاستخبارات نحو خدمة الأمن الوطني لا المصالح الفئوية70.

.ب تعزيز الاحترافية يف أجهزة الاستخبارات

خلال العقدين الماضيين، اعتمد قطاع الاستخبارات العراقي اعتمدًا مفرطًا على برامج تدريبية نُظّمت في دول مجاورة، عكست في كثير من الأحيان الاصطفافات السياسية والطائفية أكثر مّما لبّت احتياجات التطوير المهني. وبدلًا من الاستثمر في بنية تحتية وطنية لتدريب الكوادر الاستخبارية، أو بناء شراكات استراتيجية مع دول ديمقراطية معروفة بالتزامها بحقوق الإنسان وبالمعايير المهنية العالية، مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة، فضّلت الحكومات العراقية المتعاقبة إرسال ضباطها إلى مؤسسات أجنبية مثيرة للجدل متهمة بانتهاكات واسعة، أو إلى جهات غير حكومية مرتبطة بالطائفية والميليشيات. ولم يُسهم

  1. Peter Gill, Intelligence Governance and Democratisation: A Comparative Analysis of the Limits of Reform (London/ New York: Routledge, 2016).
  2. مدير المخابرات العراقية الأسبق (1 INISD)، مقابلة عن بعد،.2024/12/27
  3. المرجع نفسه.
  4. جمهورية العراق، رئاسة الجمهورية ومجلس النواب العراقي، "قانون جهاز الأمن الوطني العراقي " (2021)، شوهد في 2025/9/4، في: https://acr.ps/1L9GPIx

هذا النهج في ترسيخ مهنية مستقلة وحيادية، بل عمّق اعتمد الأجهزة على قنوات تدريب مسيّسة وأضعف قدرتها على بناء ثقافة استخباراتية قائمة على الكفاءة والاحترافية. تشير المقابلات مع ضباطٍ سابقين وحاليين في جهاز الاستخبارات الوطني العراقي، ووزارة الداخلية والاستخبارات العسكرية واستخبارات الحشد الشعبي، إلى أنّ بعض أفراد الاستخبارات العراقية تلَّقَوا تدريبات على يد جمعات مثل حزب الله وأنصار الله (الحوثيون). ويثير ذلك مخاوف جدية من تعميق تسييس الأجهزة الاستخبارية العراقية وزيادة اندماجها في شبكات الميليشيات. وقد أدى هذا النمط من التدريب المرتبط بجهات غير حكومية إلى تعزيز النفوذ الخارجي داخل المؤسسات الأمنية، وجعلها أقل التزامًا تجاه الدولة وأكثر عرضة للولاءات الطائفية والفئوية. علاوة على ذلك، طالما وُجّهت إلى أجهزة الاستخبارات العراقية اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء. وقد استمرت هذه الممرسات من دون مساءلة فعلية؛ نتيجة غياب آليات مؤسسية للرقابة والافتقار إلى تدريب مهني ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. إن معالجة هذه الإشكاليات البنيوية تتطلب تحولًا جوهريًا نحو التوظيف القائم على الجدارة، بما يضمن اختيار ضباط الاستخبارات على أساس الكفاءة والنزاهة، لا على أساس الولاءات الطائفية أو الانتمءات السياسية71. إنّ إصلاح قطاع الاستخبارات العراقي وتطويره يتطلبان إيلاء الأولوية لبررامج تدريب متقدمة تركّز على تقنيات الاستخبارات الحديثة، وتحليل البيانات، والأمن السيبرراني، إلى جانب الالتزام الصارم بالأطر القانونية والمعايير الدولية. ويقتضي إقامة شراكات تدريبية مع دول ديمقراطية راسخة تُعلي سيادة القانون وتتبنى ممرسات استخبارية أخلاقية، وتطوّر استراتيجيات للأمن الوطني بعيدة عن الاعتبارات الحزبية والطائفية. من دون هذه الإصلاحات، ستبقى الأجهزة الاستخباراتية عرضة للاختراق والتلاعب الخارجي، وتفتقر إلى الصدقية والفاعلية في مكافحة الإرهاب وضمن الأمن الوطني ودعم عملية بناء الدولة. إنّ إصلاحًا مستدامًا لا يقتضي تحسين البنية التدريبية فقط، بل يتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة جديدة قائمة على المساءلة والرقابة المؤسسية والاستقلالية عن الولاءات الفئوية والتأثيرات الإقليمية.

