Return to Article Details The Governance of Economic Development: Investment, Innovation, and Competition in China

حوكمة التنمية الاقتصادية: الاستثمار والابتكار والمنافسة في الصين

The Governance of Economic Development: Investment, Innovation, and Competition in China

المهدي الأورابي

الملخّص

المؤلف:  أنسون أوو. الناشر:  لندن: روتليدج. سنة النشر:.2024 عدد الصفحات:.162

Abstract

This book examines how the Chinese state has governed economic development amid the country's transformation over recent decades. It argues that China's rise reflects a governance model in which the state plays a central role in directing investment, fostering innovation, and regulating competition to advance national development goals. The book explores the policies and institutional mechanisms through which the government manages the relationship between the state and the market, showing how competition is reshaped and capital is channeled toward strategic sectors, particularly advanced industries and technologies. It also interprets recent shifts in China's economic policy as a reordering of development priorities rather than a retreat from the market economy, highlighting the distinctive features of China's model of economic governance.

الكلمات المفتاحية:
  • الحوكمة
  • التنمية الاقتصادية
  • الصين
Keywords:
  • Governance
  • Economic Development
  • China

أثارت الحملات القمعية التي شنّتها الصين في الفترة 2020 - 2022 على "عملقة" التكنولوجيا، والعقار، والتعليم، والتمويل، والترفيه، جدلًا حول مسار حوكمة التنمية في البلاد، ما بين من رأى فيها تخليًا جوهريًا عن إصلاحات السوق التي بدأت منذ عام 1978، لمصلحة حقبةٍ أكثر أيديولوجيةً وتوجهًا نحو الدولة، ومن رأى أنها تمثّل تطورًا طبيعيًا في نموذج الحوكمة الصيني. يكمن هذا الجدل في محور الخطاب المعاصر حول الحوكمة والتنمية الاقتصادية. وبصلةٍ مباشرةٍ بها، يقدّم كتاب أنسون أوو حوكمة التنمية الاقتصادية: الاستثمر والابتكار والمنافسة في الصين أطروحةً مفادها أن الحملات الأخيرة في الصين لا تمثّل انتكاسة، بل بالأحرى استمرارية لنموذج التنمية "الإصلاح والانفتاح" الذي جاء به الرئيس السابق دنغ شياو بينغ منذ عام 1978. وبتعبيرٍ آخر، تحتفظ حوكمة التنمية الاقتصادية في الصين، وفقًا للمؤلّف، بالاستمرارية في أهدافها وهياكلها، على الرغم من التحديات الجديدة التي تواجهها في عهد الرئيس الحالي شي جين بينغ. ويجري في هذا الصدد

استخدام مفهوم "توافق بيجين"1 لوصف نهج الصين المميّز، الذي يجمع بين السيطرة السلطوية والنمو المبنيّ على السوق؛ بوصف ذلك نموذجًا للحوكمة الاقتصادية، يمثل بديلًا من نموذج الحوكمة النيوليبررالية. في كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية، يُدرج المؤلّف تحليله لأدبيات الحوكمة، من خلال التركيز على كيفية تفاعل مؤسسات الدولة والسياسات والمعايير الثقافية، لا سيم ثقافة التواصل الشبكي، لتشكيل النتائج الاقتصادية، ويتّخذ موقفًا واضحًا إزاء "الانعراجة" السلطوية الصينية الأخيرة، التي لا يرى أنها تقوّض عملية التنمية، بل تندرج في مقاربة الحوكمة الصينية الكلية التي تروم دعم الابتكار، والرفاه الاجتمعي، والاستقرار الطويل الأمد. وتتمثل أطروحة الكتاب الرئيسة في أن الحوكمة الاقتصادية في الصين، التي تتسم بمزيجٍ من التنسيق بين الدولة والمنافسة في السوق، قد دعمت نمو الصين غير المسبوق وصعودها الاقتصادي من "دولة عالم ثالثية" إلى قوة عالمية في غضون جيل واحد، وأنّ نموذجها في الحوكمة يستحقّ الثناء أكثر مّم يتلقّاه في كثيرٍ من الأحيان.

مضامين الكتاب

يتألّف كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية من مقدمة وستة فصول وخاتمة، يخصصها المؤلّف لعرض نموذج الصين الفريد في الحوكمة الاقتصادية وتسويغه. ويفتتح المؤلف كتابه بفصلٍ أول، "تاريخ النمو الاقتصادي الحديث في الصين"، وفيه يسررد "العصر التنظيمي الجديد" في الصين، الذي تميّز في الآونة الأخيرة بسلسلةٍ من الإجراءات القمعية، شملت إجراءات مكافحة الاحتكار ضد شركات التكنولوجيا، ومنصات التكنولوجيا المالية، وسياسة "الخطوط الحمراء الثلاثة" التي تهدف إلى كبح جمح ديون المنعشين العقاريين، وحظر الدروس الخصوصية التي تستهدف الربح، و"تطهير" صناعة الترفيه، وعمليات تدقيق المؤسسات المالية المفاجئة. ويُفضي عرض سياق تدخّل الدولة، على نحو قمعي، إلى طرح المؤلّف سؤلًا جوهريًا، هو: هل تخلّت الصين عن التزامها المستمر بالتنمية التي تقودها، منذ أزيد من أربعة عقود، لمصلحة العودة إلى سيطرة الدولة، كم كان الحال في عهد ماو تسي تونغ؟ أمّا إجابته عن هذا السؤال، فهي أنّ حملة القمع الحالية، على الرغم من شراستها، التي قضت على تريليونات اليوانات من القيمة السوقية، وعلى قطاعات كاملة، مثل الدروس الخصوصية، لا تمثّل قطيعة، بل هي استمرارية لنهج التنمية الذي بدأ قبل خمسين عامًا في عهد دنغ شياو بينغ. ولدعم هذا التأكيد، يكشف الكتاب عن البنى الاجتمعية التي يقوم عليها نموذج التنمية الصيني، من أسسٍ أيديولوجية، وترتيبات مؤسّسية، ونُظمٍ سياسية، بغرض وضع السياسات الحالية في سياقها، وتوقّع آثارها على امتداد الخمسين سنة القادمة. ويعرض الفصل الثاني، "النموذج الاقتصادي الصيني الأول: بنية الرأسملية الصينية الاجتمعية وأيديولوجيتها"، الإطار النظري والتاريخي للكتاب، وفيه يعتبرر المؤلّف النموذج الصيني متغرّيًا متميزًا للرأسملية، لا يتناسب

