المياه من حق عمومي إلى سلعة اقتصادية: تحولات سياسات المياه في الأردن والمغرب
From a Public Right to an Economic Commodity: Water Policy Transformations in Jordan and Morocco
الملخّص
ملخص: تتناول هذه الدراسة سياسات إدارة المياه في الأردن والمغرب من منظور تحليل السياسات العمومية، متجاوزةً التفسير التقني والبيئي للندرة المائية إلى أبعادها السياسية والاجتماعية. وتنطلق من فرضية أن سياسات المياه لم كتن محايدة، بل شكلت رهانًا استراتيجيًا منذ الاستقلاال لضبط المجال الترابي وتعزيز استقرار السلطة واستمراريتها. واعتمادًا على منهج تحليلي مقارن، رصدت الدراسة تطور سياسة السدود، وخيارات الخصخصة، وتدخل المؤسسات المالية الدولية في إدارة هذا المورد الحيوي. وقد خلصت إلى أن هيمنة نموذج الليبرالية الجديدة على إدارة المياه أفضى إلى تسليعها وتحويلها من حق عمومي إلى سلعة اقتصادية؛ مما أنتج تفاوتات اجتماعية ومجالية عميقة وهشاشة مائية متزايدة. وأكدت الدراسة محدودية سياسات الخصخصة في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة المجالية، وأن ثمة ضرورة لتبنّي سياسات عمومية مندمجة قائمة على الحوكمة الرشيدة والشفافية والمشاركة المجتمعية، مع إعادة الاعتبار للمياه بصفتها حقّا إنسانيًا أساسيًا.
Abstract
Abstract: This study examines water management policies in Jordan and Morocco through the lens of public policy analysis, moving beyond purely technical and environmental accounts of water scarcity to highlight its political and social dimensions. It argues that water policies were not neutral; rather, since independence they have functioned as a strategic instrument for territorial control and for reinforcing the stability and continuity of political authority. Using a comparative analytical approach, the study traces the evolution of dam policy, privatization choices, and the role of international financial institutions in governing this vital resource. It finds that the predominance of the neoliberal model in water governance. This shift has led to the commodification of water, transforming it from a public right into an economic good. As a result, deep social and spatial inequalities have emerged, alongside an intensifying condition of water vulnerability. The study further underscores the limited capacity of privatization to deliver sustainable development and spatial justice, and it calls for integrated public policies grounded in good governance, transparency, and societal participation, while reaffirming water as a fundamental human right.
- السياسات العمومية
- سياسات المياه
- سياسة السدود
- حوكمة المياه
- الندرة المائية
- الأردن
- المغرب
- Public Policy
- Water Policy
- Dam Policy
- Water Governance
- Water Security
- Jordan
- Morocco
كلمت مفتاحية: السياسات العمومية، سياسات المياه، سياسة السدود، حوكمة المياه، الندرة المائية، الأردن، المغرب.
مقدمة
لا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى المياه بوصفها ظاهرة طبيعية تفسر بالمقاربة الفيزيقية وحدها؛ إذ إنها قضية اجتمعية وسياسية أوسع مج لًا، تحكمها غايات شديدة التنوع، ويعكس بعضها تناقضًا بين مصالح الأطراف المعنية بها. ونظرًا إلى هذا التعقيد، فإن مقاربتها تستوجب اعتمد مداخل جديدة تعين على الفهم والتفسير. ويُعدّ مدخل تحليل السياسات العمومية المرتبطة بإدارة هذا المورد أحد هذه المداخل. وانطلاقًا من ذلك، تقارن هذه الدراسة بين حالتين من مشرق العالم العربي ومغربه، هم المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية، وتطرح السؤال المركزي التالي: إلى أي حدّ شكلت المياه رهانًا استراتيجيًا في السياسات العمومية للدولة في المنطقة العربية؟ لقد اعتمدت هاتان الدولتان، بُعيد استقلالهم، سياسات تنموية مركزية، غير أن التطورات اللاحقة على مستوى التطبيق كشفت إخفاقها المتوالي في بلوغ أهدافها المعلنة، وذلك في ظل اقتصاد اعتراه الضعف، وارتفعت فيه معدلات البطالة، وتفاقمت معه التفاوتات المجتمعية. وقد أسفر هذا الوضع عن لجوء حكومتَي البلدين إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، مع القبول بالخضوع لإملاءات وشروط ضيّقت مجال التدبير العمومي. وفي هذا السياق، جرى تبنّي سياسات الخصخصة التي قضت بنقل ملكية عدد من القطاعات المنتجة من الملكية العامة إلى القطاع الخاص. ومع بداية تسعينيات القرن الماضي، اعتمد البلدان في مجال إدارة المياه توجهًا ليبرراليًا، أفضى إلى تسليع هذا المورد ورفع تكلفته على المواطن، مستندين في ذلك إلى تشريعات وقوانين أضفت الشرعية على نشاط لم تعد تمتلك حياله سلطة القرار. أثارت التحولات التي عرفتها إدارة المياه في البلدين تساؤلات حاولت بعض الدراسات معالجتها، من ذلك مثلًا دراسة دور المؤسسات غير الرسمية في إدارة المياه على مستوى البلديات والقرى، ودراسة الأطر التشريعية المواكبة لمشاريع وسياسات إدارة المياه، وأهمية نظام البيانات بوصفه من ركائز الحوكمة. وانتهت بعض الدراسات إلى نتائج مهمة في شأن مضاعفات الخصخصة وتسليع المياه على المعيش اليومي للمواطنين؛ إذ أفضت التطورات إلى نقل المياه من مورد طبيعي (عمومي) مشترك إلى سلعة قد يؤدي تحكمُ مؤسساتِ التمويل الدولية والشركات العابرة للقوميات فيها إلى تفقير المجتمعات، والحد من سيادتها على مواردها الطبيعية وتهديد
للمزيد عن تحليل القرار واللاقرار في السياسات العمومية للدولة في قطاع المياه، ينظر: Thomas. R. Dye, Understanding Public Policy , 11 th ed. (Boston: Pearson, 2008); Pierre Muller, Les politiques publiques , Collection: Que sais-je? 2 nd ed. (Paris: PUF, 1994). حبيب معلوف، "سياسات البنك الدولي الترويجية لمشاريع الاستثمار في المياه وخصخصتها (سد بسري لبنان نموذجًا)"، في: الاتجار في العطش: مؤسسات التمويل الدولية والحق في المياه بالمنطقة العربية، عبد المولى إسماعيل (محرر) (القاهرة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2018)، ص.117 ربيع وهبة، "المياه: من حق للجميع إلى مورد في أيدي المهيمنين (دور الشركات عابرة القوميات والمؤسسات المالية الدولية)"، في: الاتجار في العطش، ص.28 Munther Haddadin, "Evolution of Water, Administration and Legislation," in: Munther Haddadin (ed.), Water Resources in Jordan: Evolving Policies for Development, The Environment and Conflict Resolution (Washington, DC: Resources for the Future Press, 2006), p. 28 Franklin M. Fisher et al., Liquid Assets: An Economic Approach for Water Management and Conflict Resolution in the Middle East and Beyond (Washington: Resources for the Future Press, 2005), p. 155. 6 وهبة، ص.28
أمنها الغذائي. وتربط دراسات أخرى بين المسألة المائية والتغيرات المناخية، مكتفية بالنظر إليها بوصفها نتاجًا للتحولات التي أصابت الطبيعة، ومغيبةً السؤال المتعلق بالمصالح التي تسندها السياسات العمومية إلى المياه. والواقع، أن المسألة المائية تتسم بالتشعب والتعقيد؛ إذ ينبغي أن تصاغ سياسات إدارة المياه ومشاريعها ضمن إطار سياسات عمومية شمولية، مندمجة ومستدامة، بما يضمن بلوغ الأهداف المتوخاة. وتقتضي هذه الاستدامة الاعتمد على بيانات دقيقة وموثوقة تتعلق بالمياه، فضلًا عن المعطيات الديموغرافية، وذلك بغية تحقيق التوازن بين كميات المياه المتاحة، سواء التقليدية أم المتجددة، ومستويات الطلب عليها. يتوفّر كل من الأردن والمغرب على موارد مائية متنوعة، تشمل المياه السطحية والمياه الجوفية والمياه، إضافة إلى الموارد المائية المتأتية من الوديان والسدود. غير أن ثمة فارقًا جوهريا بين البلدين، يتمثّل في كون الأردن لا يمتلك السيادة الكاملة على جميع موارده المائية خلافًا للمغرب. ويسهم هذا في تفسير التحولات التي طرأت على سياسات إدارة المياه في الأردن، كم يدعو إلى مساءلة السياسات المعتمدة في المغرب والكشف عن أسباب تعثرها. وينصبّ الاهتمم في هذا السياق على مشاريع المياه وسياساتها في البلدين منذ الاستقلال، مع الوقوف عند الرهانات المصاحبة لها. فقد اعتمد البلدان، عقب الاستقلال، سياسة تشييد السدود لمواجهة التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، لا سيم في ظل التقارير الدولية التي تصنف الأردن والمغرب ضمن البلدان الأكثر عرضة للندرة المائية، نتيجة تواتر موجات الجفاف المتتالية وارتفاع درجة الحرارة. لم تكن سياسة السدود سياسة محايدة، بل فرضت في سياق رهانات سياسية ارتبطت بقضايا الاستقرار السياسي وإنتاج المشروعية. ففي المغرب، أسهم الصراع السياسي حول الجهة المخولة اتخاذ القرار في السياسات العمومية في ترجيح كفة دعم الأعيان على حساب بقية الفئات الاجتمعية الأخرى؛ الأمر الذي عمّق الهوة بين أقلية حاكمة وبقية مكونات المجتمع. أمّا في الأردن، فالوضع كان مختلفًا بحكم الموقع الجغرافي وتعقيدات السياق السياسي؛ إذ أظهرت السياسات المتعلقة بإدارة مياه نهر الأردن رغبة النظام في تحقيق نوع من العدالة المجالية. غير أن تموضع الأردن في منطقة توتر دائم حال دون تفعيل هذه التوجهات، وفرض عليه تقاسم الموارد المائية مع سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي. ويتضح في هذا الإطار أن عددًا من الحروب والنزاعات في المنطقة كان للمياه دور محوري في اندلاعها. ويُفَّسر تعّثر تنفيذ مقترح المهندس الأميركي ميلز بانجر Bunger Mills، الذي دعا إلى إنشاء
7 المرجع نفسه، ص.29 8 Fisher & Huber-Lee, p. 171. Jürgen Habermas, Connaissance et intérêt , J.-R. Ladmiral (trans.) (Paris: Gallimard, 1979 [1968]). 10 Dominick de Waal et al., The Economics of Water Scarcity in the Middle East and North Africa: Institutional Solutions (Washington, DC: World Bank Group, 2023), accessed on 25/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2EB 11 في عام 1965 ح رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي ليفي أشكول قائلًا: "قد تُضطر إسرائيل إلى القتال من أجل مياهها". ينظر، صرّ:
A. Wolf, Hydropolitics along the Jordan River (Tokyo: United Nation University Press, 1995), p. 51.
وفي عام 1992، قال شيمون بيريز: "إسرائيل بحاجة إلى الماء أكثر من حاجتها إلى الأرض". ينظر:
Frédéric Lasserre, "Le prochain siècle sera-t-il celui des guerres de l'eau?" Revue internationale et stratégique , no. 33
(Printemps 1999), pp. 1-17; Hugo Sada, "L'Afrique entre guerre et paix," Revue internationale et stratégique , no. 33
(Printemps 1999), p. 104;
يمكن مراجعة:
Razmig Keucheyan, La nature est un champ de bataille. Essai d'écologie politique (Paris: Zones, 2014); J. Cooley, "The
War Over Water," Foreign Policy , no. 82 (1991).
