أهمية
The Importance of
الملخّص
أضحى تعقّب التوجّهات المستقبلية الكبرى والصغرى للتغيرات الظرفية والهيكلية في مختلف الأنساق البشرية يستند اليوم إلى مجموعةٍ من المسلّمات المنطقية والتجارب المتراكمة والمعطيات الميدانية والدراسات الموثّقة والقوانين العلمية والأدوات المنهجية والمراصد الإحصائية وورشات الاستشراف الإستراتيجي؛ ومنها استناده إلى "مؤشّرات قياس التغيرات" التي يعتمدها الباحثون المستشرفون والمؤسّسات المتخصّصة في عمليات الاستشراف، والتي تغطّي قطاعاتٍ ومجالاتٍ حياتية عديدة ومتنوعة. وعلى الرغم من الجدل الأكاديمي والعملي بشأن جدواها وملاءمتها النسبية في تعقّب مستقبلات مختلف الظواهر المستشرفة، بخاصّة أنّها لا تخلو من التحيّزات المعرفية والأيديولوجية والثقافية والمصالحية، تمثّل تلك المؤشّرات أهميةً قصوى متنامية في تمكين ورشات الاستشراف الإستراتيجي ورسم سيناريوهات مستقبلية للكيانات المستشرفة. ومن ثمّ، تحاول هذه الورقة الإلمام بإشكالية "صناعة" المؤشّرات، وأهدافها، وكيف تتمّ صناعتها واعتمادها ضمن ورشات الاستشراف الإستراتيجي.
Abstract
ملخص: أضحى تعقّب التوجّهات المستقبلية الكبرى والصغرى للتغيرات الظرفية والهيكلية في مختلف الأنساق البشرية يستند اليوم إلى مجموعةٍ من المسلّمت المنطقية والتجارب المتراكمة والمعطيات الميدانية والدراسات الموثّقة والقوانين العلمية والأدوات المنهجية والمراصد ات قياس التغيرات" التي الإحصائية وورشات الاستشراف الإستراتيجي؛ ومنها استناده إلى "مؤش يعتمدها الباحثون المستشرفون والمؤسّسات المتخصّصة في عمليات الاستشراف، والتي تغطّي قطاعاتٍ ومجالاتٍ حياتية عديدة ومتنوعة. وعلى الرغم من الجدل الأكاديمي والعملي بشأن جدواها وملاءمتها النسبية في تعقّب مستقبلات مختلف الظواهر المستشرفة، بخاصّة أنّها لا تخلو من التحيّزات المعرفية والأيديولوجية والثقافية والمصالحية، تمثّل تلك المؤش ات أهميةً قصوى متنامية في تمكين ورشات الاستشراف الإستراتيجي ورسم سيناريوهات مستقبلية للكيانات ات، وأهدافها، وكيف المستشرفة. ومن ثمّ، تحاول هذه الورقة الإلمام بإشكالية "صناعة" المؤش تتمّ صناعتها واعتمدها ضمن ورشات الاستشراف الإستراتيجي. ات، ورشات الاستشراف الإستراتيجي كلمت مفتاحية: الاستشراف الإستراتيجي، المؤش Abstract: Tracking major and minor future trends in structural change within various human systems depends on diverse factors: from a set of a priori logical assumptions to accumulated experience, facts on the ground, reliable studies, scientific laws, methodological tools, statistical observatories, and workshops on strategic foresight. Such tracking also depends on the "indicators to measure change" adopted by futurologists and institutions devoted to foresight; these indicators are hugely diverse, and can be linked to myriad factors. Despite the academic and practical debate over the relative utility and suitability of these indicators to track the futures of a forecasted subject- particularly since they are not free of cognitive, ideological, cultural, and interest-based bias-indicators nevertheless have supreme importance in strategic foresight workshops, and allow researchers to draw up future scenarios. Given the above, this paper attempts to understand the problematic of "indicator creation", its goals, and investigates how to both create and rely on indicators in order to carry out reliable strategic foresight workshops.
- استشراف إستراتيجي
- مؤشرات
- ورشات الاستشراف الإستراتيجي
- Strategic Foresight
- Indicators
- Strategic Foresight Workshops
مدخل معريف منهجي The Importance of "Creating" Indicators in Strategic Foresight: Methodological-Cognitive Introduction
مختلف الأنساق البشرية يستند اليوم إلى مجموعةٍ من المسلّمت المنطقية والتجارب المتراكمة والمعطيات الميدانية والدراسات الموثّقة والقوانين العلمية والأدوات المنهجية والمراصد ات قياس التغيرات" التي
الإحصائية وورشات الاستشراف الإستراتيجي؛ ومنها استناده إلى "مؤش يعتمدها الباحثون المستشرفون والمؤسّسات المتخصّصة في عمليات الاستشراف، والتي تغطّي
قطاعاتٍ ومجالاتٍ حياتية عديدة ومتنوعة. وعلى الرغم من الجدل الأكاديمي والعملي بشأن جدواها وملاءمتها النسبية في تعقّب مستقبلات مختلف الظواهر المستشرفة، بخاصّة أنّها لا تخلو من التحيّزات المعرفية والأيديولوجية والثقافية والمصالحية، تمثّل تلك المؤش
ات أهميةً قصوى متنامية في تمكين ورشات الاستشراف الإستراتيجي ورسم سيناريوهات مستقبلية للكيانات ات، وأهدافها، وكيف
المستشرفة. ومن ثمّ، تحاول هذه الورقة الإلمام بإشكالية "صناعة" المؤش تتمّ صناعتها واعتمدها ضمن ورشات الاستشراف الإستراتيجي. ات، ورشات الاستشراف الإستراتيجي
كلمت مفتاحية: الاستشراف الإستراتيجي، المؤش Abstract: Tracking major and minor future trends in structural change within various human systems depends on diverse factors: from a set of a priori logical assumptions to accumulated experience, facts on the ground, reliable studies, scientific laws, methodological tools, statistical observatories, and workshops on strategic foresight. Such tracking also depends on the "indicators to measure change" adopted by futurologists and institutions devoted to foresight; these indicators are hugely diverse, and can be linked to myriad factors. Despite the academic and practical debate over the relative utility and suitability of these indicators to track the futures of a forecasted subject- particularly since they are not free of cognitive, ideological, cultural, and interest-based bias-indicators nevertheless have supreme importance in strategic foresight workshops, and allow researchers to draw up future scenarios. Given the above, this paper attempts to understand the problematic of "indicator creation", its goals, and investigates how to both create and rely on indicators in order to carry out reliable strategic foresight workshops.
**Research Professor in Political Science and International Relations, Kasdi Merbah University Ouargla, Algeria.
مقدمة
بداية، ينبغي التنويه بأنّ (علم) "الاستشراف الإستراتيجي"، حقلٌ علمي في طور التوسّع عالميًا وعربيًا على المستوى الأكاديمي والعملي؛ وهو معرفةٌ وممرسة بحثية وتسييرية متعدّدة وعابرة للاختصاصات والجنسيات والثقافات. كم أنّ استشراف المستقبل والتخطيط العملي لحركية الحياة الاجتمعية بأبعادها كافة أضحى ميزة المجتمعات المتحضرة المعاصرة. ولنتجاوز الاستطراد المطلوب معرفيًا في معالجة موضوع إشكالية أحقية إضفاء اسم "العلم" على هذا المجال العلمي الجديد نسبيًا، نُرجّح مرحليًا وضع كلمة "علم" بين معقوفتين كلّم تحدّثنا عن هذا المجال التخصصي الذي يجمع بين العلمية والتقنية والمهارة الفنية والخيال والحدس والتخمين؛ ما يفتح المجال لتعلّمه وتعليمه والإفادة من تطبيقاته، إلى ألوان متداخلة من المعارف والأنشطة الاتصالية والإحصائية والأدوات التكنولوجية التي تدعو ممرسيه إلى الاستنجاد بطيفٍ متنوع من المعارف والأدبيات التي تترواح بين المعارف الأدبية المعيارية والمعارف الرياضية الدقيقة. لذلك اقترحنا تسميته باسم "(علم) دراسة المستقبل" أو "(علم) الاستشراف الإستراتيجي" أو "الاستشراف الإستراتيجي" من دون ذكر كلمة "علم"، في انتظار الحسم في عملية تبلور الأبعاد الفلسفية والمعرفية والمنهجية لهذا الحقل العلمي التخصصي الصاعد في المجتمعات العلمية عبر العالم المعاصر. وسنكتفي في هذه المقدمة بأن نؤكّد أنّ ديناميكية "(علم) الاستشراف الإستراتيجي" هي محصّلة الدمج العلمي والعملي بين ديناميكية "الاستشراف العلمي" أو "الدراسات المستقبلية" من جهة، وديناميكية "التخطيط الإستراتيجي" من جهةٍ أخرى. فإذا كانت الأولى تهتمّ أساسًا بالاتجاهات والمؤشّات الكبرى والكلية والثقيلة، فإنّ الديناميكية الثانية، إضافةً إلى اهتممها بمحصّلة نتائج التفاعلات والتغيرات المدروسة بواسطة تقنيات الاستشراف ومنهجياته في الديناميكية الأولى، تهتمّ أساسًا بالمؤشّات والتغيرات الصغرى والدقيقة والتفصيلية لحركية النظم والظواهر والمناطق والدول والفئات والجمعات؛ مع اشتراط عدم إغفال أصحاب الديناميكية الثانية للتغيرات والاتجاهات والمؤشّات الكبرى التي هي مساهمة "ورشات الاستشراف". ويستند هذا التمييز الوظيفي والمعرفي والمنهجي بين "الاستشراف" و"التخطيط الإستراتيجي" إلى تفكيك مفهوم "المستقبل" بوصفه سيرورةً أو سيرورات زمنية احتملية للتغيّ المتعدّد الأبعاد أمام كلّ فاعلٍ اجتمعي، إلى مستقبلاتٍ تتأرجح في قوة احتملية تحقّقها أو عدم تحقّقها بحسب توافر مجموعةٍ من الشروط الموضوعية والملابسات الذاتية. فالمستقبل ثمرةٌ لما ندركه وما نفعله، وهو أيضًا ثمرةٌ لما لا ندركه وما لا نفعله.
ولذلك نجد عالم مستقبليات التربية والتعليم الكندي نورمان هونشي يقترح طريقةً لتصنيف الزمن المستقبلي (أو الأزمنة المستقبلية = المستقبلات)، وفقًا لأربعة أصناف: ö ö المستقبل الممكن (possible Avenir)؛ ö المستقبل المعقول/ المنطقي/ الحتمي التحقّق (plausible Avenir)؛ ö ö المستقبل المحتمل (probable Avenir)؛ المستقبل المرغوب فيه (préférable Avenir)، أو المستقبل المعياري أو المفضّل من طرف القيادة أو الإدارة العليا لأيّ منظمةٍ أو شركة أو دولة أو أيّ كيانٍ مجتمعي. ومن ثمّ، نؤكّد على الرغم من إمكان تكامل العمليتين التفكيريتين في المستقبل للتحكّم في سيروراته الممكنة والمحتملة والمرغوب فيها، أنّ هناك فروقًا بين "الدراسات المستقبلية" و"التخطيط الإستراتيجي"؛ فبينم ينصبّ عمل "ورشات الاستشراف المستقبلي" لمختلف الظواهر والكيانات والأنساق على بلورة المستقبلات الثلاثة الأولى وصوغها، فإنّ عمل "ورشات التخطيط الإستراتيجي" للدول والمؤسسات والشركات والمنظمت ينصبّ على "المستقبل المرغوب فيه أو المعياري أو المفضّل"، بأدواتها المنهجية المخصوصة. كم أنّ "الدراسات المستقبلية" تنطلق من مسلّمة أنّ المستقبل مستقبلاتٌ، ومنه عدم القبول بالانحياز أيديولوجيًا ومصالحيًا لأيّ مستقبلٍ مرغوب فيه من أيّ جهة تريد رسم صورة لمستقبل إقليم أو دولة أو منظمة أو شركة. ومن ثمّ، "دراسة المستقبل" دراسةٌ مفتوحة على جميع الاحتملات والسيناريوهات. بينم يدخل فنّ "التخطيط الإستراتيجي" ضمن أهمّ وظائف التنمية والقيادة الإدارية لأيّ هيئة ومهامها؛ إذ يقوم فريق التخطيط برسم خطة إستراتيجية عامة وخطة تنفيذية جزئية ل "المستقبل المرغوب فيه"، دون إغفال بناء خطط احتياطية بديلة للمستقبل المحتمل والطارئ، ولا يتمّ ذلك في الحالة المثلى إلا بالبداية في أيّ جهدٍ تخطيطي بجهدٍ استشرافي، حتى تكتمل عملية التحكّم في إدارة فعالة للأزمنة المستقبلية كلّها؛ ومنه الحاجة إلى تكامل المسارين أو الديناميكيتين. بينم يمكننا التمييز اصطلاحيًا بين ثلاثية "الاستشراف" و"الاستشراف الإستراتيجي" و"الإستراتيجية"، على النحو التالي: يجيب الأوّل (أو يُجاب من خلاله) عن سؤال "ما الذي يمكن أو يحتمل أن يحدث؟"؛ ويجيب الثاني (أو يُجاب من خلاله) عن سؤال "ما الذي يمكننا عمله؟"؛ أمّا الثالث فيجيب (أو يُجاب من خلاله) عن سؤال "ما الذي ينبغي لنا عمله؟ كيف؟ وبأيّ وسائل للإنجاز والمتابعة والتقييم؟". ونخلص في بيان هذه المسألة الجدلية معرفيًا إلى أن نؤكّد أنّ "الدراسات المستقبلية" و"التخطيط الإستراتيجي" ديناميكيتان مختلفتان نسبيًا، إلا أنّهم متكاملتان ضمن عمليات السعي للتحكّم الإدراكي العلمي والعملي في ديناميكيات المستقبل (استشرافًا وتخطيطًا). ولذلك نبّهنا إلى تفضيلنا تسمية هذا
Association médicale canadienne, Coup d'œil sur l'avenir de la santé, des soins de santé et de la médecine , Série de documents de discussion de l'AMC sur les soins de santé 1 (Ottawa: Association médicale canadienne, 2001), p. 4.
