الاستشراف الإستراتيجي قيد العمل
Book Review: Strategic Foresight in Action
الملخّص
المؤلف: فيليب دورانس (محرر) (. Philippe Durance (Ed الكتاب: الاستشراف الإستراتيجي قيد العمل العنوان الأصلي (بالفرنسية): La prospective stratégique en action الناشر: أوديل جاكوب - باريس سنة النشر: 2014 عدد الصفحات: 399 صفحة
- استشراف
- استشراف إستراتيجي
- فيليب دورانس
جمع هذا الكتاب الصادر حديثًا بين دفّتيه مساهمت 25 متخصّصًا في مجالات معرفية متعدّدة لها امتدادات خصبة في مجال الاستشراف، ولهذا يمكننا أن نعدّه كتابًا مرجعيًا بامتياز، فهو يضمّ مساهمت أغلب أولئك الذين أدّوا أو يؤدّون دورًا مهمّ في بلورة "المدرسة الفرنسية للاستشراف"، على مدى العقود الثلاثة الماضية. ومن المفيد – في سياقنا العربي وثقافتنا الذاتية وخصوصياتها – عرض قصّة هذا الكتاب المتعلّقة بحدث تقاعد عالم الاستشراف الفرنسي ميشيل غودي من المعهد الوطني للفنون والحرف (Cnam) بفرنسا؛ إذ أنّه طلب ألّ يُقام له تكريم أو حفل وداع، وإنّا أن يكون هذا التكريم "عمليًا" بحيث تُعقد عوضًا عنه ورشة عمل تُتوَّج بنشر كتاب في مجال الاستشراف الإستراتيجي. ومن ثمّ، جاءت مساهمت جميع أولئك الذين ودّوا تكريم ميشيل غودي، لتُسم الخطوط العريضة لهذا الكتاب على النحو التالي: تقييم أربعة عقود من ممرسة الاستشراف؛ تعميق بعض المبادئ الأساسية للاستشراف؛ البرهنة على جدوى مناهج الاستشراف وراهنيتها؛ رسم خطوط بعض مسارات للمستقبل. يمتدّ إذًا نطاق هذا الكتاب ليهمّ جميع أولئك الذين يرغبون في فهم تاريخ المدرسة الفرنسية للاستشراف وديناميتها وتأثيرها، والتي عرفت منذ إنشائها تطوّرًا مهمًّ في المؤسّسات والمنظمت والأقاليم، سواء في فرنسا أو على المستوى الدولي. وتُعرّف المدرسة الفرنسية للاستشراف نفسها بكونها "عدم انضباط فكري" (intellectuelle Indiscipline). ومن خلال توسيع نطاقها من الإستراتيجية إلى التنمية المستدامة وإلى مجالات عديدة أخرى، تعرف اليوم هذه المدرسة مرحلة جديدة في سيرورة نموّها، مرتبطة دائمًا بالمهمّة الأصلية التي أوكلتها لنفسها والمتمثّلة ب "إنارة الفعل الحاضر في ضوء المستقبلات الممكنة والمرغوب فيها". يتألّف هذا الكتاب من خمسة أجزاء متكاملة تعالج مسألة الاستشراف الإستراتيجي من جذورها وتبلورها منذ أربعة عقود إلى آفاقها الحالية والمستقبلية. ولا شكّ في أنّ الجزء الأول المخصّص لهذه التجربة الغنية التي مثّلتها (وتمثّلها) المدرسة الفرنسية للاستشراف هو من أغنى أجزاء الكتاب وأكثرها إمتاعًا، إذ يعود، من خلال تجارب كلّ من جاك لوسورن وكريستيان جو وميشيل غودي وهوغ دو جوفنيل وكيمون فالاسكاكيس، إلى بدايات تبلور هذه المسارات الشخصية نحو الاهتمم بالاستشراف وبروز هذه المقاربات العابرة للتخصّصات التي سوف تؤسّس المدرسة الفرنسية للاستشراف. إنّ عدم الانضباط ضمن تخصّص معرفي محدّد، وتعدّد المقاربات وزوايا النظر، وعدم تنزيه التجارب عن الزلل والخطأ، والارتباط الوثيق بالماضي لرسم خطوط المستقبل، والانطلاق من إشكالات الحاضر ومؤسّساته وبُناه، والارتباط الوثيق بسياسات التنمية والتخطيط الإستراتيجي، هي بعض أهمّ الأفكار التي تنبثق من مختلف هذه المسارات الشخصية الثرية. وحالما تضع الفصول الخمسة الأولى هذا الإطار التاريخي والتطوّري وتوثّق هذه التجربة الغنية ومساراتها المتوّجة، يبدأ الجزء الثاني من الكتاب بوضع الأرومة المفاهيمية للدراسات الاستشرافية، بدايةً مع أويك بوتيجيرار ومفاهيم التغيّ وعدم اليقين والفوضى والصدفة والحتمية، من الأزمنة
