العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية

الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية

Constructing Scenarios: Cognitive and Methodological Options among Foresight Schools

محمد خميس

الملخّص

ظهرت تقنية بناء السيناريوهات في عُقب الحرب العالمية الثانية، بوصفها مقاربةً منهجيةً للتخطيط الإستراتيجي العسكري لا تُضاهى، ثمّ تطوّرت لتصبح مقاربةً منهجيةً أساسيةً في استشراف المستقبل منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته؛ إذ شهدت حينئذٍ تشعبًا نظريًا وإبستمولوجيًا كبيرًا. وتُعنى هذه الورقة بدراسة الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية المختلفة، محاولةً الغوص في آليات بناء السيناريوهات في الاستشراف الحديث، ساعيةً لتسليط الضوء على الفوارق المنهجية الجوهرية في الأسس والأساليب التي تُمارس بها تقنية السيناريوهات، بخاصّة بين المقاربتين الحدسية/ الكيفية، والاحتمالية/ الكمّية. كما تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة بعض المحاولات العربية في الاستشراف وبناء السيناريوهات، واختبار قدرة هذه المحاولات على التأسيس لمدرسة استشرافية عربية رائدة.

Abstract

ملخص:  ظهرت تقنية بناء السيناريوهات في عُقب الحرب العالمية الثانية، بوصفها مقاربة منهجيةً للتخطيط الإستراتيجي العسكري لا تُضاهى، ثمّ تطوّرت لتصبح مقاربةً منهجيةً أساسيةً في استشراف المستقبل منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته؛ إذ شهدت حينئذٍ تشعبًا نظريًا وإبستمولوجيًا كبيرًا. وتُعنى هذه الورقة بدراسة الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية المختلفة، محاولةً الغوص في آليات بناء السيناريوهات في الاستشراف الحديث، ساعيةً لتسليط الضوء على الفوارق المنهجية الجوهرية في الأسس والأساليب التي تُارس بها تقنية السيناريوهات، بخاصّة بين المقاربتين الحدسية/ الكيفية، والاحتملية/ الكمّية. كم تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة بعض المحاولات العربية في الاستشراف وبناء السيناريوهات، واختبار قدرة هذه المحاولات على التأسيس لمدرسة استشرافية عربية رائدة. كلمت مفتاحية:  المدارس الاستشرافية، السيناريوهات، المناهج Abstract:  The technique of drafting futures scenarios spread rapidly in the wake of the Second World War, and became an unrivalled methodological approach for military strategic planning. In the 1950s and 1960s, it developed as a basic method used in forecasting, amid a proliferation of theoretical and epistemological development. This paper examines the intellectual and methodological approaches that emerged across various schools of futurology in an attempt to understand the underlying mechanisms of constructing scenarios in modern future studies. Likewise, it aims to illuminate the fundamental methodological differences in the foundations and methods used in scenario techniques, particularly those which differ across the intuitive/qualitative and probabilistic/quantitative approaches. Finally, the paper examines some Arab attempts at foresight and scenario construction, and tests the ability of these attempts to found pioneering Arab schools of foresight.

الكلمات المفتاحية:
  • مدارس استشرافية
  • سيناريوهات
  • مناهج
Keywords:
  • Foresight Schools
  • Scenarios
  • Methodologies

أساسيةً في استشراف المستقبل منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته؛ إذ شهدت حينئذٍ تشعبًا نظريًا وإبستمولوجيًا كبيرًا. وتُعنى هذه الورقة بدراسة الخيارات المعرفية والمنهجية في بناء السيناريوهات لدى المدارس الاستشرافية المختلفة، محاولةً الغوص في آليات بناء السيناريوهات في الاستشراف الحديث، ساعيةً لتسليط الضوء على الفوارق المنهجية الجوهرية في الأسس والأساليب التي تُارس بها تقنية السيناريوهات، بخاصّة بين المقاربتين الحدسية/ الكيفية، والاحتملية/ الكمّية. كم تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة بعض المحاولات العربية في الاستشراف وبناء السيناريوهات، واختبار قدرة هذه المحاولات على التأسيس لمدرسة استشرافية عربية رائدة. كلمت مفتاحية:  المدارس الاستشرافية، السيناريوهات، المناهج Abstract:  The technique of drafting futures scenarios spread rapidly in the wake of the Second World War, and became an unrivalled methodological approach for military strategic planning. In the 1950s and 1960s, it developed as a basic method used in forecasting, amid a proliferation of theoretical and epistemological development. This paper examines the intellectual and methodological approaches that emerged across various schools of futurology in an attempt to understand the underlying mechanisms of constructing scenarios in modern future studies. Likewise, it aims to illuminate the fundamental methodological differences in the foundations and methods used in scenario techniques, particularly those which differ across the intuitive/qualitative and probabilistic/quantitative approaches. Finally, the paper examines some Arab attempts at foresight and scenario construction, and tests the ability of these attempts to found pioneering Arab schools of foresight.

**Professor of Future Studies, Department of Political Science, Kasdi Merbah University Ouargla, Algeria.

مقدمة

تُعدّ آلية بناء السيناريوهات برادايمًا معرفيًا غير تقليدي في دراسة ظاهرة التركيب، والتعقّد، والارتياب الشديد الذي تتميز به الظواهر المعاصرة، وقد شهدت هذه المنهجية تطورًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية والإستراتيجية، وعرفت تشعبًا في جهازها المفاهيمي والتقني منذ ظهورها أوّل مرة بعد الحرب العالمية الثانية. ويرجع استخدام مصطلح "السيناريو" إلى بدايات الاهتمم بالمستقبل في التفكير الإنساني؛ إذ جرى توظيفه بوصفه منهجًا لمحاولة اكتشاف مستقبل المجتمع ومؤسساته في سياقاتٍ متعدّدة. ولئن جرى عدّ السيناريوهات مرادفاتٍ لمفهوم اليوتوبيا في كتابات الفلاسفة والمفكرين، ابتداءً من أفلاطون وكتابه الجمهورية، وكتابات توماس مور وجورج أورويل، فإنّ استخدامها بوصفها آليةً منهجية للتخطيط الإستراتيجي في أدبيات الدراسات العسكرية الكلاسيكية، قد بدأ من خلال نماذج المحاكاة ل "لُعب" الحرب. ولكن على الرغم من تاريخ استخدام هذا المنهج في الدراسات العسكرية، فإنّه لم يظهر في الكتابات المعاصرة إلا في القرن التاسع عشر، وكان ذلك مع كتابات المفكّرين العسكرييّن البروسييّن كلاوزفيتس ومولتكه اللذين وضعَا المفاهيم الأساسية للتخطيط الإستراتيجي. ولم يظهر استخدام السيناريوهات بوصفها آليةً منهجيةً لاستشراف المستقبل إلّ بعد الحرب العالمية الثانية، في الستينيات من القرن العشرين، مع بحوث ودراسات لمعهد راند؛ إذ جرى اقتباس هذا المصطلح من مجال السينم الأميركية ومن هوليود، وذلك من أجل التمييز بين هذا المفهوم الحديث ومفهوم "التنبؤ الكلاسيكي" (forecasting Classical. وجرى استخدام مفهوم السيناريو في البداية للدلالة على استشراف) المستقبل في المدى البعيد، كم جرى توظيف هذه المقاربة في فترة ما بعد الحرب الباردة في مجال الدراسات العسكرية، وخصوصًا في شعبة سلاح الجو في وزارة الدفاع الأميركية، ثمّ اتّسع استخدام تعبير "السيناريو" لتناول العديد من القضايا والمشكلات في مجالات الدراسات الإستراتيجية، وبخاصّة كلّ ما يتعلق بتطور استخدام السلاح النووي في فترة الحرب الباردة. وقد زاد المأزق النظري للتنبؤ الكلاسيكي هذا التعبير انتشارًا، إضافةً إلى إخفاق أسلوب التخطيط الإستراتيجي في فهم العديد من القضايا وتفسيرها. أمّا الأوروبيون، فقد حاولوا دراسة الأسس الاجتمعية والسياسية للمستقبل دراسةًُ علميةً نسقيةً، من خلال استخدام تقنية السيناريوهات في دراسات السياسة العامّة والتخطيط. وفي وقتٍ كان فيه هيرمان كاهن

Ron Bradfield et al. , "The Origins and Evolution of Scenario Techniques in long Range Business Planning", Futures , vol. 37, no. 8 (2005), pp. 795 - 812. 2 Ibid. Gill Ringland , Scenario Planning: Managing for the Future (West Sussex: John Wiley & Sons, 1998), p. 12.

في الولايات المتحدة الأميركية يطوّر تقنية السيناريوهات في مجال الدراسات العسكرية والإستراتيجية، في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، كان المفكّر والفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي، وهو الذي أسّس مركزًا للدراسات الاستشرافية، يحاول تطوير مقاربة السيناريوهات البعيدة المدى في التخطيط، وقد أصبح هذا الأمر يسمّى في ما بعد "التفكير الاستشرافي" (Thinking Prospective) أو "الاستشراف" La prospective()، وقد شكّل حينئذٍ ثورةً معرفيةً في مقابل الآليات المنهجية للتنبّؤ الكلاسيكي. وعقب هذه المساهمة المهمّة التي قدّمها غاستون بيرجي، جاء كلّ من بيير ماسي وبرتران دو جوفينيل ليواصل العمل في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته؛ إذ استخدم ماسي السيناريوهات، وقد كان مديرًا للتخطيط القومي الاقتصادي الفرنسي لتطوير الخطة الرباعية القومية خلال الفترة 1962 - 1965. أمّا دو جوفينيل الذي أسّس، عام 1967، "الجمعية الدولية للمستقبلات" (Futuribles internationale Association)، فقد قام بنقد الدور الذي يضطلع به السياسيون في تحديد مستقبل الأمم بوصفهم نخبةً صغيرةً ومسيطرةً. وللحدّ من ذلك، دعا دو جوفينيل المستشرفين إلى أن يضطلعوا بدور أساسي في عملية صنع القرار، وتفكيك المقاربة المثالية والمعيارية للمستقبل، وإلقاء الضوء على الصور الإيجابية للمستقبل أيضًا (اليوتوبيا العلمية)، ثمّ العمل على كيفية إسقاط هذه السيناريوهات الإيجابية في تطوير حياة الأفراد والمجتمعات. ويقوم بناء السيناريوهات في الاستشراف الحديث على إطارٍ معرفي خاص، يتعلّق على نحوٍ أساسي بطبيعة البحث المستقبلي من جهة التعقّد والاحتملية والشمولية. ويرى جيمس أوغيلفي، وهو أحد الباحثين الروّاد في الدراسات المستقبلية وصاحب كتاب صنع مستقبلات أفضلأنّ "منهجية بناء السيناريوهات في الدراسات المستقبلية شكّلت تحوّلً بارادايميًّا في العلوم الاجتمعية بوجه عامّ، وذلك من خلال التحوّل من مفهوم الموضوعية إلى مفهوم السرد"؛ لأنّ الدراسات المستقبلية لم تسعَ إلى بناء شرعيتها المعرفية من خلال البناء المنهجي الصارم والمتمسك فحسب، بل على العكس من ذلك، فقد يوصف البحث في الدراسات المستقبلية بقلّة صرامته المنهجية، ولكنه يفتح المجال واسعًا أمام الخيال والابتكار والإبداع، وخصوصًا أنّ هذا التيار بدأ ينتشر ك "موجةٍ" جديدة في العلوم الاجتمعية، مثل الأنثربولوجيا، وعلم النفس، والنقد الأدبي، جرى التعبير عنها مع مفكّرين من أمثال غيرتز، وفوكو، ونيتشه، وبول ريكور، وغيرهم. وسوف نسعى في هذه الدراسة للغوص في البنية المعرفية لمنهجية السيناريوهات في المدارس الغربية المختلفة، وإلقاء الضوء على الفوارق الجوهرية في الأسس المنهجية وأساليب ممرسة بناء السيناريوهات. وفضلً عن ذلك، تسعى الدراسة لتسليط الضوء على بعض المحاولات العربية في الاستشراف، واختبار قدرة هذه المحاولات على تأسيس مدرسة استشراف عربية رائدة، وذلك من خلال قراءة نقدية لبعض المساهمت العربية في هذا المجال. من أجل ذلك، تحاول هذه الورقة الإجابة عن الأسئلة التالية:

4 Bradfield et al. , pp. 795 - 812. James J. Oglivy, Creating Better Futures: Scenario as a Tool for Better Tomorrow (New York: Oxford University Press, 2002) , p. 117.