التخصص العلمي ب "دراسات" أو "علم" الاستشراف الإستراتيجي (استشراف + تخطيط إستراتيجي.) ومنه وجب تأكيد وجود فروق معرفية وتقنية منهجية بين "دراسات استشراف المستقبل" و"أنشطة التخطيط الإستراتيجي"؛ إذ تتميز الأولى بالحيادية وعدم التحيز الفكري والمصالحي المسبق تجاه المستقبل المراد استشرافه، بينم تنحو أنشطة التخطيط الإستراتيجي إلى التحيز فكريًا ومصالحيًا مع صورة معيّنة مرغوب فيها للمستقبل المنشود التخطيط لبلوغه. كم يحسن من الزاوية الموضوعية بأنشطة التخطيط الإستراتيجي كافة أن تستند ابتداءً إلى دراسة استشرافية للظاهرة أو الكيان المراد التخطيط له تنميةً أو تطويرًا، ثم بعد ذلك تحرّر الخطة الإستراتيجية. وفي ظلّ ديناميكية عولمة الأنشطة الإنسانية اليوم وتزايد الإفادة من فرص مجتمع واقتصاد المعرفة والمعلومات، ما تفتأ تقاليد الاستشراف والتخطيط الإستراتيجي تتطوّر؛ إذ أضحى تعقّب التوجهات المستقبلية الكبرى والصغرى للتغيرات الظرفية والهيكلية في مختلف الأنساق البشرية يستند – في ما يستند – إلى مجموعةٍ من المسلّمت المنطقية والتجارب المتراكمة والمعطيات الميدانية والدراسات الموثقة والقوانين العلمية والأدوات المنهجية والمراصد الإحصائية وورشات الاستشراف الإستراتيجي؛ ومنها استناده إلى "مؤشّات قياس التغيرات" التي يعتمدها الباحثون المستشرفون والمؤسّسات المتخصّصة في عمليات الاستشراف الإستراتيجي، والتي تغطّي قطاعات ومجالات حياتية متنوعة وكثيرة، كمؤشّات قياس الجودة والتميز والإبداع والملاءمة والمتابعة والتقييم في المؤسسات الاقتصادية والمنظمت غير الحكومية، ومؤشّات قياس العولمة والتنمية البشرية والتنمية المستدامة والشفافية والحوكمة وسيرورات الدمقرطة والتنمية الاقتصادية وقوة الدول والتطور والإبداع العلمي والتكنولوجي والفجوة الرقمية والترابط "الإنترنتي" والتغيرات المناخية والبيئية والسلام الدولي، وغيرها من المؤشّات المعتمدة لدى المراكز البحثية وهيئات التخطيط الإستراتيجي الخاصة بالشركات والمنظمت الحكومية وغير الحكومية الدولية والوطنية والهيئات الحكومية الوطنية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت رويدًا رويدا تظهر المؤشّات الأولى لقياس سيرورات النمو والتنمية للدول والمناطق والشركات والمنظمت. ولكن عملية "صناعة" المؤشّات نشطت أكثر خلال العقود الثلاثة الأخيرة عبر المجتمعات العلمية والهيئات البحثية الخاصة والعمومية والمنظمت الحكومية وغير الحكومية الدولية. وهي "صناعة" ما تفتأ تساعد الباحثين على تذليل عقبات الإحاطة بظواهر التسارع والتركيب والتشابك والتنوع، المميزة للظواهر المحلية والوطنية والدولية المعولمة المعاصرة. وتمثّل تلك المؤشّات أهمية قصوى متنامية – على الرغم من الجدل الأكاديمي والعملي حول جدواها وملاءمتها في تعقّب مستقبلات مختلف الظواهر الموجودة في مختلف الأنساق والسياقات، بخاصّة وأنّها لا تخلو من التحيزات المعرفية والأيديولوجية والثقافية والمصالحية – في تمكين ورشات الاستشراف الإستراتيجي المختلفة من رسم سيناريوهات مستقبلية للكيانات المستشرفة؛ لا سيّم مع تأكّد ميزتها العلمية والعملية في إضفاء المزيد من الدقة والموضوعية والشمول على مخرجات تلك الورشات.
ومن ثمّ، ستحاول هذه الورقة الإجابة عن الإشكالية التالية: ما هي "صناعة" المؤشّ ات؟ وما أهدافها؟ وكيف يتمّ صناعتها واعتمدها ضمن ورشات الاستشراف الإستراتيجي أداة لقياس مستقبلات التغيرات في الظواهر والكيانات الإنسانية؟
أولً. "صناعة" المؤشّات: التعريف والتصنيف والأصول المعرفية والتأريخ
تعريف "صناعة" المؤشّات
"المؤشّ" (Indicator) بمعناه اللغوي هو الذي يحدّد الجاني، أو المسؤول عن خطأ ما؛ ويعني في اللغة الدارجة المُخْبِ أو المُنبِّه. أمّا معناه الاصطلاحي العام فيفيد قياسًا إحصائيًا لتعقّب حالةٍ ما. بينم عرّفته ماري سوزان ديشان اصطلاحيًا بأنّه "عنصرٌ أو توليفة من العناصر من المعلومات المرتبطة بسياقٍ معيّ، والمتميّزة بنوعٍ من الأهمية بالنسبة إلى انشغال معيّ يُراد قياسه، ممثّلً في أهداف يُراد بلوغها أو انشغالات تسييرية يُراد تبنّيها"، أو هو تقييمٌ لوضعيةٍ حاضرة يُراد التخطيط لتطويرها وتحسينها مستقبلا، ومحصّلة لعملية جمع معطيات بشأن وضعيةٍ معيّنة (بصوغ إحصائي)، أو بشأن تمظهرٍ لظاهرة ما (بصوغ كيفي). وبدورنا نُعرّف "المؤشّ" على أنّه "معطى إحصائي أو كيفي أو متغيّ متعدد المجالات الوجودية والحياتية، يسمح بالمتابعة المنهجية للتطورات والتغيرات المستقبلية الممكنة والمحتملة والمعقولة والمرغوب فيها التي تطرأ على ظواهر أو نظم أو مؤسسات أو وضعيات معيّنة، وذلك على المستوى الكمي والنوعي، وعلى المدى القصير والبعيد". ويمكن أن يكون المعطى أو المتغيّ كميًا أو نوعيًا؛ فالكمي يمكن أن يكون رقمً إحصائيًا صحيحًا كعدد السكان في بلدٍ معيّ في سنة أو سنوات معينة، أو نسبٍ مئوية، كنسبة نموّ الذكور في عدد السكان في بلد ما في فترة ما، أو قيمةٍ مالية كقيمة الصادرات والواردات بين دولتين أو
Marie-Susan Deschênes, "Indicateurs Stratégiques pour Une Gestion Axée sur Les résultats", Cours en Gestion, Ecole Nationale d'administration Publique , Université du Québec, at: http://goo.gl/sKqXiX يجدر التنويه بضرورة عدم الخلط بين الإحصائيات والمتغيّات والمؤشّات، وإن حصل الترادف في المعنى في سياق ما ضمن هذه المقالة. يقول الدكتور محمد عدنان وديع: "لكي يسمّى متغيٌّ اقتصادي أو اجتماعي "مؤشّ تنمية"، عليه أن يمثّل بعض العوامل التي تمثّل عملية التنمية أو حالتها. ويمكن للمؤشر أن يكون قياسًا مباشرا [إحصائيا] وكاملا لعاملٍ مخصوص من عوامل التنمية [مؤشّ متوسط الدخل الفردي مقاسًا بالقوة الشرائية للدولار الأميركي، أو مؤشّ قياس مستوى الصحة العامة عبر الدليل الإحصائي السنوي للوفيات مثلا]، وبذلك يكون المؤشّ هدفًا أو عنصرا لعملية التنمية"، انظر: محمد عدنان وديع، "قياس التنمية ومؤشّاتها"، جسر التنمية (مجلة المعهد العربي للتخطيط بالكويت)، المجلد 1، العدد 2.)2002(
أكثر؛ أمّا النوعي فيمكن أن يتمثّل في طبيعة الجنس الغالب في متغيّ السكان: إناث أو ذكور؛ أو في قيمٍ مطلقة: مهمّ، معتدل، مهمل، بالنسبة إلى متغيّ النزاعات الحدودية مثلً، أو قيمٍ نسبية مقارنة: متزايدة، متراجعة، مستقرة بالنسبة إلى متغيّ التخصيص العاملي من نسبة رأس المال البشري في ما يتعلق بالإدارة أو قيمة معنوية ودينية ورمزية وقانونية وعرفية كمدى التزام القانون واحترام الأعراف ونبذ العنصرية، وقد يؤشر إلى متغيّ نوعي بواسطة مؤشّات كمية، إذ يمكن مثلًالتأشير على نسبة المخصّصات العاملية المتعلقة برأس المال البشري في الإدارة بنسبة التأطير. وهناك فئةٌ من المتغيّات النوعية يمكن التعامل معها كمتغيّات كمية؛ مثلً يمكن التعبير عن نسبة استيعاب محتويات عملية تدريب أو دورة تكوينية للموظفين عبر "عدد" (متغيّ كمّي = نسبة مئوية)؛ أو من خلال "تطور" (عالٍ، متوسط، ضعيف/ زيادة، انخفاض... إلخ)؛ أو من خلال "ملاحظة تقييمية" (كافٍ، غير كاف... إلخ). ما يهمّ بالنسبة إلى أيّ مؤشّ هو تحديد معناه، أي تعريفه تعريفًا إجرائيًا أو إحصائيًا أو وصفيًا دقيقًا، أو كلّ ذلك في آنٍ معا. وما يهمّ في المؤشّ ليكون مقبولً ومستخدما من أكبر عددٍ من الفاعلين هو الموضوعية والعقلانية والملموسية والمقروئية والحيادية، أي عدم التحيّز والبعد عن الذاتية... إلخ. ومن ثمّ، يمكن من خلال هذه التدقيقات للمتغيّات الكمية والنوعية، فتح نقاشات وعمليات عصف ذهني مثمرة، متعددة الاختصاصات وعابرة للاختصاصات، يخرج من خلالها فريق الاستشراف بقوائم اتفاقية عملية بالمتغيّات أو المؤشّات المفتاحية المرجعية التي تتمتع لدى مستخدميها بصفتين مميزتين هم الاتفاق والإرادة، ومنه يتيسّ استخدامها لمراقبة مسارات التطوّر المستقبلي لظاهرةٍ أو كيان ما وتقييمها. وهنا تُطرح مسألة كيفية أو منهجية تحديد المتغيّات المفتاحية التي هي المؤشّات المركزية الملائمة لدراسة استشرافية لظاهرة أو نظام أو حالة ما وللإجابة عن هذا السؤال، نذكر ما يلي من الطرق المنهجية لتحديد المتغيّات المفتاحية أو المؤشّات المركزية لنظامٍ أو ظاهرة ما: مراجعة النظريات والأطروحات العلمية المتداولة في كلّ تخصّصٍ علمي. ومعلومٌ أنّ التراكم البحثي في كلّ تخصّصٍ علمي قد توصّل إلى الاتفاق الصريح أو الضمني على اعتمد المرجعية العلمية لمجموعة قوانين علمية "عالمية"، محرّرةً في شكل مجموعة متغيّات مفتاحية تفسر العلاقة المنطقية أو التلازمية أو الطردية أو السببية أو التطورية أو التقهقرية بين متغيّ وآخر، كجزم علمء العلاقات الدولية بالعلاقة التلازمية بين متغيّ ارتفاع الدخل القومي لبلدٍ ما، ومتغيّ زيادة التسلح؛ والعلاقة الطردية بين زيادة نسب المشاركة السياسية (إيجابية، وسلبية) وارتفاع
Lotfi Bouzaïane & Rim Mouelhi, "Initiation aux concepts de base de la prospective", Ressources en ligne de l'Université Virtuelle de Tunis (2008), at: http://goo.gl/KFWZjD 5 Ibid. 6 Ibid. 7 Ibid.