سد الوحدة المعروف سابقًا ب "سد المقارن" بدلًا من بحيرة طبرريا، باعتمد الأردن قرارًا أحاديًا في إدارة موارد نهر الأردن، من دون إرساء آليات تشاور وتنسيق مع الدول المشاطئة، خاصة سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي. وفي وصف النظام السياسي في البلدين معًا، نلاحظ تقاربًا في جوانب متعددة؛ إذ يتوفران على دستور ويعترفان ب "التعددية السياسية" و"الثقافية". لكن ذلك لم يكن كافيًا للحد من ظواهر التهميش وانعدام المساواة الاجتمعية. وعلى مستوى مشاريع المياه ومخططاتها، ظلت تنمية موارد المياه من أجل التنمية الاقتصادية والاجتمعية هدفًا معلنًا، لكن النتائج لم تكن في مستوى هذا الهدف. وفي العموم، ارتبطت السياسات العمومية للدولة بعد الاستقلال برهان السلطة، عبرر توظيف مقاربة أمنية تستهدف ضبط المجال ومراقبته في مقابل تنميته، ولتبتعد الدولة عن تطلعات المواطنين وانتظاراتهم، ولتسهم سياساتها في خلق هوة شاسعة بين طبقة سياسية حاكمة وبقية فئات المجتمع. في ضوء هذا كله، تسعى الدراسة لسبرر رهان السياسات العمومية للدولة في مجال إدارة المياه وما يرتبط بها من مجالات التنمية الأخرى، وفهم ما واجهته هذه السياسات من تعثر على صعيد نتائجها واستدامتها. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي المقارن إطارًا منهجيًا رئيسًا، حيث قارنت بين تجربتي الأردن والمغرب في إدارة المياه، من خلال مدخل تحليل السياسات العمومية. وقد تم تجاوز التفسير التقني والبيئي للندرة المائية إلى تحليل الأبعاد السياسية والاجتمعية والاقتصادية لسياسات المياه، وذلك باستخدام التحليل التاريخي لرصد تطور هذه السياسات منذ الاستقلال، مع التركيز على سياسة السدود وخيارات الخصخصة وتدخل المؤسسات المالية الدولية. واعتمدت الدراسة كذلك على تحليل متعدد المستويات، شمل التحليل المؤسسي لدراسة دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والتحليل التشريعي لفحص الأطر القانونية المنظمة لقطاع المياه، والتحليل الاقتصادي - السياسي لفهم تأثير الليبررالية الجديدة والخصخصة في إدارة الموارد المائية. واهتمت كذلك برصد الأثر المجتمعي لهذه السياسات، من خلال دراسة التفاوتات الاجتمعية والمجالية والهشاشة المائية الناتجة من تسليع المياه وتحويلها من حق عمومي إلى سلعة اقتصادية. وتعالج الدراسة الموضوع عبرر محورَين أساسَييَن، يتناول الأول السياسات العمومية في حالتَي الدراسة، وتطور تلك السياسات منذ المرحلة الموالية للاستقلال مباشرة، وكيف نحت الدولتان إلى تبني مقاربة أمنية على المستوى المجالي والإقليمي، وكذا يمكن فهم سياسة السدود ضمن سياقها التاريخي، وطبيعة المصالح المرتبطة بها. أمّا الثاني، فيسعى لتقييم فاعلية سياسات إدارة المياه وتشريعاتها المعتمدة من لدن حكومتَي البلدين،
12 Haddadin, p. 31. 13 حول التعددية السياسية والثقافية في النظم السياسية بالعموم، ينظر: Jacques Lagroye, Sociologie politique (Paris: Presses FNSP-Dalloz, 1997); Gabriel Allmond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Princeton: Princeton University Press, 1980). 14 "NMD et la Crise de l'Eau: Déconstruire le lien entre les Retards d'Implémentation et le Désespoir Socio-économique de la Génération Z au Maroc," marocscenarios , 13/10/2025, accessed on 15/1/2026 at: https://acr.ps/1L9B9Gy; Fisher et al., pp. 177-179. 15 "حازم الناصر ينتقد حكومة الرزاز: إلغاء سلطة المياه خطأ كبير"، صحيفة نيسان، 2020/2/18، شوهد في 2025/7/3، في: https://acr.ps/1L9F3d0؛ وفي المرجع نفسه، قال حازم الناصر، الخبير بقطاع المياه ووزير سابق في قطاع المالية، "إن موضوع المياه ليس على رأس أولويات الحكومة الحالية ولم يكن من أولويات الحكومة السابقة [حكومة عمر الرزاز]".
وفهم أسباب اتجاههم إلى الخصخصة واعتمد نهج التدبير المفوض أو شركات التنمية المحلية، وكذا تدبير الموارد لبناء السدود من خلال تحميل كلفتها للأفقر.
أولًا: السياسات العمومية للدولة بين رهانات التنمية وإكراهات الرقابة المجالية
إذا كانت النظريات السياسية المهيمنة في تلك الفترة تدعو إلى تعبئة الموارد المالية وتدبيرها بطرائق تسهم في بناء اقتصاد وطني وتنميته من أجل بلوغ التنمية السياسية والديمقراطية، فإن الفعل العمومي في البلدين ظل حبيس سؤال: من صاحب السلطة، أو من يحكم؟ فبعد استقلال البلدين، أصبح هاجس الاستقرار السياسي عاملًا مؤثرًا في القرارات وتحديد الأولويات السياسية. وكان من أثر هذا الهاجس أن ارتبطت سياسات المياه برهانات بعيدة عم تعلنه الدولة من أهداف؛ ذلك من أجل خلق اعتقاد أن السياسات المعتمدة في مجال إدارة المياه مندمجة مع السياسات العمومية في شموليتها. ويمثّل الاستقرار السياسي عاملًا مهّمًا في ممرسة الحكم والسلطة، ومن أثر غيابه تعطيل مشاريع التنمية وتأخيرها. وقد شكّل سببًا في عدم اتخاذ القرارات السياسية المهمة في حينها، فضاعت بذلك فرص حقيقية للتنمية. وفي الإمكان القول إن حقبتين أساسيتين رسمتا شروط الاستقرار السياسي في البلدين، وانعكستا مباشرة على طريقة اشتغال الدولة في تدبير الموارد، وعلى رأسها من جهة، المياه، وتوظيف السياسات العمومية في ضبط المجال ومراقبة الساكنة؛ ومن جهة أخرى، تعطيل قرارات مصيرية كان يمكن أن تفتح أفقًا مختلفًا للتنمية والعدالة المجالية.
1. الأردن: أمن المياه وبناء السيطرة المجالية
يرتبط هاجس أمن المياه في الأردن بمجريات الصراع العربي - الإسرائيلي؛ إذ شّك لت المياه الجوفية ومياه نهر الأردن أهدافًا استعمرية منذ تشُّكُل مشروع دولة الاحتلال. وقد جرى تأطير سياسة المياه في الأردن ضمن خطط الاستعمر لإنشاء مجال ترابي خاص باليهود في فلسطين، وهو ما وقع بعد نكبة عام 1948. شكّلت الفترة 1957-1952 مرحلة فاصلة في التاريخ السياسي هناك، وذلك بعد إصدار الدستور، حينم اعتمدت الدولة مخططات وبرامج قام بها خبرراء ومهندسون أجانب، متخصصون في المياه، وقد شكلت الأساس لكل السياسات والمشاريع المتعلقة بإدارة المياه فيم بعد. في عام 1955، تبنت الحكومة الأردنية سياسة لإدارة موارد المياه في حوض الأردن، ترتكز على فكرة السفير الأميركي، أريك جونسون Johnson Eric؛ إذ اقترح خطّة موَّحَدة على جميع الأطراف. هكذا، تركزت السياسات المائية للدولة على حوض نهر الأردن، وجرى تكليف إحدى الشركات البرريطانية، وهي شركة "السير إم. ماكدونالد وشركاؤه" Partners & MacDonald M. Sir،
16 Catherine Colliot-Théléne, "Violence et contrainte," in: Etienne Balibar, Bertrand Ogilvie (dir.), Violence et politique , Collection: Revue Lignes, no. 25 (Paris: Edition Hazan, 1995), pp. 264-279. 17 استقل الأردن بانتهاء الانتداب البرريطاني في أيار/ مايو 1946، واستقل المغرب بانتهاء الحماية الإسبانية والفرنسية في عام.1956 18 Haddadin, p. 30. 19 Ibid.
بإجراء دراسة لتقييم إمكانية استخدام مياه حوض نهر الأردن. وقد شّك لت هذه الدراسة الأساس لتطوير سياسات شاملة من أجل تنميته. كان الهدف المعلن لهذه السياسة تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتمعية، في حين تجسد الرهان الرئيس في مراقبة المجال وضبط الساكنة، بالتحكم في موارد المياه وطرائق إدارتها بعدما كانت المجالس المحلية هي صاحبة الاختصاص. لذلك اعتنت الحكومة الأردنية بتعديل سياسات المياه، واتجهت إلى الاهتمم بمياه نهر الأردن وتنظيم إدارتها، مع ربط الحق في الاستفادة منها بملكية الأراضي. وقد ساعدها هذا الإجراء على ضبط الساكنة على المستوى المجالي من خلال إحداث نظام جديد للري، تجري فيه جباية رسوم من المستفيدين في مقابل الإدارة والصيانة. وما دام الحكم يشترط المشروعية السياسية أو الرضا العمومي، فقد لجأت الحكومة في الأردن إلى تبني سياسات ومشاريع إدارة المياه وتوزيعها على أساس ملكية الأراضي الزراعية؛ إذ أعادت تقسيمها مع تحديد كمية المياه اللازمة لريها. ويبّين ظاهر قراءة الخطة المعتمدة في إعادة توزيع هذه الأراضي وتحديث القطاع، والتي فرضت بمقتضى القانون رقم 38 لعام 1946، الذي أوكل للحكومة صلاحية إدارة المياه، والقانون رقم 40 لعام 1952، المحدد لحقوق ملكية الأراضي والمياه، أن الدولة تريد الحد من الخلافات الممكن نشوبها بين الفلاحين. بيد أن قراءة مغايرة، تهتم بتصورات الفاعلين السياسيين ستبررز أن الدولة لا تريد التدخل في القطاع من أجل تنظيمه وحسب، بل تهدف أيضًا إلى ضبط السكان ومراقبة المجال. ويعتبرر تنظيم القطاع العقاري وتوزيع حصص المياه تجسيدًا للسلطة على المستوى المجالي؛ إذ من خلال هذه العملية ستتمكن الدولة من معرفة السكان فردًا فردًا، بتتبع مساراتهم، وتعينها في ذلك مصالحها الخارجية بتعيين موظفين عموميين موالين لها، يسهرون على تنزيل البررامج والمخططات الحكومية بأمانة تامة، بما في ذلك تحديث القطاع العقاري، عبرر تحديد الأراضي القابلة للري في الوثائق العقارية الجديدة الصادرة عن إدارة الأراضي والمساحة. قد نقت عن بأن قرار إعادة توزيع ملكية الأراضي على الفلاحين وتمكينهم من الاستفادة من حصص مائية تساوي المساحة المملوكة يعكس سعي الدولة لتحقيق العدالة المجالية بوصفها هدفًا رئيسًا، غير أن الواقع يكشف أن تحكّم الدولة في توزيع حصص المياه على المزارعين أخفى أمرًا آخر
مفاده أن الانتفاع بالأرض والمياه ظل مشروطًا بالولاء والطاعة. وبعدما ظن المراقبون أن الحياة السياسية في الأردن ممأسسة ومنظّمة وفق قواعد عقلانية، اصطدموا بممرسة سياسية تستند إلى أحكام العرف، فتعطّل بذلك دور الأحزاب السياسية، ولم يُستأنف العمل بنظامها إلا عام 1989، وكان من مبرررات النظام السياسي الحفاظ على أمن الدولة واستقرارها. لم يستوعب الفاعل السياسي في الأردن، في مراحل معينة، أن بلورة السياسات والمشاريع المرتبطة بحوض نهر الأردن تقتضي بالضرورة الانخراط في تفاعلات إقليمية مع دول الجوار، حتى في الحالات التي تتسم فيها
20 Ibid., p. 32 21 Ibid., p. 32. 22 Ibid. 23 Ibid. 24 Ibrahim Fawzi Riyath, "The Role of Political Parties in Shaping the Democratic Process in Jordan," Al-Biruni Journal of Humanities and Social Sciences , vol. 3, no. 4, (2025), pp. 1-8.