ما الذي يميز عملية بناء سيناريوهات الدراسات المستقبلية في مختلف المدارس الاستشرافية الغربية؟ وما هي أهمّ نقاط الاختلاف والالتقاء بين هذه المدارس؟ وأين تتموقع المساهمت العربية في الدراسات المستقبلية وبناء السيناريوهات ضمن الخريطة العالمية لهذا الاشتغال المعرفي؟

أوّلً. بناء السيناريوهات عند المستشرفين ويف المدارس الاستشرافية الغربية المختلفة

بناء السيناريوهات عند ميشيل غودي وفابريس روبيلا

تُعدّ منهجية السيناريو أداةً علميةً مركزيةً عند مدرسة الاستشراف الفرنسية، وهو ما أكّده كلّ من فابريس روبيلا وميشيل غودي، من خلال الموقف الذي يتّخذه الاستشراف من ظاهرة المستقبل بوجه عامّ، إذ يشترط تجنب بعض المواقف السلبية تجاه المستقبل من قبيل: "الموقف اللامبالي" (Passive). أو "الموقف الانفعالي" (Reactive)، أو "الموقف الاستباقي" (Preactive)، وتُفضّل الرؤية الاستشرافية الموقف الفعّال تجاه المستقبل وهو ما يعبّ عنه ميشيل غودي بمفهوم الفعّالية (Pro-activity)، وهو يمثّل ربط التوقّع والفعل عبر "الملاءمة" (Appropriation)، من خلال سيناريوهات تتميز بالتمسك، والرجاحة، والشفافية. ويعتقد كلّ من ميشيل غودي وفابريس روبيلا أنّ بناء السيناريوهات يحتاج إلى أدواتٍ منهجية تتميز بالبساطة والعقلانية في الوقت نفسه، وهو ما يسمح ببلوغ مستويات الخيال، وتحقيق التمسك والملاءمة. ولذلك فقد طوّرا مجموعةً من التقنيات تُعرف ب "أساليب حلّ المشكلات Problem-(" solving Methods)، وهي مصنّفةٌ بحسب الخطوات التالية: طرح الأسئلة الصحيحة، وتحديد المتغيّات المفتاحية؛ وذلك من خلال تقنية التحليل البنيوي (Analysis Structural)، أو من خلال مصفوفة ميكمك (MicMac) التي تُعَدّ أسلوبًا لإبراز المتغيّات الأساسية والمؤثّرة التي يعتمد عليها نظام الظاهرة المدروسة. ويقوم التحليل البنيوي المستند إلى هذه المصفوفة على ثلاث مراحل أساسية، هي: مرحلة تحديد المتغيّات، ومرحلة وصف طبيعة العلاقات بين المتغيّات، ومرحلة تحديد المتغيّات المفتاحية. وفي الجدول (1) توضيح لمصفوفة التحليل الهيكلي. تحليل الاتجاهات والفاعلين، من خلال مصفوفة ماكتور (Mactor) التي تعدُّ أسلوبًا لتحديد إستراتيجيات الفاعلين وأهدافهم، وأنماط التحالف والتنافر اللذين قد ينشآ بينهم، وموازين القوى بين اللاعبين، وهي تشتمل على سبعة مراحل أساسية، هي: وضع لائحة لإستراتيجيات

6 Ibid.

الفاعلين (عددهم بين 10 و 20 فاعلً)، ثمّ تحديد الرهانات والأهداف الإستراتيجية للفاعلين في المرحلة الثانية. أمّا في المرحلة الثالثة، فيتمّ وضع مصفوفة (فاعلين/ أهداف). وفي هذه المرحلة يتّضح التوافق والتنافر؛ أي موقع كلّ فاعلٍ في مواجهة الهدف، فنضع علامة (1+) للدلالة على موافقة الفاعل على الهدف، وعلامة (1-) للدلالة على عدم موافقته على الهدف، وعلامة (0) للدلالة على حياده تجاه الهدف، ثمّ نضع تراتبية الأهداف بالنسبة إلى كلّ فاعل. وبعد ذلك، يتمّ تقييم موازين القوى، ثمّ إدماج هذه الموازين في تحليل التوافق والتنافر بين الفاعلين، وأخيرًا، يتمّ صَوْغ التوصيات الإستراتيجية والأسئلة المفتاحية للمستقبل.

الجدول:1 مثال لمصفوفة التحليل الهيكلي

المتغي ّ1المتغيّ 2المتغيّ 3المتغيّ 4
المتغيّ 1111
المتغي ّ211
المتغي ّ311
المتغي ّ41

تقليص الارتياب واللّيقين، واختيار السيناريوهات الأكثر رجاحة؛ وذلك من خلال "التحليل المورفولوجي" (Analysis Morphological)، أو "طريقة دلفي" (Method Delphi)، أو تقنية "مصفوفة التأثير المتبادل" (Matrix.)Cross-impact تحديد الخيارات الإستراتيجية وتقييمها؛ وذلك من خلال استخدام تقنية "مولتيبول".)Multipol(وقد جرى تطوير تقنية السيناريوهات في المدرسة الفرنسية، استنادًا إلى جهد ميشيل غودي في السبعينيات والثمنينيات من القرن العشرين، ومن خلال العمل في قسم الدراسات المستقبلية مع المؤسسة الاستشارية ميترا (Metra)، ثمّ من خلال العمل في المعهد الوطني للحرف والفنون الفرنسي، أو العمل مع وزارة الدفاع الفرنسية؛ إذ يرى ميشيل غودي أنّ "السيناريو هو وصفٌ لحالة مستقبلية، أو لمسار حوادث مستقبلية، من خلال التحرّك من وضعية أولية (سواء كانت في الماضي أو الحاضر) إلى وضعية مستقبلية". ويمكن أن تُصنّف السيناريوهات إلى نموذجين أساسييّن، هم:

Michel Godet & Fabrice Roubelat, "Creating the Future: The Use and Misuse of Scenarios", Long Range Planning , vol. 29, no. 2 (1996), pp. 164 - 171.

"السيناريوهات الاستكشافية" (Scenarios Exploratory)، وهي السيناريوهات التي تبدأ من نقطة في الماضي أو في الحاضر، أو هي أحد الاتجاهات التي بدأت في الماضي أو الحاضر، ومن ثمّ يجري قياس مدى رجحان هذه الاتجاهات في المستقبل. "السيناريوهات الاستباقية أو المعيارية" (Scenarios Normative or Anticipatory)، وهي السيناريوهات التي اعتمدت على مقارباتٍ مختلفة ومتعدّدة للمستقبل، وهي في أغلب الأحيان تعبّ عن رغبات معيّنة، أو عن الخوف من سيناريوهاتٍ معيّنة. بيد أنه بحسب غودي وروبيلا، يعتمد هذان النموذجان من السيناريوهات اعتمدًا مفرطًا على "اتباع حركة الاتجاهات" (Trend-driven)؛ أي مدى رجحان حدوث التغيّات في المستقبل أو عدم حدوثها، ويقوم هذا النوع من السيناريوهات بانتقاء بعض الافتراضات في حين يتجاهل أخرى. يمكن القول إنّه لا توجد مقاربة تقنية واحدة لبناء السيناريوهات، بل نماذج متعدّدة لبنائها. وتُيز الدراسات المستقبلية بوجه عامّ بين ثلاثة تصوّراتٍ توضع ضمنها السيناريوهات، هي: "السيناريوهات المحتملة" (Scenarios Possible)، و"السيناريوهات القابلة للتحقيق" (Scenarios Realizable)، و"السيناريوهات المرغوبة" (Scenarios Desirable)، وهي السيناريوهات التي يمكن وضعها ضمن مجموعة السيناريوهات المحتملة، على أنّها ليست بالضرورة قابلةً للتحقّق. وبالنظر إلى طبيعة السيناريوهات ومدى احتمليتها، يمكن للمستشرف أن يُيز السيناريوهات "المرجعية"، و"السيناريوهات المرتكزة على الجنوح والاتجاه" (Scenarios Trend-based)، و"السيناريوهات الكاشفة"، و"السيناريوهات المعيارية".

بناء السيناريوهات بحسب معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية

امتدّ جهد تطوير السيناريوهات في الدانمرك إلى عام 1970، بعد أن أسّس وزير المالية الدانمركية السابق ثوريل كريستنسين مع مجموعة من الشركات معهدًا للدراسات المستقبلية لا يهدف إلى الربح (معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية). وكان عام 1984 هو العام الذي بدأ فيه التخطيط بالسيناريوهات بعد مساهمة شركة "ثري إم دانمرك" (Danemark 3M) الأميركية. وإضافةً إلى ذلك، يمكن الإشارة إلى أنّ معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية قد استفاد كثيرًا من المساهمة النظرية للمستشرف الأميركي بوكمينستر فولر، من خلال نموذج "اللعبة العالمية" الذي يقوم على محورية الرؤية "الكلّنية" والشمولية للظواهر: شمولية الكوكب، وشمولية التاريخ، وشمولية الإنسانية، سواء بالنسبة إلى الذين يعيشون في الحاضر أو الأجيال المستقبلية. ويتمحور هذا النموذج حول مجموعة من الخصائص، هي:

8 Ibid. George Konstantinou Lekeas, "Scenario Planning Formulation, Implantation and Effects: A Review of Best Theory and Practice", Master Dissertation, University of Warwick, Coventry – United Kingdom (1999), p. 72. 10 Medrad Gabel, "Buckminster Fuller and the Game of the World", in Buckminster Fuller (Ed.), An Anthology for the New Millennium (New York: St. Martin's Press, 1999).

