العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العالم عام 2030

العالم عام 2030

Book Review: The World in 2030

فتيحة الحساني

الملخّص

المؤلف: راي هاموند Ray Hammond الكتاب: العالم عام 2030 العنوان الأصلي (بالإنكليزية): The World in 2030 الناشر: ياغو للنشر - باريس سنة النشر: 2008 عدد الصفحات: 355 صفحة

Abstract

المؤلف: راي هاموند Ray Hammond الكتاب: العالم عام 2030 العنوان الأصلي (بالإنكليزية): The World in 2030 الناشر: ياغو للنشر - باريس سنة النشر: 2008 عدد الصفحات: 355 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • عالم
  • راي هاموند
  1. سنة النشر:  2008
  2. عدد الصفحات:  صفحة James Canton, The Extreme Future: The Top Trends That Will Reshape the World in the Next 20 Years (New York: Plume, 2007). FAO, "UN Special Rapporteur on Right to Food deplores Increase in Number of People Suffering from Hunger" (16 October 2007), at: http://goo.gl/3vHCmX

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، شكّل "عام 2000" أفقًا للعديد من التنبّؤات وضروب الخيال والاستشرافات والدراسات المستقبلية، وذلك لما يحمله هذا التاريخ من دلالات في التحوّل إلى ألفية جديدة، ومن ثمّ، إلى "عالم جديد". ومع بدء الألفية الثالثة و"زوال السحر" عن منهجيات التنبّؤ بالمستقبل، أصبحت منهجيات الاستشرافات المستقبلية وآمادها أكثر واقعية، لتخصّ آفاقًا منظورة وأخرى غير منظورة. وفي هذا الصّدد، يأتي كتاب راي هاموند "العالم بحلول عام 2030 الذي تستند " فكرته الأساسية إلى أنّ العالم سيعرف في أفق عام 2030، تطوّرات جمّة متأثّرًا بستّة عناصر محدّدة، وهي العناصر الأساسية ذاتها التي تشكّل بنية الكتاب: التغيّات الديمغرافية المجتمعية والانفجار السكاني العالمي، والتغيّات المناخية، وأزمة الطاقة في المستقبل، والعولمة المتزايدة، وتسارع وتيرة التطور التكنولوجي، والوقاية من الأمراض وزيادة طول العمر. بدايةً، يجدر بنا أن نأسف لمعالجة الكاتب العنصر الأول المركزي "التغيّات الديمغرافية المجتمعية والانفجار السكاني العالمي". فهو إذ يعقد فصول الكتاب الخمسة لمعالجة العناصر الخمسة الأخيرة، كلًّ على حدة، فإنّه يقتصر في التطرّق إلى مسألة الانفجار الديمغرافي العالمي على مقدّمة مطوّلة رسم فيها صورة قاتمة عن هذا الواقع ومستقبله. فضلً عن ذلك، لم يفتأ الكاتب راي هاموند يتبع شبرًا بشبر، عالم الاستشراف الأميركي جيمس كانتون (صاحب كتاب "المستقبل الأقصى"8)، والذي يرى أنّه متى أصبح العالم مأهولً بساكنة تقدّر ب 9 مليارات نسمة، فإنّ ذلك سيمثّل تحدّيًا أساسيًا في المستقبل بالنظر إلى أنّ الأرض ليست قادرة حتى على تلبية حاجات 6 مليارات نسمة. ويغيب عن هذه النظرة السوداوية، ذات الإيحاءات المالتوسية التي عفا عليها الزمن، أنّ المسألة ليست مسألة عدم كفاية الموارد وإنّا هي بالأساس مسألة سوء تدبير للموارد الطبيعية؛ إذ تذهب تقارير عديدة، من قبيل تقرير مقرّر الأمم المتحدة الخاص بالحقّ في الغذاء جون زيغلر، إلى أنّ الموارد الحالية والإنتاج الغذائي قادرة على إشباع حاجات نحو 12 مليار نسمة355. كم تقترن هذه النظرة السوداوية للديمغرافية بنظرة تقليدية ممثلة لإشكالية الهجرة، تحصرها في رؤية أحادية تنظر إلى حاجات بلدان الشمل لتعويض تباطؤ نموّها الديمغرافي وشيخوختها المتزايدة وكسادها الاقتصادي فحسب، وتغيب عنها كليًّا أبعاد العلاقة رابح - رابح بين دول الشمل ودول الجنوب. ويأتي نسق الكتاب في أعقاب ذلك خطيًّا، ليفصّل النقاط الخمس السالفة الذكر، والتي يعدّها محدّدةً لتطوّر العالم في أفق عام 2030، كلًّ على حدة. إذ يعرض الفصل الأول لتسارع وتيرة النمو التكنولوجي الذي يحاول ربطه بالسيرورة التطورية التصاعدية من الثورة الزراعية التي بدأت منذ نحو 12000 عام، إلى القرن