العلاقات بطابع عدائي. ذلك أن منطق الواقعية السياسية يقوم على تجاوز ثنائية الصديق والعدو الدائمين، ويؤكد أن المصالح هي المحدد الرئيس للسلوك السياسي. وعليه، فإن التعامل مع الخصم في سياقات معينة يستوجب تبني استراتيجيات عقلانية، تهدف إلى احتوائه أو تحييد تهديداته، بل قد تفرض الممرسة السياسية، في بعض الأحيان، الدخول في تحالفات ظرفية تمليها اعتبارات المصلحة والضرورة. وعليه، فإن الانخراط في مسارات التفاوض مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وما ترتب عليه من أشكال تطبيع، وإن لم يشكّل يومًا خيارًا استراتيجيًا نابعًا من إرادة سياسية مستقلة، بالنظر إلى الضغوط البنيوية التي واجهها الأردن منذ الاستقلال، لا يحول دون إثارة التساؤل حول حكامة سياسات المياه في إطار نسق مركب من العلاقات والأدوار والاستراتيجيات؛ وذلك لأن هذا النسق تحكمه قواعد ناظمة، يتعّين على كل فاعل يسعى للتأثير داخله أن يستوعبها ويُحسن توظيفها بما يخدم تحقيق الأهداف المتوخاة. ومن منظور سيكولوجيا التنظيمت، ومع أخذ ما تعرضت له الموارد الطبيعية من استنزاف مفرط في ظل النظام الرأسملي في الاعتبار، خاصة منذ منتصف القرن العشرين، يغدو التفكير في نماذج تدبيرية تتسم بالصلابة والابتكار أمرًا ملًّحًا. وفي هذا السياق، يدعو بعض الباحثين إلى تبني مقاربات تقوم على ما يُعرف ب "التعاون القائم على الصراع"، باعتباره آلية عملية لإدارة التوترات. ومن ثمّ، وفي ظل اشتداد التنافس حول الموارد المائية المشتركة، يبدو التعاون خيارًا لا مفر منه، على الرغم من التباين في المرجعيات القيمية والثقافية بين الفاعلين.
2. المغرب: سؤال من يقرر وضبط المجال العام عبر الأعيان
في المغرب، كان السؤال المركزي المحدد للحياة السياسية بعد الاستقلال هو: من يقرر في السياسات العمومية؟ وقد شكّل موضوعًا للصراع السياسي بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية، التي كانت تريد ملَكِية تسود ولا تحكم. وقد أبدت أحزاب الحركة الوطنية ميلها إلى التغيير السياسي وبناء اقتصاد وطني، قوامه التصنيع وتأهيل المزارعين والفلاحين وتكوين الأطر العليا، لكن هذه الأحزاب افتقدت الرؤية الاستراتيجية، وكذا المرونة في اتخاذ المواقف. لقد أسهم إصرار زعمئها آنذاك على سياسة الحزب الواحد وملكية تسود ولا تحكم في تعطيل فرص المغرب في الالتحاق بالبلدان المتقدمة. وفي سياق هذا الصراع حول الحكم في مغرب ما بعد الاستقلال، لم تتشكل أولوية لسياسات المياه ضمن جدول أعمل الحكومة قبل عام 1960. وتحمل الفترة 1962-1956 دلالات سياسية عميقة؛ إذ كان تصوّر أحزاب اليسار مخالفًا لتصوّر القصر بشأن من يقرر في السياسات العمومية. وكان الملك الحسن الثاني (1999-1962) معاديًا لهذا التوجه ورافضًا لسياساته، فتبنى بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم (1960-1958) سياسات ترمي
25 Julien Freund, L'essence du politique 3 ème ed. (Paris: Dalloz, 2003). 26 يقول ماكس فيبرر في شأن تفسير الانخراط في الممارسة السياسية: "كان المسيحيون الأوائل يدركون أن العالم تحكمه قوى شيطانية، وأن انخراط الفرد في السياسة؛ باعتبارها مج لًا لممارسة السلطة والعنف، يُعدّ بمنزلة إبرام عهد مع قوى شريرة". ينظر: Max Weber, Le savant et le politique , Julien Freund (trad.) (Paris: Edition Plon 1959), p. 210. 27 Michel Crozier & Erhard Friedberg, L'acteur et le système (Paris: Edition du Seuil, 1977). 28 Marc Benninger, "Compte rendu du livre d'Yves Clot: Le prix du travail bien fait, éd. La Découverte, 2021, 221 pages," hrtoday , 16/6/2022, accessed on 22/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2yw 29 ضمن الملف المعنون انتخابات 8 شت برن 2021 ورهانات العشرية الثانية لدستور 2011، ينظر: يوسف الظهرجي، "العزوف السياسي فعل مؤثر في السياسات العمومية"، المجلة المغربية للدراسات القانونية والسياسية، العدد 1 (2023)، ص.288
إلى بناء علاقات مستقرة مع الغرب، وتحقيق الاستقرار السياسي الداخلي وفق سياسة اقتصادية واجتمعية محافظة. وتبنت الحكومة الجديدة سياسة مغايرة؛ إذ بدلًا من تصنيع البلاد اهتمت بالزراعة وراهنت على قطاع السياحة لجلب العملة الصعبة. ولتحقيق أهدافه والوفاء بوعوده للغرب، أصدر الملك دستور 1962، القائم على فصل السلطات لفائدة الملكية، فضلًا عن تضمينه الفصل 19 المنظم لحقل إمارة المؤمنين باعتبارها ضامن المشروعية التاريخية والدينية للملكية. وعلى الرغم من إصدار هذا الدستور، ظل التوتر وغياب الحوار والاعتراف المتبادل مخيمًا على المشهد السياسي الذي بقي معطلًا إلى حدود عام 1977. وعلى مستوى المجال، كان هاجس الوحدة عاملًا محددًا لسياسات الدولة على المستوى الترابي؛ إذ عملت على تبنّي مقاربة أمنية هدفها مراقبة المجال. وساعدها على ذلك التحكم في توزيع الأراضي المسترجعة من المستعمر وموارد المياه، عبرر سياسات ومشاريع شكّل الأعيان أهم المستفيدين منها، على حساب بقية الفئات، التي عانت التهميش وغياب المساواة الاجتمعية، فأضاعت، بذلك، الفرصة التاريخية لبلوغ العدالة المجالية. ومن مضاعفات هذا الوضع، خروج المواطنين للتظاهر ورفع الأصوات الرافضة لكل أشكال التهميش والعنف. وقد كان لأحداث الريف عام 1957 وقع متميز؛ إذ تعاملت السلطات معها على نحوٍ مختلف، عبرر "مشروع سبو" للتنمية المحلية. وكان لهذا المشروع أن يشكّل نقطة تحوّل مهمّة في سياسة الدولة تجاه مناطق الريف والأطلس الكبير، ويدفعها إلى العمل على تنفيذ سياسات من أجل تطوير المنطقة وتأهيلها اقتصاديًا واجتمعيًا، بدلًا من ضبطها ومراقبتها. وكم كان الشأن بالنسبة إلى دول أخرى في الشرق الأوسط، كانت الهيئات الدولية مستعدة لتمويل المشاريع المتعلقة بهيكلة أهم الأحواض النهرية في المغرب وتنظيمها. يتموضع مشروع سبو ضمن هذا السياق، بالنظر إلى الإمكانات الهائلة لسهل الغرب، والتي تسمح بتجهيزه للري وتنظيم الفلاحين، بحسب ما توصل إليه خبرراء منظمة التغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. لكن الدولة، ممثلةً في شخص وزير الداخلية آنذاك محمد أوفقير (1972-1964)، كان لها رأي آخر؛ إذ اعتبررت أن المسألة تتعلق بمؤامرة شيوعية، فأنهت مهمتهم. والواقع، كان من بين أهداف مشروع حوض سبو تنظيم الملكية العقارية في منطقة الغرب وتحديثها، من خلال توزيع الأراضي على الفلاحين، لكن الدولة رأت أن مثل هذا الإجراء قد يعصف بالتوازنات السياسية والاجتمعية القائمة في منطقة الغرب، وأن استقرار النظام واستمراريته يتطلبان تأطير إدارة الداخلية للسكان.
30 Pierre Vermeren, Histoire du Maroc depuis l'indépendance (Paris: Edition La Découverte, 2006), p. 30. 31 Ibid., p. 23. 32 محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية 1991-1962 (الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992)، ص.13 33 R. Elmossadek, "Les forces politiques face au problème de la démocratisation du régime au Maroc," Thèse d'Etat en sciences politiques, Université Paris -XII, 19/6/1981, p. 15. 34 محمد معتصم، النظام السياسي الدستوري المغربي (الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992)، ص.70 35 محمد الناصري، " مراقبة المجال الترابي أو تنميته؟ مأزق السلطة منذ قرن"، في: محمد الناصري [وآخرون]، التحولات الاجتماعية بالمغرب (الرباط: مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، 2000)، ص 70-15. 36 المرجع نفسه، ص.44 37 المرجع نفسه، ص 45،.49 38 المرجع نفسه.
لقد تعرض النظام، من جراء السياسات المائية والزراعية الداعمة للأعيان، لمحاولتين انقلابيتين (1972 و.)1971 فقد أحدثت هذه السياسات تفاوتات مجتمعية بين نخبة مالكة لقوى ووسائل الإنتاج وبقية فئات المجتمع؛ فعلى سبيل المثال، كان تمويل سياسات السدود في بداية الثمنينيات يتم من خلال زيادات في أثمان السلع الأساسية، كالشاي والسكر. ونظرًا إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، فقد خرجوا متظاهرين ضدها، في المدن الكبررى بالخصوص، كالدار البيضاء وفاس ومراكش ومنطقة الريف. وإذا أردنا تقييم سياسات السدود من بدايتها، فإننا نلاحظ غياب الحياد في إعدادها وتنفيذها؛ لأن المشروعية السياسية شكّلت رهانًا رئيسًا. ففي عام 1973، صدر ظهير المغربة؛ إذ بمقتضاه تم استرجاع الأراضي من
المستعمر، بهدف توزيعها على المواطنين، إلا أن الأعيان شكّلوا المستفيد الأكبرر. وقد منحتهم الدولة الحرية الكاملة في زراعة المحاصيل في غياب تام للمراقبة والتقييم، الضروريين لأي سياسة مائية مندمجة ومستدامة. هكذا استغل الأعيان الوضع المتوتر سياسيًا واجتمعيًا، وكذا الفراغ القانوني المتعلق بهيكلة المياه وتنظيمها توزيعها والاستفادة منها، فبادروا إلى زراعة منتجات مجهدة للمياه، ووسعوا دائرة حفر الآبار، وأفرطوا في استهلاك المياه؛ مم أثر سلبيًا في الموارد المائية للبلاد. واستنادًا إلى ما تقدم بشأن حالتَي الأردن والمغرب، يمكن القول إن البلدين لم يكونا يتوقعان ما ستفرضه التناقضات والاختلافات السياسية وكذا التحالفات والمصالح الخارجية من سياسات. إن الظروف الداخلية والخارجية المحيطة بالبلدين معًا قد حجبت الرهانات الرئيسة عن الفاعلين السياسيين، حكومةً ومعارضةً، ومن ضمنها المياه. من هذا المنطلق، تبررز التجربة السياسية في البلدين غياب التفكير الاستراتيجي في التعامل مع القضايا المرتبطة بإدارة المياه. فالأردن أراد تنفيذ سياسات ومشاريع في ارتباط بمياه ذات صبغة دولية، من دون التشاور مع البلدان المشاطئة؛ إذ اعترضت عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومنعت التمويل بصفتها الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية. وكان لمشروع سبو في غرب المغرب أن يُحدث الفارق، لو تم استغلاله على الوجه المطلوب؛ إذ كان في الإمكان تجهيز الحوض للري وتنظيم الفلاحين، في ظل وجود الهيئات الدولية في الميدان واستعدادها لدعمه ماليًا. لكنّ تعارض المصالح أفضى إلى وقفه، بإنهاء أوفقير مهمة خبرراء منظمة التغذية والزراعة، وهو الذي كان وراء تنظيم انقلاب عام 1972. فعندما لا يتقاسم الفاعلون السياسيون التصور نفسه لما ينبغي أن تكون عليه المصلحة العامة، ويغيب منطق التشاور والتعاون، تضيع الفرص الحقيقية لبلوغ الأهداف المتوخاة.
ثانيًا: المياه، رهان تنموي أم سيايس؟
يشكّل الماء مادةً حيويةً ترهن مستقبل الفرد والجمعة، وقد بيّنت الدراسات أن التقدّم في أوروبا لم يتحقق فعليًا إلا حينم جعلت الحكومات الماء والصرف الصحي أولوية في سياساتها العمومية؛ فعبّأت الموارد المالية والتكنولوجيا، وأصدرت القوانين التنظيمية لضمن ولوج الجميع إلى الماء وخدمات الصرف الصحي. قبل هذه
39 في كانون الثاني/ يناير 1984، خرج سكان المدن الكبررى في المغرب للاحتجاج على غلاء المعيشة. ونعت الملك الراحل الحسن الثاني المحتجين في منطقة الريف ب "الأوباش"، ضمن خطاب يمكن اعتباره مؤرخًا لتلك الاحتجاجات. ينظر: Michel Rousset, "Politique administrative et controle social," in: Jean-Claude Santucci (dir.), Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition? (Paris: Aix-en-Provence, Institut de recherches et d'études sur les mondes arabes et musulmans, CNRS Éditions, 1992), pp. 151-169.