الشمول: وهو يعني الانطلاق من النسق الكلّ، ثمّ إلقاء الضوء بعد ذلك على الأنساق الفرعية والمشكلات والحالات الخاصّة. التوقّع والاستباقية: أي البحث عن اكتشاف التهديدات الثاوية في المستقبل قبل حدوثها وتجنّب حدوث الكارثة والمفاجئة. رسم الإستراتيجية: وهو يعني محاولة تغيير النسق الكلّ جذريًّا من أجل حلّ المشكلات الصغيرة الموجودة داخل النسق. ومن خلال توظيف نموذج اللعبة العالمية لبوكمينستر فولر، حاول معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية استخدام منهجية الورش الجمعية في تطوير السيناريوهات، وذلك ضمن "لعبة المستقبل" The future game()؛ إذ يجرى في المرحلة الأولى توجيه أسئلة إلى لمشاركين متعلّقة بالمستقبل، ثمّ مقارنة أجوبتهم مع الاتجاهات الراهنة للمجتمع وتطوّر الأعمل فيه من جهة، والتفكير في الاتجاهات الجديدة التي سوف تظهر في المستقبل من جهة أخرى. وفي المرحلة الثانية تجري مناقشة علنية بشأن أكثر المستقبلات رجحانًا في نظر المشاركين في "لعبة المستقبل". وفي المرحلة الأخيرة، يسعى كلّ مشاركٍ في تطوير السيناريو لاختيار مستقبلةٍ تتلاءم مع الشركة التي تُرسم لها السيناريوهات. وقد جرت الاستعانة في ما بعد بالتطوّر في برامج الإعلام الآلي المتخصّصة بالإحصائيات لتحليل الاتجاهات، وهو ما ساهم في تطوير هذا الأسلوب.

بناء السيناريوهات بحسب نموذج "نادي روما"

تنتمي منهجية بناء السيناريوهات عند نادي روما إلى أساليب النمذجة والمحاكاة، والاشتغال بمستوى سيناريوهات المدى البعيد (scenarios Long-term)، مثلم فعل باري هيوز في نموذج المستقبلات الدولية. فقد بنى سيناريوهات يصل مداها الزمني إلى مئة عام. وبالطريقة نفسها اشتغل نموذج نادي روما بصوغ لسيناريوهات تفوق في مداها الثلاثين عامًا. واشتهر نادي روما باستخدامه لنموذج "حدود النمو" عام 1972 الذي ينطلق من فرضيةٍ أساسية مفادها انعدام حدوث أي تغيٍّ رئيس في العلاقات المادية والاقتصادية التي تحكم النظام العالمي؛ إذ يشير هذا النموذج إلى أنّ الاتجاهات الراهنة

11 Ibid. 12 Lekeas, p. 72. 31 " المستقبلة" هي تعبيرٌ مرادف للمفهوم الذي ابتكره الفيلسوف الفرنسي برتران دو جوفينيل، من خلال دمجه لكلمتي "مستقبل " (Future) و"احتمال" (Possible)؛ أي "المستقبل المحتمل" (Futurible). وقد انتشر استخدام هذا المفهوم للدلالة على أيّ احتمالٍ مستقبلي لحدثٍ ما. 41 Ibid. 51 سهيل عناية الله، "استشراف مستقبل الأمة: مراجعة لنماذج المحاكاة ومداخل دراسة المستقبلات البديلة"، إسلامية المعرفة، العدد 17  (1999)، ص.88 - 43

للانفجار السكاني، وإنتاج الغذاء، ونضوب الموارد، سوف تؤدِّي إلى تداعي معدلات النمو، وسوف تصل إلى نهايتها في أفق المئة سنة المقبلة؛ لأنّ السكان والغذاء والمخرجات الصناعية ستعرف نموًّا على نحوٍ مضاعف، إلى أن تضغط على قاعدة الموارد بطريقة كابحة لسرعة النمو وتدفعها نحو الإبطاء التدريجي. ولم يتوقّف نادي روما عند استخدام نموذج حدود النمو عام 1972، بل حاول أن يطوّر النموذج نفسه في تحليل التفاعلات الدولية. وظهر ذلك من خلال التقرير الذي أصدره في أيلول/ سبتمبر 1973 بعنوان "نموذج إقليمي وتكيفي للنسق العالمي"، واقترح فيه تسمية هذا النموذج ب "إستراتيجية من أجل مشاريع للبقاء". وكان هذا النموذج يهدف إلى استخدام السيناريوهات من أجل التنمية المستقبلية للنسق الدولي الذي يتكوّن – بحسب خبراء نادي روما – من رؤى وثقافات تحمل المخاوف والآمال من مناطق مختلفة من العالم. ويقوم نموذج نادي روما على تقسيم النسق الدولي إلى 10 مناطق؛ وذلك بناءً على نمط التفاعلات الإقليمية والدولية لمجموع الفواعل الدولية ونمط التنمية الإقليمية والعالمية. أمّا المناطق العشر في هذا النموذج، فهي: أميركا الشملية، وأوروبا الغربية، وأوروبا الشرقية، واليابان، وسائر العالم المتقدم، وأميركا اللاتينية، والشرق الأوسط، وسائر القارة الأفريقية، وجنوب شرق آسيا، والصين. وقد حاول نادي روما من خلال هذا النموذج تفكيك التعقيد والتركيب الذي يشوب المتغيّات المتفاعلة على مستوى النسق الدولي، من خلال تنظيم المتغيّات باعتمد البنية الهرمية التي تمثّل مستوى تطوّر النسق الدولي ضمن أيّ معطى سياقي، وكانت المستويات على النحو الآتي:

الجيوفيزيقي، الإيكولوجي، التكنولوجي، الاقتصادي، المؤسسي، السوسيوسياسي، القيمي - الثقافي، الإنساني، البيولوجي.

ويمكّن هذا التنظيم النسقي للمتغيّات من تحليل كمٍّ كبير من المعلومات عبر منهجية علمية دقيقة، ويعتمد نموذج نادي روما في تحليل النسق الدولي على مرحلتين، هم: المرحلة السببية: وهي تشمل مجمل العمليات الدينامية التي تلي الأنماط التاريخية للنمو. مرحلة البحث عن الهدف: وهي تشمل التحولات والتغيرات القصدية ضمن الشروط الجديدة. وفضلً عن ذلك، تشتمل مرحلة البحث عن الهدف على مستويين، هم: مستوى صناعة القرار أو مستوى الأفعال، ومستوى القِيَم.

16 Mihaljo Mesarovic & Eduard Pestel, "Regionalized and adaptive model of the global world system, Report to the Club of Rome" (September 17, 1973), pp. 1 - 8. 17 Ibid. 18 Ibid.

ويفترض نموذج حدود النمو لنادي روما أنّ مستقبل البشرية لن يكون جيدًا إن استمرت الاتجاهات الراهنة للتطوّر الصناعي، والانفجار السكاني، والتلوث البيئي على ما هي عليه (عند صدور تقرير "حدود النمو" عام 1972)، وأنّ الوضع لن يتحسن إلّ في حال الحدّ من هذه الاتجاهات.

بناء السيناريوهات ضمن "منهجية التخطيط المستقبلي"

تعتمد منهجية "التخطيط المستقبلي" (Mapping Future Theعلى افتراضين أساسين، هم:) المستقبل ليس حتميًّا، وهو يعتمد على سلوك أطراف متعدّدة. محاولة أيّ مؤسسة تحقيق موقع تنافسي متقدّم أمرٌ يتطلّب حدوث تغيّات بنيوية. وتستخدم منهجية التخطيط المستقبلي مفهومين مركزيين في بناء السيناريوهات، هم: "الحالات النهائية" (stats End)، و"الحوادث" (Events). ويُقصد بمفهوم الحالة النهائية الصورة النهائية المستقبلية لقطاعٍ معين، وتُكتب الصّور النهائية في منهجية التخطيط المستقبلي في شكل مجموعاتٍ من أربع إلى خمس، وهي تشمل جميع الأفكار المختلفة المتعلقة بالتطور المستقبلي للمنظمت أو الشركات في مدى زمني يراوح بين ثلاث وخمس سنواتٍ انطلاقًا من الحاضر. أمّا مفهوم الحوادث، فيُعبّ عن الاتجاهات الأساسية التي تتعلّق بظهورها على نحوٍ خاص؛ إذ يجرى البحث ضمن هذا المفهوم عن الإجابة عن مدى قدرة حدثٍ ما على الظهور في المستقبل أو العكس. وإضافةً إلى ذلك، ثمّة خاصيةٌ أخرى تتعلّق بالحوادث، وهي ضرورة ارتباطها بالأفراد ذوي العلاقة بالقطاع أو الصناعة. ثمّ تكتب الحوادث في شكل مجموعة تتكون من 150 إلى 200 حدث تقريبًا، وتوضع الحوادث قاعدة لقراءة السلوك المستقبلي. وتقوم منهجية التخطيط المستقبلي على الربط بين مختلف القضايا التي تتعلّق بمجالاتٍ متعدّدة تخصّ النسق أو المنظمة في أقسامها أو وظائفها؛ مثل قسم البحث والتطوير.

بناء السيناريوهات عند بيتر شوارتز

يُعدّ بيتر شوارتز أحد أهمّ الباحثين وأكثرهم تأثيرًا في حقل الدراسات المستقبلية، وهو رئيس الشبكة العالمية للأعمل، وعضوٌ في أحد مراكز التفكير الأميركية، ويرجع إليه الفضل في تعرّف العديد من الباحثين مفهومَ السيناريو.

19 Lekeas, pp. 75 - 76. 20 Ibid. 21 Ibid. 22 Peter Schwartz, The Art of the Long View: Planning for the Future in an Uncertain World (New York: Currency Doubleday, 1991).

ذات الحصيلة الصفرية" (Games.)Zero-sum

ويمكن تلخيص مراحل بناء السيناريوهات عند شوارتز في ثماني مراحل، هي: ö ö تحديد القضايا الجوهرية والأساسية. ö ö تحديد التأثيرات المحلية الكبرى. ö ö تحديد التأثيرات العالمية الكبرى. ö ö تصنيف المؤثرات التي جرى تحديدها. اختيار الأسس التي بُنيَت عليها السيناريوهاتُ.

وتركّز مقاربة بيتر شوارتز في النظر والبحث عن القضايا الجوهرية التي تظهر باستمرار في التاريخ الإنساني، والبحث عن الارتباطات المحتملة بين هذه القضايا والفواعل الرئيسة، أو "القوى الدافعة" (Forces Driving)؛ إذ يرى شوارتز أنّ "أفضل السيناريوهات هي التي تستطيع تحليل الديناميات داخل كلّ ظاهرة أو مشكلة وتمسُّ لبّ القضايا بفعالية". فإنْ تعلّق الأمر بندرة الموارد مثلً، فثمّة دائمًا سيناريو واحد هو "سيناريو رابح - خاسر" (Scenario Winners-Losers)، وخصوصًا أنّ أغلب الفاعلين لا يبدون رغبةً في التشارك في استغلال الموارد النادرة. وفضلً عن ذلك، يحاول شوارتز إلقاء الضوء على السيناريوهات التي تميّز البيئات الشديدة التنافسية، أو التي تُسمّى سيناريوهات "العلاقات

تبدأ مقاربة السيناريو عند شوارتز من خلال التركيز في القضايا والمآزق التي تستعصي على الحل؛ إذ يصفها بالمشكلات التي يتطلب اتخاذ القرار فيها منْعك من النوم ليلً، وذلك من خلال طرح السؤال التالي: ما هي القوى الدافعة والمحرّكة التي يمكن أن تُحدث التغيير على المستوى العالمي؟ ومن خلال تعريف هذه القوى الدافعة وتحديدها، يحاول الباحث إيجاد العلاقة بينها وبين متغيّين أساسيين، هم: متغيّ الأهمية، ومتغيّ "اللّيقين والارتياب" (Uncertainty)، ومن خلالهم تُبنى السيناريوهات. وفي المرحلة التالية، يقوم الباحث بالربط بين هذه السيناريوهات والفواعل المفتاحية، بيد أنّه يفرّق بين الفواعل الجزئية الداخلية (Level Micro)، والفواعل الكلّية والكبرى (Level Macro) ذات التأثير العالمي، وبخاصّة الفواعل المتعلقة بالجنوحات الثقيلة؛ كالتغيّات الكبرى في الديموغرافيا، والتكنولوجيا، والبيئة، والاقتصاد. ومن ثمّ يجرى تحديد الأساليب التي تتّخذ بها القرارات ضمن كلّ سيناريو (باستخدام أسلوب "سووت" SWOT للتخطيط الإستراتيجي). وأخيرًا، يضع الباحث السُّبل التي يجرى من خلالها إدراك الإشارات المنبِئة بالمستقبل ورصدها، وإيجاد العلاقة بينها وبين السيناريوهات التي جرى صوغها.