مستوى التعليم. وفي حالة التضارب في تقدير الباحثين في تخصّصٍ ما بين متغيّين أو أكثر، يمكن أن يعمد فريق الاستشراف الإستراتيجي لعملية التحكيم والانتقاء المبرّر بحسب ما يلائم غاية الاستشراف الإستراتيجي أو أهدافه أو مخرجاته العملية أو دراسته. ö القيام باستشارة عبر استبيانٍ أو نقاش مع الخبراء الميدانيين المرتبطين بميدانٍ أو قطاع ما؛ القيام بمراجعة ومحاكاة ذكية لقوائم المتغيّات أو المؤشّات المعتمدة في دراسات استرجاعية للتاريخ أو استشرافية أو تخطيطية مشابهة، سابقة لزمن دراستنا الاستشرافية أو لزمن ورشاتنا للاستشراف الإستراتيجي؛ إبداع متغيّات مركزية أو مؤشّات مفتاحية جديدة من خلال اعتمدٍ فردي أو جمعي لمجموعة من المعالم والمحددات المتعلقة بمراقبة تطور نظام أو قطاع أو إقليم أو جمعة ما وإدارته؛ بحيث يمكن مثلً أن يتمّ التركيز على مؤشّات القيادة أو البنية أو العرض والطلب أو القطاع أو المجال أو الأعراف والقوانين المعتمدة لدى كيانٍ ما، سواءٌ لقياس تغيرات داخل بيئة الكيان أو خارجه... إلخ. وهنا نؤكّد أهمية تصدّي مراكز البحث والمخابر العلمية الجامعية الخاصة والعامة والباحثين العصاميين فرادى، والفاعلين الممرسين في جميع قطاعات الحياة، لعملية إنتاج مجموعة من الدراسات الميدانية بشأن ظواهر معيّنة يمكن أن تتّخذ مرجعًا في صنع أصناف عدة من المؤشّات.
أصناف المؤشّات
نعدّد في ما يلي بحسب معايير تصنيفية ارتأيناها، سبعة أصناف من المؤشّات:
مؤشّاتٌ ظرفية خفيفة قصيرة المدى
هي مؤشّاتٌ تسمح بقياس تطور ظاهرة ما على المدى القصير، غالبًا ما تكون فترةً لا تزيد عن سنة؛ مثل مؤشّات قياس تطور الظواهر الاقتصادية - الاجتمعية، كمؤشّ نمو الإنتاج الصناعي شهريا، ومؤشّ قياس نمو "الناتج الداخلي الخام" من حيث الحجم، كلّ ثلاثي من السنة، ومؤشّ قياس نمو أسعار الاستهلاك للعائلات، أي مؤشّ قياس القدرة الشرائية، ومؤشّ قياس نمو الأسعار عند الإنتاج، ومؤشّ قياس نمو التشغيل والبطالة، ومؤشّ قياس اتجاهات الرأي العام بشأن قضية معينة... إلخ. وهي مؤشّات تراكمية تساعد فرق التخطيط الإستراتيجي وهيئاته في عملية تحوير الخطط الإستراتيجية القائمة أصلا وتدقيقها أو تمكّن الهيئات الخاصة والعامة من تعقّب مختلف التطورات والتغيرات ورصدها، عبر إتاحة معطيات إحصائية يومية، أسبوعية، شهرية، ثلاثية أو سنوية.
مؤشّاتٌ اتجاهية ثقيلة طويلة المدى
ويمكن وصفها أيضًا بأنّها مؤشّاتٌ مفتاحية أو مركزية. وهي مؤشّاتٌ إستراتيجية من حيث طول المدة التي تغطيها، وشمولية القطاعات التي تتعلق بها، وعمق التأثير الذي تتركه في بقية المتغيّات والبنيات والفاعلين... إلخ. ومن ثمّ، يمكن أن تكون مؤشّات وطنية أو إقليمية أو دولية كلية أو قطاعية، كمؤشّات قياس التغيرات المختلفة على المدى المتوسط والطويل، أي من سنتين فم فوق، بحسب الظواهر المستشرفة والمخطط لها. وتكمن أهمية المؤشّات الطويلة المدى في منح الجهة المستشرفة قدرةً ووثوقية أكبر في عملية الإسقاط والاستباق والاستشراف الإستراتيجي، بشرط مراعاة القوانين العلمية المتعلقة بمجال الظاهرة المستشرفة ونوعها ومراعاة السياقات الاجتمعية والسياسية والجيوستراتيجية والجيوسياسية والجيواقتصادية والجيوثقافية التي تتطوّر فيها.
مؤشّاتٌ محلية مناطقية
تتمثّل المؤشّات المحلية المناطقية في الإحصاءات الصادرة عن الهيئات المحلية العمومية والخاصة والتي تتعقب تطور ظواهر مختلفة وترصدها في إقليم بلدية أو ولاية/ محافظة أو جهة أو منطقة من مناطق الدولة الوطنية. وغالبًا ما تستند الهيئات العمومية الوطنية إلى نظامٍ إحصائي ومحاسبي تقييسي وطني مرجعي نمطي، يستند بدوره إلى نمط عالمي معولم؛ كم تتخذ المؤشّات الوطنية مرجعًا في قياس مؤشّات جهود التنمية المختلفة. وتجدر الإشارة أنّه نادرًا ما نجد في البلدان النامية – على خلاف البلاد المتقدمة علميًا وتنمويًا وسياسيًا – فاعلين خواص يسهمون في صناعة مؤشّات وإنتاج قواعد بيانات مستقلة يمكن من خلالها مقارنة البيانات الحكومية وتدقيقها عند الحاجة.
مؤشّاتٌ فئوية وقطاعية جزئية
تتمثّل في الإحصاءات الصادرة عن الهيئات المحلية العمومية والخاصة والتي تتعقب تطور ظواهر مختلفة وترصده، متعلقة بفئةٍ اجتمعية أو قطاع اجتمعي معين. ويُعمد في بناء تلك المؤشّات إلى الجداول الإحصائية للجمعات المحلية والهيئات القطاعية المختلفة. فمثلً، تشمل المؤشّات الاقتصادية أرقامًا عن الناتج الداخلي الخام، وحجم الصادرات والواردات وقيمتهم، وأسعار الأسهم، وغير ذلك. أمّا المؤشّات الاجتمعية فتشمل وتيرة نمو نسب الجريمة وأنواعها، وحالات الطلاق، وعدد الخريجين في الثانويات والجامعات... إلخ.
المؤشّات التمهيدية والمؤشّات التالية
وهي تغيّاتٌ سابقة أو تمهيدية أو قبْلية، تتعلّق ببعض الأحداث أو الظروف المشابهة السابقة أو الموازية، لحدوث حادثٍ أو ظاهرة محلّ فعل القياس الاستشرافي. فمثلً، تسبق مؤشّ زيادة الأنشطة
راجع: إدوارد كورنيش، الاستشراف، مناهج استكشاف المستقبل، حسن الشريف (مترجم) (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2007)، ص 354؛ وانظر ملحق "مسرد المصطلحات"، ص 347 -.361
الاقتصادية عادةً مؤشّات ارتفاعات في أسعار الأسهم؛ ومنه، فإنّ ارتفاع سعر الأسهم هو مؤشّ متقدم أو تمهيدي لحدوث مؤشّ زيادة الأنشطة الإنتاجية الاقتصادية. كم أنّ هناك مؤشّات تالية أو متأخّرة أو بعدية للمؤشّ المعني بالدراسة والقياس – والذي يسمى مؤشّا وسيطًا – مثل زيادة فرص العمل نتيجة متأخّرة تؤكّد الاتجاه الثقيل لعملية النهوض الاقتصادي. إذًا، يمكن أن يتضمّن كلّ متغي - مؤشّ مفتاحي مجموعة مؤشّات فرعية جزئية تمهيدية أو تالية أو وسيطة، كمية أو نوعية، أو هم معًا، تتفاعل لتشكّل في المحصّلة، المؤشّ الكلّ المركزي أو المفتاحي؛ والذي يمثّل في تراكمه عبر زمن معين في الماضي والمستقبل اتجاهًا ثقيلا يحتمل أن يؤثّر بنسبة مقدرة في التغير الكلّ في النسق أو النظام أو الكيان المستشرف؛ كأن يتضمّن مؤشّ النمو الديمغرافي مثلً مؤشّاتٍ فرعية تحصي عدد السكان الإجملي في بلدٍ ما في سنة ما أو في فترة محددة، وعدد الذكور والإناث والأطفال والشبان وكبار السن والفئة النشيطة من السكان ونسبة الوفيات والمواليد والهجرة... وغيرها.
مؤشّات بسيطة (نسبيًا)
قبل أن تزدهر "صناعة" المؤشّات في المجتمعات المعاصرة خلال العقود الأربعة الأخيرة، تداولت الأدبيات العلمية والإدارية التنموية مجموعةً من المؤشّات البسيطة نسبيًا مثل "مؤشّ التنمية الاقتصادية" المتمثل في مقياس "الناتج الداخلي الخام". وقد وُصفت بخاصية البساطة النسبية وعدم التركيب الشديد مقارنةً بالمؤشّات المعاصرة؛ إذ لم يتضمن مقياس الناتج الداخلي الخام سوى معادلة بسيطة نسبيا، تتمثّل في حساب مجاميع القيم المضافة الواردة ضمن جداول المحاسبة الوطنية الفصلية والسنوية للقطاعات الاقتصادية لأيّ دولةٍ وطنية للتعرّف على مدى نمو الحركية التنموية الاقتصادية أو ركودها في فترةٍ زمنية معينة؛ والذي هو حساب مجموع القيم المضافة المنتجة من قبل الوطنيين والمقيمين الأجانب، لكلّ فروع النشاط الاقتصادي في البلاد، من دون حساب تلك التي يسهم بها الفاعلون الاقتصاديون الوطنيون خارج البلاد. ويعدّ هذا المؤشّ لقياس التنمية الاقتصادية الوطنية من أوائل المؤشّات المعتمدة دوليًا للتعرف على تغيرات الدخل الوطني وبالقيام بعملية قسمته على متغيّ عدد السكان في بلد ما نحصل على متوسط الدخل للفرد. وبعد خمسة عقود من ظهور مؤشّ الناتج الداخلي الخام – أي بين أواسط السبعينيات وأوائل التسعينيات الأخيرة – تأكّد تدريجيًا وبصورة حاسمة لدى الخبراء الدوليين أنّ مؤشّ الناتج الداخلي الخام غير كافٍ لقياس مزدوج لمستوى نمو الرفاهية الاقتصادية ونوعيته لمجتمع دولةٍ ما، إذ أنّه مؤشّ كمّي/ اسمي بالأساس. فقياس مستوى الرفاهية المادية (المالية/ الدخلية = الدخل النقدي)، لا يكفي لمعرفته القياس النقدي والعددي للمتوسط العام للدخل الفردي، وإنّا ينبغي إدخال عنصر توزيع الدخل الوطني الحقيقي/ الفعلي؛ ومنه تمّ مع الزمن ابتكار مؤشّات إضافية لمعرفة مدى حقيقة التوزيع للدخل أو للثروة الوطنية أي عنصر مدى عدالة (بل إنصافية) التوزيع، ما زاد من تركيبية مؤشّ قياس التنمية
الاقتصادية - الاجتمعية لمجتمع بلدٍ ما؛ إذ أبدع الاقتصاديان محبوب الحق وأمارتيا سين "مؤشّ التنمية البشرية"، وأبدع خبراء مملكة بوتان مؤشّ "السعادة الوطنية الخام ". ومن ثمّ، وجب التذكير بأنّ مؤشّ الناتج الداخلي الخام الذي مثّلنا به عن المؤشّات البسيطة نسبيًا، هو أداة أو معيار قياسٍ معروف دوليًا لظاهرة أو متغيّ النمو الاقتصادي الوطني والدولي، ولكنّه لا يمثّل الأساس ولا الكلمة الفصل في موضوع التنمية المثلى البديلة؛ إذ يمكن أن يرتفع الناتج الداخلي الخام، لكن مع تدمير البيئة، وإفناء الموارد الطبيعية النادرة، مع زيادة المديونية الخارجية وزيادة سباق التسلح على حساب أساسيات الفقراء وطنيًا ودوليًا. ومنه، سُمّي هذا النوع من النمو بالنمو غير المستدام أو "النمو التفقيري" بتعبير الاقتصادي الهندي جاديش باغواتي؛ ومن هنا قولنا بالبساطة النسبية لمؤشّ الناتج الداخلي الخام لقياس الرفاهية والازدهار الاقتصادي لمجتمع بلدٍ ما، ذلك أنّ ظاهرة التنمية إنسانية وتقنية مركّبة من عناصر كمية ونوعية، كم أنّ مفهوم التقدم والسعادة ليس بالضرورة ذا أبعاد مادية أو مالية محضة. وهنا أيضًا لا حاجة إلى تأكيد الطبيعة الوجودية المفارقية للمدة واللامادة من منظور فيزياء الكوانتوم... إلخ.