.ج معالجة الانقسامات الطائفية والشمولية

لقد مثّلت الانقسامات الطائفية في المشهد السياسي العراقي عائقًا رئيسًا أمام تطوير أجهزة استخبارات فعّالة وموحّدة. فمنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 دمجت العديد من الميليشيات والجمعات الطائفية في، أُ مؤسسات الأمن الرسمية، ما أسفر عن سلاسل قيادة متنافرة وولاءات منقسمة72. ويُعدّ الحشد الشعبي، الذي تأسس عام 2014، مث لًا بارزًا على ذلك، إذ إنه يضمّ فصائل متعددة ذات ولاءات متباينة، بعضها مرتبط مباشرة بجهات خارجية مثل إيران. ولمواجهة هذه التحديات البنيوية، يصبح تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماجThe Disarmament, Demobilization, and Reintegration Process, DDR ضرورة

  1. Thomas C. Bruneau & Steven C. Boraz (eds.), Reforming Intelligence: Obstacles to Democratic Control and Effectiveness (Austin: University of Texas Press, 2007).
  2. T. S. Mowle, "Iraq's Militia Problem," Survival , vol. 48, no. 3 (2006), pp. 41–58.

ملحّة للحدّ من نفوذ الفاعلين غير الحكوميين على القطاع الأمني. غير أنّ نجاح هذه البررامج مرهون بقدرة الدولة على إدارة عملية تفاوض دقيقة تضمن دمج عناصر الميليشيات ضمن المؤسسات الحكومية الرسمية، مع معالجة جذور الانقسامات الطائفية التي قد تعيد إنتاج الولاءات الفئوية داخل الهياكل المؤسسية73. يُعدّ تعزيز ممرسات التوظيف الشاملة داخل أجهزة الاستخبارات ركيزة أساسية لتقليص التحيزات الطائفية وتعزيز الكفاءة التشغيلية. فمن خلال ترسيخ روح الوحدة الوطنية، يمكن هذه الأجهزة أن تخدم المصالح العامة لجميع العراقيين بدلًا من الانحياز إلى فصائل محددة، بما يسهم في تحقيق استقرار مستدام. ويشكّل التصدي للانقسامات الطائفية عبرر برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب سياسات توظيف قائمة على الشمولية والجدارة، شرطًا جوهريًا لاحترافية العمل الاستخباراتي في العراق وفاعليته. إنّ هذه الإصلاحات تمثل خطوة محورية نحو بناء مؤسسات أمنية تلتزم بالوحدة الوطنية وتستند إلى المبادئ الديمقراطية.

.د تعزيز الرقابة والمساءلة

تمثّل الرقابة الفعّالة على الأجهزة الاستخباراتية ع نصرًا جوهريًا لضمن خضوعها للمساءلة وعملها ضمن حدود القانون. ويُعدّ تعزيز دور اللجان البررلمانية المتخصصة بالأمن والاستخبارات خطوة إصلاحية رئيسة، شرط تزويدها بالموارد والاستقلالية اللازمة لتمكينها من مراجعة الأنشطة الاستخباراتية ومساءلة الوكالات. ومع ذلك، تظل فاعلية الإشراف البررلماني محدودة في السياق العراقي الراهن، حيث تستغل الفصائل السياسية، غالبًا، هذه العملية لأغراض حزبية. وإلى جانب الدور البررلماني، يمكن منظمت المجتمع المدني أن تسهم في تعزيز الشفافية من خلال رصد الأنشطة الاستخباراتية، والمناصرة لحقوق الإنسان، والإبلاغ عن الانتهاكات، والمشاركة في النقاشات العامة حول إصلاح القطاع. غير أن فاعلية هذه المنظمت تظل مشروطة بتوفير الحمية القانونية لها وضمن وصولها إلى المعلومات ذات الصلة بعيدًا عن المضايقات الحكومية74. ويُعدّ إنشاء آليات مستقلة للمساءلة شرطًا أساسيًا للتحقيق في الانتهاكات وتطبيق مبدأ سيادة القانون داخل قطاع الاستخبارات. ويمكن الإصلاحات القضائية، بما في ذلك تطوير محاكم مختصة بالنظر في قضايا سوء السلوك الاستخباراتي، أن توفر قنوات إنصاف وتضمن احترام الإجراءات القانونية الواجبة. وينبغي أن تصَّمَم هذه الهيئات على نحو يحصّنها من التدخلات السياسية، بما يعزز حياديتها وعدالتها.