23 Quoted in: Kees Van der Heijden, "Weaving Plots for Alternative Futures: an Eight Steps guide to Build Scenarios", The Antidote Issue , vol. 22 (1999), pp. 11 - 13.

ö ö إضافة التفاصيل الضرورية للسيناريوهات. ö ö تقييم النتائج المتوصَّل إليها. ö ö رصد الإشارات المنبئة بالمستقبل. وفي الحصيلة، تتّسم السيناريوهات الجيّدة، بالنسبة إلى شوارتز، بالعقلانية والمفاجئة، وبخاصّة عندما تقوّض الصور النمطية، وعندما يأخذ بها صنّاع القرار في مجال التنفيذ.

بناء السيناريوهات عند بول شومايكر

وضع بول شومايكر مجموعةً من الخطوات لبناء السيناريوهات، هي:

مستويات اللايقين.

متعلّقة بالقضايا الأساسية، من المتأثرين أو الذين يؤثّرون في سير هذه القضايا.

رسم بياني أو تخطيطي يُظهر العلاقات السببية والتحالفات الموجودة.

المصلحة، مع شرح نوع التأثير الذي قد يترتّب على هذه الحوادث المتوقَّعة.

الكبير" (Elements Predetermined) إلى هذين السيناريوهين.

والمخرجات المترابطة؟

تعريف القضايا الأساسية والجوهرية التي تحتاج إلى إدراكٍ دقيق ومعمّق، وخصوصًا في ما يتعلّق بالمدى الزمني والمجال ومتغيّات اتخاذ القرار، مع قراءة جيّدة للمضي لتحديد

تعريف الفاعلين والرهانات الأساسية (Stakeholders/Actors)، وبخاصّة الذين لديهم مصالح

وضع قائمة لأهمّ الاتجاهات والجنوحات الراهنة (Trends Current) التي يمكن أن تؤثّر في متغيّات المصالح المختلفة، وتعريف كلّ اتجاهٍ وشرح الأنماط التي يظهر به تأثيرها، ثمّ وضع

تعريف اللّيقينيات المفتاحية (Uncertainties Key) التي قد يكون لها تأثير كبير في متغيّات

محاولة بناء سيناريوهين من خلال وضع المخرجات الإيجابية للّيقينيات الأساسية في سيناريو واحد، ووضع المخرجات السلبية في سيناريو آخر، ثمّ إضافة "الاتجاهات والعوامل ذات التأثير

تقييم التمسك الداخلي للسيناريوهات ودرجة المعقولية فيها. فهذه المرحلة تجيب عن السؤال: كيف يمكن للسيناريوهات أن تكون متمسكةً داخليًا، آخذةً في الحسبان بمفاهيم الاتجاهات

إلغاء العلاقات (الاحتملات) المنعدمة الصدقية والمستحيلة، ومحاولة ابتكار سيناريوهات جديدة، مع تأكيد مفاده أنّ السيناريوهات المبتكرة تغطّي على نحوٍ كامل طيف اللّيقينيات الموجودة.

24 Ibid.

تقييم السيناريوهات بطريقة تسمح للفاعلين وصنّاع القرار بأن يندمجوا فيها ويتفاعلوا معها، ويعملوا من خلالها على نحوٍ يلائم توجهاتهم، وتدعيم هذه السيناريوهات بالبحث الإضافي ضمن ما يسميه شومايكر "سيناريوهات القراءة" (Scenarios.)Learning بعد تكملة البحث الإضافي، يعاد اختبار الانسجام والتمسك الداخلي لسيناريوهات القراءة، والنظر في إمكان تحويل بعض التفاعلات من خلال نموذج كمّي (يمكن استخدام نموذج مونتي كارلو للمحاكاة). يعاد تقييم مجموعات اللايقينيات والمتغيّات المستقلة، أو ما يسمّيه شومايكر "المتغيّات المستهدفة" (Variables Target)، ثمّ مراجعة الخطوات؛ بدايةً من الخطوة الأولى إلى الخطوة التاسعة، للوصول إلى سيناريوهات السلوك والفعل التي توجه صنع القرار، من أجل تطوير آلية صنع القرار في ظلّ متغيّات اللّيقين.

أهمّ أوجه الاتفاق والاختلاف لدى المستشرفين الغربيين في بناء السيناريوهات

إنّ السيناريوهات مبنيةٌ على التعدّد، واختلاف زوايا النظر. فكلّ سيناريو يروي لنا قصّةً مختلفة تمامًا عن السيناريوهات الأخرى، وكلّ قصّةٍ لها نمطها وبنيتها، ونموذجها الخاص بها. لكنّ السيناريوهات لا تختلف في خصائص أخرى مثل العقلانية والموثوقية. وإنّ الهدف من السيناريوهات ليس سرد الحوادث المستقبلية فحسب، بل إنّ دورها يرتكز كذلك على تسليط الضوء على القوى التي تدفع بالمستقبل نحو اتجاهات مختلفة؛ إذ تقوم السيناريوهات بإبراز مدى تأثير هذه القوى في المستقبل، ولذلك يصبح من المهمّ في بناء السيناريوهات التنبّه للتفريق بين مستويات الوقائع التي تؤثّث السيناريو ابتداءً من "الحدث" (Event)، ف "الاتجاه الفرعي" (Sub- trend)، ف "الاتجاه" (Trend)، ثمّ "الاتجاه الأعظم" (Mega-trend) الذي يُصطلح عليه في بعض الدراسات المستقبلية بالجنوح الثقيل. وعلى الرغم من الاختلافات الطفيفة الموجودة بين المقاربات المختلفة لبناء السيناريوهات عند المستشرفين، فإنّ ما يمكن استخلاصه هو اتفاق أغلبهم في العديد من الخطوات؛ وهو ما حاول تأكيده بيتر

25 Paul Shoemaker, "When and How to Use Scenarios Planning: a Heuristic Approach with Illustration", Journal of Forecasting , vol. 10, no. 6 (1991), pp. 549 - 564.

بيشوب وباحثون آخرون في دراسة بعنوان "الحالة الراهنة لبناء السيناريوهات: قراءة في التقنيات"، إذ استطاعوا حصر مراحل بناء السيناريوهات في مجموعة من الخطوات الأساسية، هي: تعريف المجال: هذه الخطوة هي الخطوة الأساسية التي يجرى فيها تعريف مجال العمل أو المشروع، ويسمّيها شومايكر مرحلة "عرّف المجال"، وتسمّيها مجموعة شل وغاوسمير خطوة "التحضير" (Preparation)؛ إذ يجرى وضع المفاهيم وتعريف الخصائص الأساسية لمشروع بناء السيناريو، مثل تحديد المدى الزمني، ومجال التحليل، والفريق المشارك في إنجازه. التحليل المفهومي: تتّفق كلّ من مقاربة مجموعة شل، والشبكة العالمية للأعمل، وكذلك بول شومايكر في إدراج مرحلة أساسية في بناء السيناريوهات تُعرف ب "التمهيد" (Pioneering)، أو مرحلة تعريف الرهانات الأساسية والفاعلين، بوصفها مرحلةً أساسيةً بعد تعريف المجال. بيد أنّ مرحلة التحليل المفهومي والإدراكي تهدف على نحوٍ أساسي إلى تقديم القراءة النظرية للمشاركين في مشروع السيناريو، ومحاولة تعريف النمذج الفكرية السائدة لدى صنّاع القرار، ثمّ السعي لتفكيكها، استنادًا إلى طرح الأفكار الجديدة، ومواجهة الأفكار والافتراضات المسبقة، من خلال التفكير الإبداعي الذي يساهم في تنمية المقاربة الكلّنية، في سبيل فهمٍ أفضل للمستقبل. الاتجاهات وتحليل اللّيقين: إنّ أغلب المقاربات التي تتناول بناء السيناريوهات تعتمد على نحوٍ أساسي على تحليل الاتجاهات وعوامل اللّيقين. ونجد أحيانًا بعض المستشرفين يقومون بالفصل بينهم – كم يفعل شومايكر – من خلال البدء بمرحلة تعريف الاتجاهات الأساسية، ثمّ تعريف اللّيقينيات المفتاحية، أو دمجهم معًا - كم يفعل ذلك فان دير هايدن من خلال ما يسمّيه "مرحلة تحليل المعلومات" التي يجري فيها تحليل القوى الدافعة ذات التأثير الكبير في الظاهرة المدروسة، ثمّ ربط هذه القوى بعوامل ودرجات اللايقين والارتياب. بناء السيناريوهات: هذه المرحلة بالنسبة إلى أغلب المستشرفين، ومن بينهم هايدن، هي المرحلة الأساسية والمحورية. وهي ترتكز على المراحل السابقة، من خلال الانطلاق من تحديد اللايقينيات المفتاحية وتحويلها إلى سيناريوهاتٍ تقوم على مستقبلات متعدّدة. ثمّ يجري وضع هذه السيناريوهات الأولية لتعرّف القوى الفاعلة؛ من أجل إعطاء سمة التمسك والتناسق

26 Peter Bishop, Andy Hines & Terry Collins, "The Current State of Scenario Planning: An Overview of Techniques", Foresight , vol. 9, no. 1 (2007), pp. 5 - 25. 27 Ibid. 28 Shoemaker, pp. 549 - 564. 29 Bishop et al. , pp. 5 - 25.

الداخلي للسيناريوهات، ثمّ توضع السيناريوهات في إطار قصصٍ معقولة قابلة للتصديق، ومتّسمة بالقدرة على الربط بين الحاضر والمستقبل. وتقود هذه المرحلة إلى تأسيس مرحلة بناء الإستراتيجية. تعريف الإستراتيجية: يسمّي بيتر شوارتز هذه المرحلة "مرحلة التضمينات"، ويسمّيها هايدن "مرحلة تخطيط الخيار". ويجرى اختيار القرارات أو الخيارات الإستراتيجية من خلال السيناريوهات المتعدّدة التي جرى إعدادها. وتسمح هذه المرحلة لصنّاع القرار بالاتصاف بمرونة ضرورية في اتخاذ القرارات، وقبول فكرة وجود بدائل إستراتيجية متعدّدة ومختلفة، وذلك تبعًا للأشكال التي يمكن للمستقبل أن يظهر بها. مرحلة الرصد والمراقبة: لا نجد كثيرًا من المستشرفين يتحدّثون عن هذه الخطوة، ماعدا الشبكة العالمية للأعمل وكذلك مجموعة شل. ويجرى التركيز في هذه المرحلة على الدلائل والإشارات المنبئة بالمستقبل، وهي بحسب بيتر شوارتز مرحلة "اختيار المعالم البارزة" (of Selection Signposts Leading)، وتسمّيها مجموعة شل مرحلة الاستطلاع. وفي هذه المرحلة، يجرى تعريف المؤشرات المنبئة بالمستقبل ومحاولة رصدها، بخاصّة في حال وجود حاجة تقتضي القيام بتغييرات في الإستراتيجية؛ ولذلك يرى كلّ من شومايكر وهايدن ضرورة الاستمرار على رصد البيئة وإعادة بناء السيناريوهات، في ظلّ التغيّ السريع وانعدام الاستقرار في متغيّات البيئة. يمكن القول إنّ أغلب مقاربات بناء السيناريوهات تتّفق في أغلب هذه المراحل على وجود اختلافات بسيطةٍ بينها. وإضافةً إلى ذلك، تساهم كلّ هذه المقاربات في الإجابة عن مطلبين أساسيين في بناء الإستراتيجية، هم تمكين صنّاع القرار من التخطيط من خلال تعدّدية الخيارات، وطرح عديد الرؤى والأفكار من أجل تحدّي الرؤى الراسخة والتقليدية. وقد سعت المقاربات المختلفة التي عنيت ببناء السيناريوهات لتطوير نماذجها الخاصّة، قبل البدء في الصَوْغ النهائي لسرديات أيّ سيناريو يرسمه المستشرف.