القديمة وحتى الأزمنة السيبيرنية الحديثة. فيم يؤصّل فيليب دورانس مفهوم الاستشراف لدى كلّ من المدرستين الفرنسية والأميركية، عارضًا في الآن ذاته لأوجه اختلافاتهم وتناقحاتهم؛ ذلك أنّ الأولى تعتمد بصفة كبيرة على فسح المجال أمام حرية الفكر والشعور بالقيم في رسم معالم المستقبل، في حين تقوم الثانية، أي المدرسة الأميركية، خاصّة على الاستشراف التكنولوجي في المجال العسكري. ومن جهته، يرى جون - فيليب بوتز أنّ الاستشراف جزء من منظور أوسع يشمل تحليل الأبعاد المعرفية للتبصّ والاستشراف الإستراتيجي، ومن ثمّ يتناول بالدرس والتحليل البعد المركزي في العالم المعاصر وفي المستقبل القائم على المعرفة والأصول غير المرئية: التعلّم التنظيمي، بصفته مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات الاستشراف الإستراتيجي والموقف الاستشرافي. ويكرّس مارك موسلي ورقته البحثية للتمييز المعقّد بين أربعة مفاهيم هي: الاستشراف، والإستراتيجية، والتخطيط، والتدبير، من خلال إبراز أوجه تداخلها الشديد طوال تطوّر مدارس الإدارات ونظرياتها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، من الفايولية والفوردية إلى التويوتية ومدارس بيتر دروكير ومايكل بورتر إلى المدارس المعاصرة القائمة على خلق القيمة للمساهم والمسؤولية الاجتمعية والبيئية للشركات. في حين يربط كلّ من محمد بياض وجون - كلود بولي الاستشراف برؤية المقاول في منظور متّصل يربط بين "الرؤية الإستراتيجية" و"الرؤية الاستشرافية" للمقاول، بصفتها مفتاح نمو المقاولات والمؤسّسات وتطورها. وفي مساهمة ثانية له في هذا المؤلَّف الذي سهر على تنسيقه وتحريره، يؤصّل فيليب دورانس طريقة السيناريوهات عند هيرمان كان؛ كيف انبثقت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وكيف تبلورت بفضل جهد هيرمان كان (بمعيّة أنطوني فينير)، قبل أن تجد لها موطئ قدم بفرنسا في آخر الستينيات، لا سيم مع المؤتمر الدولي حول إعداد التراب الوطني عام 1968، والأعمل الرائدة لكلّ من جيروم مونود وسيرج أنطوان في العام ذاته، تحت إشراف المندوبية الوزارية لإعداد التراب وجاذبية الأقاليم (DATAR) والمفوضية السامية للتخطيط، قبل أن تعرف هذه الطريقة انتشارًا عالميًا من بداية السبعينيات. ولا يخلو هذا العرض الشيّق من نقاش جديد لإشكالية التمييز بين الاستشراف والإستراتيجية. وبعد أن يرسي الكتاب هذه الطبقة الثانية من التأصيل المفاهيمي، يعرض في جزئه الثالث للحقول العديدة لتطبيقات الاستشراف. وأول هذه التطبيقات يعرضها بيير شابوي وجون مارك بيتا في المجال الزراعي والغذائي، من خلال تجربة شركة (France Agro BASF) لاستشراف مستقبلات استخدام مبيدات الحشرات ومخاطرها، وتقديم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل إنتاج القمح بفرنسا في أفق عام 2020. فيم يخصّ التطبيق الثاني إدارةَ الموارد البشرية، من خلال استشراف الكفاءات المستقبلية من أجل تحديد الأهداف الإستراتيجية للشركات والمنظّمت المعنية. وتعرض ريجين مونتي دراسة حالة شركة دولية في المجال الطبي (Tech & Med) والسيناريوهات البديلة أمامها في أفق 2018/2015. ويتناول مارك موسلي تطبيق تقنيات الاستشراف في مجال السياسات العامّة، وتقنيات استكشاف المستقبلات
