تراجع الحراك الشبكي العربي بين سياسات الاستبداد الرقمي والانضباط الذاتي
The Decline of Arab Network Activism Amid Digital Authoritarianism or Self-Restraint
الملخّص
ملخص: تتناول هذه الدراسة مسألة تراجع الحراك الشبكي العربي، متسائلةً عمّا إذا كان تراجعه ناجمًا عن صعود استبدادٍ رقمي تستعيد من خلااله الأنظمة السيطرة على الفضاءات الشبكية، أم كان نتيجةً لانضباط ذاتي يتبناه الأفراد تأثّرًا بالخوف من المراقبة. وتوضح كيفية تفاعل " كتنولوجيا الذات" مع بنى السلطوية العربية بعد الربيع العربي، في ظلّ تصاعد سرديات التتبع الخوارزمي وجمع البيانات وتبادلها بين الدول والشركات. وتخلص إلى أن التراجع الراهن نتاج تفاعل ثلااث آليات: استبداد آلي تديره منظومات كتنولوجية لاشخصية، وانضباط ذاتي يمارسه المستخدم خوفًا من التتبع، واستبداد تشاركي تمارسه نخب كتنولوجية وسياسية تتحكم في تدفق المحتوى ومسارات الرأي العام. وتُظهر الدراسة كذلك أن علااقة السلطة بالرقابة لم تعد عمودية أو مؤسساتية فحسب، بل باتت أيضًا علااقة تواطؤ خفي يشارك فيها المستخدم نفسه عبر حضوره الطوعي؛ ما أضعف الفعل الجماعي وعمّق ملاامح السلطوية الرقمية، على الرغم من بقاء هامش ضئيل لإعادة توظيف المعرفة التقنية في مواجهة رأسمالية المراقبة.
Abstract
Abstract: The study examines whether the decline of Arab network activism is driven by the rise of digital authoritarianism through which regimes have reasserted control over online spaces or by increasing self-restraint among users shaped by fears of surveillance. It highlights how "technologies of the self" have become intertwined with authoritarian structures in the post–Arab Spring era, reinforced by narratives of algorithmic tracking, data collection, and data exchange between states and corporations. The study finds that this decline stems from three intersecting mechanisms: algorithmic, impersonal systems of control; user self-discipline rooted in fear; and participatory authoritarianism exercised by technological and political elites who shape content flows and public opinion. It further shows that surveillance now operates through a subtle form of collusion in which users participate voluntarily. This dynamic has weakened collective action and deepened digital authoritarianism, though a narrow margin remains for leveraging technical knowledge to resist surveillance capitalism.
- الاستبداد الرقمي
- بانوبتيكون
- الذكاء الاصطناعي
- كتنولوجيا الذات الحديثة
- رأسمالية المراقبة
- استعادة الشوارع
- Digital Authoritarianism
- Panopticon
- Artificial Intelligence
- Technologies of the Self
- Surveillance Capitalism
- Reclaiming the Streets
صعود استبدادٍ رقمي تستعيد من خلااله الأنظمة السيطرة على الفضاءات الشبكية، أم كان نتيجةً لانضباط ذاتي يتبناه الأفراد تأثّرًا بالخوف من المراقبة. وتوضح كيفية تفاعل " كتنولوجيا الذات" مع بنى السلطوية العربية بعد الربيع العربي، في ظلّ تصاعد سرديات التتبع الخوارزمي وجمع البيانات وتبادلها بين الدول والشركات. وتخلص إلى أن التراجع الراهن نتاج تفاعل ثلااث آليات: استبداد آلي تديره منظومات كتنولوجية لاشخصية، وانضباط ذاتي يمارسه المستخدم خوفًا من التتبع، واستبداد تشاركي تمارسه نخب كتنولوجية وسياسية تتحكم في تدفق المحتوى ومسارات الرأي العام. وتُظهر الدراسة كذلك أن علااقة السلطة بالرقابة لم تعد عمودية أو مؤسساتية فحسب، بل باتت أيضًا علااقة تواطؤ خفي يشارك فيها المستخدم نفسه عبر حضوره الطوعي؛ ما أضعف الفعل الجماعي وعمّق ملاامح السلطوية الرقمية، على الرغم من بقاء هامش ضئيل لإعادة توظيف المعرفة التقنية في مواجهة رأسمالية المراقبة.
كلمت مفتاحية: الاستبداد الرقمي، بانوبتيكون، الذكاء الاصطناعي، كتنولوجيا الذات الحديثة، رأسملية المراقبة، استعادة الشوارع.
مقدمة
ساد اعتقاد مفاده أن الفضاءات الرقمية/ الافتراضية التي تبنيها شبكة الإنترنت تتيح إمكانات غير مسبوقة للمجتمعات والأفراد، خاصة ما ارتبط منها بالحرية والمساواة والديمقراطية. وقد اعُتبُررت هذه الفضاءات عاملًا أساسيًا لصعود الحركات الاجتمعية الشبكية، وبخاصة في دول الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. وفي مقابل ذلك، كانت ملامح تقييد خيارات الأفراد وفقدانهم الاستقلالية تتصاعد، مع اتساع قدرة أجهزة الأمن والاستخبارات، وكذا المنصات التكنولوجية العالمية، على جمع البيانات وتحليلها، فضلًا عن الآثار التي يتركها هؤلاء الأفراد في شبكة الإنترنت، وتحكمية بروتوكولات الأمان، وخوارزميات المراقبة والفرز الاجتمعي. لا يعترف هذا الوضع - الذي ينحو بالمراقب إلى التشاؤم - بهذه الفضاءات، إلا من حيث هي نسخة معدّلة تكنولوجيًا أو مُعاد إنتاجها (بحسب بيير بورديو) من أجل تعزيز بنى الدولة السلطوية، ضمن سياق اجتمعي وسياسي واقتصادي، ينحو إلى التركيز على علاقات المراقبة: السلطة، والنظام. وفي إطاره، تطرح الدراسة تساؤلها: أكان مرَدّ انكمش الحراك الاجتمعي العربي الراهن، أو تحلّله، إلى أحد أشكال الاستبداد الرقمي، الذي تفرضه الأنظمة والقوى الاجتمعية على أشكال الحضور الشبكي، أم أنّ مرَدّه إلى انضباط الأفراد ذاتًّيًا، القائم على الحذر وضبط النفس عند التعبير عن الآراء أو خلال التفاعل مع ما ينشر؟ يمثّل هذا الانضباط نمطًا آخر من التكنولوجيا، أو ما يُنعت ب "تكنولوجيا الذات الحديثة" Self the of Technologies، ويحيل على السؤال الآتي: أكان الواقع الاجتمعي الجديد في البلدان العربية التي شهدت انتفاضات وثورات راجعًا أساسًا إلى بنى الدولة العربية السلطوية - التي حاولت بعد ثورات الربيع العربي استعادة السيطرة الاجتمعية على الشوارع والفضاءات - أم إلى خيارات الأفراد الذاتية (على ما يبدو في الظاهر)، الناتجة من تنامي أشكال الدعاية المتعلقة بالمراقبة الرقمية، وقدرة خوارزميات الإنترنت على كشف الهويات والتنبؤ بالسلوكيات، وجمع البيانات وحفظها، بل تبادل منافعها في إطار سلع وهمية بين الأنظمة والشركات؟ تعتمد الدراسة التثليث المنهجي، الذي يجمع بين التحليل النظري النقدي عبرر مراجعة الأدبيات العلمية في موضوع المراقبة الرقمية، والتحليل الشبكي النوعي القائم على الملاحظة والمتابعة الميدانية للفعل الجمعي الشبكي، مع الحفاظ على استقلالهم المنهجي، بحيث يقدّم كل مسار نوعًا مختلفًا من التحليل، ثم في مرحلة ثالثة يجري دمج المنهَجيَن وفقًا لآلية التثليث التحليلي. وتستند الدراسة إلى ما قدّمه ميشال فوكو Foucault Michel بشأن تطوّر آليات المراقبة والضبط في المجتمع الحديث، وبخاصة مفهومه عن البانوبتيكون Panopticon الذي استعاره من جيرمي بنثام Bentham Jeremy، والذي سيجري توظيفه في تحليل أشكال المراقبة الرقمية الحديثة السائدة في الفضاء الشبكي العربي. إضافة إلى ذلك توظّف الدراسة مفاهيم أخرى لعدد من الفلاسفة وعلمء الاجتمع، وتتتبّع تجلي أفكارهم في السياقات الرقمية العربية عبرر أمثلة مختارة. وتستند الدراسة، أيضًا، إلى مراجع متخصصة وكتب ومقالات منشورة مرتبطة بالمراقبة، والرأسملية الرقمية، والسلطوية الرقمية في المنطقة العربية، فضلًا عن مصادر ثانوية داعمة للتحليل تتمثّل في تقارير منظمت حقوقية ودولية.
في الإمكان ردّ هذا المفهوم إلى ميشيل فوكو الذي استعمله في معرض الإشارة إلى جملة الممارسات والتقنيات التي يستخدمها الأفراد، خلال تشكيل هوياتهم وضبط سلوكهم، وفقًا لمعايير المجتمع وقيمه. وفي السياق الحديث، امتد المفهوم ليشمل أيضًا استخدام التكنولوجيا الرقمية في بناء الذات وعرضها على الشبكات. ينظر: ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1990
تتضمن الدراسة ثلاثة أقسام: يهتم أولها بالإطار النظري والمفاهيمي المتعلق بتطوّر آليات المراقبة والضبط في المجتمع الحديث، بينم يعالج ثانيها ما يتصل بخلق بيئات اجتمعية استبدادية قائمة على متلازمة السلطة/ المعرفة (استبداد آلي، وانضباط ذاتي، واستبداد تشاركي). أمّا القسم الثالث، فنخصصه للنظر فيم وراء دينامية المراقبة الرقمية؛ التي كان من نتائجها اتجاه جل الأنظمة العربية إلى استعادة الشوارع وإعمل آليات الضبط الاجتمعي، وظهور أشكال من الهشاشة والضعف (المجتمع غير المحصن)، وتعدد المراقبين وتداخل أدوارهم.
أولًا: انضباط حداثوي: من الموقعي إلى الشبيك
مثّل ظهور المجتمع التأديبي لحظة مفصلية في تاريخ الحداثة؛ إذ انتقلت السلطة من عقاب الأجساد إلى مراقبتها وضبطها داخل فضاءات مغلقة وممأسسة. وقد قدّم فوكو هذا التحوّل، بوصفه تشكّلًا جديدًا للسلطة، يعتمد على آليات دقيقة للمراقبة المستمرة. وهي الحالة التي تجسّدها هندسة البانوبتيكون التي صمّمها بنثام، وفيها يصبح الفرد مرئيًا كليّا أمام سلطة غير مرئية. لم يقتصر هذا النموذج على السجون،
بل امتد ليؤطر منطق المؤسسات الحديثة، مثل المدارس والمصانع والمستشفيات والثكنات، مشكّلًا شبكة انضباطٍ تُعيد تشكيل الجسد الفردي والجمعي، وذلك وفقًا لمتطلبات الدولة الحديثة والرأسملية. وفي هذا السياق، تبلور منظور جديد للسلطة يقوم على تنظيم السلوك وتطبيعه، وتحوّلت المراقبة إلى بنية أساسية في إدارة الحياة الاجتمعية. ومن هذا المنطلق، يهدف هذا القسم إلى تتبع صعود المجتمع التأديبي، وتفسير كيفيات اشتغال آليات الانضباط داخل فضاءات موقعية، شكّلت الأساس النظري لقراءة المراقبة في عالم ما قبل الشبكات.