الإصلاحات، عانت أوروبا من ارتفاع وفيات الأطفال، وضياع فرص التعليم لفائدة النساء، وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، لكن اعتمد سياسات مائية مندمجة ومستدامة أفضى إلى مكاسب ملموسة في الصحة والتعليم؛ فعلى سبيل المثال أسهم تطور الصرف الصحي في بريطانيا في رفع الأعمر المتوقعة بنحو 15 عامًا خلال العقود الأربعة التي تلت عام 1880. وقد تجلت أهمية هيكلة القطاع في الاهتمم أولًا بجودة المياه، وجعل المياه النظيفة متاحة عبرر شبكات الأنابيب، إلى جانب شبكات صرف صحي تستوفي معايير الخصوصية والسلامة، ثم في الارتقاء بالماء إلى مستوى الحق الأساسي المحِّدِد للحقوق الأخرى، انطلاقًا من اقتناع بأن الأمن المائي يقتضي ضمن كمية كافية من المياه العذبة بثمن مناسب مع الحفاظ على النظام البيئي، وباعتبار توفير 20 لترًا يوميًا لكل مواطن شرطًا لجعل الحق في الماء واقعًا معيشًا. ووقف وراء هذه السياسات مثقفون ملتزمون، أسهموا بكتاباتهم في نشر الوعي والثقافة السياسية، بما مكّن المواطنين من مساءلة حكوماتهم. وبالنظر إلى حالتي الأردن والمغرب، يمكن القول إنه من الممكن أن نستوعب الإكراهات التي فرضتها ظروف ما بعد الاستقلال داخل البلدين، لكن الظروف في الوقت الراهن تتغير والبيانات المتعلقة بمنسوب المياه متوافرة، ومن ثم يمكن استثمرها في رسم وإعداد سياسات ومشاريع لإدارة المياه على نحوٍ يحد من الإفراط في استخدامها ويضمن جودتها. لقد أصبح البلَدان، في ظل شح التساقطات المطرية وارتفاع درجة الحرارة، يواجهان تحديات مرتبطة بالندرة المائية والإجهاد الهيدروليكي. فكيف تعاملت حكومات البلَدين مع مشكلات الندرة والجفاف والضغط المائي والتلوث؟ هل أدارت المياه باعتبارها سلعة أم ملكية عمومية؟
1 ي. أثر ندرة المياه وتلوثها ف الحياة الاجتمعية للأفراد يواجه الأردن والمغرب أزمة هيدروليكية حادة، بسبب الجفاف واستنزاف الأحواض المائية، وتأكدت هذه الحالة بعد تناقص المياه لفترات طويلة أثرت في الموارد الطبيعية وفي البيئة والسكان. ويُعزى هذا الأمر في الغالب إلى ضعف التساقطات المطرية وانخفاض مستوى المياه في الأنهار واستنزاف مياه الأحواض السطحية والجوفية، نتيجةً لسياسات المياه ومشاريعها التي تبنتها حكومات البلدين والظروف المحيطة بها. في المغرب، لم تكن الحكومة حريصة على هيكلة قطاع المياه وتنظيمه ومراقبته، وقد ازداد الوضع سوءًا بعد الالتزام بسياسات التقويم الهيكلي، التي خضعت لها البلاد منذ عام 1981. وهكذا، اضطر المغرب إلى تبني سياسة ليبررالية في إدارة القطاع الزراعي، سمحت للمستثمرين بزراعة المحاصيل المدرّة للربح في غيابٍ تامّ لتقييم الأثر
40 الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية للعام 2006، ما هو أبعد من الندرة: القوة والفقر وأزمة المياه العالمية (القاهرة: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2006)، ص.21 41 المرجع نفسه. 42 حمل الأدب دلائل على مركزية قضايا توفير الخدمات والمرافق العامة، ونذكر في هذا الخصوص فيكتور هوجو (1885-1802) الذي كرس أبرز أعماله للدفاع عن المضطهدين ممن يعانون ظروفًا معيشية وصحية قاسية، ومنها عمله الشهير البؤساء. وكذا جورج أورويل، الذي نجح في رصد أوصاف الحرمان والفقر في باريس ولندن أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. 43 Elinor Ostrom, Governing the Commons-The Evolution of Institutions for Collective Action (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), p. 28. 44 Anil K. Gupta et al. "Drought Disaster Challenges and Mitigation in India: Strategic Appraisal," Current Science , vol. 100, no. 12 (2011), pp. 1795–806.
في مصادر المياه الجوفية والسطحية، وكذا المياه الخضراء، ضمن مسار بدأ مع صندوق التنمية الفلاحية، وما يزال مستمرًا مع السياسات المعتمدة في إطار المخطط الأخضر (2020-2008) والجيل الأخضر (2030-2020). وفي الأردن، كانت هناك ينابيع ومجارٍ مائية دائمة، لكن نظام استخدامها لم يكن منظمًا بطريقة عقلانية تضمن استدامتها. وفي الفترة 1983-1952، بادرت الحكومة إلى اعتمد سياسات ومشاريع مبتكرة لإدارة المياه، وأحدثت هيئات لتحمّل مسؤولية إدارتها ومراقبة الاستخدام. غير أن التوترات الإقليمية والنزاعات المسلحة التي شهدتها المنطقة، إلى جانب الانتقادات التي عّبر عنها الفاعلون السياسيون، إزاء إسناد إدارة قطاع المياه إلى هيئات مستقلة، شكّلت عائقًا بنيويًا حال دون بلوغ الأهداف المرجوة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها حكومات البلدين، فإنها لم تكن كافية للحد من الآثار السلبية لندرة المياه، خصوصًا مع ارتفاع عدد السكان؛ فعدد سكان المغرب زاد من 11.5 مليون نسمة في عام 1960 إلى 38.5 مليون نسمة عام 2025. وانتقل في الأردن من 853471 نسمة في عام 1960 إلى 11.5 مليونًا في عام 2025؛ مم يفسر التحديات التي تواجه سياسات المياه ومشاريعها في البلدين معًا، في ظل اختلال معادلة السكان والموارد المائية. وبحسب خبرراء المياه، عندما تنخفض إمدادات المياه السنوية إلى أقل من 1700 متر مكعب للفرد الواحد، تعاني المنطقة إجهادًا مائيًا، وإذا انخفضت الإمدادات إلى 1000 متر مكعب سنويًا للفرد الواحد، يواجه السكان شح المياه. أمّا في حالة انخفاض المياه إلى أقل من 500 متر مكعب للفرد الواحد، فيواجه السكان "ندرة مطلقة". في الأردن، تظل نسبة التساقطات ضعيفة جدّا؛ إذ لا تتعدى 50 إلى 200 ملم في المتوسط السنوي، وقد تراجعت كمية هطول الأمطار في عام 2024 إلى 89.38 ملم من 145.37 ملم في عام 2023، وعرفت أدنى مستوياتها في عام 2017 حين بلغ متوسط الهطول 53.24 ملم. ومع وجود تباين في مستوى التساقطات بين مناطق الشمل ومناطق الجنوب قد ينخفض مستوى هطول الأمطار من 400 ملم سنويًا في الشمل الغربي، غرب نهر الأردن إلى أقل من 100 ملم سنويًا في الجنوب. وعلى سبيل المقارنة مثلًا، يتجاوز معدل هطول الأمطار السنوي 300 ملم في نحو ثلثي مساحة اليابسة للولايات المتحدة وأوروبا.
45 يشير التقرير الصادر عن المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية لعام 2024 في المغرب إلى اتساع حفر الآبار واستغلال الفرشات المائية مع دعم صندوق التنمية الفلاحية الذي تم إقراره منذ 1985 وارتفعت الوتيرة بصفة خاصة مع مخطط المغرب الأخضر عام 2008. ينظر: محمد قرنان، "المعهد الملكي للدراسات يجلد المخطط الأخضر والسياسات الزراعية بسبب استنزاف الماء"، تال كال عربي، 2024/5/30، شوهد في 2024/8/30، في: https://acr.ps/1L9F2Fa 46 Haddadin (ed.) , p. 32. 47 Ibid., pp. 33-39. 48 "سكان المغرب "2025-1950، 2025/7/1، شوهد في 2025/8/15، في: https://acr.ps/1L9F2jk 49 المرجع نفسه. 50 Haddadin (ed.), p. 43. 51 Saeed Nairizi (dir.), Irrigated Agriculture Development under Drought and Water Scarcity , ICID.CIID (October 2017), p. 21. 52 "متوسط هطول الأمطار في الأردن"، التوقعات 2024-1901، Economic Trading، شوهد في 2025/8/18، في: https://acr.ps/1L9F2zB 53 المرجع نفسه. 54 المرجع نفسه. 55 Elias Salameh & Helen Bannayan, Water Resources of Jordan, Present Status and Future Potentials (Amman: Friedrich Ebert Stiftung, 1993).
وبسبب شح التساقطات والمناخ القاحل إلى شبه القاحل، يواجه الأردن تحديًا بنيويًا مرتبطًا بظاهرة الجفاف، وظهرت آثارها السلبية في البيئة والإمدادات من المياه والزراعة والأمن الغذائي، وكذا في وظائف السدود والأحواض المائية والتلوث بشتى أبعاده. وقد حاولت الحكومة توظيف التكنولوجيا الحديثة في تجميع وتحليل البيانات المتعلقة بهطول الأمطار وتحليلها، وقياس درجات الحرارة وسرعة الرياح، في إعداد السياسات وتنفيذها وتقييمها. وفي المغرب، تعاقبت حالات الجفاف، نتيجةً لضعف التساقطات وتباينها وعدم انتظامها. وتختلف النسبة بين الشمل والجنوب؛ إذ يلاحظ هطول الأمطار خلال شهرين في السنة، هم تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبرر، وارتفاع درجة الحرارة خلال الفترة حزيران/ يونيو-آب/ أغسطس، وقد سجل عام 2022 أعلى درجة الحرارة خلال الأربعين عامًا الماضية، إذ بلغ متوسط الانحراف السنوي لدرجة الحرارة على مستوى البلاد 1.63+ درجة مئوية أعلى من متوسط الفترة 2010–1981. وفيم يتعلق بالتساقطات بلغ العجز خلال عام 2022 ما نسبته 27 في المئة مقارنة بالمعدل، والفترة 2022-2019 هي الأشد جفافًا منذ ما يزيد على ستين عامًا بعجز ناهز 32 في المئة. فبين عامَي 1981 و 2002، شهدت 18 عامًا فقط تساقطات مطرية تصل إلى المتوسط. وبعدما كانت البلاد تعرف سنة جفاف واحدة في كل إحدى عشرة سنة، تم تسجيل ستّ سنوات جفاف في الفترة الأخيرة، ولم تتجاوز نسبة التساقطات السنوية 103 ملم في عام 2017، كم سجل الموسم 2022-2021 جفافًا حادّا؛ إذ تراجعت التساقطات بنسبة 50 في المئة ولم تتعَّدَ تعبئة المياه 2 مليار متر مكعب، بعدما سجلت في المتوسط خلال الأعوام الأخيرة 10 مليارات متر مكعب. ولعل ما يؤكد حالة الجفاف هذه هو تراجع كمية المياه السطحية من 19 مليار متر مكعب (المعدل السنوي) إلى 10 مليارات متر مكعب في فترة 1985-1980 و 4.9 مليارات متر مكعب في فترة 1993-1992 و 5.3 مليارات متر مكعب في فترة 1995-1994 و 6 مليارات متر مكعب فترة 2000-1998. يبّين الشكل (1) كيف نفهم العوامل التي يمكن أن يعزى إليها هذا التراجع موازاة مع سياسة السدود، بعدما كانت نسبة تعبئة المياه تصل في بعض الأعوام إلى 40 مليار متر مكعب.