.ه تعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات

يُعدّ التعاون الدولي ركيزة أساسية لدعم إصلاح قطاع الاستخبارات العراقي وبناء قدراته المؤسسية. ذلك أنّ الحكومات الأجنبية والمنظمت الدولية والمنظمت غير الحكومية يمكنها أن توفر الدعم عبرر المساعدة التقنية وتبادل الخبررات وتقديم الموارد والتدريب المتخصص. وينبغي أن تصمّم هذه الشراكات على نحو يعزز قدرة

  1. Andrew Mumford, "Disarmament, Demobilisation and Reintegration (DDR) after Proxy Wars: Reconceptualising the Consequences of External Support," Third World Quarterly , vol. 42, no. 12 (December 2021), pp. 2956–2973.
  2. Janine Rauch, "Civil Society and Security Sector Oversight," African Security Review , vol. 20, no. 4 (November 2011), pp. 21–33.

العراق في مواجهة التهديدات الأمنية المعقدة، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وفي الوقت ذاته يرسّخ إصلاحات الحوكمة المتوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وسيادة القانون75. ومع ذلك، يبقى من الضروري أن تراعي أيّ مساعدة دولية سيادة العراق، وأن تنسجم مع أولويات الإصلاح الوطنية. ويجب أن تُصَمَّم البررامج لتلبية احتياجات العراق الفعلية بما يضمن استدامة الإصلاحات وفاعليتها على المدى الطويل76. ويُعدّ بناء القدرات المحلية، لا سيم تطوير الخبررات الفنية في مجالات مثل الاستخبارات السيبررانية ومكافحة الإرهاب، أمرًا أساسيًا لتمكين العراق من التعامل مع تحدياته الأمنية بقدراته الذاتية. إنّ تطوير بروتوكولات لتبادل المعلومات الاستخبارية مع الدول المجاورة والشركاء الدوليين يمكن أن يعزز قدرة العراق على مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود. غير أن هذا التعاون يواجه عقبات رئيسة تتعلق ببناء الثقة وضمن حمية المعلومات الحساسة. وفي سياق التعقيدات التي تفرضها الجغرافيا السياسية الإقليمية، خاصة مع تأثيرات إيران وتركيا والسعودية، يتعّين على العراق أن يوازن بدقة بين شراكاته الدولية، بحيث يحافظ على مصالحه الوطنية ويصون استقلالية سياسته الخارجية. على الرغم من الاعتراف الواسع بأهمية إصلاح قطاع الاستخبارات في العراق، فإنّ ترجمة هذه الحاجة إلى إصلاحات فعلية ما زالت تواجه سلسلة من التحديات البنيوية. فالصراعات السياسية والطائفية العميقة، إلى جانب الفساد المستشري والمصالح الراسخة للنخب المستفيدة من الوضع القائم، تُضعف أيّ مساعٍ لتأسيس جهاز استخبارات مهني وخاضع للمساءلة. ويعقّد فقدان الثقة بين الفصائل السياسية، والتدخلات الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق أجنداتها الاستراتيجية، عملية الإصلاح ويحدّ من فاعليتها. وقد أسفر هذا المشهد عن تكريس نظام تعمل فيه أجهزة الاستخبارات غالبًا باعتبارها أدوات تخدم المصالح السياسية الضيقة، بدلًا من أن تضطلع بدورها بوصفها حارسًا محايدًا للأمن الوطني. تشير المبادرات الدبلوماسية إلى تزايد إدراك الحكومة العراقية أهمية الاستخبارات الاستراتيجية في السياسة الخارجية. فقد عكست زيارة مدير الاستخبارات العراقي الجديد دمشق في بداية ولايته تحولًا نحو ما يمكن تسميته دبلوماسية الاستخبارات، حيث يُنظر إلى التعاون الاستخباراتي باعتباره أداةً لتعزيز الحضور الدولي ودعم الأمن الوطني77. ويمكن أن تؤدي أجهزة الاستخبارات دورًا حاسمًا في بناء الجسور وتسهيل التواصل السري في السياقات الجيوسياسية الحساسة78. وفي السياق العراقي، تهدف هذه المشاركة إلى توسيع تبادل المعلومات في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، فضلًا عن إتاحة فرص للتعاون الاقتصادي، بما يعكس توجهًا نحو سياسة خارجية أكثر نشاطًا وتوازنًا.