1. صعود المجتمع التأديبي: سجون بانوبتيكون موقعية
أوضح فوكو سياق ولادة السجن في الفترة المعاصرة، والانتقال من الجسد المعاقَب/ المعَّذَب، الذي ساد سابقًا كم في حالة "داميان"، إلى مرحلة الجسد المنضبط/ المراقَب داخل السجن. واعتبرر أن "هذا الفضاء المغلق، المقطوع، المراقَب من كل جوانبه، حيث يُحشر الأفراد ضمن مكان ثابت، حيث تُراقب فيه أقل حركة، وتُسجل كل الأحداث، وُتامرس السلطة بدون مشاركة"، ضمن فضاء موقعي ثابت ومُهيكل في إطار نوع من "البانوبتيكونية". وقد سمحت هذه الحالة بالانتقال "من مرحلة الجسد باعتباره قوة إنتاج، أو قوة عمل مادي فحسب، إلى ذلك الجسد المسيس الذي ينبغي ضبطه اقتصاديًا واجتمعيًا". وبدخول هذه المرحلة من تاريخ المجتمعات الإنسانية، "يكون المجتمع الحديث قد أعاد تشكيل بنيته الاجتمعية ضمن شبكية الانضباط المُعقلن لكل مؤسساته ونشاطاته"؛ إنه انضباط حداثوي مفرط في عقلانيته، نازع إلى زيادة السيطرة والرقابة على الفاعلية الإنسانية من الجسد الفردي إلى الجسد الجمعي، و العكس صحيح أيضًا، وهو ما أكده أنتوني غيدنز Giddens Anthony في معرض حديثه عن سمت رئيسة للحداثة المتأخرة، رآها متمفصلة في أربعة تكتلات مؤسسية: الرأسملية، والتصنيع، والقدرة على المراقبة
2 المرجع نفسه، ص 208. 3 المرجع نفسه، ص 34. 4 المرجع نفسه، ص 35.
وجمع المعلومات، ومركزية وسائل العنف. وقد حدث ذلك، حينم أدركت البررجوازية، في لحظة تعاظم نفوذها، أن الدستور أو التشريع الجديد لن يكون كافيًا لضمن هيمنتها؛ فهي تدرك أنها يجب أن تبتكر تكنولوجيا جديدة تضمن تأثير السلطة في الجسم الاجتمعي بأسره، حتى أصغر جزئياته. لقد أتاح هذا البناء الهندسي بناء مؤسسات نموذجية، تكون خاضعة لسيطرة كاملة للمجتمع الانضباطي الذي بدأ في التمدد، انسجامًا مع احتياجات المجتمع الرأسملي الناشئ ومصالح البررجوازية. وهكذا، امتد الانضباط الحداثوي ليُعمّم - بحسب فوكو - على السجون والمستشفيات والمصانع والمدارس والثكنات العسكرية، التي وضعت كلّها في إطار سيادة المشرف الذي "تتشكل ماهيته، إذًا، من مركزية المُراقِب، مقترنة بالاشتقاقات المعروفة والأكثر فعالية، من دون أن يكون مرئيًا". ومن ثمّ، فإن كل فرد داخل البانوبتيكون مُتابَع ومَرئي بالنسبة إلى المُراقِب، في حين أنه لا يستطيع رؤية مراقِبه أو الاتصال برفاقه. اعتبرر هذا الوضع مفيدًا جًّدًا، واقتصاديًا من حيث التكلفة والجهد والوقت؛ إذ لو كان "الموقوفون محكومين، فلا خوف من وجود مؤامرة، محاولة هروب جمعية، مشروع جرائم جديدة للمستقبل، تأثيرات سيئة متبادلة. فإذا كانوا مجانين، فلا خوف من خطر العنف المتبادل. كانوا مرضى، فلا خوف من العدوى. فإذا كانوا أطف لًا فلا خوف من النقل، ومن الضجة، ولا من الثرثرة، ولا من التبديد. فإذا كانوا عاّمالًا، فلا مشاجرات، ولا سرقات، ولا تحالفات، ولا لهو من شأنه تأخير العمل، وجعله أقل كملًا أو إثارة للمشاكل". إن هؤلاء (أكانوا لااًامعّاا مأ، لا فطأ مأ، ضرىم مأ، ينناجم مأ، يفنوقوم... خلإ)امًامت نوكردي اوراص، يلامع وحن لعىو، ام ةظحل في أنهم مراقبون من كل زاوية وفي كل لحظة. ولذلك، أخذوا يتصرفون طواعية ضمن نوع من الانضباط الذاتي المتوقع منهم، وفق مواصفات محددة يبلّغها المراقبون ويذكرون بها باستمرار. ولذلك، اعُتبُرر عمل فوكو المتعلق بالبانوبتيكون مهّمًا في وصف ماهية الانضباط الحداثوي، وتطوّر المؤسسات التأديبية في المجتمعات الغربية، منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ إذ قاد مؤَّلَفه صعود المجتمع التأديبي الحديث المنظرين الاجتمعيين إلى أخذ المراقبة في حد ذاتها على محمل الجد؛ باعتباره مفهومًا تأسيسيًا في دراسات المراقبة الحديثة وتحليل القدرات المتزايدة على التطفّل والسيطرة على حياة الآخرين، ضمن مجال رؤية موقعية وزمنية ضيقة تسمح للعين البشرية بالإحاطة بها، والسيطرة عليها في إطار موقعي مادي، بحدود واضحة قابلة للحصر والتعيين.
2. شبكات اجتمعية أم سجون بانوبتيكون رقمية؟
حاول فوكو أن يبّين كيف أنّ مؤسسات موقعية، ضمن بيئات مادية صلبة من قبيل السجون والمستشفيات والمدارس والمصانع، أدّت دورًا متزايدًا في مراقبة أفراد المجتمع وضبطهم والسيطرة عليهم؛ إذ "تتكرر في كتاباته الفكرة القائلة إن العلاقة بين السلطة والمعرفة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتقانات الرقابة، وتطبيق
أنتوني غيدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، ط 4 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2005 Jeremy Bentham, The Panopticon Writings , Miran Božovi č (ed.) (London: Verso, 1995) p. 43. 7 فوكو، ص.210 David Lyon, The Electronic Eye: The Rise of Surveillance Society (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1994
القانون وفرض الانضباط"، لأن ذلك من سمت المجتمع الحديث، ومكوّن أساسي للحداثة، بل إنها تتقاطع واقعيًا مع جميع جوانب الحداثة، حيث كانت ضرورية لعمل المشاريع الرأسملية التي شكّلت الخلفية التاريخية للمجتمع الحديث: المجتمع المعلوماتي/ الشبكي. فقد وجد أرمان ماتيلار Mattelart Armand أنّ "الاضطرابات السياسية والعسكرية التي سادت الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة فيم بعد، والتي احتدمت تجاذباتها خلال جيل الستينيات والسبعينيات، أدت إلى ظهور آلات وأجهزة ذكية انتقلت من النظام الميكانيكي إلى الإلكتروني". وفي الاتجاه نفسه، "كانت 'أزمة الحضارة' هي التشخيص الذي عّبر عنه عام 1978 تقريرٌ عن الحوسبة قدّمه سيمون نورا Nora Simon وآلان مينك Minc Alain إلى الرئيس الفرنسي، واعُتبُرر حينها "وثيقة رسمية تأهلت لتصير إسنادًا دوليًا"، وكان سيناريو الخروج من الأزمة الذي قدّمه الباحثان هو "مجتمع المعلومات" القادر وحده على وضع حٍّدٍ ل "مركزية تنتقد علنًا ويُطالب بها في غموض، ينبغي أن تعطّل دينامياتُ التكنولوجيا الجهازَ العصبي للمنظمت وللمجتمع بأكمله". وفي إطار البحث عن مخرج للأزمات المتتالية التي كان النظام العالمي يواجهها، توجّهت المجتمعات المعاصرة حثيثًا إلى تبنّي تكنولوجيا المعلومات على نحو متزايد. وصار يوصف ب "مجتمع المعلومات"، ذلك المجتمع الذي يستمد حضوره من هذه التكنولوجيا المهيكلة شبكيًا، وتتشابك فيه الممرسة الافتراضية والممرسة الاجتمعية الواقعية. وهو يعيد بهذا تعريف مقولتَي الزمن والمكان، وما هو اجتمعي وبشري خالص، وكذلك العلاقات الاجتمعية. ولذلك، يرى جون يوري أنّ شبكة الإنترنت يمكن أن تُعدّ بمنزلة "استعارة للحياة اليومية المتدفقة التي تتضمّن آلاف الشبكات، من الناس والآلات والبررامج والنصوص والصور، التي تختلط فيها شبه المواضيع وشبه الكائنات وتستحدث أشك لًا اجتمعية جديدة مهجّنة". وعلى الرغم من أنّ بعض الباحثين اعتبرروا أنّ عملية الانتقال نحو مجتمع الشبكات والفضاءات الرقمية/ الافتراضية قد شكّلت حالة افتراق تاريخي للإطار النظري الذي قدمه فوكو حول الأبعاد الاجتمعية والهيكلية لممرسات الرقابة في المجتمع الحديث، ومنهم كيفن هاجرتي Haggerty Kevin الذي قال: "ذلك يكفي! فلنحطم الجدران! فثمة حدود تاريخية ومنطقية للمقدرة التفسيرية للبانوبتيكون"، فإن أغلبهم ما زال يؤكد، حتى الوقت الراهن، أنّ استعارة البانوبتيكون ظلّت تحتفظ بقدرة تفسيرية على فهم آثار الرقابة الحديثة، وعلاقة السلطة بالمعرفة؛ وذلك مع قبول وجود اختلافات جوهرية بين نظام المراقبة الذي يعمل ضمن بناءات معمرية مادية صلبة، وأنظمة المراقبة الرقمية المعتمدة على ما يجري جمعه عبرر الشبكات من بيانات وآثار
9 غيدنز، ص.721 10 Armand Mattelart, "L'âge de l'information: Genèse d'une appellation non contrôlée," Réseaux: Communication - Technologie - Société , vol. 18, no. 101 (2000), pp. 20-52. 11 أرمان ماتيلار، المراقبة الشاملة: أصل النظام الأمني (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2013)، ص.167 12 المرجع نفسه، ص.127 13 Johan Urry, Global Complexity (Cambridge, UK: Polity Press, 2003), p. 63. 14 زجمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبرر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص.69
ضخمة. وقد أفرز هذا الاختلاف مصطلحات جديدة من قبيل "السينوبتيكون"، و"البوليوبتيكون " و"البانوبتيكون"، رقميًا وإلكترونيًا وشبكيًا. ولذلك، أكد زيغمونت باومان Bauman Zygmunt، وديفيد ليونDavid Lyon، في كتابهم المراقبة السائلة، أنّ البانوبتيكون "ما زال حًّيًا، وفي صحة جيدة، بل إنه مسلح بعضلات بشرية 'معززة إلكترونيًا'. وهي عضلات قوية تمامًا، إلى درجة لم يكن يتخيلها جيرمي بنثام ولا حتى ميشيل فوكو". وأصبح الحديث عن رقابة سائلة وشاملة إحدى السمت الرئيسة لجدالات ما بعد الحداثة. ومرة أخرى، "تأكدت الفكرة الرئيسية القائلة إنّ نمط التنظيم الاجتمعي الذي يعتمد على الانفتاح والشفافية وسلاسة التدفقات لا يلغي مطلقًا من الخارطة الفكرية الآليات التأديبية"، المتمثّلة في أنظمة المراقبة الرقمية الحديثة؛ حيث "تتلاشى جدران السجن والسجان، لتكفي افتراضية الحدود غير المحسوسة والالتزامات المستبطنة". فنتج من ذلك وعيٌ متزايد لدى المستخدمين والمواطنين الشبكيين بأنهم يخضعون للمراقبة المستمرة، وأنّ كل عملية تصفّح، أو نقر أو شراء أو تدوين أو تغريد، تتحوّل إلى بيانات تُجمع وتُخزّن وتُصنّف في جداول وخرائط، لتدمج ضمن تفاعلات وعمليات أوسع يجهلونها. تحقق ذلك بصفة متزايدة في أعقاب تمدّد الحركات الاجتمعية في عصر الإنترنت بعد عام 2010، وقد بدأت مع الربيع العربي، بثورات تونس (نهاية 2010) ومصر (بداية 2011)، وتابعتها حركات من أبرزها "ثورة غاضبات" في إسبانيا (2011)، وحركة "احتلوا وول ستريت" بالولايات المتحدة (2011)، وحركة "الرسوم العادلة" Livre Passe بالبررازيل (2013)، وحراكا المغرب (2011 و 2017)، ثم حراكا السودان (2018)، والجزائر (2019). وأدّى تصاعد هذه الحراكات إلى توسيع نظام المراقبة الرقمية؛ على غرار ما كان منتظرًا من مشروع بنثام، بل
إنّ مجتمع الشبكات عزّز الحلم الذي تطلّع إليه بنثام، على نحوٍ سابق لعصره، بشأن جعل هوية المحكومين مرئية ومثبتة على جلودهم. فقد أتاحت تقنياتُ التحقيق والمراقبة الرقمية والبيانات البيومترية، وتتبّع الآثار
على الإنترنت، فضلًا عن بطاقات الائتمن والكاميرات المثبتة في الفضاءات والأمكنة العمومية، وتقنية تحديد المواقع، تتبّعَ تحركات الأفراد ومراقبتهم باستمرار طوال الوقت؛ وهو الأمر الذي جعل المواطنين الشبكيين - على حد تعبير ديفيد ليون - "يحملون بانوبتيكاتهم الشخصية أينم حلوا وارتحلوا".