مؤشّات مركّبة
بالنظر إلى الطابع المركّب للظواهر والأنساق الإنسانية والطبيعية، وبالنظر إلى تعدّد الفاعلين المنخرطين في عملية المعيرة والتقييس والتأشير على المستوى الوطني والإقليمي والدولي خلال العقدين الأخيرين، فقد تزايد بناء المؤشّات من أكثر من هيئة خاصة وعامة وطنية، إقليمية ودولية؛ وأصبحت هذه "الصناعة" تنحو في اتجاه بناء مؤشّات جديدة تتميز بالتركيب أو التلخيص لعدة مؤشّات مركّبة. فمثلً، لنأخذ آخر مؤشّ عالمي جديد ظهر ضمن قائمة مفتوحة من المؤشّات، وهو "مؤشّ العبودية العالمي" لسنة 2013، إذ نجد أنّه مؤشّ مركّب من أربعة أبعاد أو متغيّات - مؤشّات أساسية هي سياسة العبودية، وحقوق الإنسان، والتنمية، واستمرارية الدولة، وحقوق المرأة والتمييز، والتي تحمل مؤشّات جزئية عن مخاطر العبودية، مكوّنةً من 33ًا أو متغيًّا كمّيًا جزئيًا، لاستكشاف مدى تباين مخاطر مؤشّ
تمّ إحداث "مؤشّ التنمية البشرية" (HDI) عام 1989 لقياس الرفاه الاجتماعي النسبي دوليًا على يد الاقتصادي الهندي أمارتيا سين، بمعيّة صديقه الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق؛ وجرى استخدام المؤشّ بالفعل منذ سنة 1990 في التقارير السنوية للتنمية البشرية التي يصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى جانب المؤشّات الأخرى السابقة كمؤشّ التنمية الاقتصادية المعروف بمؤشّ الناتج الإجمالي بالنسبة إلى الفرد سنويًا. 0 1 في سنة 1972، قام ملك مملكة بوتان جيم سينغي فونكشوك، في إطار سعيه لاعتماد إستراتيجية للنمو تطور التعليم والصحة ونوعية الحياة في الأرياف كما في المدن، مع الاحتفاظ بالقيم الروحية البوذية، بإطلاق فكرة بناء مؤشر "السعادة الوطنية الخام" (HNI)، وقدّمه لمواطنيه وللعالم بوصفه مؤشًّا بديلا لمؤشّ الناتج الداخلي الخام، يُكّن من قياس مستوى رفاهية أمّةٍ ما. راجع في ذلك: قاسم حجاج، فجر العولمة الجديدة، دراسة لعينة من الأطروحات الأكاديمية والسياسات الحكومية والنضالات الاجتماعية الناقدة والمناهضة ل "العولمة الأخيرة" والمتطلعة ل "عولمة بديلة" (غرداية: دار نزهة الألباب، 20132) ج، ص 93 -.94 11 Walk Free Foundation, The Global Slavery Index 2013 , at: http://goo.gl/MljxhT
الاستعباد من بلدٍ إلى آخر. فقد قام خبراء الهيئة الصانعة ل "مؤشّ العبودية العالمي" بوضع تعريفات ومعدلات تقديراتهم للممرسات الاستعبادية المعاصرة ضمن 12 متغيّا - مؤشًّا دوليًا أو عالميًا كبيرًا، صادرًا عن هيئات حكومية دولية وغير حكومية خاصة دولية، فضلً عن بناء كلّ مؤشّ أصلي من عددٍ من المؤشّات الفرعية الوسيطة. ومن ثمّ، فإنّ القيمة التقديرية لكلّ مؤشّ تتحدّد بمتوسط المؤشّات المساعدة أو المركّبة المدمجة في مؤشٍّ مركّب كلّ واحد. ومنه تكتسب تلك المؤشّات سمت مفارقية؛ فمن جهة، تمنح المؤشّات المركّبة نتائج إحصائية مقارنة أكثر دقّة ومصداقية؛ ومن جهةٍ أخرى تُصعّب طبيعتها المركّبة على الباحثين الناقدين مهمة الحكم على كفاءة عملية القياس لظاهرةٍ ما تتوسّل بمؤشّات مركّبة عدة، وتتضمن قيمً وتعريفات مصطلحية محلّ جدلٍ علمي وعملي مؤكّد.
مؤشّات ورشات الاستشراف ومؤشّات ورشات التخطيط الإستراتيجي
بداية، لا بدّ من أن نحدّد أصناف المؤشّات من حيث الاستخدامين التاليين: استخدام في ورشات الاستشراف واستخدام في ورشات التخطيط الإستراتيجي. فالاستخدام الأول للمؤشّات يقتضي من الجهة المستشرفة التركيز على المؤشّات الاتجاهية الكبرى الكلية وتأثيراتها الممكنة والمحتملة والمنطقية في التغيرات القطاعية الفرعية، بغرض النظر في مدى تأثيرها وتشكيلها للاتجاهات العظمى؛ طبعًا من دون إغفال التأثير المحتمل جدا للمفاجآت الكبرى والقطائع الهيكلية التي اعتدنا على حدوثها في عالمنا الراهن، المعولم والمركّب، والمميز بعلاقاتٍ وتفاعلات اعتمد متبادل – بل ارتهان متبادل – وظيفي غير مسبوقة تاريخيًا، كرصد تأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وهجمت 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وكارثة فوكوشيم النووية عام 2011، والأزمات الاقتصادية في النظم المركزية للرأسملية العالمية كأزمة 1929 وكأزمة العولمة الرأسملية النيوليبرالية (أزمة انهيار أسهم الرهون العقارية في أميركا وأوروبا) سنة 2008، والممتدّة إلى اليوم. تؤدّي إذًا "المفاجآت والتغيّات الكبرى" (Mega-Trends) إلى تغييرٍ كلي لمسار الظاهرة المستشرفة، وعرقلة تطورها لفترة غير محدودةٍ وفي نطاقات مكانية غير محدّدة، أو تغيير ملامح أساسية في قيم النظام أو الظاهرة المستشرفة وبنيته. ومنه أهمية العناية في الدراسة الاستشرافية بهذا النمط من التغيرات - المؤشّات الكبرى لا بنمط التغيرات-ات الصغرى، الأقلّ تأثيرًا في بنية النظام أو المؤشّ الظاهرة المستشرفة، والتي تسمى ب "الأحداث" (Events) اليومية والأسبوعية القصيرة المدى، كمثل الأحداث المتعلقة بتسجيل براءات الاختراع الجديدة وظهور فئات اجتمعية هامشية، والتي قد تتداعى أو لا تتداعى عبر الزمان والمكان؛ فإن توقفت اندثرت، وإن استمرت شكّلت اتجاهًا ثقيلا في الزمان والمكان؛ وربما كانت أحداثًا كثيفة في زمنٍ قصير قياسي ولكنّها تشكّل بداية نقطة تحوّل حرجة أو قطيعة
كبرى، كالحروب والثورات والانتفاضات والانهيارات المالية ورحيل بعض الزعامات السياسية والدينية الكاريزماتية بخاصة في الدول النامية... إلخ. ونؤكّد هنا أهمية عدم إغفال الأثر التراكمي للتغيرات-ات والأحداث الصغرى في بنية النظام المؤشّ والظاهرة المدروسة، تماشيًا مع ما يسمّى ب "أثر فراشة لورونز" الذي هو "التغيّ المهمل، غير المدرك"، والذي يحدث تغيرات كبرى كارثية في النظم القائمة أو ما يسميه المستقبلي آلفين توفلر ب "التغيّر قليل الاحتمل، عظيم التأثير" (Impact Probability-High Low)، والذي يمثّل حدوثه نقطة تحوّلٍ مفاجئة فارقة وكبيرة في مسار ظاهرةٍ ما. وهذه التغيرات غير المتوقعة بات الشعور باحتملات حدوثها متكرّرًا خلال العقود الثلاثة الأخيرة بخاصة، تحت تأثير تزايد الوعي والإعلام اللحظي والمعرفة وتزايد التطبيع مع ظواهر التركيب والتعقيد والدينامية والتشبيك والتسارع التي يشهدها النظام الإنساني الكوكبي ذو السبعة ملايير نسمة ويزيد، والمفتوح على الفضاء الخارجي بقطاعاته كافة الداخلة في علاقات اعتمد متبادل وظيفي متنامٍ، وبفاعليه المتكاثرين محليًا ووطنيًا وإقليميًا ودوليًا، في ظلّ التشكّل المطرد حاليًا للحالة الحضارية الكوكبية. وهو ما يسمى في التاريخ العام للبشرية وتاريخ المجتمعات ب "التحولات الكبرى" التي تحدث تحت تأثير تغيرات كبرى في مختلف الأنساق الفرعية، كالتغير في الأنماط التكنولوجية والطاقوية والثقافية والاقتصادية والجيوسياسية والجيوستراتيجية والاجتمعية والحضارية المهيمنة. علمً أنّ فكرة القطيعة الكلية بين النمط المهيمن والنمط الزائل ليست محلّ تأكيد واقعي. أمّا الاستخدام الثاني للمؤشّات فهو ذلك الذي يُتداول بين المتخصّصين القائمين على ورشات التخطيط الإستراتيجي للمؤسسات الاقتصادية والاجتمعية والجمعات المحلية والكيانات الدولية المختلفة الحكومية وغير الحكومية. ففي ورشات التخطيط الإستراتيجي يتحتّم على فريق المخططين تحديد مؤشّات كمية أو كيفية نمطية أو صوغها، يقيس بها القادة والمدراء والمسيّون مدى تجسيد الأهداف الإستراتيجية الكبرى، والتي بها يتعرّفون إلى مدى جودة تجسيد تلك الأهداف الإستراتيجية الكبرى، المرتضاة معالم للتطور التنافسي المستقبلي لمؤسّستهم أو منظمتهم أو دولتهم. إنّ مثل هذه المؤشّات هو الوسيلة التي بها تُصاغ وتُقاس وتُقيَّم بصورة ملموسة الأهداف العملية أو التنفيذية أو التكتيكية أو
21 مفاد "أثر الفراشة " (effect Butterfly) الذي تحدّث عنه عالم الأرصاد الجوية الأميركي إدوارد لورونز خلال الخمسينيات الأخيرة، أنّه حتى وإن كانت لدينا نماذج دقيقة وصحيحة عن الغلاف الجوي وتفاعلاته مع المحيط، مع وجود كومبيوترات قوية جدا ودقيقة، إلا أنّ أيّ توقّعٍ للزمن على المدى الطويل يبوء بالفشل فيصبح توقعًا انطباعيًا. لذلك استخدم لورونز مفهوم "أثر الفراشة"، أي أثر الاحتكاك بين أجنحتها، مثالً لإحدى الحركات البسيطة جدا في أواسط آسيا، التي يمكن أن تؤدّي إلى حدوث إعصار في تكساس، أي أنّه تغيٌّ مجهري شبه مهملٍ وغير مدرك تمامًا، يمكن أن يُحدث تغيًّا في الزمن الكلي ويحدث الانهيار في النظام الكلي؛ وهذا يعني وجود احتمال تغير نظامٍ كلّ بفعل وجوده في حالة تغيّ سريع وكبير بسبب تغيّ بسيط ومهمل وغير مدرك من الإنسان في أحد نظمه الفرعية. مثلً: تغيٌّ طفيف في سرعة الرياح، في الضغط الجوي، في الحرارة، قد يؤدي إلى حدوث تغيّات كبيرة في المناخ الكوكبي. والمرحلة التي يمر بها العالم باتت تتميّز بشيءٍ واحد ووحيد، هو أنّه لا شيء أضحى مؤكّدًا وثابتًا، أي "اليقين بأنّه لا يقين". ومن هنا فإنّ ظاهرة التسارع هذه تدعو إلى التجديد السريع جدا للأهداف والهياكل والسياسات والنظم والمواقف والأفكار والقيم لتحقيق التوازن والتكيف الإيجابي مع التغيرات المركبة والمتسارعة. راجع في ذلك مثلً: قاسم حجاج، مزاب، رؤية مستقبلية، مع مدخل إلى قضايا المستقبليات (غرداية: مطبعة العالمية، 2006)؛ وانظر بخاصّة الفصل الأول: "الدراسات المستقبلية: الأهمية والماهية"، ص 35 -.136