  1. على خلاف مفهوم "توافق واشنطن" Consensus Washington الذي صاغه جون ويليامسون في عام 1989، والذي يمثّل مقاربة نيوليبررالية للتنمية الاقتصادية تؤكّد تحرير السوق، والانضباط المالي، والخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية، باعتبار هذه العوامل بمنزلة "وصفات" سياسية رئيسية للنمو، يصف مفهوم "توافق بيجين" Consensus Beijing، الذي روّج له جوشوا كوبر رامو في عام 2004، نموذج التنمية الذي تقوده الدولة في الصين، والذي يؤكد الإصلاحات التدريجية، وتدخّل الدولة في القطاعات الاستراتيجية، ورفض السياسات ذات "المقاس الواحد" الذي يناسب الجميع لمصلحة الحلول البرراغماتية التي تحدد السياق. يُنظر: John Williamson, "What Washington Means by Policy Reform," in: John Williamson (ed.), Latin American Adjustment: How Much Has Happened ? (Washington, DC: Institute for International Economics, 1990), pp. 7-20; Joshua Cooper Ramo, The Beijing Consensus (London: Foreign Policy Centre, 2004).

تمامًا مع المقاربة المانوية المعتادة التي تقابل الاقتصادات الليبررالية بالاقتصادات الموجّهة. ويعلّل ذلك بتمييزه في متغيرات أنظمة الرأسملية بين خمسة مجالات رئيسة من النشاط المؤسسي (العلاقات الصناعية، والتدريب المهني، وحوكمة الشركات، والعلاقات بين الشركات، والعلاقات مع الموظفين والمستخدمين)، يحدّد من خلالها ما يجعل النظام الصيني فريدًا من نوعه، وهو الدور المركزي للثقافة الصينية، وعلى نحو أكثر تحديدًا ثقافة شبكة "الغوانشي"2 في تشكيل الحوكمة الاقتصادية. ولتسويغ هذا "النهج الثقافي المبتكر"، يفترض المؤلّف أنّ معايير الغوانشي، والسعي لتحقيق الانسجام الاجتمعي، يشّك لان أساسًا أيديولوجيًا للحوكمة الرأسملية الصينية، على خلاف التصورات الرائجة التي تركّز على نحوٍ شبه حصري على السلطوية السياسية؛ إذ يحاجّ بأنّ الأيديولوجية الموجهة إلى الدولة الصينية "ليست سياسة قمعية محضة وبسيطة"، بل هي رؤية للعالم تتمحور حول بناء مجتمع متناغم. ومن ثمّ، فإنّ وظيفة الأيديولوجيا تكمن في استملة الأفراد والمنظمت إلى رؤية جمعية للنظام والتنمية، والحفاظ على التسلسل الهرمي الاجتمعي والاستقرار؛ وهي قيم متجذّرة بعمق في ثقافة الغوانشي. ومن خلال تتبع تطور السياسة الصينية منذ عام 1978، يشرح الفصل الثاني كيف أنّ هذا التوجه الثقافي والأيديولوجي أدى، إلى جانب قدرة المؤسسات على التكيّف، إلى ظهور نموذج اقتصادي متميز من رأسملية السوق الحرة الغربية، والتخطيط الاشتراكي التقليدي. فالنموذج الصيني، وفقًا للمؤلّف، هو شكلٌ من أشكال الرأسملية التي توجّهها الدولة، المشبعة بالمنطق الثقافي المحلي؛ وهو ما أسمه باحثون آخرون "شكلًا هجينًا من الرأسملية"3، يحتضن آليات السوق والاستثمر الأجنبي، ولكنه يحافظ على الحزب الشيوعي في مركز الحوكمة الاقتصادية. وبعد تحديد الإطار النظري والتاريخي للكتاب، يهتمّ الفصل الثالث، "النموذج الاقتصادي الصيني الثاني: التغلب على عوائق النمو الاقتصادي"، بتشخيص التحديات الحالية التي تواجه التنمية الاقتصادية في الصين، وهي تحديات تكمن في خلفية الحملة القمعية الأخيرة التي قادتها السلطات الصينية على عملقة التكنولوجيا والعقارات والتعليم والتمويل والترفيه. ويحدد المؤلّف "ثلاثية العقبات الاقتصادية" التي تهدّد نمو الصين وتماسكها الاجتمعي، وهي أولًا عدم المساواة، وثانيًا تباطؤ النمو الاقتصادي، وثالثًا ارتفاع الدين العام، ويعرض الزيادة الحادة في مستويات عدم المساواة في الدخل والثروة، بوصفها أثرًا جانبيًا للنمو السرريع في الصين؛ ما أدّى إلى تآكل قوة الطبقة الوسطى الشرائية، وبداية تهديد الاستقرار الاجتمعي. ويشير المؤلّف إلى أنّ معامل جيني في الصين كان يبلغ نحو 0.47 في السنوات الأخيرة4، وهذه النسبة أعلى كثيرًا من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي لم يتجاوز في العام نفسه نسبة 0.3185، وهو ما يسلط الضوء على مستوى من عدم المساواة يمكن أن يقوّض التنمية "المتناغمة" التي تسعى لها الدولة. ثم ينتقل الفصل إلى عرض تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجملي في الصين، بعد أن شهد نموًا كبيرًا جًّدًا في العقود

