نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة في أعقاب حرب الإبادة
Towards Palestinian Frameworks for Reconstruction in the Gaza Strip
الملخّص
ملخص: يتضمن هذا التقرير عرضًا تحليليًا للأوراق المقدمة في ورشة عمل بعنوان "نحو أُطرٍ فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة"، التي نظمتها دورية "حِكامة" للإدارة العامة والسياسات العامة، ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، على هامش الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ناقشت الأوراق، من منظور نقدي، المقاربات الأميركية والإسرائيلية المطروحة لإعادة الإعمار، مؤكدةً ضرورة بلورة رؤى وسياسات وطنية فلسطينية. وركزت المداخلاات على مركزية بقاء الفلسطينيين في أرضهم وحمايتهم وصيانة حقوقهم، ودور الفاعلين السياسيين الفلسطينيين ومنظمات المجتمع المدني المحلية في صياغة سياسات إعادة الإعمار وتنفيذها، إضافة إلى قضايا الحوكمة. وشددت الأوراق أيضًا على أولوية إعادة بناء الإنسان الفلسطيني، وتعزيز قطاعات التعليم والأمن والسيادة الغذائية، بوصفها ركائز أساسية لأي إطار وطني لإعادة الإعمار في قطاع غزة.
Abstract
This report provides an analytical overview of the papers presented at a workshop titled "Toward Palestinian Frameworks for Reconstruction in the Gaza Strip," organized by Hikama: Journal of Public Administration and Public Policy and the Center for Conflict and Humanitarian Studies, on the sidelines of the Fourth Annual Palestine Forum hosted by the Arab Center for Research and Policy Studies in Doha, in cooperation with the Institute for Palestine Studies. Taking a critical perspective, the papers examined the U.S. and Israeli approaches proposed for reconstruction, emphasizing the need to articulate independent Palestinian national visions and policies. The contributions affirmed the centrality of Palestinians remaining on their land, ensuring their protection, and safeguarding their rights. They also highlighted the role of Palestinian political actors and local civil society organizations in shaping and implementing reconstruction policies, in addition to addressing governance-related issues. The papers further stressed the priority of rebuilding the Palestinian people themselves and strengthening the education, security, and food sovereignty sectors as foundational pillars of any national framework for reconstruction in the Gaza Strip.
- إعادة الإعمار
- قطاع غزة
- التعليم
- الأمن
- السيادة الغذائية
- حرب الإبادة على غزة
- Reconstruction
- Gaza Strip
- Education
- Security
- Food Sovereignty
- Genocidal War on Gaza
مقدمة
عقدت دورية "حِكامة" للإدارة العامة والسياسات العامة، بالتعاون مع مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، على هامش الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين، التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في الفترة 26-24 كانون الثاني/ يناير 2026، ورشة عمل بعنوان "نحو أُطرٍ فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة"، حضرها عدد من الباحثين والأكاديميين والخبرراء والناشطين وصناع السياسات من فلسطين وبلدان عربية مختلفة. وقد اشتملت الورشة على أربع جلسات تناولت السياسات الدولية لإعادة الإعمار ومركزية بقاء الفلسطينيين في أرضهم، ودور المنظمت غير الحكومية والفاعلين المحليين والمرأة في قيادة عمليات التعافي، وسياسات إعادة بناء الإنسان الفلسطيني، إضافةً إلى استكشاف بدائل محلية لتحقيق السيادة الغذائية وحمية قطاع التعليم. وقد ضمّت الورشة أربع طاولات مستديرة، خُصصت لمناقشة الواقع الإنساني في قطاع غزة، وتحديات الحوكمة، وسياسات حمية أمن الفلسطينيين، إضافة إلى مسارات التعافي من حرب الإبادة الجمعية. جاءت هذه الورشة في ضوء ملفٍ خاص، تعمل عليه دورية "حِكامة" بعنوان "سياسات إعادة الإعمار في العالم العربي بعد الحروب"، وهو عملٌ مشترك مع مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، ويحرره