التفصيلية، المتعلقة بالمشاريع المبرمجة والمخطط لها. ولذلك يؤك د خبراء فنّ التخطيط أنّ على واضعي تلك الأهداف أن يحرصوا على أن تتسم مؤشّات جودة الأداء بالخصائص التالية: التحديد (تحديد أهداف المشاريع)، والتركيز والوضوح والواقعية والمنطقية (أي تلافي العشوائية والغموض والمثالية المفرطة والخرافية)، والقابلية للقياس، وذلك لتمكين المخططين والمنفذين للخطة وجهات المحاسبة من متابعةٍ وتقييم ومراقبة دقيقة ومستقلة ومساءلة موضوعية أثناء التنفيذ وبعده. ولذلك نجد أنّ المؤشّات المتعلقة بعملية التخطيط الإستراتيجي للمشاريع متنوعة، مثل مؤشّ المعطيات الذي تُقاس به كمية الموارد المحوّلة إلى أنشطة ومنتجات وخدمات محدّدة؛ ومؤشّ النتيجة الذي يقيس الحصائل والنتائج المرغوب فيها والمتوقعة؛ ومؤشّ الأثر أو النتيجة الذي يتعلّق بقياس مدى تحقّق الهدف والغاية القصوى، ويحدد أيضًا الآثار الجانبية أو الثانوية وغير المتوقعة وغير المرغوب فيها؛ ومؤشّ جودة الأداء، وهو يركّز على المقارنة بين الهدف المحدد المرغوب فيه والنتيجة المحصلة والزمن الأقصى لإنهاء النشاط أو المهمة أو العملية (قياس الكفاءة والفعالية)؛ مؤشّ البنية، وهو مستقر، يسمح بقياس وضعية نهائية؛ ومؤشّ السيرورة، وهو ديناميكي، ذو طبيعة نوعية؛ ومؤشّ مباشر، وهو إشارةٌ إلى خصوصية أو إلى منطقة محصورة ما؛ ومؤشّ غير مباشر، وهو بمنزلة "جوكر" لجميع المؤشّات يمكن تعيينه ووصفه مباشرة. عمومًا، تُكّن المؤشّات من إدراكٍ ملموس لحقيقة واقعية مركبة. فمن خلال القيام بتجميع فسيفساء من المعطيات المتباينة والمتعدّدة الأبعاد، تبنى المؤشّات التي تساهم في تكميم المعلومات. لذلك تعدّ مرجعًا أساسيًا لمختلف الفاعلين، كالجمعات المحلية والمؤسسات الاقتصادية والسياسية المحلية والوطنية والقارية والدولية، بوصفها منطلقًا للقيام بدراسات استشرافية تتوسل الأدوات العقلانية الموضوعية في النظر والتقييم والتحليل والتحقيق العلمي الميداني، لفهم سيرورات وصيرورات لظواهر المختلفة، وتعقّبها. وفي كلّ الأحوال، يستحسن ألّ يزيد عدد تلك المؤشّات الاتفاقية عن 30ًا، يمكن التعامل مؤشّ معها و"التلاعب بها" ودراسة نتائج تفاعلاتها الكمية والنوعية ومحصلاتها، وفقًا لقوانين العلوم المختلفة المتعلقة بها، أثناء عملية تحرير سيناريوهات التطورات الممكنة والمحتملة للمتغيّات المتنوعة، المتعلقة مثلً بمتغيّات التنمية والبيئة في نظام إقليمي معيّ، أو متغيّات الاقتصاد والسياسة في حركية نظامٍ سياسي معيّ، أو متغيّات البيئة الداخلية والخارجية لدولةٍ ما. استجابةً إذًا للحاجة العلمية والعملية من وراء إبداع المؤشّات وصناعتها، وتكيّفًا مع عملية الانخراط المتدرج والتدافعي لجلّ الفاعلين المعاصرين في سيرورة المنافسة الرأسملية المتنامية المتعولمة، عادةً ما تضع لنفسها نظامًا خاصا للمؤشّات، الهيئات الحكومية الوطنية والهيئات المنظمتية الحكومية الدولية كالأمم المتحدة ومنظمتها ووكالاتها المتخصصة، وكذلك منظمت حكومية كمنظمة التعاون والتنمية
13 Bouzaïane & Mouelhi.
الاقتصادية، وصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي؛ وهيئات فوق حكومية مرموقة كهيئة أورستات (Eurostat) التابعة للاتحاد الأوروبي، ومنظمت غير حكومية عالمية الصيت كمنظمة الشفافية الدولية، وصحفيون بلا حدود، ومنظمة العفو الدولية، وبيت الحرية (House Freedom)، والسلام الأخضر (Peace Green)، وغيرها؛ وذلك بهدف متابعة نسب التطور والتقهقر وتقييمها في مجال تخصصها وبحسب ما يتاح من معطيات إحصائية؛ ثمّ تقوم بنشر تصنيفها للدول المعنيّة بسلّم التنقيط في المؤشّ.
الأصول المعرفية لبناء المؤشّات
ابتداءً، يُفترض أن تتّصف المؤشّات من حيث محتواها المعرفي بخاصية التسامي والعالمية والحيادية والموضوعية والدقة. كم يُفترض أن تتّصف من حيث استخداماتها العملياتية التنموية بخاصية الفعالية والرشادة، بما يؤدي إلى تحقيق غايةٍ مثلى هي العدالة في إنصاف جميع الفاعلين المعنيين بميادين المنافسة الإنسانية بين الأفراد والجمعات والشركات والدول والمجموعات الثقافية - الحضارية الكبرى. إذًا، هي صناعةٌ بشرية بامتياز، ولأغراض بشرية بالأساس. وبما أنّ عملية "صناعة المؤشّات" تنمو حاليًا في سياقات دولية معولمة تتميّز بسباقات محمومة على الريادة والهيمنة والاستغلال والاعتمد المتبادل التراتبي، على الرغم من تنامي الوعي بالمخاطر الكوكبية المحدقة بالمصير والجوار الإنساني الكوكبي المشترك على أكثر من مستوى وقطاع، فإنّه لا يمكن لأيّ باحثٍ علمي استشرافي ادّعاء عدم وجود قدر من التحيز المعرفي والثقافي والحضاري أو إنكاره أو تجاهل وجود عددٍ من الرهانات والأهداف المصالحية المصاحبة لسيرورات "صناعة" المؤشّات. فالمؤشّات صناعةٌ لعقول بشرية ونتاجٌ لمفاوضات وتحكيمت عسيرة للتوصل إلى اتفاقيات ومواثيق دولية بين فاعلين خواص وعموميين، لها مرجعياتها المعيارية القيمية ومنهجياتها وتقنياتها النسبية في فعاليتها في تعقّب الواقع الإنساني الزئبقي المتحرك دائمًا. وهي عملٌ تنكبّ عليه فرقٌ ومخابر ومراكز ومنظمت بحثية خاصة وعمومية وطنية حكومية وغير حكومية وبين حكومية وفوق حكومية (الاتحاد الأوروبي) وأممية (الأمم المتحدة ومنظمتها المتخصصة)، تنتدب خبراء تموّل أعملهم في رصد الظواهر المستهدفة بالقياس؛ ولا يمكن هنا تجاهل تبعيتها لجهاتٍ سياسية مموّلة ذات دوافع وأهداف تختلف في تقيّدها بقيم العدالة والإنصاف والحرية والمساواة في الكرامة الإنسانية والعالمية... إلخ. وتستند المؤشّات المنتجة والمتداولة من بين ما تستند إليه إلى أسس فسلفة التقدّم والتنمية والحكم والسعادة والإنسان والعالم والكون. وبما أنّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره، فإنّ تعريف أيّ مؤشٍّ يخضع للقدر المتاح لدى الجهة المعرّفة من المعرفة الإحصائية والالتزام الأخلاقي والحرية الأكاديمية والتقاليد البحثية الوطنية، ولذلك تضع الهيئات المصدّرة للمؤشّات الدولية والوطنية الخاصة والعامة تعريفات لمؤشّاتها، بالاستناد إلى المسلّمت والمعايير والقيم القانونية والحقوقية والاجتمعية والدينية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية
والتكنولوجية المتفاوض حولها، دون إغفال تحفظاتها السياسية والأمنية السيادية والثقافية - الحضارية عليها. ومنه، لا تخلو التعريفات المتداولة في المؤشّات من تحيزات لغوية أو ثقافية أو حقوقية، صريحة أو ضمنية، مدركة أو غير مدركة، تسهم في إحداث جدل فكري وعلمي حول عالمية المؤشّات وقابليتها للقياس عالميًا. ما يهمّنا في هذا السياق هو أنّ عملية صوغ المؤشّات الوطنية والدولية تبدأ وفقًا لرؤية عقلانية معيّنة للوجود والحياة والكون والإنسان، قد تستند إلى الرؤية العقلانية الدينية أو اللادينية أو إلى مزيجٍ من الديني واللاديني أي الروحي والمادي، والإلهي والبشري، المحلي والعولمي، الخصوصي والعالمي. وتنتهي عند تحديد ما هو أفضل أخلاقيًا، وعقلانيًا، وجمليًا، وما هو إيجابي وغير إيجابي وما هو مثالي وما هو واقعي وما هو الأكمل والأحسن والأسعد والأجود والأصلح والأدوم للبشرية. ومنه ينطلق صناع المؤشّات من افتراضٍ أولي عن وجود حالة مثلى للسلوك العقلاني البشري، والنموذج الحضاري الأمثل، مع تفاوتهم في أخذهم بافتراض وجود اختلاف في الظروف الاجتمعية - السياسية، في ظلّ انقسام البشرية على أساس الدول - الأمم، ومنه اختلافهم البيّ حول مدى الشفافية والمساواة والعدالة والإنصاف والدمقرطة والعقلانية المتوافرة في الإجراءات التداولية بين الدول - الأمم، وبين مواطني العالم على اختلافهم طبقيًا وإثنيًا وسياسيًا. ومنه، حالة الجدل بشأن العمق والشمولية في إجراءات بلورة متقاسمة ديمقراطية للقيم والمعايير المشتركة العالمية، المتعددة الأعراق (كوسموبوليتانية). ومن تلك الافتراضات الأولوية، افتراضات إيمانويل كانط بشأن قوانين إرساء "السلام العالمي الدائم"، وافتراض جون رولز الليبرالية السياسية بشأن "الخيرات الأولية"، أو مسلّمت "إنسان قانون حالة الطبيعة" بالمعنى الهوبزي واللوكي، أو افتراضات مسلّمة "الإنسان - الخليفة" بالمعنى الإسلامي، أو مسلّمة "الإنسان النوعي" (générique L'homme)، وافتراضات "الحريات السلبية" و"الحريات الإيجابية" بالمعنى الماركسي، وأخيرًا، افتراض أمارتيا سين بشأن "القدرات"؛ وهي افتراضاتٌ ومسلّمت تتفاوت في تمثّل القيم الأخلاقية المثالية والواقعية والاجتمعية والنفعية في النظر إلى الجوهر المحدّد والمحرك للطبيعة والسلوك البشريين. فعلى سبيل المثال، تستند مؤشّات قياس مدى التزام حقوق الإنسان والتقدم والتحديث الاقتصادي الاجتمعي إلى خلفيات فلسفية (دينية ولادينية) مختلفة. ومنه، يصبح الاتفاق ضمن فرق الاستشراف الإستراتيجي بشأن استخدام مؤشّات معينة مسألة تحكيمية أو تقديرية نسبية. وهنا نؤكّد أنّ الطريق لا يزال طويلً وصعبا، نحو بلورة دلالةٍ عالمية موحدة متقاسمة أو عقلانية عالمية عابرة للعقلانيات المتجادلة، ما يُعرّض شرعية صناعة المؤشّات للمساءلة الديمقراطية وللاختبار العلمي والعملي المستمر، من لدُن المقرّرين في جميع القطاعات التنموية والعلميين المتخصصين والمواطنين العالميين الذين بات عددٌ مهمّ منهم يتساءل اليوم عن مدى شرعية الطرق الإجرائية التي أفضت إلى صنع مؤشّات وطنية ودولية وديمقراطيتها، في ظلّ ديناميكية تدويل
14 Cathérine Audard, "Normes internationales de justice et globalisation de l'éthique", Veritas , vol. 50, no. 1 (2005), pp.
وعولمة، تتنافس ضمنها الأجندات الإمبريالية لعدة قوى، فضلً عن صراع المركزيات والشموليات والحداثات والأصوليات القومية والعرقية والثقافية، وتضارب النظريات والاقترابات، بخاصة في حقول العلوم الاجتمعية.