  1. يشير مصطلح "غوانشي" Guanxi في الثقافة الصينية إلى شبكة العلاقات الشخصية التي تسهّل الالتزامات والخدمات المتبادلة، وغالبًا ما تعمل بوصفها آلية حاسمة للتفاعلات التجارية والاجتماعية. يُنظر: Mayfair Mei-hui Yang, Gifts , Favors , and Banquets: The Art of Social Relationships in China (Ithaca: Cornell University Press, 1994).
  2. Henry Wai-chung Yeung, Chinese Capitalism in a Global Era: Towards a Hybrid Capitalism (London: Routledge,
  3. National Bureau of Statistics of China, 2020 China Statistical Yearbook (Beijing: National Bureau of Statistics of China, 2020).
  4. OECD, "Income Distribution Database: Gini – 2020," accessed on 1/7/2025, at: https://acr.ps/1L9zSiD

الأخيرة، وذلك لأنّ الاقتصاد الضخم يعني أيضًا أنّ النمَّوَ بنسبة مئوية عالية أمرٌ يصعب الحفاظ عليه، إضافةً إلى تأثيرات العوامل البنيوية المتمثّلة في الحدود التكنولوجية للإنتاجية، وشيخوخة السكان وتراجع القوى العاملة، وحدود التمدين. ثمّ يهتمّ المؤلّف بارتفاع الدين العام وشبه العام في الصين؛ بدءًا من الاقتراض الحكومي المحلي من خارج الميزانية، إلى ديون الشركات، التي وصلت إلى مستويات مقلقة. ويصنّف الفصل أنواع الديون ومصادرها، ويسلّط الضوء على الأسس المنطقية المختلفة التي تستدين من خلالها المستويات الحكومية المختلفة؛ موضحًا أنّ الاستقرار المالي أصبح بالنسبة إلى الحكومة المركزية مصدر قلقٍ كبير، نظرًا إلى مخاطر فقاعات الأصول والضغوط المالية. ومن خلال تحديد هذه التحديات الثلاثة، يسوّغ المؤلّف إقدام السلطات الصينية على حملة القمع والتشديد التنظيمي منذ عام 2020، بوصفها استجابة للتهديدات التي تلوح في الأفق؛ المتمثلة في عدم المساواة، وتباطؤ النمو، والديون، والتي إذا تُركت من دون معالجة، فإنها يمكن أن تقوّض تقدّم التنمية في الصين. أمّا في الفصول التالية، الرابع والخامس والسادس، فيقدّم المؤلّف تحليلًا استشرافيًا يتناول في كلّ فصلٍ من هذه الفصول مج لًا محددًا من مجالات التنمية والإصلاح السياسي، بوصفه مجالَ حٍّلٍ يقابل التحديات الواردة في الفصل الثالث. ويبحث كل فصل في كيفية تكيّف الحوكمة الصينية في نموذجها الذي تشهده لضمن استمرار التقدم طوال العقود القادمة. ويركز الفصل الرابع، "قياس الرفاه الاقتصادي: الفقر وعدم المساواة"، على تحديات عدم المساواة والحمية الاجتمعية، منتقدًا مؤشرات الفقر التقليدية، مثل خط الفقر المطلق الذي حدده البنك الدولي بدولارين في اليوم، أو مقاييس الفقر النسبي البحت، لأنها لا تعكس على نحو كافٍ الواقع الصيني. وبدلًا من ذلك، يقترح المؤلّف مقاربة جديدةً لقياس الفقر استنادًا إلى تكلفة المعيشة، مؤكّدًا أنّ حوكمة التنمية تحتاج إلى تطوير الطريقة التي يُحَدَّد بها الرفاه الاجتمعي، والتي تسعى لتحقيقه؛ وهو ما تركز عليه الإصلاحات المستقبلية في الصين التي تحمل شعار "الرخاء المشترك." ويبحث الفصل الخامس، "الابتكار التكنولوجي والتنمية الاقتصادية"، في الابتكار التكنولوجي وقطاع الإنترنت باعتبارهم ركيزتين من ركائز مستقبل الصين اقتصاديًا. ويكتسب هذا الفصل أهمية خًاصة بالنظر إلى الحملة التي قادتها السلطات الصينية ضد شركات التكنولوجيا الكبررى (علي بابا Alibaba، وتينسنت Tencent، وديدي Didi، وغيرها)، في السنوات الأخيرة. ويحدّد المؤلّف في هذا الفصل ثلاثة محاور استراتيجية، أيضًا، توجّه نهج الحكومة المركزية في الابتكار التكنولوجي والحوكمة، وهي تحسين بيئة الإنترنت وبيئة وسائل الإعلام، وفرض امتثال الشركات ونظام السوق، وتحديد دور قطاع الإنترنت في التنمية الوطنية. ويؤكّد تحليله المتمثّل في أنّ هذه التدابير الجذرية - على غرار وقف إدراج شركة "آنت غروب" Group Ant في البورصة، أو معاقبة شركات الاتصالات المرئية وألعاب الفيديو - تكمن فيها نية تحسين الرفاه الاجتمعي، وتعزيز المنافسة لتحسين الأعمل التجارية، وهو ما يجعلها غير متناقضة مع استمرارية استراتيجية التنمية التي بدأت مع إصلاحات دنغ شياو بينغ، بل إنها ملائمة لها. وبدل من النظر إلى هذه الحملة القمعية والتنظيمية بوصفها انجرافًا ضد السوق، يقترح المؤلّف النظر إليها بوصفها "تحديثًا" لحوكمة الاقتصاد الرقمي. ومن ثمّ، يضع الفصل الخامس حملة الصين التكنولوجية في إطار استراتيجية حوكمة استباقية تهدف إلى ضمن مساهمة الابتكار في التنمية الشاملة، وم عن تفاقم عدم المساواة أو زعزعة الاستقرار. وتؤّك د وجهة النظر هذه جوهر حجاج السلطوية التنموية، الذي يُسوّغ غياب الديمقراطية أو تحجيمها في هامشٍ ضِّيِق بحسب المنطق التنموي.