  1. Sir Stephen Lander, "International Intelligence Cooperation: An Inside Perspective," Cambridge Review of International Affairs , vol. 17, no. 3 (October 2004), pp. 481–493.
  2. Lawrence E. Cline, "African Regional Intelligence Cooperation: Problems and Prospects," International Journal of Intelligence and Counterintelligence , vol. 29, no. 3 (2016), pp. 447–469.
  3. Iraq Makes First Official Contact with New Syrian Administration," Ashark Al-Awsat , 27/12/2024, accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPtX
  4. David Omand, Securing the State (London: C. Hurst & Co., 2010).

لم تعد الاستخبارات مقتصرة على جمع الأسرار، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل التفاعلات الدولية وصياغة بيئات جيوسياسية جديدة79. فدمج القدرات الاستخباراتية ضمن الجهود الدبلوماسية ينسجم مع اتجاه عالمي أوسع يعيد توظيف وكالات الاستخبارات لخدمة أهداف السياسة الخارجية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. إنّ ترسيخ هذا النهج في العراق ضمن منظومة قائمة على المساءلة والشفافية، قد يسهم في تعزيز المكانة الجيوسياسية للبلاد ويشكّل ركيزة لاستقرارها على المدى الطويل80. على الرغم من التحديات البنيوية العميقة، فإنّ ثمة فرصًا حقيقية لإصلاح قطاع الاستخبارات في العراق. فتصاعد المطالب الشعبية بالشفافية والمساءلة، إلى جانب الاعتراف المتزايد بأهمية مؤسسات أمنية مهنية، والدعم الدولي المستمر، تفتح كلها نافذة مواتية للتغيير. ويُعدّ إقرار قانون جهاز الاستخبارات الوطني العراقي لعام 2025 خطوة أولى مهمة، غير أن فاعليته تظل رهينة دقة التنفيذ، ونجاعة آليات الإشراف، وقدرة القيادة السياسية على تخطّي الانقسامات الحزبية والطائفية. وسيعتمد النجاح المستدام على بناء توافق وطني حول رؤية مشتركة للأمن، وترسيخ التوظيف القائم على الجدارة، وضمن أن تعمل الأجهزة الاستخبارية لخدمة الدولة ومصالحها العليا لا لفائدة مصالح الفئات الضيقة. وإذا ما تمكّن العراق من اجتياز هذه التعقيدات، فإنّ إصلاح الاستخبارات يمكن أن يمثّل رافعة لتعزيز الأمن الوطني، وترسيخ أسس الحوكمة الديمقراطية، وتعزيز شرعية الدولة.

خاتمة

يجسّد مسار تطوّر أجهزة الاستخبارات العراقية، من أدوات للسيطرة الاستبدادية في عهد صدّام حسين إلى كيانات مفككة في مرحلة ما بعد عام 2003، الصراع الأوسع الذي تخوضه الدولة العراقية في مجاَلي الحكم والأمن. لقد بيّنت الدراسة إسهام التراكمت التاريخية والتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية في صياغة المشهد الاستخباري الراهن. في ظل النظام البعثي، كان لأجهزة، مثل المخابرات والأمن العام، دورٌ محوري في تثبيت النظام السياسي وبقائه، فقد حظي بقاؤه بأولوية على حساب الأمن الوطني. وأدى هذا التركيز المفرط على المركزية والتسييس إلى تكريس ثقافة الخوف وتشويه تدفق المعلومات، وأسفر في النهاية عن إخفاقات استراتيجية، أبرزها العجز عن التنبؤ بالغزو الأميركي عام.2003 أمّا بعد عام 2003، فإنّ تفكيك مؤسسات البعث من دون وضع استراتيجية واضحة لإعادة البناء عمّق الثغرات البنيوية. وقد أتاح الفراغ المؤسسي نشوء هياكل استخبارية موازية مرتبطة بولاءات طائفية وسياسية وخارجية، الأمر الذي قوّض الأمن الوطني، وأعاق مكافحة التمرد والإرهاب ضد تنظيمت مثل القاعدة في العراق وداعش، وأسهم في تقويض ثقة الشعب العراقي بالدولة. ولا يزال تسييس أجهزة الاستخبارات يمثّل تحديًا جوهريًا، إذ إنها استُخدمت مرارًا أدوات للصراع السياسي أكثر منها مؤسسات لإنتاج تقييمت موضوعية للتهديدات ولتنفيذ مهمتها الأخرى بحسب القانون. ثمّ إنّ

  1. Loch K. Johnson (ed.), Strategic Intelligence: Understanding the Hidden Side of Government (Westport, CT: Praeger Security International, 2007).
  2. Peter Gill & Mark Phythian, Intelligence in an Insecure World , 3 rd (ed.) (Cambridge/ Medford, MA: Polity, 2018).