غسان الكحلوت، مدير المركز والأستاذ المشارك في برنامج إدارة النزاع والعمل الإنساني في معهد الدوحة للدراسات العليا. ويهدف الملف إلى تحليل التحولات التي يشهدها العالم العربي في مراحل ما بعد الحروب والنزاعات المسلحة، ومناقشة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتمعية التي تواجه عمليات إعادة الإعمار، مع السعي لتطوير مقاربات سياساتية مبتكرة تتجاوز الفهم التقني الضيّق للإعمر. وفي هذا السياق، جاءت هذه الورشة استجابةً للحاجة الملحة والعاجلة إلى بلورة تصورات عاجلة لسياسات إعادة الإعمار في قطاع غزة في أعقاب حرب الإبادة الجمعية المستمرة، وذلك من خلال إعادة الاعتبار للرؤى الفلسطينية والفاعلين المحليين والخبررات الوطنية في نقاشات غالبًا ما تُهِّمّش الأصوات الفلسطينية، والعمل على صياغة أطر وطنية عادلة ومستدامة لإعادة الإعمار، منبثقة من المجتمع ومرتكزة إلى أولوياته الفعلية. استُهلت الورشة بمداخلات تمهيدية قدّمها غسان الكحلوت، وعبد الفتاح ماضي رئيس تحرير دورية "حِكامة"، ونور الله منَّوَر الباحث في مركز دراسات النزاع، حددت الأطر التحليلية والمنهجية لأعمل الورشة، وبينت مرتكزاتها الفكرية وأولوياتها السياساتية. وأكد المتحدثون أهمية إعادة تمركز الرؤى الفلسطينية في مقاربات إعادة الإعمار، والدفع نحو توطين القرار والمعرفة والخبررة على المستوى المحلي؛ بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لمواجهة السياسات الدولية لإعادة الإعمار والتحديات البنيوية والمعقدة التي تفرضها عمليات إعادة الإعمار في سياق الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد.
أولًا: سياسات إعادة الإعمار وأولوية تعزيز صمود الفلسطينيين
يقدم هذا القسم تلخيصًا منظمًا للأفكار والمقاربات التي طُرحت في جلسات ورشة العمل، مع تسليط الضوء على أبرز الإشكاليات والنقاشات التي عالجتها المداخلات، وما قدمته من رؤى سياساتية ومعرفية ذات صلة بسياق إعادة الإعمار.
1 ي. سياسات إعادة الإعمار ومركزية البقاء ف الأرض
تناولت الجلسة الأولى، "سياسات إعادة الإعمار في غزة ومركزية البقاء الفلسطيني"، التي ترأستها مروة فرج مديرة تحرير دورية "حكامة" والأستاذة المشاركة في معهد الدوحة للدراسات العليا، بالنقد والتحليل الرؤى والخطط الأميركية والإسرائيلية المطروحة لإعادة الإعمار، كم تناولت سبل تطوير مقاربات سياسية فلسطينية بديلة تنطلق من أولوية بقاء الفلسطينيين في أرضهم. وبّين طلال أبو ركبة، في ورقته "سياسات إعادة الإعمار في غزة: نحو مقاربة شاملة تربط بين التخطيط العمراني وإعادة بناء الدولة والمجتمع المحلي"، أهميةَ عدم اختزال عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة في إعادة بناء العمران والبنية التحتية فحسب، مؤكدًا ضرورة توسيعها لتشمل إعادة بناء المجال السياسي الفلسطيني والمؤسسات السياسية الفلسطينية والمجتمع المدني؛ بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق تعافٍ شامل ومستدام. وشدد على أهمية أن تكون عملية إعادة الإعمار فرصة لتعزيز صمود الفلسطينيين في أرضهم، وإعادة بناء الدولة والسيادة الفلسطينية والتحرر من الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد، وتحرير الفلسطينيين من القيود السياسية والأمنية الضيقة ومن التأثيرات المشروطة للتمويل الخارجي. وقدّم يوسف جبارين ورقة تناول فيها "سياسات إعادة الإعمار في غزة: تأثير مراكز الفكر الإسرائيلية والأميركية وآفاق تفكيكها"، مزًا خطط إعادة إعمار غزة التي طُرحت في أعقاب حرب الإبادة والإبادة العمرانية عام 2025، مع تركيز خاص على المقترحات الصادرة عن مراكز أبحاث مرتبطة بدولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية. تعتمد الورقة مقاربة نقدية تحليلية تعيد من خلالها قراءة مشاريع إعادة الإعمار، بوصفها أدوات هيمنة استعمرية استيطانية وعنصرية، وذلك في سعيها لإعادة إنتاج أنماط السيطرة، وتقويض السيادة الفلسطينية، ودفع الفلسطينيين إلى الخروج القسري، المادي والسياسي، من أرضهم. وتُظهر نتائج الورقة أن فرض مشاريع إعادة الإعمار الأميركية والإسرائيلية يستهدف ترسيخ النفوذ الإسرائيلي والأميركي، وإدارة السكان الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وضبط أدوار السلطة الفلسطينية، بما يفضي إلى