في إثر ذلك، يناقش الفصل السادس، "رأس المال البشري، والابتكار التكنولوجي، والتنمية الاقتصادية"، رأس المال البشري والتعليم، معتبرًا التعليم "آلية" لتحقيق رؤية النمو الذي تقوده التكنولوجيا. ويبحث المؤلّف في عقبتين رئيسَتيَن تواجهان نظام التعليم وتنمية المهارات في الصين، هم: الجانب الكيفي للتعليم (وليس جانبه الكمّي فحسب)، والفوارق الاجتمعية والاقتصادية، وخصوصًا الفجوة بين الريف والحضر. وبالنسبة إلى الجانب الأول، يبررز المؤلّف أنّ السياسة التعليمية الصينية، بعد أن وسّعت نطاق الوصول إلى التعليم في العقود الأخيرة، بدأت تركّز أكثر فأكثر على تحسين مخرجاته، لا سيم التفكير النقدي، ومهارات الابتكار، بوصفهم من ضرورات الاقتصاد المبني على التكنولوجيا الفائقة. وفيم يخصّ النقطة الثانية، يلاحظ أّن قطاعاتٍ كبيرة من السكان - وخصوصًا سكان الريف وفقراء الحضر - لا تزال تواجه حرمانًا يحدّ من فرصها التعليمية والرقمية، على نحو يعرقل هدف البلد في الابتكار على نطاقٍ واسع. ومن ثمّ، فهو يعدّ الإجراءات الصارمة التي اُّتُخذت ضد الدروس الخصوصية في المناطق الحضرية، على سبيل المثال، جزءًا من محاولةٍ أوسع للحدّ من عدم المساواة في التعليم، والأعباء المدرسية المفرطة.، يُختتم الكتاب بإعادة تأكيد المؤلّف أنّ تفسير القمع الذي مارسته السلطات الصينية خلال السنوات الأخيرة بوصفه قمعًا سياسًّيًا، يُخفق في فهم منطق الدولة الصينية في مواجهة التحديات الملحّة. ويجادل، بدلًا من ذلك، في أنّ القمع يندرج ضمن "الزخم المتضافر" الذي تسعى من خلاله الرأسملية التي توجّهها الدولة، والمشبعة بثقافة الغوانشي، لتعزيز التنمية والابتكار والرفاه العام، بطريقة ملائمة لمبادئ حقبة دنغ شياو بينغ. وبتعبير آخر، إن نهج الصين في الحوكمة يتطور لتلبية الاحتياجات الجديدة، ولكنه لم يتغير على نحو أساسي في مهمته التنموية. وينتهي الكتاب بنظرة استشرافية تؤّك د أنّ فهم نموذج الحوكمة في الصين، المبني على مركزية العوامل الثقافية والأيديولوجية، هو مفتاح التنبؤ بمسار سياستها، ومن الُم رَّجَح أن يستمر في موازنة تدخّل الدولة مع الأهداف الموجّهة إلى السوق؛ من أجل التغلب على ثلاثية عدم المساواة، وتباطؤ النمو، والديون.

قراءة نقدية للكتاب

يمكن اعتبار كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية إسهامًا مهًّما لفهم نموذج الحوكمة الصيني المركزي في عالم اليوم، وأنه يكتسب، في أغلب الأحيان، مكانة أكثر مركزية في عالم المستقبل أيضًا. فعرضُ عمليات القمع التي شهدتها الصين في الفترة 2020 - 2022، ووضعُها ضمن سلسلة متصلة من الحوكمة طوال نصف قرن من الزمن، يضفيان عمقًا تاريخيًا ضروريًا لفهم الأبعاد الاستمرارية البنيوية، ما وراء الظرفية السياسية وتقلّباتها؛ مع التركيز على العناصر الثقافية المحلية التي ربما قد تكون التحليلات السابقة للنموذج الصيني، من داخل الصين أو من خارجها، قد قلّلت من شأنها. وعلى الرغم من إسهامات الكتاب المهمة، بدمجه الثقافة والأيديولوجيا في تحليل الحوكمة الاقتصادية، ليسلّط الضوء على شبكات الغوانشي، والمثل الأعلى لمجتمع متناغم، بوصفهم أيديولوجيا موجّهة إلى التنمية في الصين، وبتناوله مجموعة وًاسعةً من المواضيع؛ بدءًا من سياسة الاقتصاد الكّلي والشواغل المالية إلى التنظيم القطاعي، والسياسات الاجتمعية، فإنّ هذه المواضيع تجعل الكتاب ما وراء النموذج الصيني نفسه يندرج في نقاشاتٍ أوسع نطاقًا لنمذج الحوكمة والتنمية، ولكونيتها، من خلال المقابلة بين "توافق بيجين" و"توافق واشنطن" النيوليبررالي على سبيل المثال.