استمرار الانقسامات الطائفية والتأثيرات الإقليمية يعقّد بصورة أكبرر أيّ جهود إصلاحية. ومع ذلك، فإّن تصاعد المطالب الشعبية بالشفافية والاحترافية يفتح نافذة محتملة للتغيير. تقف الأجهزة الاستخباراتية العراقية اليوم عند مفترق طرق. فهي لا تزال مثقلة بإرث الاستبداد من جهة، وبالفوضى التي أعقبت الغزو من جهة أخرى. وعلى الرغم من بروز بعض مؤشرات التحسّن، فإنّ التدخلات السياسية والانقسامات المؤسسية ما زالت تشكّل عقبات رئيسة. وفي هذا السياق، يمثّل إقرار قانون جهاز المخابرات الوطني العراقي لعام 2025 محطة مفصلية يمكن أن تضع إطارًا قانونيًا للإصلاح، غير أنّ نجاحه سيعتمد بالدرجة الأولى على التطبيق العملي والرقابة الفعّالة81. ختامًا، إنّ تحويل أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية إلى قطاع مهني خاضع للمساءلة والشفافية يمثّل شرطًا أساسيًا لاستقرار الدولة على المدى الطويل، وترسيخ المسار الديمقراطي. وتؤكد الدراسة أنّ حوكمة الأمن والاستخبارات في العراق لا يمكن فصلها عن التفاعل المعقّد بين العوامل التاريخية والسياسية والخارجية، بما يجعل التجربة العراقية مث لًا مهًّما لدراسة إصلاح الأجهزة الأمنية في سياقات ما بعد النزاع.

  1. جمهورية العراق، مجلس النواب، "قانون جهاز المخابرات الوطني"، الجلسة 2، 2025/1/19، شوهد في 2025/9/4، في: https://acr.ps/1L9GPVp

المراجع

العربية

الجميلي، سالم. المخابرات العراقية 2003-1968: أسوار وأسرار. أبوظبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث،.2023 عبد القادر، شامل. ظاهرة الشقاوات في الأحزاب السياسية في العراق: حزب البعث العربي الاشتراكي... أنموذجًا. بيروت: دار البيضاء،.2015

الأجنبية

Ashour, Omar. How ISIS Fights: Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021.

Betts, Richard K. Enemies of Intelligence: Knowledge and Power in American National Security. New York: Columbia University Press, 2007.

Blaydes, L. State of Repression: Iraq Under Saddam Hussein. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018.

Bruneau, Thomas C. & Steven C. Boraz (eds.). Reforming Intelligence: Obstacles to Democratic Control and Effectiveness. Austin: University of Texas Press, 2007.

Capoccia, G. & R. D. Kelemen. "The Study of Critical Junctures: Theory, Narrative, and Counterfactuals in Historical Institutionalism." World Politics. vol. 59, no. 3 (2007).

Cline, Lawrence E. "African Regional Intelligence Cooperation: Problems and Prospects." International Journal of Intelligence and CounterIntelligence. vol. 29, no. 3 (2016).

Cockburn, Patrick. The Rise of Islamic State: ISIS and the New Sunni Revolution. London: Verso, 2015.

Cordesman, Anthony H. Iraqi Security Forces: A Strategy for Success. Westport, CT: Praeger Security International, 2005.

De Graaff, Bob (ed.). Intelligence Communities and Cultures in Asia and the Middle East: A Comprehensive Reference. Boulder, CO/ London: Lynne Rienner Publishers, 2020.

Diamond, Larry. Squandered Victory: The American Occupation and the Bungled Effort to Bring Democracy to Iraq. New York: Times Books, 2005.

Dodge, Toby. Iraq: From War to a New Authoritarianism. Adelphi Series. London: Routledge, 2013.

FATF. Financing of the Terrorist Organisation Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL). February 2015. at: https://acr.ps/1L9GP7r

Felter, Joseph H. & Brian Fishman. "Iranian Strategy in Iraq: Politics and 'Other Means'." Occasional Paper Series. Combating Terrorism Center at the U.S. Military Academy.

Gerges, Fawaz A. The Rise and Fall of Al-Qaeda. Oxford: Oxford University Press, 2011. Gill, Peter & Mark Phythian. Intelligence in an Insecure World. 3 rd ed. Cambridge/ Medford, MA: Polity, 2018.

Gill, Peter. Intelligence Governance and Democratisation: A Comparative Analysis of the Limits of Reform. London/ New York: Routledge, 2016.