الثامن عشر وتواتر الاكتشافات العلمية التي أعطت انطلاقة الثورة الصناعية، وصولً إلى العصور الحالية التي رأت خلق آلات ذكية (ضمن موجة ما يُعرف ب "الذكاء الاصطناعي")، والتي من شأنها أن تُشكّل خلَفًا للجنس البشري في المستقبل أو مرافقًا له على الأقلّ. وقد استند في هذه التنبّؤات بالأساس إلى طفرة علوم الكمبيوتر وتكنولوجيا النانو التي تتبع "قانون مور" التطوّري الشهير. ويُبيّ راي هاموند أنّ الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية لن تقف عند هذا الحد، بل إنّها ستتواصل إلى غاية عام 2030 وما بعده، لتساهم في الحدّ من المشكلات المُلاحظة على الصعيد الدولي، من قبيل التغييرات المناخية والفجوة الطاقية. وهو ما يتناوله تحديدًا في الفصل الثاني من الكتاب، مُركّزًا على أهمية التوظيف التصاعدي للطّاقات البديلة والمتجدّدة، وحسن التصرّف في الموارد الطبيعية الموجودة، لا سيّم من خلال التطوّر التكنولوجي مثلً في مجال الحدّ من إصدارات غاز ثاني أوكسيد الكاربون وإعادة تدوير البلاستيك (يُخصّص له حيّزًا واسعًا من هذا الفصل). ويرى هاموند هذه المواضيع جميعها مرتبطةً أساسًا بالطاقة، مشيرًا إلى أنّه حتّى لو ظلّ النفط متوافرًا بحلول عام 2030، فإنّه سيكون من جهة جدّ مكلف، ومن جهة أخرى سوف تدفع المشكلات البيئية حتمً إلى تحوّل أنماط إنتاج الطاقة واستهلاكها الحاليين. ولذلك فإنّه لا يرى المستقبل الطاقي (يخصّص له الفصل الثالث) في الطاقة الأحفورية ولا في الطاقة النووية، وإنّا في الانتقال نحو الطاقات المتجدّدة والمُستدامة والوقود الحيوي (الشمسية، والمائية، والهوائية، والهيدروجينية). ويظلّ أحد أكثر فصول الكتاب متعة هو الفصل الرابع الذي كان بعنوان: "الحياة اليومية في عام 2030"، والتي يرى راي هاموند أنّها ستختلف بصفة ملموسة عمّ نعرفه اليوم، سواء من حيث التنقّل (القيادة الذاتية للسيارات، والتحكّم فيها عن طريق الأقمر الصناعية... إلخ)، أو من حيث "التألية" المتزايدة (الدور المتزايد للآليين في جميع مناحي حياتنا اليومية، إضافة إلى خلقهم ثروة وقيمة مضافة)، وزيادة التشبيك في وسائل اتصالنا وترفيهنا، أو تحوّل الأجيال القادمة إلى "كائنات افتراضية" (virtualis Homo) تعيش في عوالم رقمية افتراضية موازية. ويُعطي هاموند العديد من الأمثلة الموجودة حاليًا على هذا التوجّه المستقبلي، مثل نموذج اليابانيين الشغوفين حاليًا بتطوير نماذج جهاز آلي يقوم برعاية كبار السنّ والصغار، وتقديم خدمات يومية مختلفة. كم لا تغيب عن الكاتب الإشارة إلى اقتران هذه الطفرة التقنية والآلية في الحياة اليومية ببعض المخاطر التي من شأنها أن تؤثّر في حياتنا اليومية في أفق عام 2030، مثل تزايد دور المراقبة المجتمعية (Brother Big) بسبب هيمنة بُعد الأمن والسلامة على عالم تتزايد فيه المخاطر الأمنية والإرهابية كثيرًا، ومن ثمّ تقلّص مجالات حرية الأفراد وخصوصياتهم. إنّ تزايد حدّة "التحديد التقني" (determinism Technical) للحياة اليومية الفردية والجمعية في المستقبل، هي فكرة راسخة عند عالم الاستشراف الأميركي. وهو ما نلمسه بشدّة في الفصل الخامس والأخير من الكتاب الذي يجري تخصيصه للطفرة الجينية التي بدأت مع بداية القرن الحادي والعشرين