ومن ناحية أخرى، لا يخلو هذا الكتاب من ثغراتٍ ومن تحيّزات. ومن أهمّها تأكيده مسألة الاستمرارية على امتداد صفحاته كلّها تقريبًا، مقابل التغيير، في الحوكمة الاقتصادية الصينية، وعدم اعتباره حقبة شي جين بينغ تحولًا جذريًا، يبّشر ب "عصر الأمن والسيطرة"، على الرغم من مراقبة الحزب المتزايدة للأفراد وللمؤسسات الخاصة، وتركيزه المتجدّد على الأيديولوجية، ومركزية السلطة، بوصف ذلك من العلامات البارزة الدالة على حدوث قطيعة. فمع أنّ المؤلّف يعترف باتساع القمع غير المسبوق، فإن تفسيره المتحيّز إليه، باعتباره "تنشيطًا" للجهات الفاعلة، يهدف إلى تعزيز المنافسة والابتكار، وأنه ليس قمعًا، يجعله يسكت عن تأثيراته الهدّامة المتمثّلة في غرس الخوف وكبح المبادرة الخاصة؛ ما من شأنه أن يؤدي إلى تقويض ريادة الأعمل، وثقة المستثمرين، في المدى القصير. من جهة أخرى، يُعَدّ التوازن بين التفسيرات الثقافية والسياسية غير مقنعٍ في الكتاب. وحتى إذا افترضنا أّن مقاربة المؤلّف الثقافية مبتكرة، فإنّ ثنائية "الثقافي/ السياسي"؛ "النظرة المتناغمة للعالم" في مقابل "السياسي" "القمع"، مفرطة في المانوية والتجرّد من الواقعية؛ ذلك أنّ الواقع تتشابك فيه الثقافة والسياسة في الصين بعمق، ثمّ إنّ الحزب الشيوعي غالبًا ما يستخدم السررديات الثقافية أدواتٍ لتحقيق أهداف سياسية؛ من خلال التذرّع بالقيم الكونفوشيوسية لتبررير السلطة على سبيل المثال، وهو ما يقدمه المؤلّف على أنه نابعٌ من المجتمع (شبكات الغوانشي)، وأنه أمرٌ يكاد يكون عضويًا، مقلّلًا بذلك من أهمية الهندسة السياسية الواعية. لكن هذا لا يجعل أيديولوجية الحكم في الصين غير سياسية، بقدر ما يجعلها أيديولوجية مبنية سياسيًا استنادًا إلى "زخارف ثقافية". وقد كان في إمكان الكتاب في هذا الصدد أن يولي الأدبيات المتعلقة بالحكم الاستبدادي والشرعية مزيدًا من الاهتمم6، وهي أدبيات تشرح كيفية محافظة الدولة الصينية على السيطرة أثناء سعيها للتكيّف مع التحديات الجديدة. ولئن كان تركيز المؤلّف على ثقافة الغوانشي باعتبارها "مصدر" النموذج الفريد للصين المثير للاهتمم، فإنّ القارئ يتساءل إذا ما كان ذلك لا يضفي نوعًا من الرومانسية على جانب من جوانب المجتمع الصيني الذي يمكن أن يولّد الفساد والمحسوبية. ثمّة، أيضًا، العديد من التحيزات الأخرى في الكتاب. فعلى سبيل المثال، عندما يؤكد المؤلّف أن السياسات التنظيمية تهدف إلى التحفيز بدلًا من القمع، فإنّ مثل هذا التأكيد يُعَدّ استنباط ا لا تدعمه الوقائع التي يجري تأويلها على نحوٍ متحيّز. ثمّ إنّ مقاربة الكتاب تبسّط الواقع المعقد للحوكمة المتعدّدة المستويات، وترّك ز في المقام الأول على الحوكمة وطنيًا ومركزيًا، مع إغفال مكانة الحوكمة المحلية في هذا النموذج؛ في حين أّن الحوكمة الصينية تتّسم باللامركزية الشديدة في تطبيقها، وتكتسي التجارب المحلية خصوصيات تفنّد نموذج الحوكمة من الأعلى إلى الأسفل والمتجانس. يعاني الكتاب، أيضًا، بعض أوجه القصور في مناقشة الأدبيات العلمية في هذا الموضوع؛ ومن أبرزها ما يتعلق بالنظرية الكلاسيكية للدولة التنموية (المطبقة على اليابان، وكوريا الجنوبية، وغيرهم.) فالنموذج الصيني الموسوم بالدولة القوية التي توجّه الأسواق، كم يرشح ذلك المؤلّف، يحاكي نموذج الدولة التنموية الذي وضعه تشالمرز جونسون7، بيد أنّ الاختلاف يكمن في الحمولة الأيديولوجية القوية

  1. Sebastian Heilmann, "Policy Experimentation in China's Economic Rise," Studies in Comparative International Development , vol. 43, no. 1 (March 2008), pp. 1-26; Stein Ringen, The Perfect Dictatorship: China in the 21st Century (Hong Kong: Hong Kong University Press, 2016); Andrew J. Nathan, "The Puzzle of Authoritarian Legitimacy," Journal of Democracy , vol. 31, no. 1 (January 2020), pp. 158 - 168.
  2. Chalmers Johnson, MITI and the Japanese Miracle: The Growth of Industrial Policy , 1925–1975 (Stanford: Stanford University Press, 1982).