56 Hala Zawati Katkhuda & Munther J. Haddadin "Water Data Systems in Support of Water Management and Planning," in: Haddadin (ed.), p. 55. 57 Royaume du Maroc, Ministère de l'équipement et de l'eau, Maroc état de climat en 2022 (Mars 2023), p. 3, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9Ba3j 58 Ibid. p. 4. 59 Fatima Ezzahra Mengoub "Au fil de l'eau: L'innovation hydrique au Maroc," Publications , Policy Center for the New South, 22/3/2024, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2NJ 60 Ibid. 61 في حوار مع عبد الحفيظ الدباغ أستاذ التعليم العالي ضمن البررنامج الأسبوعي، "حديث الثلاثاء"، الذي يقدمه "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" South New For Center Policy، على المنصات الرقمية والموسوم: "أي تدبير للموارد المائية في المغرب بين السياسات القطاعية وجودة الحكامة"،.2023/4/12 62 World Bank Group, "Country Climate and Development Report, Historic Trends: Water Scarcity and Droughts in Morocco," accessed on 25/7/2025, at: https://acr.ps/1L9B9Lr 63 يبررز تقرير المناخ لعام 2024 كيف أن شح الساقطات وارتفاع درجات الحرارة كان لهما تأثير سلبي في الواردات المائية لمعظم السدود؛ الأمر الذي فاقم انخفاض مستويات الفرشات المائية، فأضر بالقطاع الزراعي وجعل توفير الإمدادات من الماء الصالح للشرب مكلفًا ومعقدًا. ينظر: Royaume Du Maroc, Ministère de l'équipement et de l'eau, Direction générale de la météorologie, Etat du climat Maroc 2024 , accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9B9xY
الشكل (1) المعدل السنوي للمياه السطحية في المغرب
المصدر: World Bank Group, "Country Climate and Development Report, Historic Trends: Water Scarcity and Droughts in Morocco," accessed on 25/7/2025, at: https://acr.ps/1L9B9Lr
في الأردن، قاد تعاقب فترات الجفاف إلى تبني سياسة السدود من أجل استغلال مياه الأمطار، وتنمية الموارد المائية عبرر مشاريع مائية ركزت في البداية على مياه حوض نهر الأردن. وكان متوقعًا أن تعتمد مباشرة بعد الاستقلال على أساس الخطط والدراسات، التي أعدها الخبرراء الأجانب، لتوافقها مع السياسات العمومية للدولة حينم جعلت من أهدافها الرئيسة تنظيم الملكية العقارية، لكن توتر العلاقات مع دولة الاحتلال فرض تأجيلها. وتم إنشاء أول سد في عام 1967، وهو سد شرحبيل بن حسن. واليوم تضم المملكة 17 سًّدًا تتفاوت من حيث المساحة والسعة التخزينية، أهمها سد الملك طلال بمحافظة جرش، وسد الوحدة الذي يمثل سدًا مشتركًا بين الأردن وسورية ويقع على نهر اليرموك، وتبلغ سعته التخزينية 110 ملايين متر مكعب. غير أن السعة التخزينية لهذه السدود تعرف تراجعًا لافتًا، نتيجة تراجع كميات الأمطار المسجلة خلال السنوات الماضية، وكذا خلال الموسم المطري الأخير 2025-2024، فبعد أن كانت السعة التخزينية تبلغ نحو 75 مليون متر مكعب بسدّ الملك طلال، و 110 ملايين متر مكعب بسدّ الوحدة، و 55 مليون متر مكعب بسدّ الكرامة، و 30 مليون متر مكعب بسدّ الموجب، أضحت غالبية أحواض التخزين بهذه السدود
64 Haddadin (ed.), pp. 29-32. 65 Fisher et al. p. 157. 66 "الأردن على حافة العطش وسط أزمة مياه وسدود شبه خاوية"، الجزيرة نت، 2025/11/2، شوهد في 2026/2/26، في: https://acr.ps/1L9F2Jg 67 المرجع نفسه.
على مقربة من الجفاف؛ إذ لم يتجاوز مخزون المياه في ثلاثة منها عتبة 20 مليون متر مكعب. وبعد تشخيص خبرراء البنك الدولي للوضع في الأردن في إطار "التقرير القطري للمناخ والتنمية"، أكدوا أن الأهداف المناخية والتنموية ينبغي أن تتحدد انطلاقًا من السياسات العمومية وتعزيز الاستثمر في خمسة قطاعات استراتيجية يتصدرها قطاع المياه، ثم الطاقة والزراعة والنقل والتنمية الحضرية. أما المغرب، فقد شرع في بناء السدود منذ عام 1929 (خلال عهد الحمية الفرنسية على المغرب)؛ لكن سياسة بناء السدود المعدة لتعبئة الموارد من المياه، بصفتها استراتيجية عملية لمواجهة التحديات والإكراهات المرتبطة بضعف التساقطات المطرية وعدم انتظامها، انطلقت عام 1967، تاريخ صدور تقرير البنك الدولي الذي جعل من المغرب بلدًا فلاحيًا. وفي نهاية السبعينيات، تم بناء سد المسيرة، ثاني أكبرر سد في المملكة، بقوة استيعابية تبلغ 2.7 مليار متر مكعب. وتم بناء سد الوحدة، وهو أكبرر سد من حيث الحجم لأجل سقي 100 ألف هكتار، إضافة إلى سدود أخرى، ليتعدى عددها 140 سدًا بين صغيرة وكبيرة؛ ما يدفع إلى الاعتقاد أن تعبئة الموارد المائية تحتل مكانة متميزة في مخططات التنمية للدولة. وكانت نسبة تعبئة السدود في المغرب، خلال الفترة 1980-1945، تصل إلى 20 مليار متر مكعب وأحيانًا تصل إلى 40 مليار متر مكعب. وسجلت تراجعًا قُدّر ب 30 في المئة بين عامَي 1980 و 2021؛ إذ لم يتعَّدَ متوسط تعبئة المياه في السنوات الأخيرة 10 مليارات متر مكعب. وسجل عام 2021 نقصًا حادًا في المياه ب 2 مليار متر مكعب. وبعد مرور 50 عامًا على استراتيجية السدود في المغرب، أبانت السياسة عن حدودها، بعدما عجزت عن تحقيق الأهداف المعلنة، وهي سقي 100 ألف هكتار، وتزويد السكان بكميات كافية من الماء الصالح للشرب. تُعدّ الزراعة أحد أكبرر القطاعات المستهلكة للمياه؛ إذ في المغرب استهلك القطاع خلال 1999-1998 ما مقداره 9.95 مليارات متر مكعب من 13.64 مليار متر مكعب من المياه الجوفية والسطحية. بمعنى أن نسبة 70 في المئة وجهت للري، وفقط 2.27 مليار مكعب أي 16 في المئة تم توجيهها لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب. ولم تتجاوز السدود التي تم بناؤها سقي أكثر من مليون هكتار من 7.7 ملايين هكتار
68 "بعد جفاف السدود... العجز المائي يطارد القطاعات الاقتصادية بالأردن"، الجزيرة نت، 2021/11/15، شوهد في 2025/7/10، ف:ي https://acr.ps/1L9F38F في هذا المقال صرح حازم الناصر: "أن الجفاف طال أغلبية السدود، وثلاثة يقل مخزونها عن 5 بالمئة"، مشيرًا إلى أن موضوع الماء لم يجسد أولوية في السياسات العمومية للحكومة السابقة؛ ما ترتب عليه عدم تجاوز مخزون المياه في السدود الثلاثة 20 مليون متر مكعب. كما حذر من جفاف سد الملك طلال. 69 البنك الدولي، "تقرير المناخ والتنمية الخاص بالأردن"، 2022/12/7، شوهد في 2024/5/12، في: https://acr.ps/1L9F2jK 70 "Rapport climat et développement au Maroc, Pénurie d'eau et sécheresse," Groupe de la Banque Mondiale, 3/11/2022, p. 5, accessed on 25/7/2025, at: https://acr.ps/1L9F2OI 71 تُطرح قضايا متعددة، عند معالجة المعضلة المتعلقة بمشاريع إدارة المياه، وتقتضي الإجابة عنها الاهتمام بالسياسات العمومية في اندماجها وشموليتها. إن الحديث عن سياسات المياه، في البلدين، يشترط ربطها بنوع الإنتاج مع التقييم وحفظ البيانات. وفي الوقت ذاته، يمكن مساءلة المشاريع والبررامج المتعلقة بالمياه، والنظر في طبيعة الطبقات السياسية المشمولة بها والمستفيدة منها. 72 Kevin Warkins (dir.), "Résumé: Rapport mondial sur le développement humain, au-delà de la pénurie: pouvoir, pauvreté, et crise mondiale de l'eau," Programme des Nations Unies pour le Développement (PNUD), 2006, p. 32, accessed on 15/6/2025, at: http://hdr.undp.org
من الأراضي الصالحة للزراعة. وأمام شح التساقطات ومحدودية المخزون من المياه في الأحواض والسدود، واستنادًا إلى التقرير الوطني للمغرب حول الماء، انخفض نصيب الفرد من المياه، من 2500 متر مكعب عام 1960 إلى 830 مترًا مكعبًا عام 1990 ثم إلى 411 مترًا مكعبًا فقط في عام 2020. بهذا المعدل تقع البلاد في الوقت الراهن ضمن وضعية الندرة المائية المطلقة. وفي الأردن، ارتفعت نسبة النمو الديموغرافي، لا سيم مع استفحال ظاهرة اللجوء السياسي، التي ضاعفت الطلب على المياه. وقد بلغ معدل النمو السكاني 1.7 في المئة بنهاية 2025، وارتفع عدد السكان بحلول 2026 لما يناهز 12 مليون نسمة، بعدما كان قبل 15 عاما فقط سبعة ملايين نسمة. وفي ظل شح التساقطات وجفاف السدود، من المتوقع أن تنخفض حصة الفرد من المياه؛ إذ تبلغ حاليًا أقل من 100 متر مكعب، وهي نسبة أقل كثيرًا من حصة الفرد المحددة بمقتضى التقارير الدولية، أي 500 متر مكعب. وقد تنخفض هذه الحصة، إذا ما أخدنا في الحسبان احتياجات اللاجئين من المياه. لكل هذه الاعتبارات، يُعدّ الأردن من أكثر البلدان معاناة لندرة المياه في العالم، وهذا نتيجةً لارتفاع معدل نمو السكان ونضوب المياه الجوفية والآثار المترتبة على تغير المناخ. ولذلك، يواجه عدة تحديات، مرتبطة بمتطلبات الري بالنسبة إلى القطاع الفلاحي، وبتلبية حاجات السكان من المياه الصالحة للشرب، وهو ما يشكّل اليوم تحديًا حقيقًّيًا، لا سيم إذا أضفنا نسبة اللاجئين من سورية ومن البلدان المجاورة. ويزداد الوضع سوءًا، إذا ما علمنا أن المياه تسلم مرة واحدة في الأسبوع في المدن الكبررى مثل عمن، ومرة واحدة كل اثني عشر يومًا في بعض المناطق الأخرى. ووفقًا لما جاء في التقرير الصادر عن مجموعة البنك الدولي حول الأردن، أصبح إنجاز مشاريع التنمية وسياساتها في الأردن مهددًا بندرة المياه، التي من المتوقع أن تتفاقم بسبب التغيرات المناخية. وأضاف التقرير أن ارتفاع الطلب على المياه قد يكون سببًا في زيادة الضغط على الاستخدام المستدام لموارد المياه، ومن ثمّ استنزاف المياه الجوفية بنسبة تفوق 200 في المئة، إضافة إلى تراجع مخزون المياه السطحية بنحو 20 في المئة سنويًا من الأحواض المائية. من خلال هذه المعطيات، يواجه الأردن والمغرب معًا تحديات متعددة تهدد الأمن المائي والغذائي في عدة مناطق بهم. لأجل ذلك، عملت حكومتا البلدين على تنفيذ سياسات تُركز على تقنيات تحويل المياه؛ إذ
73 Nairizi (dir.), p. 21. 74 "Rapport climat et développement au Maroc," p. 4. 75 المملكة الأردنية الهاشمية، دائرة الإحصاءات العامة، الإحصاءات السكانية والاجتماعية، "عدد السكان المقدر لنهاية عام "2025، كانون الثاني/ يناير 2026، شوهد في 2026/2/6، في: https://acr.ps/1L9Bagw 76 World Bank Group, "Morocco: Country Climate and Development Report, CCDR: Background Paper -Water Scarcity and Droughts" (Washington, DC: 2023), accessed on 25/2/2026, at: https://acr.ps/1L9Ball 77 إدواردو بورغوميو [وآخرون]، "بين المد والجزر"، مج 2، "المياه في ظل الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"؛ وصدر هذا النص في الأصل بالإنكليزية: Edoardo Borgomeo et al. , Ebb and Flow , vol. 2: Water in the Shadow of Conflict in the Middle East and North Africa (Washington, DC: World Bank Group, 21/12/2021), accessed on 25/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2rv 78 Ibid. 79 البنك الدولي، "المملكة الأردنية الهاشمية: تشجيع إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك، الدراسة التشخيصية المنهجية عن الأردن"، تقرير رقم: 103433-JO (شباط/ فبرراير 2016)، ص 71، شوهد في 2025/8/15، في: https://acr.ps/1L9B9M2 80 المرجع نفسه، ص 68
اشتغل المغرب بتحويل المياه بين الأحواض المائية، لا سيم سوس ماسة وتانسيفت وأم ربيع. وأكدت دراسة أُنجزت على محور الأردن والضفة الغربية ودولة الاحتلال وجود عمليات واسعة النطاق لنقل المياه؛ إذ يحوّل ناقل المياه في دولة الاحتلال ما متوسطه 450 مليون متر مكعب سنويًا من الشمل إلى الجنوب، مستفيدًا من بحيرة طبرريا بوصفها خزانًا استراتيجيًا. وفي الأردن، تُقَدَّر القدرة الاستيعابية لقناة الملك عبد الله في مقاطعها الشملية بنحو 600 مليون متر مكعب سنويًا، قبل أن تنخفض في الجزء الجنوبي من وادي الأردن إلى نحو 180 مليون متر مكعب سنويًا، مع تسجيل متوسط جريان يراوح بين 140 و 160 مليون متر مكعب في السنة. وتُسهم هذه القناة في تحويل مياه نهر اليرموك وتوجيهها لري وادي الأردن الأعلى، فضلًا عن تزويد مشروع دير علا بالمياه، بما يعادل متوسطًا سنويًا يقارب 35 مليون متر مكعب. من بين المخاطر التي تحيط بنوعية المياه الموجهة للسقي يُذكر التلوث البيئي والزراعي، فضلًا عن تداعيات المناخ ومكونات التربة وكميات الأسمدة ومنتجات الصحة النباتية. في المغرب، كشفت الأبحاث التي أنجزت بمنطقة تادلة، في المساحات المسقية الكبررى لبني عمير وبني موسى، عن تركيز النترات في العديد من الآبار بنسب تتجاوز المعدل الوطني لصلاحية الشرب المحددة ب 50 ملغ، وتنطبق الملاحظات نفسها على نهر سبو، حيث يزداد تركيز النترات بمعدل 5 ملغ كل سنة؛ ما يشكّل خطرًا على الصحة العمومية. وقد أفادت الأبحاث نفسها أن تصريف المياه العادمة يؤثّر كثيرًا في جودة المياه؛ إذ تشير 50 في المئة من العينات المأخوذة من محطات المياه إلى مياه ذات جودة تراوح بين المتوسطة والضعيفة، مم يفرض تشجيع مسار البحث العلمي لأجل الرفع من جودة المياه وتخفيض نسب تلوثها.