تفريغ الوجود الفلسطيني من مضمونه السياسي وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وعلى المنوال نفسه، كشفت ماندي ترينر، في ورقتها "إعادة الإعمار في غزة بوصفها أداة حُكم: الإدارة الاستعمرية ومنطق تهدئة التمرد ورأسملية الكوارث في خطط دونالد ترمب"، عن الدور الذي تؤديه الخطة الأميركية التي أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 2803 في إعادة إنتاج الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، وترسيخ إنكار الحقوق الفلسطينية. ورأت أن هذه الخطة تُنشئ منظومة متكاملة من أدوات الحُكم الاستعمري، تشمل هياكل إدارة خاضعة لسيطرة خارجية، وترتيبات أمنية تكرّس الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، وأطرًا اقتصادية تيّسر نزع الملكية وتعزز تراكم رأس المال تحت غطاء إعادة الإعمار. وأكدت أن هذه الخطة لا تمثّل قطيعة مع "خطط السلام" الغربية التي طُرحت على فلسطين خلال العقود الثلاثة الماضية، بل تُعدّ امتدادًا لها في أكثر صيغها تطرّفًا؛ إذ إنها تُفرض في سياق إبادة جمعية، وتهدف في جوهرها إلى إدامة النكبة الفلسطينية المتواصلة منذ عام.1948
2. سياسات إعادة الإعمار ودور المنظمت غير الحكومية
تضمنت الجلسة الثانية، وهي بعنوان "سياسات إعادة إعمار غزة بين الإقصاء والهيمنة: دور المنظمت غير الحكومية والفاعلين المحليين"، التي ترأسها موسى علاية مدير تحرير دورية "حكامة" والأستاذ المشارك في
معهد الدوحة، نقاشات عن دور المرأة الفلسطينية وآليات تعزيز دور المجتمع المحلي ومؤسساته السياسية والمدنية في إعادة الإعمار. وطرحت ورقة محمد السوسي وكريم عكاشة المعنونة ب "فاعلات، لا مستفيدات: دور المرأة الفلسطينية في قيادة المؤسسات المجتمعية وإعادة الإعمار في غزة"، مقاربةً تحليلية نقدية تعيد تعريف موقع المرأة الفلسطينية في سياق الحروب المتكررة وما بعدها، بوصفها فاعلًا قياديًا في عمليات إعادة الإعمار. انطلقت الورقة من تحليل أنماط الإقصاء البنيوي التي تواجهها النساء الفلسطينيات، لتُظهر كيفية إسهام انخراطهن في المنظمت غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في بناء الخبررة القيادية وتعزيز حضورهن داخل دوائر ص عن القرار. وخلصت الورقة إلى أن إدماج القيادة النسوية في عمليات إعادة الإعمار يشكّل شرطًا أساسيًا لتحقيق تعافٍ عادل وشامل في غزة، مؤكدةً ضرورة إدخال إصلاحات مؤسسية وتمويلية، تضمن مشاركة النساء الفاعلة في هياكل الحوكمة. واقترح علي عبد الوهاب، في ورقته "إعادة الإعمار بوصفها اقتصاد هيمنة: سياسة موازية للتعافي من رأسملية الكوارث في غزة"، سياسةً موازية لخطط إعادة الإعمار الدولية، تقوم على إنشاء لجنة مساءلة شعبية تشاركية. وتمثّل هذه الهيئة عند الباحث هيئةً مهنيةً ومجتمعيةً ذات تفويض محلي، تعمل بوصفها بروتوكولًا رقميًا مجتمعيًا يربط بين المؤسسات القائمة ومحيطها، ويحوّل الغزيين من متلقين سلبيين لسياسات الإعمار إلى فاعلين أساسيين في تحديد الأولويات ومتابعة الإنفاق. وقد حدد للجنة ثلاث وظائف أساسية، هي: بلورة الاحتياجات من القاعدة عبرر خرائط تعّبر عن حاجات المجتمع المحلي، وإعادة توجيه الموارد المخصصة لإعادة الإعمار نحو دورة عمل وخدمات محلية، وأخيرًا ترسيخ المساءلة والشفافية من خلال سجل إنفاق مفتوح وآليات تظلّم فعّالة. وقدّمت روان نتشة، في ورقتها "إعادة بناء غزة من دون فلسطينيين: الحيز المدني، والمنظمت غير الحكومية الدولية، وسياسات الإقصاء"، تحذيرًا من خطورة الفراغ المؤسسي الفلسطيني، الذي قد يُخضع عملية إعادة الإعمار لهيمنة فاعلين خارجيين يفتقرون إلى آليات مساءلة حقيقية، ويحوّل إعادة الإعمار إلى تمرين تقني يتجاهل سياق الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد، ويقوّض النسيج الاجتمعي الفلسطيني. ولمواجهة ذلك، اقترحت الورقة حزمة من السياسات الهادفة إلى إعادة الاعتبار للدور الفلسطيني في إعادة الإعمار، تقوم على إشراك البلديات والنقابات والمجموعات المجتمعية والمنظمت النسوية والمنظمت غير الحكومية المحلية ووكالات الأمم المتحدة، إلى جانب العمل على إنشاء إطار تنسيقي لعملية الإعمار تقوده جهة فلسطينية، واعتمد حٍّدّ أدنى من اشتراطات المانحين التي تكفل حمية الفضاء المدني، فضلًا عن إرساء آلية رقابة قائمة على مقاربة حقوقية.