ثانيًا: سياسات الاستبداد الرقمي يف فضاء الاستقلالية العربي
يشكّل التحوّل الرقمي في مجتمع الشبكات الراهن بيئة هجينة، تتداخل فيها الفضاءات المادية والفضاءات فرعي ام روهظل لا جم حتفي ام؛ تامولعم لكش في لثّمتلل لابًاااق يعقاو وه ام لك حبصيُ ثيح، ةيمقرلا ب "مساحة الاستقلالية". وفي هذا السياق، ترسّخت المراقبة الرقمية تدريجيًا أداةً مركزيةً لتنظيم الحياة
15 السينوبتيكون Synopticon: هو مفهوم طوّره توماس ماثيسن Mathiesen Thomas، ليصف شكلًا من المراقبة العامة التي يساهم فيها كثيرون لمراقبة عدد قليل من الأفراد. 16 البوليوبتيكون Polyopticon: مفهوم نظري طوّره عالم الاجتماع البرريطاني، كيفن هاجرتي Hagerty Kevin، ليصف المراقبة من مصادر متعددة ومتكاملة، حيث تُستخدم العديد من الأنظمة والأدوات لجمع البيانات وتحليلها؛ وهو ما يؤدي إلى نظام مراقبة أكثر تعقيدًا وشمولية. 17 باومان وليون، ص.29 18 ماتيلار، ص 246. 19 المرجع نفسه. 20 David Lyon, "Surveillance, Liquidity and the Ethics of Visibility," Revue internationale de philosophie , vol. 277, no. 3 (2016), pp. 366-385.
الاجتمعية ومراقبتها؛ ما أتاح للبنى التكنولوجية والسياسية فَرْض نمطٍ من السيطرة غير الشخصية. وبالنسبة إلى الأفراد، أدّى هذا الوضع إلى ما يُعرف ب "تكنولوجيا الذات الحديثة"؛ إذ يمارس المستخدمون الرقميون ضبطًا ذاتيًا لسلوكهم استجابةً لمجال الرؤية الرقمي، فيصبح الانضباط طوعيًا من دون حاجة إلى إكراه مباشر، في ظل إدراكهم أن بياناتهم وأفعالهم تُسَجَّل وتُصنّف إلى الأبد. وفي الوقت نفسه، يبررز ما يمكن تسميته "الاستبداد التشاركي" أو النظام غير المعلن للنخبوية الرقمية؛ إذ تسيطر أقلية مهيمنة تقنيًا وسياسيًا على الفضاء الشبكي، فتقوّض استقلالية الجمعات والأغلبية الشبكية من خلال تأطير السلوك الجمعي وتوجيهه، وهو ما يجعل الشبكات الرقمية أدوات مزدوجة: محفّزة للتواصل والمشاركة، لكنها في الوقت ذاته وسيلة لإسكات الأصوات وتوجيه السلطة بطريقة غير مباشرة.
1 ي. المراقبة الرقمية: نحو استبداد آلي لاشخص
يتميز مجتمع الشبكات، الذي نحيا فيه راهنًا، بخاصية حضور جمعي للأفراد ضمن بيئات اجتمعية هجينة، تجمع بين فضاءات مادية وأمكنة طبيعية، تعوّد الناس الحضور فيها، وفضاءات شبكية (رقمية وافتراضية) حديثة تبنيها شبكة الإنترنت. وهي تعمل في إطار من التشابك المرن والمعقد، الذي يتداخل فيه الواقعي/ المادي والافتراضي/ الرقمي، بحيث يصبح ما هو رقمي موجودًا في الواقع، وما هو واقع متضَّمَنًا في الرقمي، ما دامت التكنولوجيا (وسيرًا على نهج اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير Saussure de Ferdinand) قد جعلت للواقع، بجميع أشيائه أو معظمها، مُناظِرًا رقميًا في صيغة معلومات: الأشياء والذوات، والمؤسسات والنصوص، وبقية الحقائق الاجتمعية الأخرى. وهكذا، فإن "العالم الذي يتكون من المعلومات فحسب [...] سيغدو عالمًا آليًا". شكّل هذا الهجين المتشابك من الفضاء الرقمي/ الافتراضي السائل، والحيز الحضري/ المادي الصلب، فضاءً ثالثًا
أُطلقَ عليه "مساحة الاستقلالية "؛ إذ تصبح هذه المساحة - بحسب مانويل كاستيلز Castells Manuel - فضاء مكانيًا جديدًا، تتشابك فيه تجربة الحضور المادي للمستخدمين في بيئاتهم الموقعية بأشكال الظهور
والتفاعل الرقمية، وتصبح المعرفة التقنية المرفقة بنزوع متعاظم نحو السيطرة والتنسيق سمةَ مجتمعِ الشبكات وأهم خاصية فيه. وفي هذا السياق، يؤكد يورغن هابرماس Habermas Jürgen أن "التكنولوجيا تضفي على الأشياء صفة الأدوات، وتحوّلها إلى مجرد وسائل، والإنسان نفسه ضمن هذا النمط من التفكير يتحوّل إلى أداة تمنعه من تحقيق تحرره". وضمن الاتجاه النقدي نفسه، اعتبرر هربرت ماركوزه Herbert
Marcuse "أن التقدم التقني يقوّي نظامًا بأكمله من السيطرة والتنسيق، الذي يوجّه التقدم، ويخلق أنماطًا من الحياة ومن السلطة". ترسخت الرقابة الآلية في قلب الممرسات الاجتمعية، تدريجيًا، فقد ازداد اعتمد قوى التكنولوجيا الرقمية والأنظمة السياسية في العالم عليها؛ من أجل تنظيم الواقع ومراقبته، وتأطير الحياة الاجتمعية وضبطها.
21 بيونغ تشول هانغ، مجتمع الشفافية، ترجمة بدر الدين مصطفى (بيروت: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2019)، ص.16 22 مانويل كاستيلز، شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ترجمة هايدي عبد اللطيف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.250 23 يورغن هابرماس، التقنية والعلم ك "إيديولوجيا"، ترجمة إلياس حاجوج (دمشق: وزارة الثقافة، 1999)، ص.14 24 هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، ط 3 (بيروت: منشورات دار الآداب، 1988)، ص.28
فقد لجأت شركة "ميتا" Meta، مثلًا، إلى تأسيس مجلس عالمي للإشراف على المحتوى الرقمي لمنصاتها (منها فيسبوك، وإنستغرام)، وعيّنت فيه الناشطة اليمنية الحاصلة على جائزة نوبل، توكل كرمان، والكاتب
والحقوقي المصري، خالد منصور، عضوَين ممثَّليَن للمنطقة العربية. ومن هنا، تتضح العلاقة بين مجتمع الشبكات - الذي جرى تسويقه بصفته مجموع فضاءات رقمية/ افتراضية تتميز بالحرية والانفتاح والمساواتية والتعاطف - ونزعة الهيمنة والسيطرة التي تسعى البنى الاقتصادية والسياسية المتحكمة في التاريخ، وفي العالم، لفرضها على الأفراد والجمعات. تولّد من ذلك ردّات فعل مجتمعية ومدنية وانتقادات لاذعة، وُجّهت ضد آليات المراقبة الرقمية الحديثة ومآلاتها؛ ومنها ما تبنّته منظمت حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية، من خلال فرض متابعات قانونية ضد مؤسسات وأشخاص اتّهموا بالاعتداء على خصوصية الأفراد، أو تقديم تقارير عن الهيئات والشركات التي ترتكب سياسات انتهاك الخصوصية، وأحيانًا تنظيم حملات توعية من أجل التصدي ل "تهديدات الأمن الرقمي". واضطلعت منظمة هيومن رايتس ووتش، أيضًا، بإعداد تقارير دورية عن سياسات الاختراق والسيطرة الرقمية التي تنتهجها المنصات الرقمية، خاصة ميتا. ومن ذلك، مثلًا، تقرير عنوانه "نكث الوعود"، الذي يوثّق "نمطًا من الإزالة غير المبرررة للخطاب المحمي وقمعه، بما يشمل التعبير السلمي الداعم لفلسطين والنقاش العام حول الحقوق الإنسانية للفلسطينيين". ويُعَدّ ذلك، إجملًا، من بين أشكال التضييق والسيطرة الآلية اللاشخصية، التي تشوبها في أغلب الأحيان أخطاء وصعوبات؛ نظرًا إلى غياب تطبيق الإشراف البشري النهائي على عمليات الفرز والتصنيف، أو صعوبة إجراء ذلك. وأشار التقرير إلى عوامل منهجية أساسية ساهمت في فرض الرقابة والسيطرة الرقمية الآلية. ومنها - على سبيل المثال – الاعتمد، إلى حدّ بعيد، على الأدوات المؤتمتة للإزالة أو الإشراف أو الترجمة. واستنادًا إلى عملية الإشراف الآلي، عمدت جلّ الحكومات العربية، منذ عام 2011، إلى تقديم طلبات حذف المحتويات لدى منصة informations des transparence Google. ويبررز الجدول حجم طلبات حكومات الدول العربية. وقد جرت إضافة أرقام متعلقة بالولايات المتحدة الأميركية وبدولة الاحتلال الإسرائيلي، من أجل تبُّين عمليّة المقارنة في هذا السياق (الجدول).