التي تَسِمُه في الصين، بالنظر إلى مكانتها وموروثها الاشتراكي. ثمّ إنه كان في إمكان المؤلف أن يشتبك مع نظرية هوانغ ياشينغ بخصوص "الرأسملية ذات الخصائص الصينية"8، التي ترى أن الإصلاحات المبكرة في الصين شجعت المقاولات في المجال الريفي، ولكنها فضلت بعد ذلك المشاريع الحضرية التي تقودها الدولة؛ ما أدّى إلى تباطؤ في التحرير الاقتصادي. وتجدر الإشارة، أيضًا، إلى أعمل مهمة أخرى، ذات صلة بموضوع الكتاب، كان من شأن الاشتباك معها أن يمنحه قيمة مضافة مؤَّكَدة؛ ومنها مقاربة "الرأسملية المتنوعة" التي تركز على التنوع الإقليمي9، أو مقاربة "الرأسملية الصينية" التي تركز على جدلية الدولة وريادة الأعمل، والتي تحسّن بذلك فهم التكوين المؤسسي المميّز بالنسبة إلى الصين10، أو منظور "الرأسملية السياسية" الذي يَعُدّ دَفْع النموذج الصيني النمو الاقتصادي من خلال الأسواق الرأسملية مقترنًا بنظامٍ سلطوي يحدّ من التعددية السياسية للحفاظ على سيطرة النخبة والاستقرار11، أو مقاربة أنجيلا هويو تشانغ التي تتتبّع الحملة القمعية الصينية على شركات التكنولوجيا منذ عام 2020، من خلال العودة إلى دوافعها وتداعياتها العالمية12، أو مقاربة كيو جين التي تُرّك ز على التخطيط طويل الأمد، والسياسات المتمحورة حول الإنسان، وقدرة البلاد على التكيّف، لُتبُررز أن النظام الصيني لا يتوافق مع التصنيفات الغربية بخصوص الرأسملية أو الاشتراكية، بل مُيثّل نموذجًا هجينًا تُوجّهه الأولويات الوطنية والحوكمة العملية13، أو مقاربة هيلين وانغ التي تُسلّط الضوء على الرؤية والطموحات الجمعية للازدهار والتجديد الوطني، وهي رؤية يتشاركها كلّ من الحكومة ورواد الأعمل والطبقة المتوسطة الناشئة14، أو مقاربة مينكسين باي التي تبُررز أن نموذج الحكم السلطوي في الصين، على الرغم من فعاليته في تحفيز النمو الاقتصادي السرريع، فإنه يواجه قيودًا بنيوية تعوق التنمية المستدامة والإصلاحات السياسية، وأن التنمية في الصين معرضة لخطر الركود الذي يهدّد بشدّة نموذجها الرأسملي السلطوي في المدى البعيد15. ومن اللافت للانتباه أنّ الفصل الخامس المتعلق بالابتكار التكنولوجي يسكت عن القيود الجيوسياسية، لا سيم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، والقيود المفروضة على أشباه الموصلات. فمن خلال تركيزه على السياسات المحلية، مثل تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات

  1. Yasheng Huang, Capitalism with Chinese Characteristics: Entrepreneurship and the State (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
  2. Jamie Peck & Jun Zhang, "A Variety of Capitalism … with Chinese Characteristics?" Journal of Economic Geography , vol. 13, no. 3 (May 2013), pp. 357 - 396.
  3. Christopher A. McNally, "The Evolution and Contemporary Manifestations of Sino-Capitalism," in: Uwe Becker (ed.), The BRICs and Emerging Economies in Comparative Perspective: Political Economy , Liberalisation and Institutional Change (London/ New York: Routledge, 2014), pp. 53-78.
  4. Branko Milanovic, Capitalism, Alone: The Future of the System That Rules the World (Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2019).
  5. Angela Huyue Zhang, High Wire: How China Regulates Big Tech and Governs Its Economy (Oxford: Oxford University Press, 2024).
  6. Keyu Jin, The New China Playbook: Beyond Socialism and Capitalism (New York: Viking, 2023).
  7. Helen H. Wang, The China Dream: How the Aspirations of Government, Business, and People Are Driving the Greatest Transformation in History (New York: Palgrave Macmillan, 2010).
  8. Minxin Pei, China's Trapped Transition: The Limits of Developmental Autocracy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006).