الممكنة وبناء السيناريوهات البديلة، واتخاذ القرار في ظلّ عدم اليقين. في حين يتناول فانسون باسيني حالة تنمية الأقاليم التي تُعدّ من بين المجالات الأكثر تطبيقًا للتقنيات الاستشرافية خلال العقود الماضية، عارضًا ثلاث تجارب استشرافية: "الكتاب الأبيض لحوض آنسي/ سويسرا" عام 2003، ومقاربة "يون 2015" التي اعتمدها إقليم يون الفرنسي، و"المقاربة الاستشرافية لغرفة الزراعة بإقليم سون ولوار الفرنسي" عام 2012. وأخيرًا، يعرض ستيفان كودوبيس مجالً آخر ثريًا للدراسات الاستشرافية، وهو مجال العمران والتمديُن، من خلال دراسة حالة مشروع استشرافي أنجزته المندوبية الوزارية لإعداد التراب وجاذبية الأقاليم: "الأقاليم 2040". وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الفصل يعدّ من أكثر فصول الكتاب نجاحًا بثراء مقاربته، وتسليطه الضوء على البعد الأساسي للمقاربة التشاركية في المشاريع الاستشرافية الإقليمية. ويجري عرض أحدث التقنيات الاستشرافية في الجزء الموالي من الكتاب، وفي مقدّمتها "ورشات الاستشراف الإستراتيجي" التي يعكف على تقديمها نخبة من المتخصصين في هذا المجال (ستيفان أندري، وميشيل غودي، وريجين مونتي)، عارضين لسياقها وأهدافها، ومفصّلين جدول أعملها، على النحو التالي: الأفكار الجاهزة، وعوامل التغيير، ومن التغيير إلى الفعل، ومن التغيير إلى السيناريوهات، وأشجار الكفاءات... إلخ. فيم تعرض بقية هذا الجزء بتفصيل لأمثلة عديدة من التقنيات الحديثة للاستشراف، بدءًا مع فرانسوا بورس وريجين مونتي وعرضهم المقاربة الاستشرافية الإستراتيجية في أفق عام 2010 لشركة أو دي إيف الفرنسية (EDF) (أكبر منتج للطاقة الكهربائية في العالم)، ثمّ مع فيليب ديستات الذي يعرض لبناء نموذج عملية استشرافية في إقليم والونيا البلجيكي، وروي بيتانكور الذي يتناول الاستشراف في مجال سياسات التشغيل، وأخيرًا فرانسيسكو خوصي موجيكا الذي يسائل حضور الاستشراف بأميركا اللّتينية، أو ما يسميه "مستقبل المستقبل". ويأتي الجزء الخامس والأخير من الكتاب في صورة مفاتحاتٍ استشرافية وتوصيات يستهلّها أسعد صعب، مدير إدارة الإستراتيجية والاستشراف بشركة أو دي إيف الفرنسية، من خلال عرضه الآفاق المستقبلية للاستشراف الإستراتيجي؛ ثمّ يتناولها ريل ميلر، مدير الاستشراف بمنظمة اليونسكو، داعيًا إلى بلورة الدراسات المستقبلية وتحديدها داخل فرع معرفي منضبط؛ قبل أن يعود محرّر هذا الكتاب فيليب دورانس داعيًا إلى إعادة التفكير في مفهوم القطيعة بصفتها علامة مميزة لمجال الاستشراف؛ وليختم يانيك رومبالا هذه المفاتحات الاستشرافية بعرض الترابط الوثيق بين الاستشراف والخيال العلمي. يجدر التنويه أخيرًا إلى الأهمية البالغة لهذا الكتاب على مستويات عدّة، سواء من حيث قيمة الأسمء المساهمة فيه، أو من حيث اشتراك عدد من المؤسّسات العامّة والهيئات والأقاليم المهتمّة بوضع دراسات استشرافية وتنفيذها، أو من حيث تنوّع الأفكار والمقاربات المقدّمة، والتي تربط بين الاستشراف الإستراتيجي التقليدي للمدرسة الفرنسية للاستشراف والتنمية المستدامة، وترى أنّ المستقبل ليس رهينًا بامتلاك التكنولوجيا الفائقة بقدر ما يقوم على التوقّع والاستشراف والتخطيط للسبق في مجالات
اقتصادية واجتمعية وبيئية وسياسية ومعرفية معيّنة، سواء بالنسبة إلى الشركات أو المؤسّسات أو الأقاليم أو الدول. كم تجدر الإشارة إلى أنّ نشر الكتاب قد تمّ بدعم من "حلقة رجال أعمل المستقبل" (Futur du Entrepreneurs des Cercle)، وهي هيئة فاعلة في مجال الاستشراف تهدف إلى التفكير والفعل على نحو جديد، والمساهمة في مجتمع المعرفة ودعم روح المبادرة، إضافة إلى المبادرات المحلية للتنمية؛ وهو ما ينمّ عن "توطين" الدراسات الاستشرافية بصفة متّسقة في سياقاتها الغربية، سواء من حيث تمويلها أو مرامها أو مآلاتها، وهو ما نظلّ أحوج ما نكون إليه في بلادنا العربية.