الجدول يوضح طلبات الحذف من محرك البحث غوغل المقدمة من بعض الحكومات العربية والولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2011
| الحكومة | عدد طلبات الحذف المقدمة | عدد المحتويات التي تمّ حذفها بناءً على الطلب |
|---|---|---|
| الولايات المتحدة | 11677 | 267700 |
| "إسرائيل" | 3124 | 17126 |
"إسرائيل"
25 كتبت كرمان على فيسبوك: "أنا سعيدة بالانضمام إلى المجلس العالمي للإشراف على محتوى فيسبوك وإنستغرام. بفضل منصات وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد في إمكان الحكومات احتكار الإعلام والمعلومات"، في: "Tawakkol Karman Faces Targeted Gulf Criticism for New Facebook Role," Middle East Eye , 11/5/2020, accessed on 21/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPbl 26 هيومن رايتس ووتش، "نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك"، كانون الأول / ديسمبرر 2023، شوهد في 2024/8/24، في: https://acr.ps/1L9BPoi
| عدد المحتويات التي تمّ حذفها بناءً على الطلب | عدد طلبات الحذف المقدمة | الحكومة |
|---|---|---|
| 754 | 207 | الإمارات |
| 667 | 182 | السعودية |
| 319 | 70 | الأردن |
| 246 | 53 | مصر |
| 126 | 35 | الجزائر |
| 108 | 30 | العراق |
| 100 | 29 | الكويت |
| 32 | 26 | قطر |
| 125 | 23 | لبنان |
| 39 | 17 | المغرب |
| 14 | 6 | عمن |
| 8 | 6 | تونس |
| 10 | 6 | ليبيا |
| 7 | 3 | فلسطين |
| 1 | 1 | اليمن |
اليمن 1
المصدر: من إعداد الباحثة استنادًا إلى البيانات الواردة في:
Google transparence des informations, "Demandes internationales d'informations sur les utilisateurs," accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPGe
نتبين، من خلال الجدول، أن الولايات المتحدة هي أكثر الدول التي تقدمت إلى إدارة غوغل بطلبات حذف المحتوى، بينم احتلت دولة الاحتلال الإسرائيلي المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط. ويظهر الجدول كذلك أن جُلّ البلدان العربية – مع فارق في العدد بالنسبة إلى الدول التي ما زالت تعاني اضطرابات أمنية – قد تقدمت إلى غوغل بطلبات الحذف. لقد أضافت شركة ميتا أيضًا ضمن سياساتها، بعد ضغط شعبي عالمي، قانونَ إعلام المستخدمين بحذف محتوى يخصهم بطلب حكومي. وتدريجيًا، قد ينتج من هذا النوع من التدخلات والدعاية له، "تحوّل الحكومات ذات المعرفة بكل ما يجري من اتصالات بين مواطنيها، إلى سلطة مبالغ بقوتها، وتُشعِر مواطنيها بعجز يرتبط بالمعرفة التي تجمعها السلطة حولهم، لتستخدم هذه السلطة/ المعرفة في تشكيل واقع متسق مع رؤيتها ومصالحها".
27 "الإشراف على المحتوى في عام الانتخابات التاريخي: دروس رئيسية للصناعة"، أوفر سايت بورد، شوهد في 2025/12/25، ف:ي https://acr.ps/1L9BPOc 28 محمد الطاهر، "من سجون 'البانوبتيكون' إلى تقنيات المراقبة الجماعية"، مدى مصر، 2016/10/23، شوهد في 2024/8/24، ف:ي https://acr.ps/1L9BP4E
تُتيح هذه النمذج التفسيرية فهمً أفضل لبنية مساحة الاستقلالية التي تسمح ببقاء الأفراد متشابكين، في أي زمن أو مكان، وبسهولة يجري اكتشاف الآثار التي يتركونها وتسجيلها، سواء كان ذلك في إطار فردي أو من خلال تواصل جمعي مع آخرين. وقد شكّل ذلك اختراعًا ثوريًا للقوى العالمية والأنظمة السياسية، وحقق أقصى العوائد والمنافع الممكنة؛ لأنه وفّر - كم سبق أن تحقق في "سجن بنثام" - إمكانية "الحصول على السلطة على العقل بكميات غير مسبوقة"، اعتمدًا على بنية الشبكات التحتية، والخوادم الآلية التي تراقب وتحفظ وتخزن آثار الأفراد الذين يدخلون شبكة الإنترنت بصفتهم مستخدمين مَوقعيين، أكان ذلك بهوية مصرَح بها طواعية، أم بهويات يَعتقد هؤلاء، مجازًا، أنهم نجحوا في إخفائها. ومن ذلك، مثلً، خادم الويب Server Web، وخادم الملفات Server File، وخادم قواعد البيانات Server Database، والخادم السحابي Server.Cloud لقد نجح مجتمع الشبكات، المتشكّل على هذا النحو، في إعادة هيكلة بانوبتيكون بنثام وتجديده، وعلى نحو أكثر هيمنةً ورقابة وسيطرة؛ إذ فُصل عن تلك النظرة البشرية؛ عين المراقِب الذي قد يحضر أو يغيب أو يتعاطف، بنظرة آلية باردة ولاشخصية تضطلع بها البررامج الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وبدلًا من أن يكون المحكومون خاضعين لسيطرة المراقب البشري، انطلاقًا من قوة النظرة التي تحدّث عنها فوكو، من حيث القمع أو السيطرة أو الترهيب، فإنّ المستخدمين تحوّلوا إلى كائنات افتراضية (أفتار Avatars)، يحضرون ويتفاعلون في فضاء الشبكات، وهم خاضعون لسيطرة خوادم جمع البيانات الضخمة وتحليلها، التي قُرّر لها سلفًا نوع السلوك المنضبط الذي ينبغي إنتاجه على الشبكات، فضلًا عن نقيضه الذي يفرض اتخاذ إجراءات تأديبية/ عقابية. وضمن هذا السياق، اعترف "مجلس الإشراف العالمي"، الذي يشرف على المحتوى الرقمي بمنصات ميتا، أنه وقع في كثير من الحالات في "مخاطر الإنفاذ المفرط لسياسة حذف المحتويات، بناء على خوادمه الآلية". وخلال مراجعة مؤسسة هيومن رايتس ووتش الأدلة والسياق المرتبط بالوقائع التأديبية والعقابية الآلية، التي لحقت بعدد من المستخدمين، حُدّدت ستة أنماط رئيسة للرقابة غير المبرررة، جرى تفعيلها بكثافة في فضاء الشبكات العربي (خاصة في سياق الحرب على غزة التي تلت أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، وهي تتمثّل فيم يلي: 1. إزالة منشورات وقصص وتعليقات. 2. تعليق الحسابات أو تعطيلها على نحو دائم. القيود المفروضة على المستخدم في التعامل مع المحتوى؛ من ترك علامات الإعجاب أو التعليق أو المشاركة وإعادة نشر القصص، وذلك خلال فترة محددة من 24 ساعة إلى 3 أشهر. القيود المفروضة على القدرة على متابعة الحسابات الأخرى أو الإشارة إليها. القيود المفروضة على استخدام ميزات معيّنة، مثل البث المباشر على فيسبوك/ إنستغرام، وتحقيق الأرباح والتوصية بحسابات لغير المتابعين.
29 Ivan Manokha, "Surveillance, Panopticism, and Self-Discipline in the Digital Age," Surveillance & Society , vol. 16, no. 2 (2018), p. 224. 30 "الإشراف على المحتوى في عام الانتخابات التاريخي." 31 هيومن رايتس ووتش.2، ص
حجب الظهور الجزئيShadow Banning الذي ينتج منه الانخفاض الكبير في ظهور منشورات الشخص أو قصصه أو حسابه، من دون إشعار، بسبب تقليص توزيع المحتوى أو الوصول إليه أو تعطيل خاصية البحث عن الحسابات. بناءً على ذلك، يبدو أنّ الإجراءات التأديبية - داخل مساحة الاستقلالية الهجينة بين الموقعي والافتراضي - انقسمت بين تدخلاتٍ رقمية عالمية (فوق الدولة) تتجاوز حدود الفضاء المادي الذي يحيا فيه المستخدمون العرب، حيث تقوم خوادم المنصات العالمية بفرضها في العقد الشبكية التي يحتلها الفرد موضوع التأديب، من جهة؛ وإجراءات موقعية ومحلية، ضمن الفضاء الاجتمعي للمستخدم، تجسّدها إجراءات قانونية رسمية من قبيل مصادرة الحريات أو فرض غرامات، من جهة أخرى. وقد أظهرت بعض الأمثلة التي استخدمها صندوق النقد الدولي مدى السيطرة والأضرار التي يلحقها الفرز الآلي بالمواطنين، عندما يقع خارج الإشراف النهائي البشري. ففي أحد البررامج التي يموّلها البنك الدولي في الأردن، وهو يُعرف ب "برنامج الدعم النقدي الموحّد"، مثلًا، يستخدم البررنامج خوارزميّة لتحديد أيّ عائلة من العائلات ينبغي أن تتلقى تحويلات نقدية من خلال تحديد مستوى ضعفها الاقتصادي. واستنادًا إلى عدة مقابلات، وتحليلٍ لوثائق البنك الدولي، وجدت هيومن رايتس ووتش أن هذه الخوارزمية تؤدي إلى قرارات تحرم الناس من حقوقهم في الضمن الاجتمعي؛ بسبب اعتمدها على بيانات غير دقيقة وغير موثوقة بخصوص موارد الأفراد المالية. استنادًا إلى ما سبق، يبدو أننا نشهد، أوّلَ مرةٍ في التاريخ الحديث، نزع الصفة الشخصية/ الإنسانية عن أدوات السيطرة والمراقبة، ونقلها إلى قوى آلية لاشخصية، ظهر أنها أشد قمعًا وسيطرة وترهيبًا، "وهذه الحقيقة الفظة هي التي تفسر أن الآلة قد غدت أنجع أداة سياسية"، وقد بدأت مع بنثام الذي يُعدّ أحد أبرز مخترعي تقنيات السلطة الآلية، وانتهت أقصى مفاعيلها عند تقنيات المراقبة الآلية.