تأريخ موجز عن "صناعة" المؤشّات
تعدّ المحاولات الأولى لصوغ معايير ومؤشّات للحكم على الأقومية والأعدلية والأخلاقية والعقلانية في السلوك والحياة والعمران والتحضر البشري، قديمةً قدم الإنسان على الأرض. فقد تميّزت الحضارات أو الأديان الكبرى أو الإمبراطوريات أو الدول والأمم العظمى قديمًا وحديثا باتجاهٍ لفرض معايير ومقاييس وقيم وموازين وقوانين تُعبّ عن رؤية المبادرين والممسكين والمبشرين بها ومصالحهم، مستلحقة بواسطتها باقي البشرية غير المنتمية إليها، مضفيةً عليها صفة "العالمية).Universality(" فقد أطلق المؤرّخ البريطاني الموسوعي أرنولد توينبي على الإمبراطوريات وحضاراتها العالمية اسم "الدول العالمية"، وبيّ أنّ عالميتها ليست متأتّيةً من اتساعها الجغرافي فحسب، ولكن من تأثيرها السيكولوجي في نفوس الناس خارج نطاقات تمدّدها، بحيث تفرض قانونها وسلامها الاجتمعي الواسع. وهو سلامٌ تستفيد منه أكثر، وفقًا لتوينبي، "البروليتاريا" و"أتباع الأديان العليا" و"الدخلاء" الوافدون من وراء حدود "الدولة العالمية". وهي "عالمية" متأتّيةٌ من قابلية تلك "الدول العالمية" للانتشار عالميًا عبر استخدام المواصلات، والحاميات العسكرية، واللغات، والقوانين، والتقاويم والموازين، والمقاييس، والنقود، والإدارات، وحقوق المواطنة. كم يرى توينبي أنَّ بناة "الدول العالمية" وأتباعها عادةً ما يصابون ب "سراب الخلود" أو ب"وهم البقاء" أو "المركزية" أو "وهم التفوق والعظمة والفرادة الاستثنائية في التاريخ البشري"؛ كم تستفيد "الأديان العليا أو العالمية"، من ذلك التوسّع والانتشار ل "سلام الدول العالمية"؛ وبذلك تصبح هي المقياس وغيرها هو موضوع القياس، هي المركز والآخرون هم الأطراف؛ وعلى أساس ذلك المقياس تُصنع تصنيفات الأمم في التقدّم والتأخّر، والتحضّ والتوحّش؛ ويتمثّل مصدر عالمية "الدول العالمية" أو "الحضارات" في قدرتها على التواصل وفرض النظام والتجانس العالمي؛ علمً بأنّ العالمية هي القانون المشترك لجميع البشرية؛ كم أنّ لا عالمية بلا خصوصية، ولا عولمة بلا محلية، ولا توجد وسيلةٌ لإرساء إقناعي أو هيمني قسري لتلك السياسة العالمية، أفضل من صناعة المؤشّات المرجعية. وفي العصر الكوكبي الراهن الذي انطلق منذ نهاية الحربين "العالميتين"، انتعشت "صناعة المعايير والقوانين والمؤشّات" الوطنية والعالمية. ومن ثمّ، فإنّ أقدم المؤشّات العالمية المعاصرة لقياس أحد أهمّ مظاهر التقدم المسجَّل في الحياة البشرية هو "مؤشّ التنمية الاقتصادية"، المتمثّل في مؤشّ الناتج الداخلي الخام. ومنذئذ، توالت عملية صوغ مؤشّات أخرى وتداولها تباعًا. وبالنظر لتعدد الهيئات المصدرة لتلك المؤشّات، فقد
51 أرنولد توينبي، مختصر دراسة للتاريخ، فؤاد محمَّد شبل (مترجم) (القاهرة: الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية،.)1960 61 المرجع نفسه؛ وللمزيد بشأن العالمية انظر: قاسم حجاج، العالمية والعولمة، نحو عالمية تعددية وعولمة إنسانية (غرداية: جمعية التراث،.)2004
شهدنا تعددًا في المؤشّ الواحد الصادر عن أكثر من هيئةٍ واحدة، ما يعزّز إمكانية المقارنة ويسمح بتدقيق مدى الملاءمة والفعالية المتأتية من استخدام هذا المؤشّ أو ذاك، في عملية القياس والتقييم والمتابعة والاستشراف الإستراتيجي؛ ويظهر التعدّد في صناعة مؤشّات التنمية في بناء مؤشّات التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية والتنمية المستدامة والتنمية المتوزانة والتنمية المنصفة والتنمية الخضراء. والظاهرة نفسها تشهدها مؤشّات الحكم الراشد والدمقرطة وحقوق الإنسان والحرية والسلام... إلخ.
ثانيًا. الوظائف المختلفة لصناعة المؤشّات يف الاستشراف الإستراتيجي
إنّ للمؤشّات عمومًا وظائف عدة، وتزداد مصداقيتها وجدواها العلمية والعملية، بخاصّة عندما تصدر عن هيئات علمية مستقلة نسبيًا عن تأثيرات نفوذ الجهات المالية الخاصة والعامة الحكومية المشغولة غالبًا بالأبعاد القصيرة الأجل الربحية أو الانتخابية، وإملاءاتها واشتراطاتها. وتتمثّل الجدوى العلمية والعملية ل "صناعة المؤشّات" في مسألتين أساسيتين من وجهة نظرنا، وهم: تمكين المقرّرين والعلميين في ورشات الاستشراف الإستراتيجي من القيام بتشريحٍ موضوعي لماضي قطاع أو نظام أو كيان ما، وحاضره؛ ومن ثمّ، تمكينهم من تعقّب جوانب القوة والضعف في البيئتين الداخلية والخارجية لأيّ نظامٍ أو قطاع أو كيان مستشرف، وحصرها ومسحها؛ ومنه، تحديد الرهانات والتحديات الحاضرة والمستقبلية، بوصفه خطوة أولى للتصدّي للمشكلات المسجّلة في الأداء، بعد إتمام ورشات الاستشراف، فالتخطيط الإستراتيجي. تمكين القائمين على ورشات الاستشراف الإستراتيجي من تعقّب المتغيّات المفتاحية أو المؤشّات المركزية التي يُبنى على أساسها الجهد الاستشرافي وتحديدها، وفقًا لعدة تقنيات ومنهجيات متعاضدة، متساندة ومتكاملة، كالسيناريو ودلفي والإسقاط والمحاكاة... إلخ؛ وهي التي لا يمكن الإفادة منها استشرافيًا إلا باستخدام تقنيات وسيطة تجمع بين الكمية والكيفية، مثل مصفوفة التأثير المتبادل (CIM Matrix, Impact Cross)، أو تقنية التحليل النسقي الهيكلي (سميك SMIC / ميكمك MICMAC)، ودولاب المستقبلات، وغيرها على سبيل المثال لا الحصر.
71 يعرض أكثر من مصدرٍ ومرجع باللغات المختلفة لمناهج الدراسات المستقبلية وتقنياتها؛ وباللغة العربية انظر: وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.)2007 8 1 تقنية التحليل النسقي الهيكلي (سميكSMIC، ميكماك MICMAC) معروفةٌ في المصادر الفرنسية لتقنيات الاستشراف، وتجمع بين التحليل المصفوفي لإستراتيجيات الفاعلين (تعاونا/ تنافسا/ تصارعا)، ولمتغيّات البيئتين الداخلية والخارجية لأيّ نسق. وتقوم ابتداءً على تعدادٍ وتحديد فتحليل لطبيعة التفاعلات ومساراتها بين المتغيّات/ المؤشّات المفتاحية الداخلية والخارجية المتفاعلة ضمن النسق المستشرف.
وبشكلٍ عام، تقوم المؤشّ ات البسيطة والمؤشّات المركّبة بوظائف الإعلام والتعليم والتنبيه والقيادة والحثّ على العمل، أي تقوم بمهمة التحفيز والتعبئة للتغيير الاجتمعي - السياسي والثقافي؛ وتقوم بوظيفة دعم ورشات الاستشراف الإستراتيجي المختلفة. وهذا بيانٌ لفحوى أهمّ تلك الوظائف:
الوظيفة الإعلامية للمؤشّات
تقوم المؤشّات ابتداءً بإعلام المسؤولين والمواطنين ومختلف الفاعلين الاجتمعيين بظواهر ووضعيات معيشة، ولكنّها تؤدي دورًا معززًا للديمقراطية، إذ تعدّ وسيلة إعلام وتوعية للمواطنين، ووسيلة بناء لاتجاهات الرأي العام. وهنا ينبغي القول إنّ هذا الطلب على المعلومة عبر التعرّف إلى اتجاهات منظومة المؤشّات يترافق – بصورة مفارقة – مع تسجيل نوعٍ من التحفظ والتشكيك القادح في موضوعية المؤشّات؛ ما يدعو إلى بذل المزيد من الصرامة المنهجية المزدوجة سواء في بنائها أو استخدامها.
الوظيفة التعبوية والإنذارية للمؤشّات
يعدّ أيُّ نظام للمؤشّات وسيلة للتعبئة والتنبيه والإنذار المبكر وتحقيق الأمن الجمعي لجميع الفاعلين، لرصد المخاطر والانحرافات ولمواجهة التهديدات والمشكلات الهيكلية أو الظرفية الكائنة والمحتملة. ومن ثمّ، من المفترض أن تدفع المؤشّات جميع المسؤولين المعنييّن والعلميين والمواطنين إلى تعميق ملاحظاتهم ومعايناتهم المستمرة والدقيقة للواقع محلّ السياسة والإدارة، والإجابة الملائمة عن الأسئلة الملحّة التي تطرحها عليهم. ولا يتسنى لهم القيام بذلك إلا بتعميم إقامة آلية للقياس والرصد المستمر، أي إقامة "مراصد" لتعقّبٍ مستمر ومتخصّص لسائر الحركيات المجتمعية التي باتت متشابكة ومتسارعة ومعولمة في تغيراتها عمومًا.
الوظيفة التسييرية والإدارية والقيادية للمؤشّات
إنّ ضرورة تحقيق ميزة النوعية في بناء نظام المؤشّات ينبغي ألّ تسقط في نسيان أنّ أحد أهمّ أهدافها هو تحقيق فعالية عملية من استعملها. فأيّ مجتمعٍ ديمقراطي معاصر يتطلّب توفّره على وظيفتي النقد والتقييم، وهم وظيفتان لا يمكن أن تؤديهم بكفاءةٍ عالية إلا من خلال التوسل ببطارية من المؤشّات ذات الصدقية. ومن ثمّ، إسهامها في تحريك النقاش العام وتعبئته، بشأن النتائج المحقّقة على مستوى التنمية والاستقرار والسلام والكرامة الإنسانية والأمن العام والاستدامة البيئية. وإضافةً إلى ذلك، تمكّن نظم المؤشّات من تحقيق وظيفة التسيير والإدارة والقيادة على جميع المستويات المؤسسية الخاصة والعامة، مع تضمين الجميع – نخبًا ومواطنين – ضمن حوكمةٍ متنامية للأنساق المختلفة؛ بمعنى آخر، إنّ للمؤشّات وظيفةً عملية تغييرية لسلوك الفاعلين (الشركات، والمنظمت، والنقابات، والأحزاب، والجمعيات، والدول... إلخ).
19 Renaud François, L'indice Passy-Dunant, Un indice pour la paix (2014) , at: http://goo.gl/fW3sUs 20 Ibid. 21 Ibid.
الوظيفة التعليمية - التربوية للمؤشّات
ومن وظائف نظم المؤشّات دعم العملية التعليمية التربوية والبحثية الجامعية بخاصة وتعميقها. فقد باتت المعرفة العلمية تصدر من (وتدخل ضمن) أطرٍ جمعية مؤسّسية بامتياز؛ وهي تتيح للطلبة والأساتذة -الباحثين الجامعيين وصناع الرأي، عصارةً علمية إحصائية موثّقة مهيكلة منهجيًا. كم تصدر دوريًا أو سنويًا لتثري الأنشطة الجامعية والبحثية بتراكمٍ معرفي، متعدّد اللغات والثقافات والآفاق الجغرافية والتخصصات والاقترابات والرؤى، ما يخرج العملية التعليمية والبحثية من الجزرية القطرية والثقافية والقومية والدينية، إلى آفاق العالمية، وتنمية الوعي بالهموم والاهتممات الإنسانية، ورفع سقف النظرات والمواقف المتسامية فوق العصبيات الضيقة، بالانفتاح على التعدّد والتنوّع المُثري للخصوصيات الثقافية والتخصّصات العلمية الوطنية.
الوظيفة الاستشرافية - التخطيطية للمؤشّات
تُكّن المؤشّات من تحليلٍ وتقييم أقرب إلى الموضوعية للوضعيات الماضية والحاضرة لظاهرةٍ أو كيان ما؛ كم تمكّن بالتباع من رسم ملامح مسارات حركة الحاضر في الزمن المستقبلي، فتدخل بوصفها مادة مساعدة على معرفة طبيعة التوجهات المستقبلية وفي سيرورة بناء السيناريوهات المختلفة. ومن ثمّ، يمكن لأيّ عملية استشراف إستراتيجي أن تتوسّل بمؤشّات مبدعة ذاتيًا أو الاستعانة بمؤشّات من صنع هيئات خاصة أو عامة، وطنية أو دولية. إذًا تدخل في الوظيفة العلمية لصناعة المؤشّات وظيفة التنبؤ أو الاستشراف والاستقراء، والتي لا شكّ في أنّها تُغني ورشات الاستشراف الإستراتيجي بكمٍّ ونوعيةٍ استثنائييَن من المعطيات والتحاليل العلمية.