بنية الإطار المعرفي للسيناريوهات في المدارس الاستشرافية الغربية

المقاربة الحدسية

تقوم المقاربة الحدسية (Approach Intuitive) على المعرفة الكيفية والرؤى، وهي تعتمد على الإبداع والخيال؛ كاستخدام الفن القصصي في بناء السيناريوهات. وترجع هذه المقاربة إلى أعمل كلّ من هيرمان

30 Ibid. 31 Torsten Wulf, Philip Meißner & Stephan Stubner, "A Scenario-based Approach to Strategic Planning. Integrating Planning Process Perspective of Strategy", HHL Working paper, Germany Leipzig Graduate School of Management, no. 98 (July 2010), pp. 12 - 14.

كاهن وأنتوني فاينر في ستينيات القرن العشرين، ثمّ تطوّرت على نحوٍ أكبر مع البحوث الاستشرافية الرائدة لكلّ من فان دير هايدن وبيتر شوارتز في بداية السبعينيات من القرن العشرين. يُضاف إلى ذلك أنّ شركة رويال دوتش شل التي استخدمت منهجية السيناريوهات وطوّرتها، اعتمدت على نحوٍ أساسي على المقاربة الحدسية. وتتميز المقاربة الحدسية بأنّها الأكثر شيوعًا والأقل صرامةً من نظيرتها الاحتملية، مع اتصافها بالتنوع والتعدّد. إضافةً إلى ذلك، كانت عملية بناء السيناريوهات عند العديد من المستشرفين والممرسين الأوائل كيفيةً حتى بالنسبة إلى بعض الشركات والمؤسسات- كم فعلت شركة شل النفطية - ولكن النقطة الأساسية التي تميز المقاربة الحدسية من المقاربة الاحتملية هي اعتمدها على عددٍ محدود من المتغيّات، وبخاصّة في مرحلة التحليل المعمّق؛ إذ يجرى تأويلها وصوغها ضمن محاور تُبنى على أساسها السرديات التي تُعبّ عن بنية السيناريوهات عندما يجرى تشكيلها.

المقاربة الاحتملية/ الكمّية

تشتمل المقاربة الاحتملية الكمّية (Approach Quantitative Probabilistic/) على مجموعة من التقنيات المتعدّدة التي تختلف في ما بينها في درجات استخدام برامج الإعلام الآلي. وتُعَدّ تقنيتَا تحليل أثر الاتجاه ومصفوفة التأثير المتبادل من أقدم التقنيات في المقاربات الاحتملية، وفي ما يلي بيان لذلك: تحليل أثر الاتجاه)Trend Impact Analysis(تطوّرت هذه التقنية في الدراسات المستقبلية في سبعينيات القرن العشرين مع "مجموعة المستقبلات" في الولايات المتحدة، وتطوّر هذا النموذج التحليلي خارج المفاهيم التقليدية التي عُرفت بها مناهج التنبؤ التي تقوم على معرفة المستقبل من خلال المعطيات التاريخية، والتي لا تعترف بوجود حوادث غير متوقّعة في المستقبل. وجاءت هذه التقنية من أجل الإجابة عن النقد الذي وجّه إلى المقاربات التقليدية المعتمدة على نحوٍ مبالغ فيه على إسقاط المعطيات التاريخية على الحوادث المستقبلية، مثل تقنيات السلاسل الزمنية. ولذلك تسمح تقنية تحليل الأثر بتعديل مسألة إسقاط الاتجاهات التاريخية على الحوادث المستقبلية،

32 Bradfield et al. 33 تُسمّى المقاربة الحدسية أيضًا "مقاربة شركة شل"؛ لأنّها اشتهرت كثيرًا من خلال رويال دوتش شل. 43 Mikko Laurema, "Scenario Development: The Case of the Russo-Baltic Food Retail Market", Published Master Dissertation, Helsinki University of Technology, Espoo – Finland (2007), p. 17. 35 Bradfield et al. , "The Origins …". 36 Theodore Gordon, "Trend Impact Analysis", Futures Research Methodology (1994), at: http://goo.gl/bKgqPy

ثمّ القيام بتحليل آثار الاتجاهات والتطورات من خلال الخبراء، وتكميم هذه التطوّرات والاتجاهات. ومن ثمّة، يمكن القول إنّ مفهوم تحليل أثر الاتجاه يختلف عن التنبؤ البسيط بأربع خطوات، هي: ö ö جمع المعلومات السابقة (التاريخية.) استخدام منحنى لتطوّر الحوادث في الماضي، ومتابعة مساراتها في المستقبل، مع استبعاد عنصر المفاجئة. وضع قائمة للحوادث غير المتوقّعة التي بإمكانها إحداث انحراف في الاتجاهات المستقبلية. قيام الخبراء بتحديد احتملية ظهور حوادث غير متوقّعة ومدى إمكان تأثير هذه الحوادث في المسار المستقبلي. تقنية مصفوفة التأثير المتبادل (Analysis Cross-impact) جرى تطوير مصفوفة التأثير المتبادل في مؤسسة راند الأميركية عام 1966 على يد كلّ من أولاف هيلمر وثيودور غوردون. وتحاول هذه التقنية تقييم التحولّات والتغيّات في احتملية ظهور حوادث تتسبب بانحرافات عن التوقّعات الساذجة للمعطيات التاريخية. ويمكن عدُّ تقنية هذه المصفوفة مكمّلةً لتقنية تحليل أثر الاتجاه، من خلال إدراج التفاعلات بين المتغيّات في التحليل، وطرْح السؤال التالي: إن حدث "أ"، فم هو أثر ذلك في "ب"؟ أمّا بالنسبة إلى عدد الحوادث التي يجب اختيارها للدراسة، فهذا أمرٌ يعود إلى رأي الخبراء أو إلى أدبيات المجال البحثي؛ إذ تعتمد مرحلة اختيار الحوادث على الدقّة، وذلك على نحوٍ يلائم التفاعلات بين الحوادث التي يعبر عنها ب -n" 2 n" (حيث تمثّل n عدد الأحداث). وتتضاعف الأسس مع إضافة كلّ حدث. ولكلّ الحوادث احتملات ابتدائية، وهي تقاس بمعيار التفاعلات في ما بينها من أجل الخروج بالاحتملات النهائية. ومن خلال هذه العملية يمكننا بناء سيناريوهات مختلفة. ولكنّ المشكلة الأساسية في هذه التقنية متمثّلة بافتراض مفاده أنّ الاحتملات المعدلة (بعد التفاعلات) تبدو أكثر ملاءمةً، على الرغم من بقاء أُسس المعلومات الأولية نفسها (يمكن الإشارة إلى تقنية التحليل المورفولوجي التي تقوم باختزال السيناريوهات غير الملائمة ولا تُبقي إلّ السيناريوهات ذات الدلالة). إنّ مصفوفة التأثير المتبادل، على عكس تقنيات المقاربة الحدسية، تعطي أهميةً كبيرة للتفاعل والتركيب والتعقيد، ولا تكتفي بالاحتملات المستقبلية التي يقدّمها الخبراء. ولذلك يمكن القول إنّ المقاربات الاحتملية تعُدّ آليات تقنيةً تستطيع تقديم العديد من المستقبلات؛ ذلك أنها استطاعت

37 Bradfield et al. , "The Origins..". 38 Ibid. 39 Laurema, p. 17.

تجاوز المنهجية البسيطة للتنبّؤ التقليدي الذي يقدّم مسارًا واحدًا، أو مستقبلة وًاحدةً بالاعتمد على المعطيات التاريخية فحسب. تبدو تقنية مصفوفة التأثير المتبادل، بوصفها برادايمًا كمّيًّا في بناء السيناريوهات، مهمّةً جدًّا، وهي تُضفي على مجال الدراسات الاستشرافية بُعدًا علميًا دقيقًا. بيد أنّها لا تخلُو من أوجه ضعفٍ تبرز، أساسًا، في غموض الأساليب التي يجرى عبْها تحديد المتغيّات، أو الأساليب التي من خلالها تُعطى قِيَمٌ كمّية لبعض المتغيّات الكيفية، إضافةً إلى حصر ديناميات التفاعل بين المتغيّات في نمطين محدودين أحدهم إيجابيّ والآخر سلبيّ (كم فعل وليد عبد الحي في دراسة مستقبلات إيران عام 2020). ولذلك يرى بعضهم أنّ كلًّ من تقنيتَيْ تحليل الأثر أو مصفوفة التأثير المتبادل قد يفتقر إلى الدقّة بسبب التبسيط المبالغ فيه القائم على تنميط المتغيّات. يمكن القول إنّ المقاربة الاحتملية الكمّية قد تطوّرت على نحوٍ أكبر في ما بعد، مع مساهمت مدرسة الاستشراف الفرنسية، ابتداءً مع غاستون بيرجي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وصولً إلى ميشيل غودي الذي طوّر مجموعة من برامج الإعلام الآلي مثل ميكمك للتحليل الهيكلي، أو ماكتور لتحليل إستراتيجيات الفاعلين، أو مورفول للتحليل المورفولوجي معتمدًا على نحوٍ أساسي على مصفوفة التأثير المتبادل. أمّا الاختلافات الأساسية بين المقاربتين، فتتمثّل بطبيعة الانتقاد الذي يوجَّه إلى المقاربة الاحتملية؛ إذ إنّ المدخلات فيها تكون أقلّ موثوقيةً من المخرجات، وذلك بسبب التأويل والقراءة الذاتيين اللذين يضفيهم الخبراء على توصيف المتغيّات، وبخاصّة عند تجاهلهم عنصرَ التفاعل بين المتغيّات. وفي المقابل، فإنّ أغلب رواد المقاربة الاحتملية (من قبيل ميشيل غودي وفابريس روبيلا) يعتقدون أنّ المقاربات الحدسية الكيفية يعوزها كثير من الدّقة والموضوعية، وكثيرًا ما يجري تشبيهها بالإبداع الفني أو الأدبي الذي لا يتناسب وفقًا لميشيل غودي وفابريس روبيلا مع الصرامة والدّقة اللتين تحتاج إليهم عملية صناعة القرار وبناء الإستراتيجية. وقد حاول فان نوتن وباحثون آخرون، من خلال المقارنة التي وضعوها بين المقاربة الكمّية والكيفية في بناء السيناريوهات، على نحو ما يتّضح ذلك من خلال الجدول.)2(بغضّ النظر عن أوجه الضعف والخلل الموجودة في كلتا المقاربتين، فإنّ كثيرًا من المستشرفين يرون أنه من الممكن إدماج إحدى المقاربتين في الأخرى أثناء بناء السيناريوهات، على النحو الذي يطوّر كلًّ من عمليتي تقييم البدائل الإستراتيجية وطرحها ونوع الفرضيات، من خلال الاستفادة من التحليل الكيفي الحدسي، أو الكمّي الاحتملي. ويُعدّ ذلك أمرًا ممكنًا، فقد نجحت مدرسة الاستشراف الفرنسية (prospective La)