2. تكنولوجيا الذات الحديثة: نزوع نحو الانضباط الذاتي
تقدّر الدراسات الإحصائية المتعلقة بتفاعلات الإنترنت أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم، في عام 2024، بلغ نحو 5.35 مليارات شخص. وهي نسبة تقارب 66 في المئة من سكان العالم، بحسب إحصاءات موقع "كوماندا تك" Kommandotech، في حين بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت العرب نحو 70 في المئة من إجملي عدد السكان، بحسب إحصاءات "ستاتس وورلد للإنترنت" Stats World Internet لعام 2024، وهي نسبة عالية جًّدًا على مستوى الاستخدام الكمّي. ويرسل هؤلاء أكثر من 150 مليار رسالة فورية يوميًا عبرر عدّة تطبيقات (مثل واتساب وفيسبوك وميسنجر). وأظهرت إحصائيات غوغل بالنسبة إلى العام
32 براين ستاوفر، "إهمال آلي: نهج البنك الدولي في تنظيم مساعدة نقديّة باستخدام تطبيق الخوارزميّات يهدّد الحقوق"، هيومن رايتس
ووتش، 2023/6/13، شوهد في 2024/8/23، في: https://acr.ps/1L9BPui 33 ماركوز، ص.39 34 Damjan, "Internet Usage Statistics: Online Life by the Numbers," Kommandotech , 29/3/2022, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPgG 35 348" مليون مستخدم للإنترنت في العالم العربي"، اتحاد المصارف العربية، 2025/4/15، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BPCU 36 "OTT Messaging Traffic will be Twice the Volume of P2P SMS Traffic by End-2013," Presse Box , 29/4/2013, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPGi
نفسه أن "مستخدمي الأندرويد يرسلون إلى العالم يوميًا 93 مليون سيلفي". واستنادًا إلى هذه الأرقام، نستنتج أنّ تاريخ البشرية لم يشهد مثل هذا العدد الكبير من الناس الذين يرسلون ويرصدون ويصوّرون ويذكُرون تفاصيل كثيرة عن حياتهم الشخصية والعامة أمام مثل هذا الجمهور الغفير. بناءً على ما تقدّم، نكون إزاء تصوّر جديد لتكنولوجيا الذات، أو ما يمكن الاصطلاح عليه ب "تقنيات تحكم القوة في الذات" أو "السلطة على الذات"، ضمن شبكات اجتمعية تتحوّل نحو المعيارية وتكوينات السلطة/ المعرفة على نحوٍ متصاعد. وهو سياق ينتهي بالمستخدمين الشبكيين - من دون قسر - إلى ممرسة نوع من الانضباط الذاتي، للتوافق والامتثال لتوقعات السلوك المرغوب فيه على الإنترنت، سواء كان ذلك ما تعاقدت عليه الجمعات الافتراضية التي ينتمي إليها المستخدم، أو تلك التي تضعها أجهزة المراقبة الرقمية؛ إذ "لا تقوم آليات الانضباط بالضرورة على الاستخدام المباشر للقوة من أجل فرض السلوك القويم؛ ذلك أن الفرد الواقع داخل مجال الرؤية، والمدرك لكونه موضوعًا للمراقبة، يستحضر ذاتيًا القيود السلطوية المفروضة عليه، ومن ثم يستبطن علاقة القوة بداخله، بحيث يشغل في آنٍ واحد موقع الخاضع وموقع الممرس للسلطة، لتنتهي هذه العلاقة إلى التحوّل نحو مبدأ ذاتي لإخضاع الذات". ويُعدّ ذلك نتيجة منطقية لارتفاع مستوى الوعي لدى المستخدمين بحقيقة أن حياتهم الرقمية، كم تتجلى عبرر الشاشات، تخضع لعمليات دائمة من التسجيل والتصنيف والحفظ، أكان ذلك من الشركات العالمية، أم الهيئات الحكومية المحلية؛ وهو الأمر الذي يدفعهم إلى ممرسة السلطة/ القوة على الذات بلا إكراه، ذلك أن "العقلانية التكنولوجية تسفر النقاب عن طابعها السياسي في الوقت نفسه الذي تغدو فيه أعظم ناقلٍ لأكمل سيطرة، يخلقها عالمًا كليًا استبداديًا بكل ما في الكلمة من معنى". عربيًا، ابتداء من عام 2013، استنتج الكثير من المستخدمين أن فضاء الشبكات العربي أصبح مراقبًا ومسيطرًا عليه من الشركات والسلطات الأمنية، خاصة مع تراجع ثورات الربيع العربي وانحسارها، وتزايد نفوذ الأنظمة العربية التي أخذت تتنافس في اقتناء أعتى تطبيقات المراقبة والتجسس، مثل "بريداتور" Predator و"بيغاسوس" Pegasus - فضلًا عن أدوات، مثل فحص الحزم العميقة DPI التي تراقب حركة مرور الإنترنت وتعمل على تصفية المحتوى - والتي أخذت تسنّ قوانين وإجراءات تأديبية أخرى وتطبقها على المستخدمين؛ من أجل ضبط الذات الشبكية، وتنظيم فضاء الشبكات السائل. والمحصّل من ذلك هو تنامي الشعور، لدى المستخدمين الشبكيين والصحافيين، بأن حياتهم وتفاعلاتهم الرقمية خاضعة للمراقبة ليلًا ونهارًا، وأن الآثار التي يتركونها في أدنى حركة لهم في فضاء الشبكات تكون قيد التسجيل والحفظ والتصنيف إلى الأبد، وهو الأمر الذي قد ينتهي بهؤلاء، الذين يدركون أنهم خاضعون للمراقبة، بممرسة السلطة/ القوة على الذات، من دون إكراه أو تأديب خارجي من جهات أخرى.
37 Richard Brandt, "Google Divulges Numbers at I/O: 20 Billion Texts, 93 Million Selfies and More," Silicon Valley Business Journal , 25/6/2014, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPqQ 38 Manokha, p. 227. 39 ماركوز، ص.54 40 نموذج قبول الحزم العميقة ينطبق على مجتمع الأمن السيبرراني في الإمارات/ مجلس التعاون الخليجي/ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينظر: Alfred Howard Miller, "Extending the UAE Deep Packet Inspection Model to the GCC/MENA Region" International Journal of Cyber Society and Education , vol. 6, no. 2 (December 2013);
بعبارة أخرى، لم يَجرِ توسيع المراقبة الرقمية في فضاء الشبكات العربي الحالي من خلال جهات خارجية فحسب، بل على نحو ذاتي أيضًا؛ وذلك بناءً على تصنيف الأفراد لأنفسهم، ومحاولتهم التصرف بطريقة تجنبهم التأطير ضمن فئة معينة أو الخضوع لتأديب رقمي أو موقعي. وفي هذا السياق، أمكن الدراسات المتعلقة بممرسات المراقبة الحديثة، التي تُرى من منظور الذات (نظرة المراقِب)، "أن تركز انتباهها على الطريقة التي يبدأ بها الأفراد، وهم يدركون على نحوٍ متزايد قوة تكنولوجيا المراقبة الحديثة، في توخّي الحذر بشأن نوع الآثار التي يتركونها عبرر الإنترنت ونوع العناصر التي سيسمحون لها بتكوين هويتهم الرقمية، ومن ثمّ الآثار المراقَبة، والتي تعمل على فرز ملفات بياناتهم أو النسخ الرقمية الخاصة بهم وتصنيفها". فنمط المراقبة الآلية المستمرة زمانًا ومكانًا والمفروضة على الجميع، والتي تجعل هويتهم مرئية بصفة دائمة على الرغم من محاولات التخفي وخيارات المجهولية، يم عن أشك لًا معيّنة من السلوك التي تخالف توجهات المنصات العالمية أو تناقضها. فعلى سبيل المثال، تقيّد ميتا ظهور المحتويات الداعمة لفلسطين، والمحتويات الناقدة للسياسات الأميركية وغيرها، علاوةً على المحتويات التي تنتقد الأنظمة السياسية أو تخالف أشكال السلوك والمواطنة المتعاقد عليها سلفًا. في هذا المستوى، يُتوقّع أن يبدأ الأفراد في ممرسة نوع من الانضباط الذاتي. وقد اتضح هذا السلوك بعد كشف ملفات أمنية أميركية، تخصّ برامجَ للتجسس والمراقبة، سرّبها إلى الصحافة الخبير الاستخباري التقني إدوارد سنودن Snowden Edward، ونتج منها فضيحة مدوّية هزّت الرأي العام. فمع تصاعد القيود على حرية التعبير التي تبعت ما سرّبه سنودن، غّير كثير من الأفراد سلوكهم. فقد كشفت دراسة قدّمها مركز بيو للأبحاث Center Research Pew، موضوعها استعداد مستخدمي وسائل التواصل الاجتمعي الأميركيين لمناقشة موضوع المراقبة الحكومية، على منصات مثل تويتر وفيسبوك وغيرهم، أن 86 في المئة من المستخدمين كانوا "مستعدين جًّدًا" أو "إلى حدّ ما" لإجراء محادثة متعلقة ببررنامج المراقبة الحكومية داخل الفضاء الموقعي/ المادي (عشاء عائلي مثلًا، أو في مطعم مع الأصدقاء). ولكن 42 في المئة فقط كانوا مستعدين لمناقشة هذه القضايا عبرر وسائل التواصل الاجتمعي.
3 ي. استبداد تشارك: نظام غير معلن من النخبوية وجّه تدفق شباب ثورات الربيع العربي في الساحات والشوارع، رافعين شعارات الحرية والعدالة والمشاركة السياسية، الاهتممَ والنظر إلى العمل الكلاسيكي لألكسي دي توكفيل في القرن التاسع عشر Tocqueville de Alexis الديمقراطية في أميركا؛ وذلك حينم قدّم رؤية شاملة وعميقة موضوعها متطلبات الديمقراطية الناجحة؛ تلك التي تتطلب درجة كبيرة من الروح العامة من المواطنين. وفي مقابل ذلك، حذر من ظهور نوع من "الاستبداد الديمقراطي" عندما تتراجع مشاركة المواطنين، ويكون الاستبداد ممكنًا في ظل ظروف يصبح فيها الناس مهووسين
41 قدّم معهد كارنيغي مجموعة من البيانات تم جمعها من موقع تويتر في مختبرر وسائل الإعلام الاجتماعية والمشاركة السياسية في جامعة نيويورك. وتتضمن البيانات 160 مليون تغريدة تم رصدها، منها 7 ملايين تغريدة تحوي كلمات مفتاحية معادية للشيعة والسنّة ومناهضة للطائفية، تم بثّها بين أوائل شباط/ فبرراير ومنتصف آب/ أغسطس 2015، ينظر: ألكساندرا سيغل، "حروب تويتر الطائفية: الصراع والتعاون السنّي-الشيعي في العصر الرقمي"، معهد كارنيغي للسلام الدولي، 2015/12/20، شوهد في 2026/2/4، في: https://acr.ps/1L9F3ax 42 Barton Gellman, Aaron Blake & Greg Miller, "Edward Snowden Comes Forward as Source of NSA Leaks," The Washington Post , 9/6/2013, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPv0 43 Monokha, p. 229.
بحياتهم الخاصة ولا مبالين بالقضايا الجمعية. ففي مثل هذا السياق، لا يحتاج الاستبداد الديمقراطي إلى الاعتمد على الإكراه المباشر، بل إنه يتطوّر إلى إقصاء وجهات نظر الأقلية في مواجهة "طغيان الأغلبية". يبدو وضع الشبكات في أغلب البلدان العربية - بحسب دراسات سابقة أجرتها الباحثة - أقرب إلى ما سبق ذكره عن الاستبداد الديمقراطي؛ إذ يهيمن طغيان الأغلبية على مساحة الاستقلالية في الوقت الراهن، ضمن سيرورة معقّدة، توجّهها وتتحكّم فيها ثقافة النخبة وقيمها. ولم يغفل كاستيلز في تناوله الحركات الاجتمعية في عصر الإنترنت هذه الفرضية، بل اعتبرر أن ثقافة القراصنة وأصحاب الأعمل ورؤوس الأموال والملّميّن بالثقافة الرقمية تدخل ضمن الثقافات المهيمنة على الشبكات. ونتيجة تداخل المصالح السياسية والاقتصادية، تمكّنت حالًّيًا ثقافة مالكي رؤوس الأموال والسلطة السياسية في العالم العربي من قلب ميزان
القوة على الشبكات (الذي ساد بعد 2011)، لمصلحة نخبة سياسية/ اقتصادية أكثر نشاطًا واستعدادًا لممرسة دور التأديب والعقاب أو الترغيب والثواب، على حساب مصالح الجمعات والصفحات الشبكية، والتي تراجعت أو اختفت كلًّيًا من العقد الشبكية حينم فقدت النزاهة والاستقلالية؛ ف "لكي يصمد الاستقلال، يتعين أن يؤكد الفاعلون الاجتمعيون على الحق في الاتصال الذاتي الجمهيري، بالحفاظ على الحرية والنزاهة في نشر وإدارة البنية الشبكية للاتصال"، وهو ما لا يبدو متوافرًا حاليًا في خط الشبكات والجمعات التي حققت تقدمًا ملموسًا في مجال النضال السياسي الشبكي سالفًا؛ إذ صمت أغلبها بسبب عمليات المراقبة والتأديب التي لحقت مسّييرها، وتحوّل بعضها، أيضًا، إلى نوع منصات مأجورة "تحت الطلب" (فرسان أو جيش أو ذباب إلكتروني... إلخ). وهذا الأمر إنما يجعلنا إزاء مشكلة تتعلق بالظروف الديمقراطية الحالية في فضاء الاستقلالية العربي، المبني بوساطة تكنولوجية؛ إذ أسكتت الأغلبية رأي الأقلية من الشبكيين، غير أنها أغلبية شكلية تشتغل ضمن أجندة أقليةٍ مهيمنة ومتميزة تكنولوجيًا، "والتي تكون في الواقع قادرة على المشاركة، وقد تنتهي إلى إسكات صوت الأغلبية بصفة سرية". في سياق هذا التوجه، لم تعُد الأحزاب والهيئات السياسية العربية مستندة في وجودها الفيزيائي والاجتمعي إلى البيئتين الكلاسيكيتين في سوسيولوجيا التنظيمت (البيئة المادية والبيئة الاجتمعية)، بل أضيفت إليها بيئة ثالثة من طبيعة تكنولوجية رقمية محضة، وهي البيئة الشبكية؛ إذ أسّست مختلف التنظيمت المذكورة أو أغلبها مواقع رسمية وغير رسمية لها على الشبكة، بل إنها لجأت أحيانًا إلى التمدد عبرر أذرع شبكية تملكها بصفة معلنة أو خفية، من خلال مواقع وصفحات ومنصات إعلامية. ومن ثم، أصبح لها وجود وظيفي نسقي في الواقع المادي والافتراضي (مساحة الاستقلالية)؛ على "اعتبار أنه نسق تسود فيه علاقات متبادلة بين التكنولوجيا، والبيئة، وعواطف الأعضاء، والشكل التنظيمي"، أكان ذلك في إطار استراتيجية تسويقية للسياسيين، أم باستخدام نوع من الخطاب غير المعلن/ المخفي.