3. سياسات إعادة الإعمار ومركزية الإنسان الفلسطيني
ناقشت الجلسة الثالثة، بعنوان "سياسات إعادة بناء الإنسان في غزة ودور التعليم"، التي ترأسها عبده موسى البررماوي الباحث في المركز العربي وعضو هيئة تحرير دورية "حِكامة"، موقعَ التعليم في مرحلة ما بعد الإبادة، بوصفه ركيزة مركزية لإعادة بناء الإنسان الفلسطيني. واهتمّت تهاني الدحدوح، في ورقة عنوانها "صمود المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية: دراسة حالة الجامعة الإسلامية في غزة"، وقد أعدتها مع نظمي المصري وماريا غراتسيا إمبرريالي وجيوفانا فاسيتا، بمفهوم "الصمود في سياق حرب الإبادة الجمعية، مع تركيز خاص على قدرته التفسيرية لفهم صمود قطاع التعليم". وأظهرت الباحثة محدودية هذا المفهوم حين يُطبّق في
سياق الإبادة الجمعية؛ إذ أشارت إلى أنه على الرغم من امتلاك مؤسسات التعليم في غزة خبررة تراكمية ناتجة من تعرضها لحروب متكررة منذ عام /2008 2009، فإنّ حدّة حرب الإبادة الراهنة جعلت خطط الاستعداد المعتمدة غير فعّالة إلى حدٍ ما. وبيّنت أن محاولات التكيّف التي قامت بها هذه المؤسسات اتسمت بحالة من الشلل المؤسسي والسعي لامتصاص الصدمة أكثر من القدرة على الاستجابة الفاعلة، كم كشفت أن مسارات اللامركزية والتوجه نحو الخارج جرت في كثير من الأحيان بصورة غير منظمة. وخلصت الباحثة إلى وجود تجاذبات واضحة في بلورة استراتيجيات الصمود المستقبلي، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي يواجهها قطاع التعليم في غزة. وتناول يوسف دعاس، في ورقة عنوانها "التعليم والعزلة الاقتصادية: دور حصار غزة في تشكيل الفجوات الجندرية في عوائد التعليم في فلسطين"، وقد أعدها مع سامح احّلق، أثرَ حرب الإبادة الجمعية والحصار المفروض على قطاع غزة في إعادة إنتاج اللامساواة في التعليم. وتفيد نتائج الورقة أن العائد على التعليم في غزة يفوق نظيره في الضفة الغربية، كم كشفت البيانات التي اعتمد عليها الباحثان عن فجوات جندرية واضحة؛ إذ تظهر أن النساء في غزة يحققن بصورة منتظمة عائدًا أعلى على التعليم مقارنة بالرجال، وذلك على الرغم من القيود البنيوية التي تحد من مشاركتهن المتكافئة في سوق العمل. وأظهر التحليل أن الحصار المفروض على غزة خلّف آثارًا سلبية على مستويات الأجور، وعدد سنوات التعليم، والعائد الاقتصادي للتعليم عمومًا. ومع ذلك، فإن النساء أبدين قدرة ملحوظة على الصمود مقارنةً بالرجال من خلال تكثيف اهتممهن بالتعليم خلال فترة الحصار. وناقش عبد الهادي العجلة، في ورقته "إعادة بناء الإنسان: التمسك الاجتمعي بوصفه أولوية بعد الإبادة في غزة"، مركزيةَ البعد الإنساني في مقاربات ما بعد الإبادة، منتقدًا هيمنة الرؤى التي تختزل إعادة الإعمار في إعادة بناء البنية التحتية، مع تهميش إعادة بناء الإنسان لمصلحة اعتبارات تقنية أو سياسية أخرى. وأكد أن السياق الفلسطيني يجعل من تعزيز تماسك المجتمع أولوية قصوى للتعافي بعد حرب إبادة. ورأى أن تحقيق ذلك يستند إلى ترسيخ الثقة المتبادلة داخل المجتمع، وتعزيز روح التضامن، والاعتراف بالآخر. وشدد أيضًا على ضرورة تذليل العقبات البنيوية التي تعرقل قدرة المجتمع الغزي، والفلسطيني عمومًا، على إعادة بناء شبكاته الاجتمعية، واستعادة الثقة بين أفراده ومكوناته المختلفة ومؤسساته.