40 Godet & Roubelat.

الجدول:2 مقارنة بين المقاربة الكمّية والكيفية استنادً إلى تحليل فان نوتن وباحثين آخرين)*(

المقاربة الكمّيةالمقاربة الكيفية
المضمونعندما تكون المعرفة الكمّية:
مطلوبة
وموجودةً
و/ أو عندما يكون التكميم ممكنًا
عندما تكون المعرفية الكيفية:
مطلوبة
أو أنّ المعرفة الكمّية غير موجودة
أو أنّ المعرفة الكمّية غير ممكنة
بُؤرة التركيزمثل: الديموغرافيا، والنمو الاقتصاديمثل: المؤسسات، والثقافة، والسياسة
م التأثير في درجة التجريديمميل إلى التجريد على نحوٍ أكبريميل إلى درجة أقلّ في التجريد
أفضل تقنية وأكثرها ملاءمة ً لبناء
السيناريوهات
أساليب النمذجةالسرد والأساليب الأدبية
طريقة اختيار المتغيّات المفتاحيةتعريف ثابت وضيّق لعددٍ محدّد
من المتغيّات
استشعارٌ وملاحظة ٌ عميقة لكلّ
التفاصيل والإشارات، وعدم اعتماد
صرامة كبيرة في أسلوب اختيار
المتغيّات المفتاحية
كرونولوجيا المدى الاستشرافيمن المدى القصير إلى المتوسطمن المدى المتوسط إلى البعيد

)*(Source: Hannah Kosow & Robert Gassner, Methods of Future Studies and Scenario Analysis (Bonn: German Development Institute, 2008), p. 34.

في الدمج بين المقاربتين، من خلال العودة إلى مساهمت معهد راند الذي كان له دورٌ كبير في تطوير مناهج حدسية ومناهج احتملية كمّية، مثل "نظرية اللعب" (Tehory Game)، أو "التقنيات التشاركية" (Methods Participatory)، أو حتى مساهمت ثيودور غوردون وأولاف هيلمر اللذين كان لهم الفضل في ابتكار تقنيتيْ مصفوفة التأثير المتبادل ودلفي في معهد راند، قبل أن يؤسسَا معًا معهد المستقبل. يمكن القول إنّ مصفوفة التأثير المتبادل تشترك مع تقنية التحليل الهيكلي ميكمك في المنطلقات المنهجية والنظرية نفسها، ولذلك تبدو الحاجة ملحّةً إلى الملاءمة بين المناهج والتقنيات المختلفة؛ لأنّ ذلك سوف يساهم في تفكيك التعقيد والتركيب الذي تتميز به ظاهرة المستقبل.

ثانيًا. المحاولات العربية يف الاستشراف وبناء السيناريوهات

لم تخلُ الأوساط العلمية العربية من بعض المحاولات الأولية لبناء السيناريوهات، متأثرةً بالثورة في الدراسات المستقبلية التي انطلقت في الستينيات والسبعينيات في أوروبا والولايات المتحدة، وذلك على الرغم من الإشكاليات المعرفية والنظرية التي ارتبطت بتأصيل الخطاب الاستشرافي في الفكر العربي المعاصر وتبيئته. فقد تميزت أغلب هذه المحاولات الأولية بسيطرة التوجه السياسي على بعضها، في حين تميّز بعضها الآخر بالقطاعية والجزئية في رسم البدائل المستقبلية، إضافةً إلى ضعف القاموس العربي الاستشرافي بوجه عامّ، وهو ما يؤدّي إلى فقْر في التجربة العربية في مجال البحث المستقبلي. وقد انقسم الجهد الاستشرافي العربي في بناء السيناريوهات منذ بداية الثمنينيات من القرن العشرين حتى الوقت الحاليّ إلى نوعين من البحوث، هم: مجموعة المشاريع البحثية لرسم بدائل مستقبلية للمنطقة العربية، ومجموعة المشاريع البحثية لتأصيل مفاهيم البحث النظري المستقبلي ومناهجه في بناء السيناريوهات، مع التنويه بوجود تداخلٍ بين هاتين المجموعتين. فقد حاولت مجموعة المشاريع البحثية المتعلّقة بوضع بدائل مستقبلية للوطن العربي تبيئة بعض المفاهيم المستقبلية، وتقريب بعض المناهج التي تستخدم في مجال الاستشراف، من أجل الضرورة المنهجية والنظرية لبناء مستقبلاتٍ للوطن العربي. وتجدر الإشارة كذلك إلى أنّ المجموعة الثانية من البحوث التي تبحث في تطوير الأطر النظرية والمنهجية للمستقبليات لم تشهد التراكم نفسه الذي شهدته مجموعة البحوث الاستشرافية ذات المحتوى التطبيقي، سواء كان ذلك من الناحية الكمّية أو النوعية. وينتمي كلّ من مشروع "المستقبلات العربية البديلة"، وهو أحد مشاريع الأمم المتحدة الذي أشرف على تنفيذه إسمعيل صبري عبد الله وإبراهيم سعد الدين في منتدى العالم الثالث، ومشروع "استشراف مستقبل الأمة العربية" الذي أشرف على تنفيذه مركز دراسات الوحدة العربية، إلى مجموعة المشاريع البحثية لرسم بدائل مستقبلية للوطن العربي. في حين ينتمي إلى المجموعة الثانية من البحوث الجهد النظريّ والتطبيقيّ الذي قدّمه وليد عبد الحي، أو محاولات قيس الهممي ومحمد سليم قلالة في ترجمة مساهمت المدرسة الفرنسية في الاستشراف الإستراتيجي، وبخاصّة كراسات ليبسور التي يصدرها مخبر البحث في الاستشراف والإستراتيجية والتنظيم، والتي كان لها دورٌ أساسي في إثراء الجهاز المفاهيمي العربي بقاموس الاستشراف الحديث، ومحاولة غرس الخطاب الاستشرافي في الفكر العربي، من خلال جهد الترجمة، وذلك مع الإقرار أنّ هذا الجهد، على الرغم من أهميته، لم يَرق بعد إلى خلق اتجاهٍ بحثي عربي كبير. وسوف نحاول في المبحث الآتي تعرّف الجهد المعرفي العربي في الاستشراف وبناء السيناريوهات.

المجموعة الأولى من الجهد الاستشرافي العربي في بناء السيناريوهات

مشروع "المستقبلات العربية البديلة"

لقد بدأ تنفيذ مشروع "المستقبلات العربية البديلة" عام 1981، منطلقًا من فرضية تعدّدية المستقبلات. وسعى المشروع للتركيز في الميادين والمجالات ذات الأهمية القصوى والتأثير العميق في مستقبل الوطن

العربي. واختارت مجموعة البحث في مشروع المستقبلات العربية البديلة عدم الاكتفاء بأساليب بناء النمذج الكمّية في تخطيط سيناريوهات المنطقة العربية، ولجأت، في المقابل، إلى اعتمد ثلاث مجموعات من المفاهيم، هي القضايا، والبنى، والعمليات. وأفرز مشروع البحث من خلال هذه المجموعات المفهومية الثلاث اثني عشر مجالً بحثيًّا، هي: العلاقة بين الاجتمعية - السياسية والتنمية، وعملية صنع القرار، والديمقراطية والاتصال الجمهيري والمشاركة الشعبية، والاتجاهات الاجتمعية والسياسية والثقافية (حركات الصحوة الإسلامية، والحركة التقدمية العربية)، وآليات التبعية، والوطن العربي والنظام العالمي المتغيّ، والآثار غير المدروسة للثروة النفطية، والموارد البشرية، وموارد العلم والتكنولوجيا واستخداماتها، والفنون والآداب بوصفها عناصر وحدة وتنوّع في الوطن العربي، والإطار المؤسسي للتكامل العربي، والتوحيد العربي وقضايا الأقليات. ولقد نجحت وحدة البحث في مشروع المستقبلات العربية البديلة في تغطية جميع المجالات، ماعدا مجال الموارد البشرية واستخدامات العلم والتكنولوجيا؛ وذلك بسبب نقص الموارد المالية. وكان الهدف من وراء تقسيم مجالات البحث على هذا النحو التفصيلي هو التمكّن من تحديد المتغيّات والقوى القائدة الأساسية في تشكيل الاتجاهات المستقبلية للأمة العربية. وحاول التقرير النهائي لمشروع "المستقبلات العربية البديلة" إيجاد الروابط بين كلّ المناطق والمجالات البحثية التي جرت دراستها؛ أي بين القضايا، والبنى، والعمليات التي لها تأثير عميق في مستقبلات الوطن العربي. وقد توصلت المجموعة البحثية إلى رصد أهمّ الاتجاهات الثقيلة التي سوف تحكُم مستقبل الوطن العربي وتشكّله، وكانت كم يلي: الاتجاه الملموس لعملية التراجع عن مشروع التوحيد القومي إلى مزيد من التفكُّك والتقوقع القُطري. الاتجاه المتزايد نحو تدويل الحياة الاقتصادية والاجتمعية العربية، وإدماجها في إطار الشبكات الدولية لتدفقات التجارة والمال والتكنولوجيا والاتصالات والمعلومات، وهو أمرٌ ارتبط بفقدان متزايد للهوية الحضارية في كلّ مجالات الفكر والثقافة والتكنولوجيا والعمرة وأنماط الاستهلاك. جلبت التكنولوجيا المستوردة من الخارج معها أنماطًا فكريةً وأيديولوجيةً واستهلاكيةً وتوزيعيةً جديدةً، عمّقت الازدواجية الفكرية والاجتمعية والثقافية في الوطن العربي. الاتجاه المتزايد نحو الاعتداء على البيئة وتخريبها. تزايد تأثيرات قانون النمو غير المتكافئ في ما بين الدول العربية.

14 محمود عبد الفضيل، "الجهود العربية في مجال استشراف المستقبل"، عالم الفكر، المجلد 18، العدد 4 (1988)، ص 1005 -.1026 24 المرجع نفسه.

أصبحت توجهات النمو والتراكم غير محكومة بمنطلقاتٍ داخلية، بل بعوامل خارجية. حدثت تغيراتٍ طبقية في أغلب المجتمعات العربية، ونشأت بورجوازية صغيرة في الأرياف والمدن. وتوصّل مشروع "المستقبلات العربية البديلة" في تقريره النهائي إلى صَوْغ سيناريوهين: السيناريو الاتجاهي (التشاؤمي): هو نمط من السيناريوهات يركّز في صورة المستقبل المتوقّع من خلال استمرار الأوضاع القائمة؛ ذلك أنها تسير في الاتجاه نفسه. ويشير هذا السيناريو إلى قتامة المستقبل العربي من خلال تزايد الصراعات الطائفية والعشائرية، ويصحب ذلك تراجعٌ في مشاريع النهضة والإصلاح. السيناريو البديل (التفاؤلي): هو السيناريو الذي يشير إلى وجود تفاعلٍ إيجابي بين الديناميات والقوى العربية في إطار تصوّر تطوّرٍ حضاري شامل يؤدِّي إلى نجاح التجربة العربية.