ثالثًا. شروط صنع المؤشّات وكيفياتها واستخدامها يف عملية الاستشراف الإستراتيجي
شروط صناعة المؤشّات لعملية الاستشراف الإستراتيجي
تخضع صناعة المؤشّات لجملة شروط، أهمّها: مدى فعالية نظام الإحصاء واتساع نطاقه وتغطيته جلّ القطاعات والفئات الاجتمعية والمناطق والمدن والأرياف والظواهر المراد استشرافها؛ صرامة التعريفات المقدّمة لكلّ ظاهرةٍ محلّ قياس وإجرائيتها؛ إذ يختلف الإحصائيون والباحثون العلميون ومختلف الفاعلين المنتجين ومستخدمي المؤشّات، في تعريف مصطلحاتها وتحديد
متغيّاتها الجزئية؛ وذلك على الرغم من الاتجاه المتنامي نحو توحيدٍ وتنميط لمدلول وتعريف جملةٍ من المصطلحات الإحصائية المتداولة بكثرة على المستويين الوطني والدولي، بين خبراء المنظمت الدولية الحكومية والمنظمت الدولية غير الحكومية؛ خضوع عملية صناعة المؤشّات لجملة من الدوافع والمتطلبات العلمية والعملية البراغمتية، ما يجعلها محلّ اجتهاد متعدّد الاختصاصات والوطنيات والقطاعات؛ فضلً عن أنّها لا تعدم وجود مجموعة من المعوقات الموضوعية التي تقلّل من تمتّعها التام بميزات الشمول والصدق والواقعية والعالمية. الانتصار لرؤيةٍ محدّدة للوجود والإنسان والكون والحياة والعالم، تبلورت في أذهان صانعي المؤشّات، من خلال مجموعة من المبادئ المعيارية الأخلاقية والمصالح المادية والمعنوية المستهدفة والتي يرغبون في رؤية مسيرة نظام أو قطاع أو دولة أو قارة ما أو العالم بأسره تتّجه (أو يُتّجه) نحوه؛ الاستناد إلى المصادر الأولية ممثّلةً في القيام مباشرة بالدراسات العلمية الاستقصائية والاستقرائية (العيّنات التمثيلية العشوائية والاستبيانات) على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي؛ وإلى المصادر الثانوية ممثّلةً في الاتفاقيات الدولية والإقليمية والتقارير الإحصائية الصادرة عن الهيئات الحكومية والمنظمت الحكومية الدولية والمنظمت غير الحكومية الوطنية والدولية، وتقارير الخبراء وعمل الأكاديميين محليًا، وتقارير وسائل الإعلام والصحافة وتحقيقاتها، والتي تتفاوت في مدى الدقة والصلاحية للتعميم والشمول والانتشار والموضوعية والكفاءة والمنفعة والمقارنة والشفافية وسلامة المعلومة المنشورة، في عملية المسح والجرد للمعطيات الميدانية، والتي غالبًا ما تتلاعب بها فئاتٌ ذات مصلحة أو أجندة خاصة، في التضخيم أو التهوين بالنسبة إلى ملاحظات وشواهد ميدانية في الحي والمؤسسة الاقتصادية والمدرسة والسجن والإدارة والحزب والدولة والمنظمة... إلخ. ومن ثمّ، ضرورة الاحتراز من جملة مشكلات تعتري إعداد التقارير الرسمية أو الخاصة عامة، فضلً عن النقص في محتوياتها وعدم انتظام في إصدارها؛ ولذلك فقد لا تعدو أن تكون بعض تلك المؤشّات تقديرات وتخمينات تقترب أو تبتعد عن الحقيقة الواقعة ميدانيًا؛ مدى تدريب الموظفين على تقديم بحوث وتقارير إحصائية موثّقةً موثوقةً دقيقة، حتى لا يكونوا ببساطة متطوعين من ذوي النوايا الحسنة فقط. كم ينبغي التغلّب على مشكلات الترجمة من اللغة الأصلية إلى لغة صانعي المؤشّ؛ فضلً عن الاتفاق على معيار أو معايير محدّدة في تعريف الظاهرة محلّ بناء المؤشّ.
كيفيات صناعة المؤشّات لعملية الاستشراف الإستراتيجي
تلتزم صناعة المؤشّات جملة من الأنشطة العلمية الإحصائية والكيفية، تتدرّج على عدّة مراحل:
الأبعاد والقطاعات والتخصصات؛ ö ö تحديد الهدف من بناء مؤشّات الدراسة؛ ö تعريف بعض الوقائع والظواهر والمتغيّات والأنماط القاعدية المتعلقة بعملية بناء المؤشّات؛
ö ö القيام بمجموعة من التجارب الإحصائية؛ ö تجميع المعطيات بشأن القطاع أو الظاهرة أو الكيان أو النسق المدروس؛ ö التحقّق من مدى صحة المعطيات المتاحة وصدقيتها؛ ö ö التحليل الأولّي للمعطيات الإحصائية؛
محلّ الدراسة؛ ö تجميع الوحدات أو المحاور الإحصائية المعتبرة في مجموعة أبعاد (ن)؛ ö تجميع المتغيّات الإحصائية وتفسيرها في مجموعة أبعاد (ن)؛ ö اختيار المتغيّات - المؤشّات الجزئية الأكثر تمثيلً؛ ö تجميع مجموعة من المتغيّات - المؤشّات المختلفة التي بها تقاس الظاهرة محلّ الدراسة وبناؤها؛ ö التحليل الإحصائي النهائي وبناء نماذج أمبيريقية؛
الحقيقي لها. وبالنظر إلى الطابع المركّب للظواهر عمومًا، والظواهر الإنسانية - الاجتمعية خصوصًا، توجد إجملً عدة معايير لاختيار المؤشّات المتعلقة بالدراسة الإحصائية لتَطور قطاع أو ظاهرة ما؛ إذ يمكن استخدام مختلف المؤشّات الإحصائية لتقدير تطوّر كيانٍ ما ونموّه ومتابعته وتقييمه واستشرافه (دولة، منظمة، شركة، منطقة، جمعة... إلخ)؛ كم أنّ كلّ مؤشٍّ جزئي يقدّم معلومة جزئية بشأن مستوى تنمية الكيان
22 Zdzislaw Hellwig, "Méthode de sélection d'un ensemble "Compact" de Variables", in: Unesco, Les indicateurs
التعرّف الأولّي إلى مجال الدراسة وأهميته إن كان اقتصاديا، عسكريا، أمنيا، اجتمعيا أو متعدّد
القيام بتطوير مقاربة منهجية حدسية للمشكلة، وصوغ مجموعة فروض للعمل؛ بحيث نقدّم تفسيرات منطقية لمجموع الظواهر المتفاعلة في البيئتين الداخلية والخارجية ضمن رؤية نسقية؛
فتح نقاشات متعارضة بين المشاركين في ورشات الاستشراف لوضع جداول للعلاقات بين الظواهر
التحقّق النهائي من مدى التناسق بين الوصف النظري للظواهر ذات العلاقة السببية والوصف
sociaux, problèmes de définition et de sélection (Paris: Unesco, 1975), p. 14.
المدروس وتقدّمه. ومن ثمّ، ينبغي اختيار مجموعة من المؤشّ ات المركّبة وصوغها، للحصول على فكرة أو صورة كلية بشأن مستوى تطوّر كيانٍ ما ونموّه. ونقدّم هنا باختصار – على سبيل التمثيل لا الحصر– طريقة حساب المؤشّات الجزئية؛ مثلً، بالنسبة إلى المؤشّات الجزئية المستخدمة في قياس المؤشّ الكلّ/ المركّب "مؤشّ التنمية البشرية"؛ إذ اعتمد الخبراء عدة مؤشّات أو متغيّات جزئية، نتعرّف من خلالها إلى طريقة تعريف مؤشّ "العمر المتوقع عند الولادة"، أو "الأمل في الحياة" وحسابه. تعريف المؤشّ الجزئي "الأمل في الحياة": هو عدد السنوات المتوقّع أن يعيشها الإنسان بفرض ثبات نمط الوفيات السائد عند وقت الولادة. أمّا طريقة حساب متغيّ أو مؤشّ الأمل في الحياة، فتجري كالتالي: يُحسب كوسيطٍ حسابي مرجّح لأعمر مجموعة افتراضية من المواليد (لتكن 1000 مولود)، بعد تعريضهم لمعدلات الوفيات في الفئات العمرية المختلفة:
مجموع عدد السنوات التي يعيشها أفراد المجموعة الافتراضية من المواليد
مؤشّ نسبة الأمل في الحياة =
العدد الكلي للأفراد في المجموعة الافتراضية نفسها من المواليد
وهكذا دواليك مع منهجية حساب بقية المتغيّات - المؤشّات الجزئية. وللمزيد من التفصيل، يمكن الاطلاع ضمن تقارير المؤشّات ذات السمعة الدولية ومواقعها، وبخاصّة على الدليل الخاص بكلٍ منها، لمعرفة كيفية حساب الخبراء القائمين على صناعتها للمؤشّات الجزئية المتضمنة في المؤشّ الكلّ/ المركّب؛ ومن ثمّ، نقيم مدى ملاءمتها – فرديًا أو عبر المزاوجة بين أكثر من مؤشٍّ أو مع دراسة حالة – للاستخدام في دراستنا الاستشرافية لمستقبل واحدة أو أكثر من دولة أو فئة أو هيئة أو ظاهرة. كم يمكن لفريق الاستشراف من خبرائه تصميم دليل حسابي لكلّ متغيّ - مؤشّ مبدع، على المنوال المبيّ أسفله. ويستحسن أن يجمع الباحث أو الفريق المستشرف بين أكثر من مؤشّ مركب لتقليل نسبة الأخطاء أو النقائص المتعلقة بالعيّنات الخاصة بكلّ مؤشٍّ جزئي. علمً أنّ موضوع القصور والنقائص التي يمكن تسجيلها على الأبعاد المفاهيمية والتقنية والإحصائية والمنهجية في صناعة المؤشّات كثيرة، لا يسعنا هنا المجال للاستفاضة فيها.