4. سياسات إعادة الإعمار وتعزيز السيادة الغذائية
عقدت الجلسة الرابعة، بعنوان "السيادة الغذائية وسُبل العيش في غزة: بدائل محلية لإعادة الإعمار"، وقد ترأسها إيهاب محارمة الباحث في المركز العربي وعضو هيئة تحرير دورية "حِكامة"، واشتملت على ورقتين تناولتا تحديات إعادة الإعمار وسبل العيش في سياق ما بعد حرب الإبادة. وقدّمت سهام معط الله ورقة عنوانها "معضلة سياسات إعادة إعمار غزة: إشكالية الاستدامة والدوران في حلقة مفرغة"، وقد بينت فيها تشكّل منظومة معقدة من العوائق البنيوية، التي تحول دون تحقيق إعادة إعمار مستدامة، وهي تتمثّل في القيود الإسرائيلية المشددة، وارتهان قرارات المانحين للإملاءات الإسرائيلية، واستمرار الانقسام السياسي، والدعم الأميركي المتواصل للأجندة الإسرائيلية، إضافةً إلى فرض نماذج لإعادة الإعمار من خارج السياق الفلسطيني تقوم على منطق الإقصاء والتهجير. وشددت على أن أيّ خطة لإعادة الإعمار يجب أن تكون مرتبطة بحل سياسي يضمن للفلسطينيين تقرير مصيرهم، وأن يكون متوافقًا مع مبادئ التحرر والعدالة.
في المقابل، اقترح أحمد أبو هنية، في ورقة بعنوان "سياسات تعزيز الأمن الغذائي في غزة بعد الحرب: التكامل بين الزراعة المائية والغاز الحيوي"، وقد أعدها مع حليمة أبو هنية، مجموعةً من السياسات والحلول الهادفة إلى إعادة بناء النظم الغذائية في قطاع غزة، مع التركيز على الاستدامة، وتعزيز الصمود المجتمعي، وتقوية الاعتمد على الموارد المحلية ومصادر الطاقة المتجددة. وأوضح أن الزراعة المائية تمثّل نموذجًا قادرًا على توفير مصدر غذاء سريع ومستدام لسكان القطاع، مقترحًا إنشاء وحدات زراعة مائية في مراكز الإيواء والمنازل والمدارس والمراكز المجتمعية، مدعومة بسلاسل توريد فعّالة وبرامج لتنمية القوى العاملة المحلية. ودعا أيضًا إلى اعتمد محطات زراعية متكاملة، توظف دفيئات الزراعة المائية المدعمة بالغاز الحيوي لإنتاج الغذاء والطاقة في آنٍ واحد.
ثانيًا: سياسات إعادة الإعمار وقضايا الواقع الإنساين، والحوكمة، والأمن، وحدود التعايف
يركز هذا القسم على مناقشة المحاور الرئيسة التي برزت في الطاولات المستديرة للورشة، من خلال تحليل القضايا المرتبطة بتعقيدات الواقع الإنساني، وإشكاليات الحوكمة، وسياسات حمية أمن الفلسطينيين، إضافةً إلى استكشاف حدود التعافي الممكنة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة، وما تفرضه من قيود بنيوية على مسارات إعادة الإعمار.