44 للمزيد حول هذه الأفكار، ينظر: ألكسي دو توكفيل، الديمقراطية في أميركا، ترجمة بسام حجار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 45 بشرى زكاغ، "ثقافة الجماعات الشبكية وأثرها في الفعل السياسي بالمغرب"، ورقة مقدمة في المؤتمر التاسع للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،.2023/3/13-11 46 كاستيلز، ص.65 47 Marie Santini & Hanna Carvalho, "The Rise of Participatory Despotism: A Systematic Review of Online Platforms for Political Engagement," Journal of Information Communication and Ethics in Society , vol 17, no. 4 (2019). 48 السيد الحسيني، النظرية الاجتماعية ودراسة التنظيم (القاهرة: دار المعارف، 1985)، ص.118
وعلى سبيل المثال، نشر مجلس الإشراف الرقمي التابع لشركة ميتا، في أيار/ مايو 2024، تقريرًا عن "الإشراف على المحتوى في عام الانتخابات التاريخي"، اعترف فيه بأن منصات التواصل الاجتمعي "يمكن استخدامها للتحريض على العنف ذي الصلة بالانتخابات أو نشر الأكاذيب لمحاولة التلاعب بالرأي العام والتأثير في النتائج، [وبأنّ] الإنفاذ غير الدقيق من المنصات يمكن أن يفاقم هذه الانتهاكات". ولذلك لجأ المجلس، في 7 كانون الثاني/ يناير 2021، بقرار الأغلبية، إلى تقييد حساب الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الذي كان قد أنهى فترته الأولى حينذاك). وقرّر كذلك حذف محتويات خاصة بجنرال برازيلي، هو باولو تشاغاس Chagas Paulo، في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، في أثناء الانتخابات الرئاسية البررازيلية الشديدة الاستقطاب، فضلًا عن محتوى يخص رئيس الوزراء الكمبودي، هون سين Sen Hun، بسبب تعمده ترهيب المعارضين السياسيين، واستخدامه الاستراتيجي لوسائل التواصل الاجتمعي في تضخيم مثل هذه التهديدات. ومع أن المجلس يضع ضمن أولوياته الحفاظ على فوائد منصات التواصل الاجتمعي مع الحد من مخاطرها المحتملة، والتغلب على المخاطر ومساعدة الأشخاص على التواصل بثقة، فإن سياساته المتحيزة مؤخرًا في سياق الإبادة الجمعية التي شنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي على سكان غزة المدنيين، بم عن وإزالة أغلب المحتويات الموثقة لهذه الإبادة، تؤكد وجودَ تحيّزٍ غير معلن، سعيًا نحو قيادة الأحداث وصناعة الواقع بطريقة خفية. ومن
ذلك، مثلًا، ما أوضحته صوفي زنج Zhang Sophie، الموظفة السابقة في شركة ميتا، عن المنصة؛ فهي تميل إلى "التجاهل أو التأخير في التعامل، مع التلاعب بالمنصة في الأماكن التي لا تسبب ردّة فعلٍ صريحة للعلاقات العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن هذه اللامبالاة الظاهرة من شركات التكنولوجيا فيم يسمّى شمل العالم هي التي تسهل الممرسات غير الليبررالية عبرر مساحات شاسعة من العالم". وعلى الرغم من أن معظم الأحزاب السياسية العربية ترفع شعارات الديمقراطية والتشاركية والإنصات للشارع والمواطن، فإن واقع الشبكات يشير إلى غير ذلك؛ إذ "يستخدم السياسيون منصات ذات شفرة مغلقة، تجري مراقبتها والتحكم فيها من مديريها، مع وجود تغذية راجعة قليلة أو معدومة تتعلق بنتائج المشاركة العامة". وفي ظروف أخرى، يلجأ هؤلاء - نظرًا إلى قدراتهم المالية - إلى "زرع" مجموعة من الشباب المجنّدين أو المتطوعين وأصحاب المهارات التقنية، من أجل توجيه الرأي العام والتأثير فيه من جهة، ومنازعة الخصوم والتغلب عليهم من جهة أخرى، إضافةً إلى نشر تعليقات متوالية ضد أي منشور أو فيديو لا يوافق التوجهات والأهداف التي يتصرفون وفقها، والتعليق على الأخبار ومحتويات المستخدمين، أو تقديم شكاوى إغلاق الحسابات، ونشر الفتنة والتشكيك ومعارضة الشخص أو الجهة أو الدولة الخصم. وعلى عكس منطق دي توكفيل، تحوّل استخدام فضاء الشبكات للمشاركة السياسية الطوعية إلى "نظام غير معلن من النخبوية أو نوع من 'الاستبداد التشاركي"'؛ إذ تكون النخبة السياسية، والنخبة ذات المهارات التكنولوجية والمعلوماتية وحدهم القادرتين على المشاركة، وفرض السيطرة. وهكذا، يجري التحكّم في ص عن
49 ينظر: Michael McConnell et al., "Content Moderation in a Historic Election Year: Lessons for Industry," Meta Oversight Board (May 2024), accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BP7W 50 Karen Hao, "She Risked Everything to Expose Facebook. Now she's Telling her Story," MIT Technology Review , 2 9/6/2021, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPew 51 Santini & Carvalho. 52 Ibid.
مفاصل الرأي العام وتوجيهه، وهو ما يتيح مشاركة نخبة قليلة في التعبير وصياغة التوجهات والمقترحات، مع الحفاظ على مظهر تمثيل الأغلبية. علاوةً على ذلك، "يمكن أن تكون ثمة هياكل سلطوية مخفية وراء العمليات التشاركية المزعومة، بحيث تعمل بطريقة استبدادية في مصلحة مجموعات صغيرة"، وهذا الأمر أدّى إلى "تهاوي الطروحات السابقة التي أشادت بأهمية مجتمع الشبكات وانفتاحه، وحرية المجموعات الشبكية ودورها في الدفاع عن مصالحها؛ ومن ثم صناعة الأحداث والتأثير في القرار السياسي". ولذلك، رأى بارلو Barlow أن حكومة المواطنة الشبكية ليست الحكومة الدستورية الموجودة في الدول، بل هي حكومة النفوذ الخفي السيبررانيةCyber Government التي تحكم وفقًا للدستور الشبكي الإلكتروني.
ثالثًا: فيم وراء دينامية المراقبة الرقمية: المجتمع غير المُحَصَّن
مع تزايد الحضور الشبكي للمستخدمين العرب، وتطوّر تقنيات جمع البيانات وتحليلها، سعت جل الأنظمة العربية لإعادة فرض سيادتها على الفضاءين الموقعي والشبكي معًا، مستثمرةً في ذلك أدوات المراقبة الحديثة وأساليب الضبط التقليدية. ومع تراجع نفوذ الشارع العربي، وعودة هياكل السلطوية القديمة، اتجهت الحكومات العربية إلى تطوير نماذج هجينة من السيطرة؛ تبدأ بإعادة تشكيل الفضاءات العامة ونزع رمزيتها الاحتجاجية، وتنتهي بتشديد المراقبة الرقمية. وهكذا امتدت "حكامة الشوارع" أو "استعادة الشوارع"، لتصبح مشروعًا مزدوجًا، قوامه استعادة الفضاءات الموقعية من خلال إعادة تصميمها وضبطها أمنيًا، واستعادة الفضاءات الشبكية عبرر المراقبة وتطويع السلوك الرقمي للمستخدمين. توازى هذا التحوّل مع صعود "رأسملية المراقبة" على نحو عالمي، حيث تحوّلت بيانات الأفراد إلى سلعة وهمية تتقاطع عند حدود الحكومات والشركات؛ ما خلق نوعًا من الهشاشة، وأضعف قدرات المستخدمين على الفعل الجمعي. وبذلك، تشكّلت بنية جديدة من السلطة، تتغذى من تدفق البيانات ومن انضباط الشارع، وتعمل على مَنْع أي إعادة تشُّكُل محتملة ل "شبكات الغضب والأمل" التي حرّكت موجات التغيير الأولى.
1. استعادة الشوارع: المراقبة والسيطرة الاجتمعية
في سياق التطوّرات المتسارعة في الفضاءات الشبكية، وصعود نسبة المستخدمين العرب المتصلين بشبكة الإنترنت، والتطوّرات في جمع البيانات وتصنيفها وتحليلها ثم تخزينها بكفاءة عالية، برزت منذ عام 2013، في ظل عودة بعض رموز الأنظمة السابقة إلى المشهد السياسي، محاولاتٌ إقليمية لتطوير النموذج الأكثر كفاءة من حيث التكلفة والنتائج، للسيطرة على موارد التكنولوجيا الرقمية واستثمرها. ويمكن النظر إلى ذلك على
53 Pickard Victor, "Cooptation and Cooperation: Institutional Exemplars of Democratic Interne, Technology," New Media and Society , vol. 10 , no. 4 (2008), p. 625. 54 للمزيد، ينظر: بشرى زكاغ، الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتماعي السياسي بالمغرب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 55 Aimée Hope Morrison, "An Impossible Future: John Perry Barlow's 'Declaration of the Independence of Cyberspace'," New Media & Society , vol. 11, no. 1-2 (2009), pp. 53-71.