كيفيات استخدام المؤشّات في ورشات الاستشراف الإستراتيجي
أشرنا أعلاه إلى أنّه على المشاركين في أشغال ورشات الاستشراف الإستراتيجي أن يركّزوا ابتداءً على وضع نموذجٍ إرشادي خاص بهم لإدارة فعالة لعملية الاستشراف. ومن أهم الورشات التمهيدية لذلك، ورشة طرح الأسئلة المفتاحية والإشكالية بشأن الموضوع أو الظاهرة أو الكيان محلّ الجهد الاستشرافي، أسئلة تمهّد للولوج بعد ذلك إلى ورشة تحديد المتغيّات أو المؤشّات المتحكمة في سيرورة ظاهرة أو كيان ما؛
ثم ورشة تحديد الأبعاد الهيكلية وورشة تحديد فتحليل إستراتيجيات لعبة الفاعلين بوصفها شرطًا أساسيا آخر للتعرّف على المستقبلات المحتملة والممكنة والمنطقية لظاهرةٍ أو كيان ما، أو غيرها من الخطوات المتكاملة لورشات الاستشراف. ولا يتيسّ كلّ ذلك إلّ باستخدام مجموعة من التقنيات والأنشطة الذهنية الجمعية، فضلً عن برامج إحصائية، يمكن تحميلها عبر شبكة الإنترنت؛ مع عدم الاستغناء مطلقًا عن الدراسات والتقارير العلمية المختلفة المراكمة عن المجال أو الظاهرة أو الدولة المستشرفة، وفضلً عن التنبيه إلى أهمية الاسترشاد بالقوانين العلمية المتداولة لدى الاختصاصيين في مختلف المعارف المستخدمة أثناء تعقّب مسارات المستقبل ورسم اتجاهاته، مع استحسان توجيه استمرة أسئلة (استبيان) – عبر الإنترنت أو مباشرة – إلى الخبراء المعنيين لسبر آرائهم مباشرةً بشأن توقّعاتهم بوصفهم متخصصين أو ممرسين معنيين للتعرّف على اتجاهاتهم الاستشرافية، في ما يتعلّق بمستقبلات ظاهرةٍ أو كيان ما. فمن أجل بناء مصفوفة التأثير المتبادل على برنامج "إيكسال" (Excel) لرصد نتائج التفاعلات المتبادلة للمتغيّات أو المؤشّات المفتاحية، يُوجّه المشاركون في ورشات الاستشراف الإستراتيجي إلى ضرورة الاسترشاد بالمؤشّات العالمية، وبالأوزان النسبية لكلّ متغيّ. وبعد عملية عصفٍ ذهني تخلص إلى تحكيم بين المشاركين، تُعتمد من خلاله مجموعةٌ من المتغيّات أو المؤشّات ذات الأهمية التقديرية النسبية – وليكن عددها 40 إلى 80 متغيّا – وذلك باتباع الخطوات التالية: نضع المتغيّات في المصفوفة متقابلة (في المحور العمودي والأفقي)؛ ثم نقوم بقياس تقديري لقيمة تأثيرها وتأثّرها ببعضها في الزمن المستشرف بناءً على وتيرتها التغيرية الحالية أو المرغوب فيها، مع تقديم مبرّراتٍ عقلانية موضوعية كافية لمدى تأثّرها ببعضها البعض باستخدام "مقياس ليكرت" (Likert) الذي ينصح بقياس قوة التأثير على خمسة مستويات: قوي جدا/ قوي/ متوسط القوة/ ضعيف/ ضعيف جدا؛ ثم نعطي كلّ مستوى قيمة عددية؛ ومن ثمّ، نحسب التأثير على النحو التالي: حالة علاقة التأثير القوي جدا -(أو + 5): فإذا كان التأثير قويًا جدا ولكنّه سلبي نعطيه قيمة (5-)، وإذا كان التأثير قويًا جدًا لكنّه إيجابي نعطيه قيمة (5+)؛ حالة علاقة التأثير القوي -(أو + 4): فإذا كان التأثير قويًا ولكنّه سلبي نعطيه قيمة (4-)، وإذا كان التأثير قويًا لكنّه إيجابي نعطيه قيمة (4+)؛ حالة علاقة التأثير المتوسط القوة -(أو + 3): فإذا كان التأثير متوسط ا ولكنّه سلبي نعطيه قيمة (3-)، وإذا كان التأثير متوسطا لكنّه إيجابي نعطيه قيمة (3+)؛
32 عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية، ص.66 - 56
حالة علاقة التأثير الضعيف -(أو + 2): فإذا كان التأثير ضعيفًا ولكنّه سلبي نعطيه قيمة (2-)، وإذا كان التأثير ضعيفًا لكنّه إيجابي نعطيه قيمة (2+)؛ حالة علاقة التأثير الضعيف جدًا -(أو + 1): فإذا كان التأثير ضعيفًا جدا ولكنّه سلبي نعطيه قيمة (1-)، وإذا كان التأثير ضعيفًا جدًا لكنّه إيجابي نعطيه قيمة.)1+(وبذلك نكتشف طبيعة المتغيّات أو المؤشّات (المركزية، والثانوية)، وأيّها أكثر تأثيرًا (سلبيًا، أو إيجابيًا) في التطور المستقبلي لنسق أو ظاهرة ما في أفقٍ زمني معين مسبقًا؛ فنستخرج منها المتغيّات المركزية (الإيجابية والسلبية/ الأكثر تأثيرًا وتأثّرا)، والمتغيّات الثانوية (الإيجابية والسلبية/ الأقلّ تأثيرًا وتأثّرا)؛ ومنه نصل إلى حساب محصّلة تأثير كلٍّ منها في الآخر، وحساب محصّلة تأثّر كلٍّ منها بالآخر (تأثيرًا وتأثّرا/ سلبيًا وإيجابيًا) على المستوى العمودي والأفقي. وهذه طريقة حساب محصّلة معدل تأثير التغيرات السنوية:
(مجموع قيم التغيّ الإيجابي في المتغيّات الأكثر تأثيرًا – مجموع
معدّل تأثير التغيرات السنوية
القيم السلبية للمتغيرات نفسها) – (مجموع القيم الإيجابية
المتعلقة بالمتغيّات المركزية
للمتغيّات الأكثر تأثّرًا – مجموع القيم السلبية للمتغيّات نفسها)
وبناءً عليه نستنتج أو نستشرف إذا ما كانت الوضعية الراهنة في المتغيّات المركزية ترجّح لمصلحة التغير الإيجابي أو السلبي، وبأيّ نسبة؛ وبناءً عليه أيضًا نستنتج أو نتوقّع، ولكن عبر تقنية السيناريو، الوضعية المستقبلية التي تؤول إليها أوضاع نسقٍ أو ظاهرة ما عام 2030. مثلً، هل ستكون أفضل من الحاضر؟ أم ستكون أسوأ قليلا أو كثيرا؟ وبأيّ نسبةٍ مئوية؟ وذلك بحسب افتراضنا ثبات الظروف الراهنة طول تلك المدة (السيناريو الاتجاهي)؛ أو افتراض احتمل تغيّها بحسب إيقاع التغيرات: سريعة أو بطيئة/ مركزية أو طرفية/ طردية أو عكسية/ خطية أو لا خطية/ سلبية أو إيجابية (السيناريو المحتمل الانقلابي المتفائل/ المحتمل الانقلابي المتشائم)؛ بينم تبقى علمية صوغ السيناريو الإصلاحي أو المعياري أو المرغوب فيه، متّوقفةً على تعقّب افتراضٍ منحاز إلى مستقبل مرغوب فيه؛ ومن ثمّ، يجري البحث عن الإمكانات التي يتيحها المستقبل لزيادة فرص تحقيق ذلك السيناريو المرغوب فيه. وتتحقق هذه الخطوة ضمن أشغال ورشة صوغ السيناريوهات المستقبلية لنسقٍ أو ظاهرة ما في أفق 2030. وبناءً على السيناريو المرغوب فيه، يمكن البداية في تنظيم ورشات التخطيط الإستراتيجي، وتحديد الرؤية والرسالة والأهداف الإستراتيجية؛ ومن جديد تبرز الحاجة في مراحل معيّنة لهذه الورشات إلى صناعة المؤشّات التي من خلالها نقوم بالتشريح للوضع القائم حاضرا، فضلً عن القيام بوضع مؤشّات المتابعة للإنجاز والتقييم للخطة الإستراتيجية.
ولكن قبل الانتقال إلى مرحلة صوغ السيناريوهات المستقبلية، لا بدّ من إنجاز خطوة إضافية إلى الأمام من خلال التعرّف بدقّةٍ أكبر إلى النتائج أو التداعيات المختلفة للعلاقات الأكثر تأثيرًا وتأثّرًا بين المتغيّات المركزية ذاتها، بتعقّب أكبر قدرٍ من التداعيات أو الآثار أو النتائج المتكاثرة المباشرة وغير المباشرة غير المتوقعة، في مسار التغير المستقبلي لمتغيّ مركزي ما، ولا يليق بتدليل هذه الخطوة أو المهمة الإضافية إلى استخدام "تقنية "دولاب المستقبلات" (Wheel Futures. ومن دون أن نسترسل أكثر في سرد) الخطوات العملية للاستخدام التعاضدي لتقنيات الاستشراف، فدونها ضرورة العودة إلى المراجع العملية لمناهج الدراسات المستقبلية المعتمدة للتدريب على تقنياتها. ونعود أخيرًا لنؤكّد أهمية استكشاف المتغيّات أو المؤشّات المفتاحية في الدراسات الاستشرافية أو "صناعتها"، من خلال توظيف مخرجات مؤشّات صادرة عن هيئات حكومية دولية أو غير حكومية دولية، أو التصدّي مباشرةً لعملية إبداع مؤشّات جديدة بحسب الحاجة، أو صوغ توليفة من المؤشّات المركّبة واعتمد أوزان معيّنة. فبالنظر إلى تعدّد المؤشّات المتعلقة بالمجال الواحد، يصبح من الأهمية للباحثين الاستشرافيين المزاوجة بين عدة مؤشّات مرجعية في الدراسة الاستشرافية لظاهرةٍ أو نظام أو قطاع أو دولة أو منطقة ما، واستخراج متوسط حسابي يعتمده الباحث أو الفريق المستشرف لحساب التغيرات المراد استشرافها.
خلاصة عامة
ممّ سبق، نتصور أنّنا قد أتينا على جوانبَ أساسية من إشكالية هذه الورقة التي ركّزت على بيان ماهية "صناعة" المؤشّات وأهميتها عامة، وفي مجال الاستشراف الإستراتيجي بخاصة. وقد تدرّجنا في ذلك من التعريف بالمؤشّ وبيان أصناف المؤشّات والخلفيات المعرفية التي تتأسس عليها "صناعة" المؤشّات، مع شيءٍ من تأريخ لمسيرة هذه "الصناعة" الحديثة نسبيًا، والتي لا يزيد عمرها عن النصف قرن من الزمن، والتي أضحت رائجةً في عصرنا الذي ينشد صناعة "عقل عالمي" متقاسم في مسلّمته ومبادئه وآلياته وغاياته. وبالنظر إلى الوظائف العديدة للمؤشّات المختلفة، فقد أضحى جلّ الفاعلين يتسابقون في استخدامها ويتنافسون على إبداعها، عساهم يتمكّنون من تشريح أوضاع الحاضر واستشراف المستقبلات الممكنة والمحتملة والمرغوب فيها، ويذلّلون بواسطتها ظواهر التركيب والتعقيد والتشابك والتسارع؛ ويلاحقون بصرامتها الإحصائية والعقلانية طوفان التغيرات المتشابكة المتسارعة المتفاعلة فيم بينها في الزمن العالمي الحقيقي.
42 المرجع نفسه، ص 53 - 56، ص.63
ومن ثمّ، إنّ على الباحثين الاستشرافيين والمخط طين ضمن ورشات الاستشراف الإستراتيجي أن يتمرّسوا على خطوات "صناعة" المؤشّات، وأن يجتهدوا جمعيًا في مضمر إبداع مؤشّات تمكّنهم من الإمساك بتنوعات الوقائع العالمية والعربية، وإن تعولمت المؤشّات واتجهت نحو التنميط والتوحيد شبه القسري للمعايير والمقاييس؛ وأن يتدرّبوا على استخدامها ضمن أنشطة الاستشراف لجميع الظواهر والنظم والدول والشركات والجمعات، لما تضفيه عليها من دقّةٍ وعمق وشمول وموضوعية وعالمية. وأخيرًا، لا نزعم مطلقًا أنّنا قد أحطنا بحيثيات هذه "الصناعة" نظرًا لما يتطلّبه ذلك من دقّةٍ وتوسّع؛ غايتنا أنّنا طرحنا بين يدي الباحثين مدخلً معرفيا منهجيا، نرجو أن تتلوه أعمل أخرى في بيانٍ أعمق وأدقّ لحيثيات تقنية وإحصائية تتعلّق باستخدام المؤشّات في مجالات الاستشراف الإستراتيجي.
المراجع
References
المراجع العربية
توينبي، أرنولد. مختصر دراسة للتاريخ، فؤاد محمَّد شبل (مترجم)، القاهرة: الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية،.1960 حجاج، قاسم. محاضرات " العلاقات الاقتصادية الدولية المعولمة "، مطبوعة جامعية محكّمة بقسم العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة قاصدي مرباح/ ورقلة.)2002(__________. العالمية والعولمة، نحو عالمية تعددية وعولمة إنسانية، غرداية: جمعية التراث،.2004 __________. فجر العولمة الجديدة، دراسة لعيّنة من الأطروحات الأكاديمية والسياسات الحكومية والنضالات الاجتمعية الناقدة والمناهضة ل "العولمة الأخيرة" والمتطلعة ل "عولمة بديلة"، ج 2 غرداية: دار نزهة الألباب،،.2013 __________. مزاب، رؤية مستقبلية، مع مدخل إلى قضايا المستقبليات، غرداية: مطبعة العالمية،.2006 عبد الحي، وليد. تحول المسلمت في نظريات العلاقات الدولية، الجزائر: مؤسّسة الشروق للإعلام والنشر،.1994 __________. مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية،.2007 كورنيش، إدوارد. الاستشراف، مناهج استكشاف المستقبل، حسن الشريف (مترجم)، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2007 وديع، محمد عدنان. "قياس التنمية ومؤشّاتها"، جسر التنمية (مجلة المعهد العربي للتخطيط بالكويت)، المجلد 1، العدد 2.)2002(
المراجع الأجنبية
Association médicale canadienne. Coup d'œil sur l'avenir de la santé, des soins de santé et de la médecine , Série de documents de discussion de l'AMC sur les soins de santé 1, Ottawa: Association médicale canadienne, 2001. Audard, Cathérine. "Normes internationales de justice et globalisation de l'éthique", Veritas , vol. 50, no. 1 (2005). Bouzaïane, Lotfi. & Mouelhi, Rim. "Initiation aux concepts de base de la prospective", Ressources en ligne de l'Université Virtuelle de Tunis, (2008), at: http://goo.gl/KFWZjD
Deschênes, Marie-Susan. "Indicateurs Stratégiques pour Une Gestion Axée sur Les résultats", Cours en Gestion, Ecole Nationale d'administration Publique , Université du Québec, at: http://goo.gl/sKqXiX François, Renaud. L'Indice Passy-Dunant, Un indice pour la paix (2014) , at: http://goo.gl/fW3sUs Unesco, Les Indicateurs Sociaux, Problèmes de Définition et de Sélection, Paris: Unesco, 1975. Walk Free Foundation, The Global Slavery Index 2013 , at: http://goo.gl/MljxhT