1 ي. سياسات إعادة الإعمار وحدود التعاف
خلال الطاولة المستديرة الأولى حول "غزة بعد وقف إطلاق النار: الواقع الإنساني، وحدود التعافي"، التي ترأسها محمد السوسي الباحث في مركز دراسات النزاع، سعت المناقشات للإجابة عن سؤال مركزي: ماذا يعني ما بعد الحرب إنسانيًا في ظل غياب أفق سياسي واضح، واستمرار أنماط الحصار والتحكم؟ أكد الخبرراء والباحثون والممرسون، من فلسطين والمنطقة العربية، أهمية فهم طبيعة هذه المرحلة الانتقالية، وحدود التدخلات الإنسانية القائمة من أجل الاستجابة لحاجات المجتمع الغزي الملحّة في المرحلة التي تلت وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وذلك باعتبارها مرحلة هشّة لا ترقى بعدُ إلى مسارِ تعافٍ فعلي. فعلى الرغم من التراجع النسبي في حدة العمليات العسكرية، ما تزال آثار الدمار الواسع في البنية التحتية، وتفكك منظومات الحمية، والقيود السياسية والأمنية والاقتصادية المستمرة، تُنتج واقعًا إنسانيًا مركبًا، يستلزم قراءةً تحليلية معمقة تنطلق من خبررات أهل غزة وفلسطين، وليس من افتراضاتٍ نمطية حول ما يُصطلح على تسميته ب "ما بعد الحرب" أو "اليوم التالي". وأولى المتحدثون كذلك اهتمامًا خاصًا للتداعيات الإنسانية، المترتبة على القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي قيدت عمل عددٍ من المنظمت الدولية في قطاع غزة، وما يطرحه ذلك من تحديات إضافية أمام وصول المساعدات الإنسانية، وحمية المدنيين، واستدامة أيّ تدخلات مستقبلية.
2. سياسات إعادة الإعمار والحوكمة
تناولت الطاولة المستديرة الثانية، التي ترأسها تامر قرموط الأستاذ المشارك في معهد الدوحة للدراسات العليا، موضوع "من يحكم غزة؟"، طارحةً سؤال الحوكمة بوصفه سؤلًا مركزًّيًا في أيّ تصورٍ لإعادة الإعمار. وتناول
المشاركون مسألة الحوكمة المستقبلية في قطاع غزة، مؤكدين الحاجة إلى أ طر حكمٍ فلسطينية شرعية تعّبر عن الإرادة الفلسطينية، وتتحرر من الوصاية الخارجية. وسلط النقاش الضوء على انشغال الخطاب الحالي بسؤال: "من يدير غزة بعد الحرب؟"؛ وهو ما يُعيد إنتاج المنطق الذي يعالج الحوكمة بوصفها مشكلةً تقنية يمكن حلها عبرر تدخلٍ خارجي، من دون معالجةٍ للشروط البنيوية التي جعلت حوكمة غزة مستعصيةً أصلًا للمساءلة. وانطلاقًا من ذلك، حاول المشاركون الإجابة عن سؤاَليَن مركزيين إضافيين، هم: ما الذي حال دون وجود حوكمة فلسطينية شرعية وخاضعة للمساءلة؟ وما الشروط السياسية التي ينبغي أن تتغير ليصبح ذلك ممكنًا؟ أكد المشاركون أن أيّ نقاش متعلق بالحوكمة يجب أن ينطلق من أفقٍ سياسي يتّسم بالثقة؛ فمن دونه، لن تكون ترتيبات الحوكمة سوى وسيلةٍ لإدامة الشروط التي يفرضها الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد، واستمرارٍ لسياسات الاحتواء. وركزت النقاشات أيضًا على تحليل البعد الحوكمي في خطط إعادة الإعمار المطروحة حاليًا، وذلك بعد تكليف لجنة من عدد من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة. وفي هذا السياق، برزت قضايا المساءلة والشفافية، إلى جانب ضرورة تنظيم قنوات تواصل واضحة بين المجتمع المحلي واللجنة، بوصفها إشكاليات محورية في التعامل مع الواقع المفروض على القطاع. إضافة إلى ذلك، ناقش المشاركون إمكانية التعامل مع هذه اللجنة، باعتبارها فرصةً لإعادة الاعتبار للأولويات الفلسطينية بدلًا من تهميشها، وذلك على الرغم من استمرار الغموض المتعلق بالمرجعية القانونية الناظمة لعملها. بناءً على ذلك، شدّد النقاش على أن مقاربة الحوكمة في سياق إعادة الإعمار في غزة لا يمكن فصلها عن الأسئلة السياسية الأوسع المتصلة بالشرعية والتمثيل؛ وهو ما يهمد لاحقًا للانتقال إلى مناقشة القضايا المتعلقة بالأبعاد المختلفة لعمليات إعادة الإعمار، وتداعياتها الاجتمعية والاقتصادية.