STEM Mathematics, and Engineering, Technology, Science,، يغفل عن التبعيات الخارجية التي تتحدى طموحات الصين التكنولوجية القومية. وفي هذا الصدد، يؤّك د دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون، الحائزان على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2024، أنّ المؤسسات الشاملة للجميع ضرورية للنمو المستدام16، بيد أنّ المؤلّف لا يعالج، على نحوٍ كافٍ، تلك المسألة التي مفادها إذا ما كانت الحوكمة الصينية من أعلى إلى أسفل تخاطر بخنق التعددية الضرورية للابتكار والتنمية الطويلة الأمد. ويتجلى هذا التوتر مثلًا في إعادة هيكلة شركة "آنت غروب"؛ إذ تثير ملكية الدولة لبيانات المستهلكين بعض المخاوف فيم يتعلق بالخصوصية والاستقلالية. يُضاف إلى ذلك أنّ تحديد المؤلّف لعدم المساواة بوصفها حاجزًا يحول دون النمو لا يربط هذا النقاش بآليات الحوكمة، مثل السياسة الضريبية، أو إصلاحات نظام الرعاية الاجتمعية، التي قد تعالجها؛ بالنظر إلى مستوياتها الحادّة. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى عمل مرجعي لتوماس بيكيتي موضوعه عدم المساواة في رأس المال الذي اقترح فرض ضرائب تصاعدية؛ بوصف ذلك أداةً لإعادة التوزيع، في حين يظلّ تركيز المؤلّف على قياسات الفقر على نحوٍ محدودٍ.ٍ ومن ناحية أخرى، يتجاهل منظور المؤلّف للدولة التنموية الديناميات الاجتمعية داخل الصين وضروب المقاومات التي تنشأ عنها. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يرّك ز تحليله لأسواق العمل على القوى البنيوية، على حساب مقاومة الحركة العملية التي تظلّ مهمةً في الصين؛ مثلم بيّنت بعض الدراسات المتعلقة بالإضرابات والمفاوضات الجمعية17. ومن شأن هذا المنظور الذي يقارب الدولة التنموية القومية من أعلى إلى أسفل أن يعيد إنتاج عدم تكافؤ السلطة، الذي يسعى الكتاب لنقده. تجدر الإشارة إلى أن كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية يتضمن تحليلًا استشرافيًا. فهو لا يكتفي بشرح الأحداث، بل يعمد إلى التنبّؤ بمسارات الخمسين سنة القادمة. وهذا أمر طموح، بناءً على حالة عدم اليقين التي تَسِمُ هذا المنظور الطويل، لكنه يضيف قيمة من خلال تحفيز التفكير في المستقبل. وتتّسم تنبؤات المؤلّف بشأن مستقبل الصين بتفاؤل شديد؛ فهو يتصور إصلاحاتٍ مستمرة لمواجهة التحديات المستجدّة، مع الحفاظ على الابتكار الاقتصادي، والاندماج الاجتمعي، مُراهنًا بذلك على استدامة نظام الحوكمة الصيني الحالي، على أن يظلّ قادرًا على التكيّف. غير أنّ هذه المقاربة الاستشرافية تعاني أيضًا تحيّزات عديدة، على غرار شيخوخة التركيبة السكانية وتدهورها، أو "فخ الدخل المتوسط"؛ وهي صعوبات يعسرر تجاوزها، حتى إن وُجدت حوكمة جيدة. ولا تتضمّن المقاربة الاستشرافية أيّ عرضٍ تفصيلي للحلول التي جرى تحديدها؛ من قبيل إصلاح نظام الرعاية الاجتمعية، وتنظيم قطاع التكنولوجيا، وتجويد النظام التعليمي وتسويته بين مختلف فئات المجتمع، حتى تكون كافية لرفع التحديات المستجدّة. وقد كان من شأن تقييم العناصر الأولية لفعالية التدابير القمعية التي اتخذتها السلطات الصينية، منذ عام 2020، أن يعزّز افتراضات المؤلّف المتعلقة بإسقاطاته المستقبلية استنادًا إلى معطيات ملموسة بشأن ما تفضي إليه التدابير القمعية في المجال التكنولوجي من تحسينٍ للمنافسة في السوق، أو إسهامٍ لإصلاحات التعليم في تحسين الوصول إلى المناطق الريفية، وغيرها.

  1. Daron Acemoglu & James A. Robinson, Why Nations Fail: The Origins of Power , Prosperity , and Poverty (New York: Crown Business, 2012).
  2. Jenny Chan, Pun Ngai & Mark Selden, Dying for an iPhone: Apple , Foxconn and the Lives of China's Workers (Chicago: Haymarket Books, 2020).