2. نحو سياسة مائية مندمجة ومستدامة
بحسب التقرير العالمي للتنمية البشرية، يمثّل انعدام الأمن المائي تهديدًا حقيقيًا للتنمية البشرية بالنسبة إلى معظم البلدان النامية؛ وهو ما يؤكد مسؤولية السلطات العمومية في تنزيل سياسة مائية رشيدة، من أجل ضمن التزويد بالماء العذب وتصريف شبكات الصرف الصحي لجميع السكان بأثمان معقولة.
81 Alia Gana & El Amrani Mohamed, "Les crises hydrauliques et la gestion sociale des risques. Illustrations en Tunisie et Au Maroc," in: Alexandre Brun & Frédéric Lasserre (dir.), Politiques de l'eau: Grands principes et réalités locales (Québec: Presses de l'Université du Québec, 2006), p. 367. 82 Gilbert F. White et al., Water for the Future, The West Bank and Gaza Strip Israel and Jordan (Washington: National Academy Press, 1999), p. 128. 83 W. Alkhoury et al., "Water Quality of the King Abdullah Canal/Jordan – Impact on Eutrophication and Water Disinfection," Toxicological and Environmental Chemistry , vol. 92, no. 5 (2010), pp. 855-877, accessed on 25/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F320 84 Gana & El Amrani. 85 Ibid. 86 Ibid. 87 Jean Maurice Arbour & Sophie Lavallée, Droit international de l'environnement (Cowansville, Qc: Yvon Blais, 2006), Introduction. 88 Warkins (dir.), Chapitre 2: "l'eau destinée à la consommation humaine," p. 75.
ومع تأكد البلدين مم يواجهان من تحديات بسبب ندرة الموارد المائية وضعف جودتها، سارعا إلى نهج سياسات بديلة بداية من عام 1990، توازن بين الطلب على المياه وعرضها، مع ترشيد الاستهلاك عبرر سياسة التسعير، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتطوير الموارد غير التقليدية، وبالأخص تحلية مياه البحر Desalination Seawater، والتناضح العكسي Osmosis Reverse، واستمطار السحب Seeding Cloud، وحصاد الماء Harvesting Water، وإدارة مستجمعات المياه Management.Watershed في الأردن، أظهر اشتغال الحكومات بمشاريع إدارة المياه وسياساتها محدوديته في تلبية حاجات المواطنين من المياه الصالحة للشرب وللاستخدام في المجاَليَن الزراعي والصناعي. وذلك، حتى عندما تحملت مسؤوليتها هيئات مستقلة وذات كفاءة عالية؛ إذ أفادت نتائج دراسة قامت بها شركة بريطانية في عام 1978 أن موارد المياه المتوافرة لن تكفي لتلبية الطلب البلدي والصناعي لعام 2000 من دون المساس بالإمدادات المخصصة لتوسيع الزراعة المروية في وادي الأردن، وقِّدِر العجز بنحو 160 مليون متر مكعب مطلع القرن الحالي، ما لم تتخذ الدولة إجراءات فورية لتوفير المزيد من الإمدادات. وقد جرى الاتفاق مع سورية على مشروع بناء سد المقارن على نهر اليرموك، بدعم مالي من الولايات المتحدة قُدر ب 150 مليون دولار أميركي. بيد أن توتر العلاقات بين البلدين خلال الحرب العراقية - الإيرانية بداية من عام 1980 حال دون إنجاز المشروع. وقد عثُر على مياه جوفية في وادي اليرموك ووادي العرب؛ ما مكن من إمداد إربد في الشمل والمناطق المحيطة بها بالمياه البلدية. استدعى هذا التطور، في ظل سياسة إقليمية مضطربة، إبرام اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1994، تُحدد تقاسم الموارد المائية المشتركة وتخصيصها من اليرموك وبحيرة طبرريا بغضّ النظر عن موقف الجامعة العربية، وعيًا من الحكومة الأردنية بطبيعة التحديات التي تفرضها حاجات السكان من المياه. وقد انتهجت أيضًا مقاربة جديدة في إدارة الموارد المائية؛ إذ نشرت سياسة استراتيجية المياه، وإحداث وزارة مكلفة بالمياه والري في عام 1995 فضلًا عن مجموعة من الخطط ترمي إلى ترشيد توظيف المياه المعالجة في الزراعة وتحسين إدارة تزويد المناطق الغربية بالمياه. إلا أن معالجة مياه الصرف الصحي في المناطق الحضرية تتطلب نوعين من أنظمة توزيع بلدية مزدوجة أحدهم للمياه الصالحة للشرب والآخر للمياه المعالجة، تفاديًا للأضرار التي قد تلحقها تقنيات المعالجة على البيئة وتلويث المياه. ولما اهتمت وزارة المياه والري بأسباب ضياع المياه وفحص سبل ترشيد إدارتها، تقرر الاهتمم بثلاثة أشياء، ضمن "مشروع كفاءة قطاع المياه في الأردن" الذي نُفّذ بالتعاون مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية،
89 Haddadin (ed.), p. 40. 90 Ibid. 91 National Research Council, Water for the Future: The West Bank and Gaza Strip, Israel, and Jordan (Washington, DC: National Academy Press, 1999), p. 171. 92 Rémy Courcier, Jean Philippe Venot & François Molle, "Historical Transformation the Lower Jordan River Basin(in Jordan): Changes in Water Use Basin and Projections (1950-2025)," IWMI Research Reports H038306 , International Water Management Institute (1/1/2005), p. 29, accessed on 17/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2Ex 93 Ibid. 94 Jacqueline Marie Tront, "Project Information Document - Jordan Water Sector Efficiency Project - P176619" (Washington, DC: World Bank Group, 2023), accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9B9sr
وهي: 1. الحد من التسرب في شبكات المياه، 2. م عن سرقة المياه، 3. ضمن دقة المحاسبة على الاستهلاك والمدفوعات. لذلك تمّ الاهتمم بهيكلة شبكات المياه ومحطات الضخ وتأهيلها، وتوفير العدادات الذكية وأجهزة الكشف السريع عن التسرب. برزت في سياق المشروع خدمات ترشيد إدارة المياه وشبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه العادمة ومحطات ضخ مياه الشرب، منها على سبيل المثال محطة "الزارة ماعين" لمعالجة المياه، ومحطة السمرا لتنقية المياه العادمة التي تعالج 70 في المئة من مياه الصرف الصحي، ومشروع وادي العرب الذي تم بتصميم من الوكالة الأميركية. وقد تم إطلاق عدة مشاريع كمشروع "غابة الصحراء" الواقع في منطقة "وادي عربة" بالأردن، ويتضمن محطة لتحلية مياه البحر باستخدام الطاقة الشمسية، ويجري الحديث عن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، عبرر خطوط الأنابيب، ضمن "مشروع العقبة" الممول من البنك الأوروبي، والذي يؤمل منه تلبية حاجات الفرد من المياه في أفق عام 2028. والمأمول أيضًا من المشروع أن يحدّ من انخفاض منسوب المياه في البحر الميت، ويسهم في استرجاع مستوياته، وأن يضمن الضغط الميكانيكي اللازم لتحلية المياه بالتناضح العكسي. يجدر هنا التذكير بأن الاستدامة تشترط تقييم مشاريع المياه على أساس تكلفة المياه العذبة، والمواد الكيميائية وتوليد الطاقة، وكذا الآثار البيئية الناجمة عن استعمل الناقل. ويساعد توظيف التقنيات المبتكرة في الزراعة، مثل تقنية حصاد جريان المياه المحلية ومياه الفيضانات، على تجنب تملح التربة، وإنتاج محاصيل عالية الجودة، قابلة للتصدير من شاكلة النباتات الخاصة بالزينة والفواكه والخضراوات والأعشاب. أضف إلى ذلك أن توظيف التسميد بالتنقيط قد يحدّ من تلوث المياه الجوفية. ويمكن العمل أيضًا على تحلية المياه المالحة Desalination Water Brackish، لكونها تقدم وعدًا واضحًا بزيادة إمدادات المياه المتاحة. ويدعو عدد من الخبرراء الأجانب إلى تجُّنُب الاعتمد على تقنيات الاستمطار السحبي؛ نظرًا إلى الجدل المستمر حول فاعليتها. ففي حين أشارت التقديرات إلى أن برنامج الاستمطار في الأردن قد أسهم في زيادة هطول الأمطار بنحو 19 في المئة، فإن الزيادات في الجريان السطحي كانت أقل أهمية من تلك المسجلة في الهطول المطري، مم يثير تساؤلات حول الأثر الحقيقي لهذه التقنية في الموارد المائية، وكم يُظهر التحليل الإحصائي الذي أنجزه رانكو وهوبس في عام 1995، فإن تجارب التلقيح ضمن التجربتين الإسرائيليتين قد شابتها أخطاء إحصائية أدّت إلى التشكيك في صدقيتها، ولم تُسفر عن أيّ تأثير ذي دلالة إحصائية على هطول الأمطار. نقرأ في بيان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ما يلي: "إذا تمكن المرء من التنبؤ بدقة بهطول الأمطار من نظام سحبي فسيكون من السهل اكتشاف تأثير تلقيح السحب الاصطناعي في ذلك النظام. ومع ذلك، فإن التأثيرات
95 Ibid. 96 بحسب وزير المياه والري، المهندس رائد أبو السعود، تُعدّ محطة الزارة ماعين أحد الأنظمة الرئيسة لتوفير إمدادات المياه لتزويد العاصمة عمان بطاقة 100 ألف متر مكعب يوميًا أي 38 مليون متر مكعب سنويًا من المياه النقية الصالحة للشرب. ينظر: المملكة الأردنية
الهاشمية، وزارة المياه والري، "اتفاقية لتطوير واستدامة محطة الزارة ماعين بقيمة 1.8 مليون دولار"، 2025/1/24، شوهد في 2026/2/26، ف:ي https://acr.ps/1L9F2Yy 97 White et al., p. 125. 98 جريت، في الفترة أُ 1975-1961، تجربتان لبذر السحب في شمال دولة الاحتلال ووسطها. وادعت كل تجربة إسهامها في هطول الأمطار بنسبة معيّنة: زيادة نسبة 15 في المئة في التجربة الأولى، و 13 في المئة في التجربة الثانية. ينظر: 156 p. al., et.White