3. سياسات إعادة الإعمار وأمن الفلسطينيين
خلال الطاولة المستديرة الثالثة بعنوان "أمْنُ مَن؟ نحو حمية الفلسطينيين"، التي ترأستها مي أبو مغلي الأستاذة المساعدة في معهد الدوحة للدراسات العليا، طُرح سؤال الأمن بوصفه سؤلًا سياسيًا وأخلاقيًا. وشددت المداخلات على ضرورة صياغة إطارٍ للحمية يضع الفلسطينيين واحتياجاتهم في محوره، بدلًا من إخضاعهم لمنظومات أمنية خارجية تُعيد إنتاج الظروف ذاتها التي تسببت في تهميشهم خلال عمليات إعادة الإعمار السابقة. وركز النقاش على الكيفية التي يُستخدم من خلالها مفهوم "الأمن" في سياق الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد، أداةً لإنكار الحقوق الفلسطينية وتأجيل التطلعات السياسية؛ إذ تُقدم الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية على نحوٍ منهجي على المطالب الفلسطينية الخاصة بحق تقرير المصير ومتطلبات التنمية، وهو ما يستخدم بدوره لتبررير حصار غزة، وتقييد الحركة، وتكرار العمليات العسكرية التي دمرت البنية التحتية المدنية. وقد رفض المشاركون هذا الإطار كم هو قائم، ودعوا إلى حقيقة مغايرة مفادها أنّ الفلسطينيين يتعرضون لتهديد دائم لأمنهم الجسدي، وسبل عيشهم، ووجودهم الجمعي، من جرّاء العمل العسكري الإسرائيلي، وعنف المستوطنين، والعنف البنيوي لدولة الاحتلال. وبناءً على ذلك، جرى تأكيد أنّ أيّ نقاشٍ جاٍّدٍ حول "اليوم التالي" في غزة يجب أن يبدأ من مواجهة هذه الحقيقة على نحوٍ مباشر؛ فمن دون ضمنات موثوقة لحمية الشعب الفلسطيني من العمليات العسكرية الإسرائيلية مستقبلًا، لن تكون عملية إعادة الإعمار صعبة فحسب، بل عديمة الجدوى أيضًا.
4. سياسات إعادة الإعمار وتعزيز الوجود الفلسطيني
خلال الطاولة المستديرة الرابعة بعنوان "سياسات إعادة الإعمار: من الاقتلاع إلى التعافي"، التي ترأستها لارا خطاب الأستاذة المساعدة في معهد الدوحة للدراسات العليا، ركز النقاش على أن معظم جهود إعادة الإعمار السابقة في قطاع غزة أنتجت نمطًا لا يمكن تفسيره بأنه إخفاق تقني في سياسات الإعمار فحسب، بل إنه نتيجة مباشرة لبنية سياسية مستمرة لم تتغير. فالحصار المفروض على القطاع، يقيد حركة المواد ورؤوس الأموال والنشاط الاقتصادي، في حين تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في استهداف البنى التحتية المدنية. وفي ظل هذا الواقع، يُعاد إنتاج مقاربات المانحين التي تُغَلّب منطق "الاستقرار السريع" على حساب التنمية الطويلة الأمد. واستنادًا إلى هذه الخلفية، تبنّى النقاش مقاربة الاقتصاد السياسي لتحليل إعادة الإعمار، محاولًا الإجابة عن تساؤلات جوهرية متعلقة بإمكانية الانتقال من إعادة الإعمار بوصفها إدارةً للأزمة إلى حالة من التعافي المستدام. وأكد الخبرراء المشاركون ضرورة البحث عن الشروط الكفيلة بتحويل إعادة الإعمار إلى مسار تحّولّي، لا مجرّد تدخل إسعافي سريع. إضافةً إلى ذلك، شددوا على الدور المحوري للفاعل الفلسطيني في تحديد أولويات عمليات إعادة الإعمار التي عادةً ما تُصاغ بحسب أولويات المانحين وقيود الاستعمر الاستيطاني ونظام الأبارتهايد.