أنه تطوّر غير مفاجئ وترقية للسلطوية؛ أي إن الأنظمة الاستبدادية تميل إلى رفع مستوى قدرتها على مقاومة المعارضة والتكيّف مع التحديات الجديدة (مثل وسائل التواصل الاجتمعي). بعد تراجع نفوذ الشارع العربي، وانحسار الحركات الاجتمعية العربية التي قامت افتراضيًا عبرر الشبكات قبل أن تتحوّل إلى واقع حركي في الشارع، بدا من الضروري العثور على وسائل جديدة للتعامل مع الجمهير الكبيرة التي تعيش في الفضاءات والأمكنة العربية الطبيعية، ولكنها تحيا وتنتعش في الفضاءات الشبكية، وتتشبّع تدريجيًا بثقافتها وفكرها التحرري والحجاجي. جعل هذا الوضع أغلب الأنظمة العربية تتخذ وجهة نظر أمنية، بل عدائية أحيانًا، تجاه استخدامات الشبكات الرقمية، التي سّما ها كاستيلز "شبكات الغضب والأمل"؛ نظرًا إلى طابعها السائل وقدرتها على تيسير تدفّق المعلومات من الجميع، وإلى الجميع. وهو عداء في الأصل متصل بالخوف من تملّك المعلومات والمعرفة وسلطة استخدامها؛ فكان القرار الأمثل للخروج من هذا الوضع أن جندت - أي الأنظمة - قواها وأذرعها الأمنية والإعلامية والتأطيرية لاستعادة حقها في السيطرة على الشوارع والميادين والساحات الموقعية، والاستفراد بالسيادة عليها بالقوة، من خلال تحويلها إلى نوع من "الفضاءات الخالية من المعاني والدلالات"، التي أُسبغت عليها سابقًا، عبرر تحويلها إلى أماكن "فائضة"، لا تحمل أي ذاكرة عن ثورة شباب الربيع العربي، مثل ميدان التحرير في مصر الذي اعُتبُرر سابقًا "رمزًا لطاقة الشعوب الفريدة في الإصرار على الحرية وتقديم الحياة ثمنًا لها". ومن ثمّ، جرى تغيير كثير من معالم الساحات والفضاءات التي كانت مج لًا للثورات والاحتجاجات، في مصر والمغرب والبحرين مثلًا، رغبةً في السيطرة عليها واستباق أيّ تجربة احتجاجية فيها؛ إذ "تسعى القوى السياسية عادة لإعادة تنظيم البنية الأساسية في الحضر وحياة الحضر آخذة في الاعتبار القدرة على السيطرة على الجمهير المتمردة". ومن أجل استباق أيّ شكل جديد من الحراك الشبكي، سعت الأنظمة لممرسة الاستبداد الهجين، في صيغة استبداد رقمي، تتبعه عقوبات وأشكال تأديب فعلية في الحياة الموقعية للمستخدمين. وكان من الضروري أيضًا غرس أخلاقيات حضور شبكي جديدة لدى هؤلاء المستخدمين، تتطلب تحليهم بصفات الحذر، والتأّني، والتفكير قبل التعبير، في ظل تفّشي سياسات الدعاية في الجسم الاجتمعي العربي. وعزّز هذا الاستبداد الرقمي قدرة الجهات الحكومية والشركات على جمع بيانات ضخمة عن المواطنين الشبكيين، وإنشاء ملفاتِ تعريفٍ وفرز اجتمعي لهم، باستخدام معايير متنوعة (تقنيات التعرّف على الوجوه، والآثار الرقمية، والُّنُسخ... إلخ)، على نحو أسهم في تآكل "مساحة الاستقلالية" تدريجيًا، وأضعف المجموعات الافتراضية والحركات الاجتمعية الشبكية. ونتيجة لتفككها إلى أجزاء (أفراد)، أمكن أن تستغلّها وتتلاعب بها بُنى اجتمعية سعت للاستحواذ على السلطة والمعرفة الكامنة في هذه الفضاءات.
56 "في مقتطف حصري من كتابه الجديد، يشرح مارك أوين جونز كيف تستخدم الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية لخداع المواطنين والسيطرة عليهم". ينظر: "كيف تغلغل الاستبداد الرقمي في الشرق الأوسط"، بوابة الهدف - ترجمة خاصة، 2022/8/12، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BPGW 57 باومان وليون، ص.164 58 علي عبد الرؤوف، شعب وميدان ومدينة: العمران والثورة والمجتمع، القصة الإنسانية والمعمارية والعمرانية لميدان التحرير (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.164 59 ديفيد هارفي، مدن متمردة: من الحق في المدينة إلى ثورة الحضر، ترجمة لبنى صبرري (بيروت: الشركة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص.171
موقعيًا (بحسب الموقع الجغرافي)، وبخصوص الثورة المصرية التي ألهمت كثيرًا من الحركات الاجتمعية الشبكية في العالم، جرى نقل "ميدان التحرير من المقدس إلى المدنس عبرر تحويل أجزاء منه إلى موقف للسيارات، أو فضاء تسكع المشردين وقطاع الطرق واللصوص". وفي ساحات أخرى عربية، كانت مشهدًا لانطلاق الجمهير المحتجة، جرى تحويل بعضها إلى معارض وأسواق – مثلم حدث في المغرب فيم بعد حراك الريف - أو هدم معالم ورموز الثورة، كم هو الشأن بالنسبة إلى نصب "دوار اللؤلؤة" في البحرين. على صعيد الشبكات، أتبعت السلطات مثل هذه الإجراءات بأخرى شملت الفضاءات الرقمية. ففي المغرب، صدّقت الحكومة، في 19 آذار/ مارس 2020، على مشروع قانون متعلق بتقنين استعمل وسائل التواصل الاجتمعي. غير أن ردّات الفعل العاصفة التي أثارها المستخدمون المغاربة، الذين اعتبرروه مشروعًا يهدف إلى "تكميم أفواه المغاربة"، دفعت الحكومة إلى الحذر في التعامل بهذا القانون. أما في مصر، فقد أطلقت الحكومة سياسة مراقبة، أثارت كثيرًا من الجدل الذي دار ضِمن عنوان "القبضة الإلكترونية" لمراقبة مستخدمي الإنترنت والشبكات الاجتمعية. وأصدرت السلطات المصرية "ترسانة قانونية"، تُجِرِّم نشر أيّ رأيٍ أو تفاعل ضد النظام. وإضافة إلى ذلك، صدر قانون يعامل أيّ كيان شبكي، سواء أكان حسابًا شخصيًا أم صفحة أم مجموعة تجاوز عدد متابعيها 5000 متابع، بالمعايير نفسها المطبقة على قنوات الإعلام التقليدية، من حيث المتابعة القانونية والحجب والتغريم. تبدو هذه الإجراءات الاستباقية متسقة تمامًا مع توجّه عام لدى الأنظمة العربية إلى استعادة السيطرة على الشوارع وضبطها؛ فبعد إحكام السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية، وضبط الفضاءات الرقمية ومراقبتها، لم يعُد من سبيل إّلا العودة إلى الفضاءات الموقعية لإحكام السيطرة عليها. ففي الشوارع، وإضافة إلى عيون المراقبين (رجال الأمن)، جرى تثبيت كاميرات مراقبة في الأماكن الحيوية، وظهر تسامح مع المواطنين الذين اتجهوا إلى تثبيت كاميرات أمام منازلهم ومحالّهم وسياراتهم. ومن خلال عدسات تلك الكاميرات، تمّت معالجة مشكلات اجتمعية كثيرة؛ مثل الاحتجاجات السياسية، والفقر، والبطالة، ونقص الخدمات الاجتمعية، عن أي سياق اجتمعي، وجرى دفع وسائل الإعلام التقليدية والرقمية لتقديمها - بدلًا من ذلك – في تأطيرات سلبية: جرائم، وتآمر، وفوضى، وعنف؛ وذلك في وقت قُيّدت فيه قدرة المستخدمين على نقل الوقائع الحية والتعليق عليها. وبناءً على ذلك، يبدو أن نجاح الأنظمة العربية في استعادة الشوارع والسيطرة الاجتمعية، من المواقع إلى الشبكات ومن الشبكات إلى المواقع، قد ساهم في ترسيخ نظام كامل من السيطرة والتنسيق.
2. البيانات الرقمية: سلع وهمية على حدود مُراقَِبيَن ساهم اتساع حجم الشبكات الاجتمعية وزيادة نسبة مشتركيها عالميًا، بسبب طابع الولوج المجاني الذي أ سبِغ عليها، في تعاظم نفوذ الشركات وسيطرتها. وحظيت هذه الشركات بنظام متكامل من المراقبة والتصنيف، وبخاصة المنصات الأربع الأشهر: غوغل، وآبل، وفيسبوك، وأمازون. وهي الأكثر استحواذًا على بيانات المستخدمين (يُشار إليها بالأحرف الأولى من أسمئها الأجنبية اختصارًا GAFA). وتفرض شروط استخدام
60 عبد الرؤوف، ص.208 61 "دوار اللؤلؤة.. رمز احتجاجات البحرين"، الجزيرة نت، 2015/7/15، شوهد في 2025/12/20، في: https://acr.ps/1L9BORE 62 القانون رقم 180 لسنة 2018 م هذا القانون عمل الإعلام في مصر ويشمل وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على حدّ سواء. ينظّ.
هذه المنصات ضرورة تقديم البيانات الشخصية المطابقة للسجل المدني (الاسم، والسن، وتاريخ الولادة، واسم الأبوين)، فضلًا عن أرقام الهواتف. وهذا الأمر ييّسر لها الوصول إلى الهوية الحقيقية للشخص المتخفي وراء شاشة الحاسوب. وعلى الرغم من تزايد الاهتمم بسياسات الخصوصية الصارمة، وبخاصة في بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فإن كثيرًا من الملفات السرية التي تَّمَ كشفها (فضيحة كامبرريدج-أناليتيكا، وملفات سنودون، وشهادات موظفي فيسبوك وأمازون... إلخ)، تؤكد وجود نوعٍ من التبادل البياني بين هذه المنصات وكذلك مع هيئات وكيانات أخرى. وقد ولّد ذلك وعيًا عالميًا بمدى صلاحية مجتمع "المراقبة الشاملة" وفق ما يطرحه ماتيلار، و"المراقبة السائلة" وفق ما يطرحه باومان وليون. لقد جعلت التحّولّات الرقمية الحدود بين مراقبي "البانوبتيكون السائل" غير واضحة أيضًا؛ فمن خلال الحكومات إلى الشركات، ومن الشركات إلى الحكومات، يجري تبادل الخدمات والمنافع بيسر وسهولة. فالحال أن الشركات (الشبكات الاجتمعية، والمتاجر الإلكترونية، وشبكات الهواتف المحمولة، ومزوّدي الإنترنت، وشركات التأمين، والتطبيقات وما إلى ذلك) قد وضعت بكل سهولة البيانات المُجَمَّعة في يد الجهات الحكومية، مثل أجهزة الاستخبارات والسلطات الأمنية، والعكس صحيح أيضًا، وهو ما أدّى إلى تردّد العديد من المفاهيم؛ من قبيل "الهشاشة"، و"المجتمع غير المحصن". وهي مفاهيم تعكس مقدار "التخوف من مخاطر الانهيار الكامن في مجتمع الشبكات". من هذه الملاحظات، مثلًا، "ما يشير إلى أن المرحلة الحالية من الرأسملية (رأسملية المراقبة) تتميز بتطوّرين مهّميّن: أولًا، ظهور وأهمية متزايدة لسلعة جديدة - البيانات (خصوصًا بيانات المستخدم) - يمكن إضافتها إلى قائمة كارل بولاني Polanyi Karl لثلاث سلع وهمية". وقد عرّف بولاني، في كتابه التحوّل الكبير (1944)، "السلع الوهمية بأنها الأشياء التي لا تُنتَج للبيع، بل تصبح قابلة للبيع بسبب ضغط الرأسملية: الأرض، والعمل، والمال، وبّين كيف أنّ الأسواق الذاتية التنظيم تميل إلى تحويلها إلى سلع وهمية". وهكذا، تصبح بيانات المستخدمين أكثر وهمية؛ ليس لأنها غير منتجة للبيع من المستخدمين (الذين يستعملون الإنترنت للتصفّح أو التواصل) فحسب، بل لأنها افتراضية أيضًا، ولا وجود مادي لها؛ فهي سلع وهمية قائمة على سلاسل عددية رقمية من "صفر" و"واحد". يعني ذلك أن المراقبة والسطو المتزايد على خصوصية المستخدمين، أي جمع البيانات المستمرة عنهم ومعالجتها بطرائق أكثر تطوّرًا، مثلم تفعل برامج بيغاسوس وبريداتور التجسسية الرائجة بكثافة في العالم العربي، هي جزء أساسي في رأس مال المنصات؛ ذلك أن الحكومات في جميع أنحاء العالم تشتري برمجيات التجسس الأكثر تطوّرا وتطفلًا، وتسمح في الوقت ذاته ببيعها. ويزيد هذا الأمر من احتملات التعامل مع بيانات المستخدمين بصفتها سلعة، ومموّلًا لاقتصادات الويب والشركات المطورة وأبحاث التجسس والمراقبة، النازعة على نحوٍ مفرط إلى زيادة السطو على خصوصية المستخدمين، سواء أكانوا شخصيات عامة أم خاصة؛ ما قد يعرّضهم للعقوبات التأديبية والمتابعات القانونية، ومن ثم إلغاء مساحة الاستقلالية التي هي حق لجميع المواطنين الشبكيين.