خاتمة

غالبًا ما يجري تقديم السياسات الصينية بوصفها سلطوية، ويجري التحذير منها. ويأتي كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية ليقدم مقاربةً بديلة في فهم الاقتصاد السياسي الصيني، بناءً على الوصل بين الحوكمة والتنمية. فمن خلال دمج أبعاد الحوكمة على امتداد صفحات الكتاب؛ من النمذج الأيديولوجية، والبنى المؤسسية، إلى تدابير السياسات العمومية الملموسة، في مجالات التكنولوجيا، والتمويل، والتعليم، لا يسلّط المؤلّف الضوء على مسألة توجيه التنمية وإدارتها من منطلق تطور النتائج فحسب، بل من منطلق إدراجها في زمن يستغرق مدة زمنية طويلة أيضًا. ومن ثمّ، لا تقتصر أهمية هذا الكتاب على فكّ شفرة حاضر الصين المستغلق، وخصوصًا من خلال تقديم قراءة مغايرة لمسوّغات السياسات الصينية القمعية في مختلف القطاعات منذ عام 2020، بل إنّ أهميته تكمن في استشراف مستقبلها أيضًا. وإذا كانت أطروحة المؤلّف في هذا الكتاب صحيحة، فإن مسار الصين سيظلّ مشتملًا على تدخلات سياسية استباقية مستمرة في الحوكمة؛ من أجل تعزيز الابتكار، ومعالجة عدم المساواة، والحفاظ على الاستقرار، في إطار نموذجٍ رأسملي متميز للدولة التنموية، من غير الانكفاء على الذات أو التراجع عن العولمة. وفي مقابل ذلك، إذا لم تكن هذه الأطروحة صحيحة، فإنّ هذه السياسات القمعية تدلّ على غرار عهد شي جين بينغ، على قطيعةٍ من مسار الإصلاح والانفتاح الذي جاء به دنغ شياو بينغ، في عام 1978، من شأنها أن تهدّد النموذج السلطوي للحزب الشيوعي برمّته، وتدلّ أيضًا على انهياره في المدى المتوسط أو البعيد. وتكمن أهمية الكتاب، أيضًا، في كونه يتجاوز حدود الصين، ليطرح نموذج الحوكمة الصيني، أو "توافق بيجين"، في إطار نقاشٍ كوني بشأن نماذج الحوكمة. ففي تأكيده دور الحوكمة دلالة على أن التنمية الفعالة لا تتعلق بمستوى النمو أو الاستثمر، بل بكيفية إدارتها؛ ذلك أنّ المؤسسات وجودة الحوكمة تؤثّر كلّها، إلى حدّ بعيد، في نتائج التنمية، مثلم يبررز ذلك تركيز البنك الدولي على "الحوكمة الرشيدة" منذ أزيد من ثلاثة عقود. ومن منظور المؤلّف، لا تعني هذه الحوكمة أنها ديمقراطية على النمط الغربي، أو اقتصاديات عدم التدخل، بل آلية مكيّفة ثقافيًا تقودها الدولة، حققت نتائج تنموية جيدة، وهي تتكيّف مع الأولويات الجديدة. وهذا ما يجعل إمكانية تكرار النموذج الصيني في مناطق أخرى من العالم أمرًا قابلًا للنقاش، على الرغم من أنّ الكتاب لا يدعو إلى ذلك صراحة، بل إنه يُعنى بإعادة النظر إلى الصين بوصفها ليست حالةً شاذة، وعلى أساس أنها "مختبرر" لإعادة التفكير في الحوكمة في عصر الاقتصادات الهجينة، مع تأكيد وجود مساراتٍ متعددة للتنمية. وهكذا، يفتح كتاب حوكمة التنمية الاقتصادية عدة آفاق بحثية في المستقبل. فهو يشجع على إجراء مزيدٍ من البحوث المرتبطة بالعوامل الثقافية في الحوكمة الاقتصادية، من خلال استكشاف أ طرٍ ثقافية أخرى في بلدان مختلفة وتأثيراتها في التنمية، على غرار الحوكمة الصينية المبنيّة على ثقافة الغوانشي، والحوكمة الإسكندنافية المبنيّة على الثقة الاجتمعية، أو غيرها. ثمّ إنّ هذا الكتاب يمهّد لدراسات طولية متعلقة بآثار السياسات الحالية في الصين في المدَييَن المتوسط والبعيد؛ من أجل تقييم إذا ما كانت أوجه عدم المساواة قد انخفضت، وإذا ما كان قطاع التكنولوجيا قد أصبح أكثر تنافسية مع الاحتفاظ بدينامية ابتكارية عالية، وإذا ما قلّلت الإصلاحات التعليمية من التفاوتات بين المناطق الحضرية والريفية؛ ومن ثمّ اختبار تنبؤات أوو الضمنية.

المراجع

Acemoglu, Daron & James A. Robinson. Why Nations Fail: The Origins of Power , Prosperity , and Poverty. New York: Crown Business, 2012.

Au, Anson. The Governance of Economic Development: Investment, Innovation, and Competition in China. London/ New York: Routledge, 2024.

Becker, Uwe (ed.). The BRICs and Emerging Economies in Comparative Perspective: Political Economy, Liberalisation and Institutional Change. London/ New York: Routledge,

Chan, Jenny, Pun Ngai & Mark Selden. Dying for an iPhone: Apple, Foxconn and the Lives of China's Workers. Chicago: Haymarket Books, 2020.

Heilmann, Sebastian. "Policy Experimentation in China's Economic Rise." Studies in Comparative International Development. vol. 43, no. 1 (March 2008).

Huang, Yasheng. Capitalism with Chinese Characteristics: Entrepreneurship and the State. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Jin, Keyu. The New China Playbook: Beyond Socialism and Capitalism. New York: Viking, Johnson, Chalmers. MITI and the Japanese Miracle: The Growth of Industrial Policy, 1925–1975. Stanford: Stanford University Press, 1982.

Mei-hui Yang, Mayfair. Gifts, Favors, and Banquets: The Art of Social Relationships in China. Ithaca: Cornell University Press, 1994.

Milanovic, Branko. Capitalism, Alone: The Future of the System That Rules the World. Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2019.

Nathan, Andrew J. "The Puzzle of Authoritarian Legitimacy." Journal of Democracy. vol. 31, no. 1 (January 2020).

National Bureau of Statistics of China. 2020 China Statistical Yearbook Beijing: National Bureau of Statistics of China, 2020.

OECD. "Income Distribution Database: Gini – 2020." at: https://acr.ps/1L9zSiD

Peck, Jamie & Jun Zhang. "A Variety of Capitalism … with Chinese Characteristics?" Journal of Economic Geography. vol. 13, no. 3 (May 2013).

Pei, Minxin. China's Trapped Transition: The Limits of Developmental Autocracy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006.

Ramo, Joshua Cooper. The Beijing Consensus. London: Foreign Policy Centre, 2004.

Ringen, Stein. The Perfect Dictatorship: China in the 21st Century. Hong Kong: Hong Kong University Press, 2016.

Wang, Helen H. The China Dream: How the Aspirations of Government, Business, and People Are Driving the Greatest Transformation in History. New York: Palgrave Macmillan, 2010.

Williamson, John (ed.). Latin American Adjustment: How Much Has Happened? Washington, DC: Institute for International Economics, 1990.

Yeung, Henry Wai-chung. Chinese Capitalism in a Global Era: Towards a Hybrid Capitalism. London: Routledge, 2003.

Zhang, Angela Huyue. High Wire: How China Regulates Big Tech and Governs Its Economy. Oxford: Oxford University Press, 2024.