(لا سيم مع "مشروع الجينوم البشري" الذي انتهى من التسلسل الكامل للحمض النووي البشري في عام 2003). ومن شأن الهندسة الوراثية أن ترخّص عبرها بالقضاء على العديد من الأمراض، والقضاء على أعراض الشيخوخة (عبر التجدّد الذاتي في الخلايا)، ومن ثمّ أن تسمح بتمديد أمد الحياة البشرية. كم يطرح هذا الفصل أيضًا بعض القضايا الأخلاقية المتعلّقة بالبيولوجيا الجينية، من قبيل "الانتقاء الجيني" للأطفال قبل ولادتهم (وفق معايير الصحّة، والجمل، والذكاء...إلخ)، من دون أن يعطي الكاتب رأيًا جازمًا في هذا الموضوع الحسّاس أو في موضوع "الاستنساخ البشري" المرتبط به. خلاصة القول، سعى راي هاموند في هذا الكتاب إلى الكشف عن القوى الدافعة الكامنة وراء "التشكّل الحيوي" (Morphogenesis) للمستقبل، والتي يمكن رؤية معالمها اليوم بالفعل (ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي المفاجئ، والأزمة الطاقية وإشكالية الانتقال الطاقي لما بعد الطاقة الأحفورية، والعولمة الاقتصادية والأزمات المالية المزمنة، وزيادة عدد سكان العالم). وهو يرى أنّه من المرجّح أن تكون هذه القوى الدافعة حاسمةً في العقود المقبلة؛ ومن ثمّ، استقراء إسقاطاتها في عام.2030 وتظلّ الفكرة الرئيسة لهذا الكتاب أنّ التغيرات الهائلة التي نشهدها منذ نهاية عقد التسعينيات (ما يُطلق عليه البعض "تسارع التاريخ") لن تبطئ حركتها، بل على العكس من ذلك، يتوقّع الكاتب أن تزداد وتيرة الاكتشافات العلمية المذهلة في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والطب، والاتصالات، والصناعة، والنقل، والروبوتات، وأن يصبح العالم أكثر تداخلً وترابطًا، وأن تصبح الابتكارات العلمية والتكنولوجيات البلاستيكية المبتكرة أكثر تحديدًا لمسار التطور البشري، وأن يتوسّع نطاق العلاج الجيني بفضل أبحاث الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية والتكنولوجيات النانو - جزيئية ليمدّ من متوسط العمر المتوقع، وأن يكتسب الكمبيوتر المزوّد بذكاء اصطناعي استقلالية معيّنة عن الجنس البشري، بحيث يصبح معاشنا الفردي والجمعي عام 2030، مختلفًا جدًّا عمّ هو عليه اليوم. وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أنّ هذا الكتاب يظلّ إجملً موسومًا بالطابع التوليفي لآراء مجموعة واسعة من الخبراء استعان بهم الكاتب في كلّ فصل، كلّ بحسب تخصّصه، إضافة إلى العديد من المصادر الأخرى التي يستقي منها وفرةً هائلة من المعلومات في شأن مختلف القضايا التي يجري تناولها، قبل أن يجري استنتاج إسقاطات على التحول في أمد عام 2030، في منحى يرسم فيه سيناريوهات معيارية لهذه التطوّرات المستقبلية. وينحو بذلك هذا الكتاب منحى عالم الاستشراف الأميركي آلفين توفلر، صاحب الكتاب الشهير "الموجة الثالثة"، والذي يرى راي هاموند أنّه من ألهمه توجّهه إلى مجال الدراسات المستقبلية. وإن كان هذا الجانب التبسيطي إحدى الهنات الأساسية لهذا الكتاب على المستوى المنهجي، فطرحه العديد من الأسئلة الجوهرية في مجال الدراسات المستقبلية يُضفي عليه قيمة مضافة أكيدة يجب التنويه بها، ويندر إيجاد رديف لها في أدبيات الخزانة المستقبلية العربية.