خاتمة
جرت هذه الورشة في سياق المساعي الجادة لإعادة وضع صوت الفلسطينيين في صميم النقاش الدائر حول إعادة الإعمار في قطاع غزة، والعمل على تطوير مساراتٍ مستقلة ومستدامة لإعادة الإعمار يقودها الفاعلون الفلسطينيون، وتقوم على أساس تضمين أصوات الفلسطينيين وصون كرامتهم. ولهذا، شدّد المشاركون على أنه في ظل حرب الإبادة المستمرة على القطاع، يجب أن تنطلق عملية إعادة الإعمار من مهمةٍ أساسية تتمثل في جعل الخبررة الفلسطينية، وقضايا السيادة، والاستراتيجيات المتجذرة في المجتمع الفلسطيني، محورًا في صميم أيّ تصوّرٍ لإعادة الإعمار. وحذّروا من الخطط المفروضة من جهاتٍ خارجية، والتي قد تؤدي إلى مخاطر إعادة إنتاج علاقات التبعية والهيمنة، وقد تحِّوِل عمليات إعادة الإعمار إلى أداة لتأبيد الأزمة بدلًا من معالجتها جذريًا. لقد شكّلت الورشة، من خلال جلساتها النقاشية وطاولاتها المستديرة، مج لًا نقديًا يستند إلى مركزية الأصوات الفلسطينية لتفكيك النمذج التقليدية لإعادة الإعمار، ولا سيم تلك المستندة إلى المقاربات التكنوقراطية أو ما يُعرف بمقاربات "رأسملية الكوارث"، التي تتجاهل سياقات الاستعمر الاستيطاني والحصار والحرب المستمرة في فلسطين، وبالأخص في قطاع غزة. وأكد المشاركون أن هذه المقاربات لا تقتصر على تهميش الحقوق الأساسية وأصوات الفلسطينيين، بل إنها تُجرّد عملية إعادة الإعمار من مضمونها السياسي والأخلاقي، وتختزلها في منطقٍ يكتفي بإعادة إنتاج شروط المعيشة الدنيا، بدلًا من ضمن الحياة الكريمة وحق تقرير المصير والسيادة. وأشار الحضور إلى أن إعادة الإعمار بعد النزاع تشير إلى أن المقاربات التي تُصَمَّم وفقًا لمخططاتٍ خارجية، وتنفّذ بطريقة هرمية، وتُقصي أصوات المجتمعات المتأثرة بالحرب، غالبًا ما تؤدي إلى الإخفاق في تحقيق نتائج مستدامة، وتوفير بيئة تعزز دور الفاعلية الوطنية في إدارة مرحلة التعافي. وفي هذا الإطار، شدد الخبرراء
المشاركون على التعامل بصورةٍ جدية ومعمقة مع الأبعاد الاجتمعية والسياسية لعمليات إعادة الإعمار، والتحديات الناجمة عن الإقصاء الممنهج للفاعلين الفلسطينيين من هياكل المساعدات الدولية، وما يترتب عليه من إضعاف القدرات الذاتية الفلسطينية. علاوة على ذلك، أكد المشاركون الدور المحوري للمجتمع المدني والقيادة الحيوية للنساء الفلسطينيات في جهود الصمود وإعادة الإعمار. وكان هناك إجمع على أن بقاءَ الفلسطينيين في أرضهم، وحقهم في تقرير المصير، يشكلان أساسًا غير قابلٍ للتفاوض حول أي عملية إعادة إعمار ذات شرعية. وقد بلورت الورشة خلال أيام انعقادها فكرة محورية، مفادها أن جوهر الأزمة لا يكمن في النقاش حول الخطط التقنية فحسب، بل في طبيعة النموذج الحاكم لعمليات إعادة الإعمار ذاته أيضًا؛ فالمطلوب ليس مجرّد تٍبّنٍ لخططٍ جديدة، بل إحداث تحوّلٍ جذري في المقاربة، يُعاد فيه تعريف عملية إعادة الإعمار بوصفها امتدادًا لحق تقرير المصير الفلسطيني، لا أداة للتهدئة السياسية أو إدارة السكان. وخلصت النقاشات في هذا السياق إلى رؤى استراتيجية لتعزيز الحوكمة المحلية، وتمكين المجتمع المدني، وتصميم أطرٍ تضمن أن تستند عملية إعادة الإعمار إلى قيم الكرامة والمساءلة والعدالة، تمهيدًا لبناء مستقبلٍ يقرره الفلسطينيون بأنفسهم على نحو يخدم مشروعهم الوطني المستقل.