63 ماتيلار، ص.173 64 Ivan Manokha, "Le scandale de Cambridge Analytica contextualisé: Le capital de plateforme, la surveillance et les données comme nouvelle 'marchandise fictive'," Culture & Conflit , no. 109 (2018), pp. 39-59. 65 Peter Drucker, "Karl Polanyi and the Midcentury Critique of Economic Society," Journal of the History of Ideas , vol. 70, no. 3 (July 2009), p. 447.
ومن أمثلة ذلك كشف تحقيق، أجرته منظمتا "أكسس ناو"، و"سيتزن لاب"، وشركاء محليون، عن الاستخدام الواسع النطاق في الأردن لبررنامج التجسس بيغاسوس، المملوك لمجموعة "إن إس أو" NSO الإسرائيلية، وأن ما لا يقلُّ عن 35 صحافيًا وناشطًا ومحاميًا من المشتغلين بحقوق الإنسان وأعضاء من المجتمع المدني قد استهدفهم هذا البررنامج في الفترة 2023-2019. ونظرًا إلى الطبيعة المتخفية لهذه التكنولوجيا، فقد أشار التقرير إلى صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك. ونفت المملكة العربية السعودية ذلك أيضًا في سياق آخر، عبرر "وسائل إعلامها استخدام برمجيات لمتابعة اتصالات عدد من المستخدمين المحليين والأجانب"، ووجد مختبرر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية أدلة على عمليات بيعٍ ونشرٍ متعلقة ببررامج تجسُّس شديدة التطفّل وتكنولوجيات مراقبة أخرى لشركات ووكالات حكومية في إندونيسيا في الفترة 2023-2017. وأشار التقرير إلى أنه جرى بيع برمجيات التجسس وتكنولوجيات المراقبة هذه ونقلها، عبرر نظام بيئي غامض، إلى بائعين ووسطاء وموزعي تكنولوجيات المراقبة ذوي هياكل ملكية معقدة. نستنتج من ذلك أنه على الرغم من أن عناصر من بانوبتيكون فوكو لا تزال قابلة للتعرف إليها في المراقبة الرقمية، فإن كلا النموذجين، نموذج فوكو ونموذج بنثام الأصلي، ينحرف كثيرًا عن المراقبة الرقمية. فلا تقتصر سجون البانوبتيكون الرقمية على نظرة المراقِب الذي يمزج المعرفة المتولدة منها بالسلطة (سلطة رجل الأمن، والمسؤول، والنظام)، بل إنّ سلطة المراقب الرأسملي، الذي يسعى للاستثمر في النظرة، تتدخل أيضًا عبرر تحويلها إلى رأس مالٍ ومصادر تمويلٍ وثروة. ولذلك، يُطلب اليوم من منظّري المراقبة الرقمية النظر إلى ما وراء البانوبتيكون.
خاتمة
كشفت هذه الدراسة، من منظور نقدي متشائم، عن أشكال التراجع والانكمش التي شهدتها الفضاءات الرقمية العربية؛ فهي لم تظلّ فضاءات للتحرّر أو حواضن لتمكين الأفراد، بل تحوّلت تدريجيًا إلى نُسخ مُعَدَّلة تكنولوجيًا أو مُعاد تشكيلها لتعزيز بنى الدولة السلطوية، سواء عبرر خوارزميات الشركات أو أجهزة الدول. وبدلًا من أن تتحوّل الشبكات إلى "مساحة استقلالية" قائمة بذاتها، أصبحت هي ذاتها بنية رقابةٍ هجينة، تُقوّي آليات الضبط، وتُضعف فرص الفعل الجمعي الشبكي وإمكاناته. وتؤدّي وقائع السنوات الأخيرة إلى استنتاج مركزي مفاده أنّ تراجع الحضور العربي اجتمعيًا وسياسيًا، بعد موجات الربيع العربي، لم يكن نتيجةً لسبب واحد، بل كان حصيلةً لتداخل ثلاث سياسات استبدادية، هي: استبداد آلي لاشخصي، تُديره أنظمة تكنولوجية؛ تجمع البيانات، وتُصنّف السلوكيات، وتوجّهها من دون حاجة إلى حضور الأطر القمعية التقليدية.
66 "Between a Hack & a Hard Place: How Pegasus Spyware Crushes Civic Space in Jordan," Access Now , 1/2/2024, accessed on 12/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPIi 67 "مصدر سعودي: لا صحة لاستخدام برنامج لمتابعة الاتصالات"، الشرق الأوسط، 2021/7/22، شوهد في 2025/12/12، في: https://acr.ps/1L9BPmw 68 "عالميًا: شبكة من المراقبة – الكشف عن شبكة غامضة من صادرات برمجيات التجسس إلى إندونيسيا"، منظمة العفو الدولية، 2024/3/1،
شوهد في 2024/8/23، في: https://acr.ps/1L9BPnZ
انضباط ذاتي مُستبطَن، يمارسه المستخدمون خوفًا من المراقبة، تأثُّرًا بسرديات التتبع والتجسّس. استبداد تشاركي، تنفّذه نخبة تكنولوجية/ سياسية تتحكم في تدفق المحتوى ومسارات الرأي العام، وتحوّل الأغلبية الرقمية إلى أداة صامتة داخل هندسةٍ غير متكافئة للاتصال. استنادًا إلى ما ناقشته الدراسة، يمكن القول إن العلاقة بين السلطة والمراقبة في الفضاء الرقمي العربي لم تظلّ علاقة هيمنة مؤسساتية خالصة، بل إنها صارت علاقة تواطؤ غير معلنٍ بين الأفراد والتكنولوجيا والسلطة؛ إذ يُسهم المستخدم، عبرر حضوره الطوعي على المنصات، في بناء البانوبتيكون الرقمي الذي يحدّ من استقلاليته ويعيد إنتاج بنى تهيمن عليه. ويبررز في هذا الخصوص استراتيجيات "استعادة الشوارع" الموقعية والشبكية، وسلع البيانات الوهمية التي تتقاسمها الشركات والحكومات، والتي تتكرّس في ظلها حالة مجتمعية هشّة، غير مُحصّنة، يصعب فيها على الفاعلين الشبكيين استعادة زمام المبادرة أو خلق موجاتٍ جديدة من الضغط الشعبي. وإن تراجع الحراك الشبكي العربي في الوقت الراهن ليس انكمشًا عابرًا، بل
هو مؤشر داٌّلٌ على تشكّل نموذج سلطوي رقمي جديد مبني على الضبط، والخوف، والتطبيع مع المراقبة، وتفتيت الجمعات الاحتجاجية. ومع ذلك، يبقى الرهان - وإن بدا هًّشًا – متعلقًا بقدرة الفاعلين الجدد على إعادة توظيف المعرفة التقنية وأدوات الضغط المدنية لمواجهة "رأسملية المراقبة"، واستعادة بعض إمكانات الفعل الجمعي العربي التي بُنيت عليها شبكات "الغضب والأمل"، قبل أن تُجِرِّفها ديناميات الاستبداد الرقمي المتصاعد.
المراجع
العربية
باومان، زجمونت وديفيد ليون. المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبرر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 دو توكفيل، ألكسي. الديمقراطية في أميركا. ترجمة بسام حجار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الحسيني، السيد. النظرية الاجتمعية ودراسة التنظيم. القاهرة: دار المعارف،.1985 زكاغ، بشرى. الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتمعي السياسي بالمغرب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 ________. "ثقافة الجمعات الشبكية وأثرها في الفعل السياسي بالمغرب". ورقة مقدمة في المؤتمر التاسع للعلوم الاجتمعية والإنسانية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة..2023/3/13-11 سيغل، ألكساندرا. "حروب تويتر الطائفية: الصراع والتعاون السنّي-الشيعي في العصر الرقمي". معهد كارنيغي للسلام الدولي. 2015/12/20:. في https://acr.ps/1L9F3ax عبد الرؤوف، علي. شعب وميدان ومدينة: العمران والثورة والمجتمع، القصة الإنسانية والمعمرية والعمرانية لميدان التحرير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 غيدنز، أنتوني. علم الاجتمع. ترجمة فايز الصياغ. ط 4. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 كاستيلز، مانويل. شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتمعية في عصر الإنترنت. ترجمة هايدي عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ماتيلار، أرمان. المراقبة الشاملة: أصل النظام الأمني. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2013 ماركوز، هربرت. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. ط 3. بيروت: منشورات دار الآداب،.1988 هابرماس، يورغن. التقنية والعلم ك "إيديولوجيا". ترجمة إلياس حاجوج. دمشق: وزارة الثقافة،.1999 هارفي، ديفيد. مدن متمردة: من الحق في المدينة إلى ثورة الحضر. ترجمة لبنى صبرري. بيروت: الشركة العربية للأبحاث والنشر،.2017 هانغ، بيونغ تشول. مجتمع الشفافية. ترجمة بدر الدين مصطفى. بيروت: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث،.2019
الأجنبية
Bentham, Jeremy. The Panopticon Writings. Miran Božovi č (ed.). London: Verso, 1995. Brandt, Richard. "Google Divulges Numbers at I/O: 20 Billion Texts, 93 Million Selfies and More." Silicon Valley Business Journal. 25/6/2014. at: https://acr.ps/1L9BPqQ Drucker, Peter. "Karl Polanyi and the Midcentury Critique of Economic Society." Journal of the History of Ideas. vol. 70, no. 3 (July 2009). Lyon, David. The Electronic Eye: The Rise of Surveillance Society. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1994. ________. "Surveillance, Liquidity and the Ethics of Visibility." Revue internationale de philosophie. vol. 277, no. 3 (2016). Manokha, Ivan. "Le scandale de Cambridge Analytica contextualisé: Le capital de plateforme, la surveillance et les données comme nouvelle 'marchandise fictive'." Cultures & Conflits. no. 109 (2018). ________. "Surveillance, Panopticism, and Self-Discipline in the Digital Age." Surveillance & Society. vol. 16, no. 2 (2018). Mattelart, Armand. "L'âge de l'information: Genèse d'une appellation non contrôlée." Réseaux: Communication - Technologie - Société. vol. 18, no. 101 (2000). McConnell, Michael, et al. "Content Moderation in a Historic Election Year: Lessons for Industry." Meta Oversight Board (May 2024). at: https://acr.ps/1L9BP7W Miller, Alfred Howard. "Extending the UAE Deep Packet Inspection Model to the GCC/ MENA Region." International Journal of Cyber Society and Education. vol. 6, no. 2 (December 2013). Morrison, Aimée Hope. "An Impossible Future: John Perry Barlow's 'Declaration of the Independence of Cyberspace'." New Media & Society. vol. 11, no. 1-2 (2009). Pickard, Victor. "Cooptation and Cooperation: Institutional Exemplars of Democratic Internet Technology." New Media & Society. vol. 10, no. 4 (2008). Santini, Marie, & Hanna Carvalho. "The Rise of Participatory Despotism: A Systematic Review of Online Platforms for Political Engagement." Journal of Information Communication and Ethics in Society. vol. 17, no. 4 (2019). Urry, John. Global Complexity. Cambridge, UK: Polity Press, 2003.