المتوقعة للبذر غالبًا ما تحدث ضمن نطاق التقلبات الطبيعية [...] وما تزال قدرتنا على التنبؤ بالسلوك الطبيعي محدودة جدّا". وتحذّر بعض الدراسات من الإفراط في استغلال الموارد الجوفية في الأردن؛ إذ يقدر بنحو 300 مليون متر مكعب سنويًا؛ ما قد يفضي إلى انخفاض مستويات المياه وتملح طبقات المياه الجوفية العذبة. ومن ثم، فإن كل محاولة لتلبية متطلبات السكان من المياه عن طريق زيادة السّحْب من المياه السطحية والجوفية ستؤدي إلى تدهور البيئة واستنزاف موارد المياه العذبة. في المغرب، يمكن الحديث عن منحى إصلاحي منذ التسعينيات. فعلى الرغم من حفاظه على رهانات المرحلة السابقة نفسها، دعم الأعيان عبرر جميع السياسات، اشتغلت الحكومة المغربية، التي ترأسها عزيز أخنوش على إثر تصدره الانتخابات التشريعية 2021، بمشروع قانون يتعلق بالصفقات العمومية. وما زالت مستمرة في بناء السدود، على الرغم من المحدودية وهيمنة مصالح بعض الفئات، وغياب آليات الحوكمة والاستدامة عن سياسة السدود، والتي تجعل دعم القطاعات المنتجة، لا سيم الزراعة، أمرًا ممكنًا. أضف إلى ذلك أن تحرير الاستثمر الفلاحي بداية من الثمنينيات من القرن الماضي، استجابةً لبررنامج التكيف الهيكلي، أثر سلبيًا في هيكلة إدارة المياه وتنظيمها؛ إذ بمقتضى هذا التحرير أصبح المستثمر الفلاحي حرًا في زراعة المحاصيل وحفر الآبار في غياب تام للرقابة والمواكبة والتقييم. لقد أفضى تحرير القطاع الزراعي إلى الإفراط في استخدام المياه الجوفية والسطحية بصفة عشوائية، مم أثّر في الفرشة المائية؛ وهو ما دفع بعض الخبرراء في مجال المياه إلى الحديث عن انتقال البلاد من مرحلة الندرة إلى مرحلة الإجهاد المائي. كان ذلك نتيجة للسياسات الزراعية للدولة، والتي طبقت من بدايات عام 1985؛ إذ أحدثت صندوق الدعم الفلاحي للنهوض بالقطاع الفلاحي، غير أن النتائج كانت عكسية، فقد توسعت حركة
99 "WMO Statement on Weather Modification," World Meteorological Organization, 14/6/2025, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9Babx 100 Clive Lipchin et al. (eds.), Integrated Water Resources Management and Security in the Middle East , NATO Science for Peace and Security Programme (Amsterdam: Springer, 2006). 101 "مرسوم رقم 2.22.431 صادر في 15 من شعبان 8(1444 آذار/ مارس 2023) يتعلق بالصفقات العمومية"، الجريدة الرسمية، العدد 7176، ص 2861. تحدثنا في المحور الأول عن رهانات السياسات العمومية للدولة في ظل الصراع على السلطة بين أحزاب الحركة الوطنية والقصر واتضح للمؤسسة الملكية أن حسم الصراع لصالحها يستدعي تقوية المشروعية، وكان واضحًا أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تدعمها آنذاك هي الأعيان، ومن ثم جعلت من الزراعة الأساس الاقتصادي للدولة في المغرب، على عكس ما كان يدافع عنه أحزاب الكتلة. استفاد الأعيان أيضًا من سياسة المغربة (1973)، ومن سياسة الخصخصة (1989)، وما إحداث نظام جديد للاستثمار أو ما يسمى التدبير المبتكر إلا تعبير عن دعم أصحاب رؤوس الأموال بطرائق متعددة، كما أن المخطط الأخضر شكل تعبيرًا واضحًا عن دعم مّلك الأراضي الكبيرة على حساب صغار الفلاحين. 102 اعترض الباحث في المجال الاقتصادي، نجيب أقصبي، على السياسات الفلاحية في المغرب منتقدًا المخطط الأخضر، الذي اهتم بالجانب التقني المحض، من خلال تنزيل وصفات جاهزة، على حساب الأبعاد الأخرى، لا سيما الاجتماعية والثقافية. وفي الوقت ذاته، يحذر الباحث من رهان المخطط على المردودية المرتفعة للقطاع مما يهدد الموارد الطبيعية، علاوة على غياب هاجس توفير الأمن الغذائي للمغرب. ينظر: Najib Akesbi,. "Le Plan Maroc vert: Une analyse critique," in: AMSED (Rabat, Maroc), Fondation CDG (Rabat, Maroc), Questions d'économie marocaine (Rabat: Presses universitaires du Maroc, 2011), pp. 9-46. 103 يُظهر تحليل البنك الدولي أن المغرب قد شهد منذ عام 1979 تراجعًا في تدفقاته المائية السطحية: حيث انخفضت من متوسط سنوي بلغ 22 مليار متر مكعب بين عامي 1945 و 1978 إلى متوسط سنوي بلغ 15 مليار متر مكعب بين عامي 1979 و 2018. وفي حين كانت الاحتمالات تشير إلى تحصيل ما نسبته 80 % من التدفق السنوي المقدر ب 15 مليار متر مكعب بين عامي 1945 و 1978، فقد انخفضت هذه الاحتمالية إلى مجرد% 50 بين عامي 1979 و 2018 يُنظر.World Bank Group, "Country Climate and Development Report":.
حفر الآبار واستُنزِفت الفرشة المائية. وسوف يزداد الوضع سوءًا مع برنامج المخطط الأخضر، الذي خصص دعمًا ماليًا ضخمًا في إطار البررنامج الوطني للسقي بالتنقيط. وأمام استمرارية التحديات التي يفرضها الجفاف ونقص الموارد المائية في المغرب، شجعت الاستراتيجية الوطنية لإدارة الموارد المائية على استعمل التقنيات الحديثة والمبتكرة في الري، وذلك، في إطار المخطط الوطني لاقتصاد مياه الري والبحث عن حلول بديلة كمعالجة مياه الصرف الصحي وتحلية مياه البحر (الشكل 2). ونشير في هذا الصدد إلى أن الدولة قد وضعت برنامجًا لدعم الاستثمر في اقتصاد المياه عبرر صندوق التنمية الزراعية الذي يدعم بنسبة 30 في المئة المشاريع التي لا تتعدى مليوَني درهم مغربي.
الشكل (2) إمكانات مياه الصرف الصحي في المغرب
المصدر: المملكة المغربية، وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، قطاع التنمية المستدامة، "الموارد المائية والتطهير السائل بالمغرب"، شوهد في 2026/2/25، في: https://acr.ps/1L9F3bJ
ويراهن البررنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب والري (2020-2027 PNAEPI,) على تقوية قدرات البلاد على مواجهة التحديات التي يفرضها الجفاف وزيادة الطلب على المياه من جانب الأفراد والقطاعات الاقتصادية (الزراعة والصناعة). ومن المنتظر أن يحقق البررنامج استثمرات بقيمة مالية تقدر ب 115.4 مليار درهم، بهدف تنويع العرض، عن طريق بناء السدود ومحطات لتحلية المياه ومعالجتها، وترشيد الطلب من خلال الحد من تسرب المياه من شبكات التوزيع، والسقي بتقنية التنقيط، إضافة إلى ضمن جودة عالية في منسوب المياه المعدة للشرب.
104 المملكة المغربية، وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، قطاع التنمية المستدامة، "الموارد المائية والتطهير السائل بالمغرب"، شوهد في 2025/8/20، في: https://acr.ps/1L9F3bJ 105 "مرسوم رقم 2.23.1 صادر في 25 رجب 1444 (16 فبرراير 2023)"، المادتان 10 و 11، الجريدة الرسمية، العدد 7172، ص.2211 106 المملكة المغربية، وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، قطاع التنمية المستدامة، "البررنامج الوطني للتطهير السائل"، "الاستراتيجية الوطنية للمياه"، ص 29، شوهد في 2025/8/10، في: https://acr.ps/1L9F2jo
ويشكل المخطط الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب والري، المرحل الأولى في المخطط الوطني للمء -2020 2050، وهو يحدد الخطوات التي يجب الالتزام بها لتحقيق الأمن المائي في غضون الثلاثين السنة المقبلة. وفي هذا السياق، تشير الإحصاءات إلى أن المغرب اليوم، يتوفر على ما يزيد على 150 سًّدًا بقدرة استيعابية تقدر ب 19.9 مليار متر مكعب، لكن فعاليتها، تظل رهينة بالتساقطات المطرية من جهة، ومكافحة مظاهر التهميش الاجتمعي، من جهة أخرى. لذا اضطر المغرب، في السنوات الأخيرة، إلى اعتمد تقنية نقل المياه لتحويل فائض المياه المتولد في جزء من النظام إلى جزء آخر يحتاج إلى إمدادات مياه إضافية، وتم إحداث 16 محطة لنقل المياه تمتد لمسافة 785 كيلومترًا. وفيم يتعلق بتحلية مياه البحر، يتوفر المغرب على تسع محطات بدأ الاشتغال بها، وسبع في طور البناء، ومن المنتظر أن يتم إطلاق مشاريع لمعالجة المياه العادمة لإعادة استعمل ما نحو 32 مليون متر مكعب في السنة. وما دامت المشاريع والسياسات المتعلقة بالمياه تحتاج إلى تشريع قوانين وإحداث مؤسسات من أجل تنفيذها، فقد حرصت الدولة على إصدار قوانين تروم من خلالها تنزيل الاستراتيجيات، وتنظيم القطاع ومراقبة الاستهلاك. فبمقتضى القانون رقم 10-95 لعام 1995 تم إحداث وكالات مكلفة بإدارة الأحواض المائية، وبمقتضى القانون رقم 15-36 لعام 2016 تم التنصيص على الماء بوصفه حقًا إنسانيًا يتطلب إدارة مندمجة ومستدامة للموارد المائية. لكن القوانين المنظمة لقطاع المياه، على أهميتها، تظل غير كافية لضمن حكامة فعّالة، ما لم تُدعّم بتقييم في الميدان لكشف الجوانب العملية لتطبيقها. وبوجه عام، يظلّ التدبير العمومي قاصرًا إذا اقتصر على منطق الكفاءة العلمية، على الرغم من أهميتها، ما لم يُدرِج البعد السياسي بوصفه تعبيرًا عن تصورات وقيم متباينة قد تتسم بالغموض أو اللاعقلانية، خاصة في سياقات الأزمات والظروف الاستثنائية. وفي هذا الإطار، أسهمت بعض المقاربات النظرية، ولا سيم التمييز بين أخلاقيات الاقتناع وأخلاقيات المسؤولية لدى ماكس فيبرر، ونظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس، في توفير أدوات تحليلية لفهم مسارات السياسات العمومية من الإعداد إلى التنفيذ.
107 المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التقرير السنوي 2023، ص 62، شوهد في 2025/8/15، في: https://acr.ps/1L9F2nA 108 "المغرب يسرّع مشاريع تحلية المياه والسدود لتخفيف آثار الجفاف،" الجزيرة نت، 2025/6/14، شوهد في 2026/1/14،
ف:ي kk st https://tinyurl.com/ypf6 109 "Dahir n° 1-95-154 du 18 rabbi I 1416 (16 août 1995) portant promulgation de la loi n° 10-95 sur l'eau," Bulletin Officiel , no. 4325, 20/9/1995, p. 626. 110 "القانون رقم 36.151 المتعلق بالماء الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 16.1131 بتاريخ 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس ")2016، الجريدة الرسمية، العدد 6494، 2016/8/25، ص.6305 111 Michel Grozier, On ne change pas la société par décret (Paris: Edition Grasset, 1979), p. 83 112 Catherine Colliot-Thélène, "Carl schmitt contre Max Weber, rationalité juridique et rationalité économique," in: Carlos-Miguel Herrera (dir.), Le droit, le politique autour de Max Weber, Hans kelsen, Carl schmitt (Paris: Harmattan, 1995). 113 Crozier, Crozier & Friedberg. 114 Max Weber, Le Savant et le Politique , préface, traduction et notes de Catherine Colliot-Thélène (Paris: Éditions La Découverte, 2003). 115 Jean-Marc Ferry, Habermas: L'éthique de la communication (Paris: Presses Universitaires de France 1987) (réédition numérique FeniXX). 116 Yves Meny & Jean-Claude Thoenig, Politiques publiques , Collection: Thémis (Paris: Presses Universitaires de France,1990); Pierre Muller, Les politiques publiques , Collection: Que sais-je? (Paris: Presses universitaires de France, 1990).