مشروع "استشراف مستقبل الأمة العربية"

تولّ تنفيذ هذا المشروع مركز دراسات الوحدة العربية عام 1983، واستمر إلى عام 1987، ووضع سيناريوهات الأمة العربية عام 2015. وقد حاول المشروع انتهاج منهجية متعدّدة المقاربات من أجل سدّ أيّ ثغرات بحثية، ورسم صورة شبه متكاملة عن مستقبلات الأمة العربية خلال 20 أو 25 سنةً مقبلةً، تشتمل على جميع التحولّات والتغيّات وحتى التعقيدات والمسارات المحتملة للوطن العربي. وانطلق المشروع من افتراضٍ أساسي هو استشراف المستقبل، وليس التنبّؤ به. ومن أجل تحديد أفضل لطبيعة العلاقات والتشابكات، جرى تصميم المشروع من خلال التفاعلات بين المجالات التالية: الاقتصادي والاجتمعي، والسياسي والأيديولوجي، والداخل والخارج (ولا سيم في مجال التطورات الاقتصادية والاجتمعية والتكنولوجية العالمية)، والحاضر والمستقبل (إرث الحاضر ورهن المستقبل). وتضمّن البحث الاستشرافي ثلاثة محاور أساسية سُمّيت "المحاور المضمونية"، وهي: العرب والعالم، والمجتمع والدولة، والتنمية العربية. وتنضوي إلى هذه المحاور مجموعة من الدراسات الأساسية، إضافةً إلى عدد من الدراسات المستقبلية التي تتناول أهمّ المتغيّات الأساسية التي تتحكم في حاضر الظواهر المتعلقة بالمنطقة العربية ومستقبلها، وتحديد تأثير كلّ مجالٍ من هذه المجالات في الصور والمشاهد المستقبلية. واختار القائمون على المشروع ثلاثة مشاهد مستقبلية متمثّلةً بالمشهد الاتجاهي، والمشهد الإصلاحي، والمشهد التحولّي، كم هو موضّح في الجدول.)3(

34 المرجع نفسه. 44 استخدم مشروع استشراف مستقبل الأمّة العربية مفهوم "المشاهد المستقبلية"، بدلً من مفهوم "السيناريوهات" الذي عرف رواجًا كبيرًا في الدراسات المستقبلية خصوصًا في السبعينيات من القرن العشرين، بعد أن استخدمه هيرمان كاهن أوّل مرّةٍ في منتصف الستينيات من القرن العشرين.

المشهد المستقبلي الاتجاهي هو سيناريو يف ضرر استمرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت بعد حرب أكتوبر 1973، واستمرار منطق التبعية والتجزئة، ويف ضرر أن يزداد الوضع سوءًا وتدهورًا.

مستقبل الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.38

وذلك على غرار ما هو مُبيّ في الرسم البياني.)1(

الاقتصادية (الظواهر الاجتمعية والسياسية).

54 المرجع نفسه، ص.44

الجدول:3 المشاهد المستقبلية في مشروع "استشراف مستقبل الأمة العربية "2015)*(

المشهد المستقبلي الإصلاحي

المشهد المستقبلي التحولّي هو سيناريو إصلاحي تقويمي هو سيناريو ثوري وراديكالي للوضع من خ لاا اف اررض وجود يف ضرر قيام دولة الوحدة تكامل وتعاون عربي في قطاعات العربية ببدائلها الاجتماعية متعدّدة، إضافةً إلى نشوء بعض والسياسية المختلفة. التجمعات والتكت ت الإقليمية العربية، مع حدوث تقاربٍ أيديولوجي وسياسي ب الدول العربية المتجاورة، من دون حدوث تغ ات جذرية في أنظمة الحكم في الدول العربية.

(*)  المصدر: خير الدين حسيب وآخرون، مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف

وقدّم الباحثون في التقرير النهائي لمشروع استشراف الأمة العربية توضيحًا للأسس المنهجية لبناء المشاهدُ المستقبلية (السيناريوهات) الثلاثة؛ إذ جرى الاعتمد على النمذجة وبناء النمذج التي تسمح بالصَوْغ الكمّي والكيفي لمجمل التفاعلات التي تحدث بين المتغيّات المتحكّمة في المشاهد المستقبلية للأمة العربية والمؤثّرة فيها (مشهد التفتت والتجزئة، ومشهد التنسيق والتعاون، ومشهد الوحدة العربية)؛

قامت المجموعة البحثية لمشروع "استشراف مستقبل الأمة العربية" بالربط بين المحاور المضمونية، من خلال نموذج "النسق العربي"، وهو النموذج الذي يضمن مستوى مقبولً من المعقولية والاتساق داخل السيناريوهات (المشاهد المستقبلية). وفضلً عن ذلك، جرى ابتكار أنساق فرعية أو نميذجات؛ من قبيل نَُيْذج الموارد الطبيعية، ونميذج المورد البشري، ونميذج المتغيّات الاقتصادية الكلّية، ونميذج الظواهر غير

الرسم البياني:1 خطوات بناء السيناريوهات في مشروع مستقبل "استشراف الأمة العربية")*(

(*) المصدر: المرجع نفسه، ص 43 بتصرّف (.)

وعبّ "النسق العربي" في مشروع "استشراف مستقبل الأمة العربية" عن أنموذجٍ إقليمي دينامي شامل، يقوم على أساس إيجاد الروابط بين الأنساق الفرعية أو النميذجات، على نحوٍ يحقّق نسقًا من التفاعل بين الظواهر الاقتصادية والاجتمعية والسياسية، بما في ذلك المتغيّات القطاعية أو الإجملية؛ إذ يجرى الوصول إلى صورة متكاملة من خلال عمليات التصحيح الذاتي المتتابع التي يضطلع فيها عنصرَا الخبرة والحدس المنضبطان بدور محدّد ومهمّ. وقد ساهم هذا النموذج المبتكر في التعامل مع الكمّ الكبير من القضايا والمتغيّات التي تشكّل النسق الدولي، سواء المتعلقة منها بشساعة الإقليم الجغرافي العربي، أو بطول المدى الزمني الذي يتجاوز 25 لأفق السيناريوهات. وتوصل فريق البحث إلى أنّ أساليب المحاكاة الأكثر تحرّرًا من الأساليب  سنةً

64 المرجع نفسه.

القياسية (الكمّية) والأكثر قدرةً على ربط الأنساق الفرعية هي أفضل أساليب الاستشراف المستقبلي (بناء السيناريوهات). وكشفت "الجداول الاستشرافية" للسيناريو، أو المشهد الأول، تفاقم مشكلتَي المديونية والبطالة، وهو ما يؤزّم الوضع الاقتصادي في دول عربية عديدة، بخاصّة في ظلّ استمرار منطق التفتّت والتجزئة. كم كشفت التفاعلات على مستوى المحاور الأخرى مأزق "الدولة القُطرية" في جميع الفئات السياسية والاقتصادية والاجتمعية ضمن كلّ من المشهدين (الأول والثاني). وهكذا، قدّم كلّ من مشروعَيْ بناء السيناريوهات في العالم العربي، سواء "المستقبلات البديلة للوطن العربي" أو "استشراف مستقبل الأمة العربية"، إشارةً مهمّةً إلى وجود وعيٍ على مستوى "الإنتليجينسيا" في الوطن العربي بأهمية بناء السيناريوهات، والتفكير الاستشرافي في تخطيط المستقبلات العربية. وعلى الرغم من ذلك، شابت المحاولات العربية بعض نقاط الضعف والخلل المنهجي في بناء هذه السيناريوهات. فبالنظر إلى مشروع "مستقبلات عربية بديلة"، أقرّت المجموعة البحثية بعجزها عن تغطية مجال الموارد البشرية، واستخدامات العلم والتكنولوجيا؛ وذلك بسبب نقص الموارد المالية. وهذا يؤدِّي إلى التأثير في قيمة السيناريو، في ظلّ تجاهل المتغيّ العلمي والتكنولوجي الذي تعدُّه أغلب الدراسات الاستشرافية القوة الأساسية التي سوف تؤثّر في مستقبل البشرية تأثيرًا غير مسبوق. وفضلً عن ذلك، سقط مشروع "المستقبلات العربية البديلة" في خللٍ منهجي آخر متمثّل باعتمده على سيناريوين فقط؛ هم السيناريو الاتجاهي (التشاؤمي)، والسيناريو البديل (التفاؤلي). وقد أثبتت أغلب الدراسات المستقبلية أنّ بناء السيناريوهات قائم على افتراض تعدّدها. ولذلك نجد أنّ الدراسات الحديثة في السيناريوهات لا تضع أقلّ من أربعة سيناريوهات. أمّا "استشراف مستقبل الأمة العربية" الذي أطلقه مركز الوحدة العربية، فقد تميز بقدرته على استخدام آليات النمذجة والمحاكاة في بناء السيناريوهات، وهو ما ساهم في تمكين الباحثين في المشروع من إدراك الطبيعة المركّبة والمتشابكة للمتغيّات المختلفة؛ إذ جرى وضعها في إطارٍ عامّ هو "النسق العربي"، ومكوّنات أو أنساق فرعية هي "النميذجات" التي تتفاعل في ما بينها على نحوٍ نَسقي دينامي، من خلال عمليات التصحيح الذاتي المستمر. وقد خلص المشروع إلى رسم ثلاثة سيناريوهات أو مشاهد اتّصفت بالجمود ولم تعبّ عن حيوية السيناريوهات ومرونتها في الأدبيات المعاصرة للدراسات المستقبلية والاستشرافية. وعلى الرغم من أوجه القصور التي شابت كلَ المشروعين، سواء من الناحية المنهجية، أو من ناحية ضعف قاعدة البيانات التي تسمح بتطوير سيناريوهات جيّدة ومتمسكة والتخطيط لها، تظلّ هاتان المحاولتان من أبرز المحاولات الجادّة في مجال ممرسة التفكير الاستشرافي بالنسبة إلى العالم العربي.