Gordon, Michael R. & Bernard E. Trainor. The Endgame: The Inside Story of the Struggle for Iraq, from George W. Bush to Barack Obama. New York: Pantheon Books, 2012.

Graham-Brown, Sarah. Sanctioning Saddam: The Politics of Intervention in Iraq. London/ New York: I.B. Tauris in Association with MERIP/ Distributed by St. Martin's Press,

Hall, P. A. & R. C. R. Taylor. "Political Science and the Three New Institutionalisms." Political Studies. vol. 44, no. 5 (1996).

Herman, Michael. Intelligence Power in Peace and War. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

Hooker, Richard D., Jr. et al. (eds.). Lessons Encountered: Learning from the Long War. Washington, DC: National Defense University Press, 2015.

Johnson, Loch K. (ed.). Strategic Intelligence: Understanding the Hidden Side of Government. Westport, CT: Praeger Security International, 2007.

Knights, M., H. Malik & C. Smith. "How Tehran-Backed Terrorist Organisations and Militias Captured the Iraqi State." CTC Sentinel. vol. 16, no. 11 (December 2023). at: https://acr.ps/1L9GPek

Lander, Sir Stephen. "International Intelligence Cooperation: An Inside Perspective." Cambridge Review of International Affairs. vol. 17, no. 3 (October 2004).

Luizard, P. J. The Shia Question in the Middle East. London: Hurst Publishers, 2021.

Mahoney, J. "Path Dependence in Historical Sociology." Theory and Society. vol. 29, no. 4 Makiya, Kenan. Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq. Berkeley: University of California Press, 2016.

Mako, Shamiran. "Divided Opposition, Fragmented State Building: Elite Bargaining in Pre- and Post-2003 Iraq." International Peacekeeping. vol. 30, no. 5 (2023).

Mowle, T. S. "Iraq's Militia Problem." Survival. vol. 48, no. 3 (2006).

Mumford, Andrew. "Disarmament, Demobilisation and Reintegration (DDR) after Proxy Wars: Reconceptualising the Consequences of External Support." Third World Quarterly. vol. 42, no. 12 (December 2021).

Omand, David. Securing the State. London: C. Hurst & Co., 2010.

Peters, B. Guy. Institutional Theory in Political Science: The New Institutionalism. 3 rd ed. London: Continuum International Publishing Group, 2012.

Pfaff, C. Anthony. "Professionalizing the Iraqi Army: US Engagement after the Islamic State." Strategic Studies Institute and U.S. Army War College Press, January 2020. at: https://acr.ps/1L9GPPe

Pfiffner, James P. "US Blunders in Iraq: De-Baathification and Disbanding the Army." Intelligence and National Security. vol. 25, no. 1 (2010).

Pierson, P. "Increasing Returns, Path Dependence, and the Study of Politics." American Political Science Review. vol. 94, no. 2 (2000).

Rathmell, Andrew. "Syria's Intelligence Services: Origins and Development." Journal of Conflict Studies. vol. 16, no. 2 (1996).

Rauch, Janine. "Civil Society and Security Sector Oversight." African Security Review. vol. 20, no. 4 (November 2011).

Religion, Violence, and the State in Iraq. POMEPS Studies 35. October 2019. at: https://acr.ps/1L9GPJM

Sassoon, Joseph. Saddam Hussein's Ba ʿ th Party: Inside an Authoritarian Regime. Cambridge: Cambridge University Press, 2011.

Sirrs, Owen L. The Egyptian Intelligence Service: A History of the Mukhabarat, 1910–2009. London/ New York: Routledge, 2010.

Streeck, Wolfgang & Kathleen Thelen (eds.). Beyond Continuity: Institutional Change in Advanced Political Economies. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Tripp, Charles. A History of Iraq. 3 rd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. U.S. House of Representatives, Committee on Armed Services, Subcommittee on Oversight and Investigations. "The Continuing Challenge of Building the Iraqi Security Forces." (2008). at: https://acr.ps/1L9GPbA

Wedel, Janine R. Collision and Collusion: The Strange Case of Western Aid to Eastern Europe, 1989–1998. New York: St. Martin's Press, 1998.

Wehrey, Frederic et al. The Iraq Effect: The Middle East After the Iraq War. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2010.

Weiss, Michael & Hassan Hassan. ISIS: Inside the Army of Terror. New York: Regan Arts, Witty, David. "The Iraqi Counter Terrorism Service." Center for Middle East Policy at Brookings (June 2016). at: https://acr.ps/1L9GPvC