وانطلاقًا من ذلك، يغدو تنفيذ سياسات المياه ومشاريعها رهينًا بتوافر خصائص القيادة والزعامة الفاعلة؛ إذ يبُررز التحليل التاريخي أن التحولات الكبررى غالبًا ما اقترنت ببرروز فاعلين قياديين أسهموا في توجيه القرار العمومي والتأثير في دينامياته.
خاتمة
أفضت نتائج البحث إلى بيان أن سياسات المياه ومشاريعها في حالتي الدراسة لم تنجح في بلوغ الأهداف التنموية المعلن عنها، على الرغم من الاستثمرات الكبررى في البنى التحية المائية، لا سيم السدود؛ إذ كشفت الدراسة عن خضوع هذه السياسات، في مراحل حاسمة، لرهانات سياسية وأمنية أكثر من خضوعها لمنطق الاستدامة والعدالة المجالية، مم أسهم في تعميق التفاوتات المجالية واللامساواة الاجتمعية. وأبرز التحليل أن هيمنة المقاربة الأمنية والليبررالية في التدبير حدّتْ من فاعلية السياسات المائية ومردوديتها وأفرغتها من بعدها الاجتمعي. وأظهر أيضًا أن غياب التخطيط الاستراتيجي المندمج وضعف آليات التقييم والمساءلة ساهم في تعميق الهشاشة المائية وتعميق التفاوتات المجالية. وأن التوجه نحو الخصخصة وتسليع المياه، في ظل تأثير المؤسسات المالية الدولية، أضعف دور الدولة في ضمن الحق في المياه، وحوّل هذا المورد الحيوي إلى مجال لصراع المصالح الخاصة. وفي ظل تفاقم آثار التغيرات المناخية والضغط الديموغرافي والتوسع العمراني، كشفت نتائج الدراسة محدودية المقاربة المعتمدة، والحاجة إلى مراجعتها، مراجعة شاملة، تقوم على الحوكمة الرشيدة وتكامل السياسات، وإشراك الفاعلين المحليين. واستنادًا إلى معطيات الدراسة ونتائجها، نخلص إلى جملة من التوصيات. أولها تعزيز سياسات إدارة المياه في المغرب والأردن بإرادة سياسة واضحة، ورعاية استراتيجيات متكاملة لأجل الدفع بالمشاريع والبررامج بالعموم. تسهم الإرادة السياسية في الدفع بآليات الرقابة على الشركات العاملة في مجال المياه، ووضع سقف معّين لتسعيرها لا تتعداه حتى لا يتحوّل تسليع الموارد العمومية إلى وسيلة لتفقير الشعوب. وإلى جانب الاستراتيجية العامة، يجدر تبنّي سياسات مندمجة وشمولية ومستدامة؛ إذ إن من مسببات الهدر والندرة اتخاذ سياسات قطاعية مستقلة لإدارة المياه لا تضع في اعتبارها احتياجات القطاعات الأخرى، وفي هذا الشأن يجدر تطوير آليات التنسيق بين الفاعلين على المستوى المركزي والإقليمي والجهوي، وبخاصة العاملة في القطاع الزراعي الذي يستهلك النسبة الأكبرر من المياه، والصحة العمومية ما دامت الدراسات تبررهن على أن المياه غير النظيفة سبب رئيس في انتشار الأمراض، لا سيم المعدي منها. وتوصي الدراسة أيضًا بتطوير آليات القرار التي تسهم في الحد من استنزاف الفرشة المائية، ومثال لذلك ربط حفر الآبار بتصريح من السلطات المعنية على أساس البيانات المتوافرة وبعد تقييم الأثر البيئي. ومن جملة تطوير هذه الآليات تشكيل منظومة جيّدة لدعم القرار بالمعلومات، وهو أمر يقتضي التحديث المستمر للبيانات المتعلقة بجميع أنواع المياه لوضع سياسات واستراتيجيات مبنية على وقائع مادية وليس افتراضات. ويقتضي الأمر كذلك الحدّ من الاستثمر العشوائي في المجال الفلاحي؛ إذ لم يعد من الممكن الاستمرار في نهجٍ
117 Patrice Duran, "Max Weber et la fabrique des hommes politiques, une sociologie de la responsabilité politique," in: P. Duran & H. Bruhns (dir.), Max Weber et la politique (Paris: L.G.D.J, 2009), pp. 73-105. 118 روبير رديكر، "من السلطة إلى العنف: أفول السياسة"، ترجمة فؤاد مخوخ، مجلة فكر ونقد، العدد 56 (شباط/ فبرراير.)2004
يمنح الفاعلين الخواص حرية مطلقة في اختيار المزروعات وتحديد دورات إنتاجها خارج أي توجيه أو تخطيط، لِم يترتب عليه من استنزاف للموارد المائية وتدهور لِلُنُّظم البيئية. وينبغي الحدّ من زراعة المحاصيل المعدلة جينيًا، بالنظر إلى ما تُثيره من إشكالات تتعلق بخصوبة التربة، فضلًا عن المخاطر المحتملة التي قد تنعكس سلبيًا على الصحة العمومية. وتوصي كذلك بحصر إدارة الموارد المائية في الهيئات العمومية، ولا مانع من إشراك الخواص من دون الأجانب. وأخيرًا، ينبغي العمل على تشجيع الاستثمر في مجال الأبحاث والدراسات التي تهتم بالتقنيات المبتكرة من أجل تنمية الموارد المائية وتخفيض نسبة تلوثها.
المراجع
العربية
(محرر). القاهرة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2018.
(شباط/ فبرراير.)2004
والسياسية. العدد).2023(1
_______. النظام السياسي الدستوري المغربي. الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992.
ديسمبرر 1987).
الأجنبية
الاتجار في العطش: مؤسسات التمويل الدولية والحق في المياه بالمنطقة العربية. عبد المولى إسمعيل
ريكور، روبير. "من السلطة إلى العنف: أفول السياسة ". ترجمة فؤاد مخوخ. مجلة فكر ونقد. العدد 56
الظهرجي، يوسف. "العزوف السياسي فعل مؤثر في السياسات العمومية". المجلة المغربية للدراسات القانونية
معتصم، محمد. الحياة السياسية المغربية 1991-1962. الدار البيضاء: مؤسسة إيزيس للنشر، 1992.
الناصري، محمد. "تهيئة المدن ورهاناتها". مشرق - مغرب. العدد 118 (تشرين الأول/ أكتوبر - كانون الأول/
الناصري، محمد [وآخرون]. التحولات الاجتمعية بالمغرب. الرباط: مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث،.2000
AMSED (Rabat, Maroc), Fondation CDG (Rabat, Maroc). Questions d'économie marocaine. Rabat: Presses universitaires du Maroc, 2011. Anilk, Gupta et al. "Drought Disaster Challenges and Mitigation in India: Strategic Appraisal." Current Science. vol. 100, no. 12 (2011). Arbour, Jean-Maurice & Sophie Lavallée. Droit international de l'environnement. Cowansville, Qc: Les Éditions Yvon Blais Inc., 2006. Borgomeo, Edoardo et al. Ebb and Flow, vol. 2: Water in the Shadow of Conflict in the Middle East and North Africa (English). Washington, DC: World Bank Group. 21/12/2021. at: https://acr.ps/1L9F2rv Clive, Lipchin et al. (eds.). Integrated Water Resources Management and Security in the Middle East. NATO Science for Peace and Security Programme. Amsterdam: Springer, 2006. Colliot , Théléne Catherine. Violence et contrainte. Paris: Edition Hazan, 1995. Cooley, J. "The War Over Water." Foreign Policy. no. 82 (1991).
Clot, Yves. "Compte rendu du livre d'Yves Clot: Le prix du travail bien fait, éd. La Découverte, 2021, 221 pages." Hrtoday. at: https://acr.ps/1L9F2yw Courcier, Rémy, Jean Philippe Venot & François Molle. "Historical Transformation the Lower Jordan River Basin (in Jordan): Changes in Water Use Basin and Projections (1950-2025)." (1/1/2005). IWMI Research Reports H038306. International Water Management Institute (1/1/2005). at: https://acr.ps/1L9F2Ex Crozier, Michel. On ne change pas la société par décret. Paris: Edition Grasset, 1979. Crozier, Michel & Friedberg Erhard. L'acteur et le système. Paris: Edition du Seuil, 1977. De Waal, Dominiek et al. The Economics of Water Scarcity in the Middle East and North Africa: Institutional Solutions. Washington, DC: World Bank Group, 2023. at: https://acr.ps/1L9F2EB Duran, P. & H. Bruhns (dir.). Max Weber et la politique. Paris: L.G.D.J, 2009. Dye R. Thomas. Understanding Public Policy. 11 th ed. Boston: Pearson, 2008. Ferry, Jean-Marc. Habermas: L'éthique de la communication. Paris: Presses Universitaires de France 1987. Fisher, Franklin M. et al. Liquid Assets: An Economic Approach for Water Management and Conflict Resolution in the Middle East and Beyond. Washington: Resources for the Future Press, 2005. Freund, Julien. L'essence du politique. 3 ème ed. Paris: Dalloz, 2003. Gabriel, Allmond & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton: Princeton University Press, 1980. Habermas, Jürgen. Connaissance et intérêt. J.-R. Ladmiral (trans.). Paris: Gallimard, 1979 Haddadin, Munther (ed.). Water Resources in Jordan: Evolving Policies for Development, The Environment and Conflict Resolution. Washington, DC: Resources for the Future Press, 2006. Herrera, Carlos-Miguel (dir.). Le droit, le politique autour de Max Weber, Hans kelsen, Carl schmitt. Paris: Harmattan, 1995. Hugo, Sada. "L'Afrique entre guerre et paix." Revue internationale et stratégique. no. 33 (Printemps 1999). Keucheyan, Razmig, La nature est un champ de bataille. Essai d'écologie politique. Paris: Zones, 2014. Jacques, Lagroye. Sociologie politique. Paris: Presses FNSP-Dalloz, 1997.
Lasserre, Frédéric. "Le prochain siècle sera-t-il celui des guerres de l'eau?" Revue internationale et stratégique. no. 33 (Printemps 1999). Meny, Yves & Thoenig Jean-Claude. Politiques publiques. Collection: Thémis. Paris: Presses Universitaires de France, 1990. Muller, Pierre. Les politiques publiques. Collection: Que sais-je? Paris: Presses Universitaires de France, 1990. _______. Les politiques publiques. Collection: Que sais-je? 2 ème ed. Paris: Presses Universitaires de France, 1994. Nairizi, Saeed (dir.). Irrigated Agriculture Development under Drought and Water Scarcity. International Commission on Irrigation and Drainage (October 2017). Ostrom, Elinor. Governing the Commons-The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Riyath, Ibrahim Fawzi. "The Role of Political Parties in Shaping the Democratic Process in Jordan." Al-Biruni Journal of Humanities and Social Sciences. vol. 3, no. 4 (2025). Salameh, E. & Bannayan, H. Water Resources of Jordan, Present Status and Future Potentials. Amman: Friedrich Ebert Stiftung, 1993. Santucci, Jean-Claude (dir.). Le Maroc actuel: Une modernisation au miroir de la tradition?. Paris: Aix-en-Provence, Institut de recherches et d'études sur les mondes arabes et musulmans; CNRS Éditions, 1992. Vermeren, Pierre. Histoire du Maroc depuis l'indépendance. Paris: Edition La Découverte, 2006. Weber, Max. Le savant et le politique (1919). Julien Freund (trad.). Paris: Edition Plon, 1959. _______. Le Savant et le Politique , préface, traduction et notes de Catherine Colliot- Thélène. Paris: Éditions La Découverte, 2003. White, Gilbert F. et al. Water for the Future, The West Bank and Gaza Strip Israel and Jordan. Washington: National Academy Press, 1999.