المجموعة الثانية من الجهد الاستشرافي العربي في بناء السيناريوهات

تمثّلت المجموعة الثانية من بحوث السيناريوهات في العالم العربي بالجهد المنهجي والنظري من أجل تبيئة مناهج الاستشراف وبناء السيناريوهات في الأوساط الأكاديمية والمؤسسية العربية. وقاد هذه الجهد مجموعة من الباحثين في صدارتهم المهدي المنجرة ووليد عبد الحي، ومحمد سليم قلالة، وقيس الهممي. فقد كان لعبد الحي الفضل في نشر مجموعة من الدراسات المستقبلية التي تسعى إلى تعريف الأوساط العلمية العربية بمناهج بناء السيناريوهات. وفي هذا السياق نذكر كتابًا له يُعنى بالدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، وآخر بمناهج الدراسات المستقبلية. وكان لعبد الحي أيضًا دورٌ أساسيّ في استخدام تقنية مصفوفة التأثير المتبادل في بناء السيناريوهات. ويمكن الجزم أنه كان من الأوائل في العالم العربي في هذا المجال من خلال كتابه المتعلّق بمستقبلات الصين، فضلً عن كتابه الذي يُعنى بمستقبل مكانة إيران الإقليمية. وقد تمكّن عبد الحي في هذه الدراسة من خلال استخدامه لمصفوفة التأثير المتبادل من رصد 40 متغيًّا في المجالات الاجتمعية، والاقتصادية، والسياسية، بما في ذلك المتغيّات التي لها علاقة بالبيئة المحاذية أو الإقليمية أو الدولية لإيران. وتوصلت دراسته إلى نتيجةٍ مفادها أنّ دالّة النموذج هي "الاستقرار السياسي لتحقيق مكانة الدولة الإقليمية المركز"؛ بمعنى أنّ قياس التأثير المتبادل يجرى على أساس التفاعل بين متغيّين في زاوية الاستقرار السياسي، من خلال المدلولات التي نصّت عليها مؤشّات مقياس كوفمن للاستقرار السياسي. وجاءت حصيلة مصفوفة التأثير المتبادل للمتغيّات الأكثر تأثيرًا في كلّ المتغيّات، والمتغيّات الأكثر تأثرًا في كلّ المتغيّات، كم يتضح من الجدول (.4) وبحسب عبد الحي، تكون حصيلة مصفوفة التأثير المتبادل بين المتغيّات للسيناريو الممكن هي (-148) من مجموع التأثيرات الكلّية، وهو ما يساوي نحو 12.45 في المئة. وهذا يعني أنّ معدلات التغيّ سوف تبقى على حالها، وأنّ الواقع الإيراني سيتراجع بنسبة 12.45 في المئة عن الوضع القائم الآن في هذا البلد بالنسبة إلى المتغيّات السلبية، في حينٍ أنّ المتغيّات الإيجابية سوف تتحرّك إلى الأمام بنسبة 12.45 في المئة تقريبًا، مع الإشارة إلى أنّ التغيرّات السلبية تفوق في مجموعها الكلّ المتغيّات الإيجابية. ومن خلال المثال الذي قدّمه عبد الحي في دراسته لمستقبلات إيران 2020، تبرز الأهمية

74 وليد عبد الحي، الدراسات المستقبليةفي العلاقات الدولية (مراكش: عيون،.)1992 84 وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.)2007 94 وليد عبد الحي، المكانة المستقبلية للصين في النظام الدولي 010 - 1978 2 (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث،.)2000 0 5 وليد عبد الحي، إيران: مستقبل المكانة الإقليمية عام 020 2 (الجزائر: مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف،.)2010 15 المرجع نفسه، ص.471 25 المرجع نفسه، ص.472

درجه تأثيرهاالمتغيّات الأكثر تأثرًااملرقمدرجة تأثيرهاالمتغيّات الأكثر تأثيرًاالرقم
-الرضا عن السياسة الداخلية183+التعليم1
28-الأقليات269+معدل الدخل الفردي2
28-الفساد360-الحرية الاقتصادية3
26-الرأي العامّ الدولي458-الحرية السياسية4
23-الإدمان552-الفساد5
19+التعليم649-الزيادة السكانية6
18-أحزاب المعارضة749-التسييس المذهبي7
18-البيئة الدولية848+النمو الاقتصادي8
17+المشاركة السياسية943-البطالة9
16-التسييس المذهبي1042-البيئة الدولية10
15-البيئة المحاذية1141-الاستثمارات الخارجية11
--1241+النفط12

(*)  المرجع نفسه، ص.469

أن نلخّصها في النقاط التالية:

الأقلّ تأثيرًا.

الجدول:4 نتائج مصفوفة التأثير المتبادل في دراسة وليد عبد الحي "إيران: مستقبل المكانة الإقليمية عام "2020)*(

المنهجية والنظرية التي تمنحها تقنية مصفوفة التأثير المتبادل في مستوياتٍ تحليلية متعدّدة يمكن

من الممكن دراسة عدد كبير من المتغيّات، فقد درس عبد الحي نحو 40 متغيًّا. أخذ مسألة التفاعل بين المتغيّات في الحسبان، وتصنيفها إلى تفاعلات سلبية وأخرى إيجابية، أو تصنيفها إلى نمطٍ مؤثّر وآخر متأثّر، وهو ما يساهم في تحديد المتغيّات الأكثر تأثيرًا والمتغيّات

استطاع عبد الحي تجاوز مشكلة إعطاء القيم والأوزان للمتغيّات المختلفة من خلال لجوئه إلى اعتمد المعايير والمقاييس التي تعتمدها بعض المؤسسات الدولية؛ مثل مقاييس التنمية البشرية للأمم المتحدة، أو مقاييس كوفمن للاستقرار السياسي، أو مقاييس الحريات لمؤسسة فريدوم هاوس. أمّا بالنسبة إلى محمد سليم قلالة وأيضًا قيس الهممي، فإنهم مساهمن بارزان في تعريب مناهج الاستشراف الفرنسي إلى اللغة العربية، من خلال الانطلاق من افتراضٍ مفاده أنّ كتابات ميشيل غودي تعُدّ رائدةً في هذا المجال. وتوصّل الباحثان إلى اقتناع مُجمله تعميم التفكير الاستشرافي في العالم العربي، وقد توّجَا ذلك من خلال ترجمة كتاب الاستشراف الإستراتيجي إلى المؤسسات والأقاليم. يضاف إلى ذلك أنّ قلالة قام بتأسيس مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف عام 2005، هادفًا من ورائه إلى تعميم الأبحاث التي تستخدم تقنيات الدراسات المستقبلية وتقنيات الاستشراف، والمساهمة في تعريب المناهج والتقنيات الاستشرافية وتطوير قدرات التفكير في مجالي استباق الفعل واستحداثه بوصف ذلك جوهر الاستشراف، وعاملً مُمكّنًا للباحثين من التحكّم في المناهج والتقنيات القادرة على صَوْغ الرؤى المستقبلية في العالم العربي الذي يعاني – بحسب قلالة – خللً إستراتيجيًّا في المستوى الاستشرافي.

خلاصة

نستخلص من تحليل بنية الإطار المعرفي للسيناريوهات أنها تنقسم إلى مقاربتين أساسيتين هم المقاربة الحدسية والمقاربة الاحتملية/ الكمّية. ولا تزال عملية بناء السيناريوهات، عند العديد من المستشرفين والممرسين أساسًا، عمليةً كيفية (حدسية)، وذلك حتى بالنسبة إلى الشركات والمؤسّسات، - كم فعلت مثلً شركة شل النفطية - ولكن النقطة الأساسية التي تميّز المقاربة الحدسية من المقاربة الاحتملية هي اعتمدها على عددٍ محدود من المتغيّات وخاصّة في مرحلة التحليل المعمّق؛ إذ يتمّ تأويلها وصوغها في شكل محاور تبنى على أساسها السرديات (Narratives) التي تعبّ عن بنية السيناريوهات عندما يتمّ تشكيلها. أمّا المقاربة الاحتملية/ الكمّية، فتتميّز بأنّها تشتمل على مجموعةٍ من التقنيات المتعدّدة التي تختلف في ما بينها في درجات استخدام برامج الإعلام الآلي. وتجدر الإشارة إلى أنّ اختلاف عدد المتغيّات في كلتا المقاربتين لا يُعدّ معيارًا للمفاضلة بينهم؛ لأنّ

35 ميشيل غودي وفيليب دوران وقيس الهمامي، الاستشراف الاستراتيجي للمؤسّسات والأقاليم، محمد سليم قلالة وقيس الهمامي (مترجمان) (باريس: اليونسكو،.)2011 45 جاءت هذه الأهداف في مقدّمة للباحث سليم قلالة، انظر: عبد الحي، إيران: مستقبل المكانة الإقليمية.

التوجه الجديد في بناء السيناريوهات هو محاولة إدماج كلا المقاربتين من أجل الاستفادة القصوى من خصائصهم في رسم سيناريوهات متمسكة ومعقولة. وفي الحصيلة، تظلّ المساهمت العربية في تعريب مناهج الاستشراف وتقنياته جهدًا فرديًّا من بعض الباحثين العرب، من أمثال وليد عبد الحي، ومحمد سليم قلالة، وقيس الهممي، وغيرهم. وعلى الرغم من أهمية هذه المساهمت، فإنّ ضعف الجهد المؤسسي في الدراسات المستقبلية وبناء السيناريوهات كان وراء ضآلة هذا النوع من البحوث في العالم العربي. وفضلً عن ذلك، فإنّ أغلب مراكز البحث المستقبلي المنتشرة في الوطن العربي وهميّة وغير موجودة إلّ في المواقع الإلكترونية.

المراجع

References

المراجع العربية

حسيب، خير الدين وآخرون، مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 عبد الحي، وليد. الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، مراكش: عيون،.1992 __________. المكانة المستقبلية للصين في النظام الدولي 010 - 1978 2، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث،.2000 __________. إيران: مستقبل المكانة الإقليمية عام 020 2، الجزائر: مركز الدراسات التطبيقية والاستشراف،.2010 __________. مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2007 عبد الفضيل، محمود. "الجهود العربية في مجال استشراف المستقبل"، عالم الفكر، المجلد 18، العدد.4 عناية الله، سهيل. "استشراف مستقبل الأمة: مراجعة لنمذج المحاكاة ومداخل دراسة المستقبلات البديلة"، إسلامية المعرفة، العدد).1999(17 غودي، ميشيل. ودوران، وفيليب. والهممي، قيس. الاستشراف الاستراتيجي للمؤسّسات والأقاليم، محمد سليم قلالة وقيس الهممي (مترجمن)، باريس: اليونسكو،.2011

المراجع الأجنبية

Bishop, Peter. Hines, Andy & Collins, Terry. "The Current State of Scenario Planning: An Overview of Techniques", Foresight , vol. 9, no. 1 (2007). Bradfield, Ron et al. "The Origins and Evolution of Scenario Techniques in long Range Business Planning", Futures , vol. 37, no. 8 (2005). Fuller, Buckminster. An Anthology for the New Millennium, New York: St. Martin's Press, 1999. Godet, Michel & Roubelat, Fabrice. "Creating the Future: The Use and Misuse of Scenarios", Long Range Planning , vol. 29, no. 2 (1996). Heijden, Kees Van der. "Weaving Plots for Alternative Futures: an Eight Steps guide to Build Scenarios", The Antidote Issue, vol. 22 (1999). Kosow, Hannah & Gassner, Robert. Methods of Future Studies and Scenario Analysis, Bonn: German Development Institute, 2008.

Laurema, Mikko. "Scenario Development: The Case of the Russo-Baltic Food Retail Market", Published Master Dissertation, Helsinki University of Technology, Espoo – Finland, 2007. Lekeas, George Konstantinou. "Scenario Planning Formulation, Implantation and Effects: A Review of Best Theory and Practice", Master Dissertation, University of Warwick, Coventry – United Kingdom, 1999. Oglivy, James. Creating Better Futures: Scenario as a Tool for Better Tomorrow, New York: Oxford University Press, 2002. Ringland , Gill. Scenario Planning: Managing for the Future. West Sussex: John Wiley & Sons, 1998. Schwartz, Peter. The Art of the Long View: Planning for the Future in an Uncertain World, New York: Currency Doubleday, 1991. Shoemaker, Paul. "When and How to Use Scenarios Planning: a Heuristic Approach with Illustration", Journal of Forecasting , vol. 10, no. 6 (1991). Wulf, Torsten. Meißner, Philip & Stubner, Stephan. "A Scenario-based Approach to Strategic Planning. Integrating Planning Process Perspective of Strategy", HHL Working paper, Germany Leipzig Graduate School of Management, no. 98 (July 2010).