العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستشراف

الاستشراف

Book Review: Foresight

هيئة التحرير

الملخّص

المؤلف: تيري غودان Thierry Gaudin الكتاب: الاستشراف العنوان الأصلي (بالفرنسية): La Prospective الناشر: دار النشر الجامعية بفرنسا - باريس سنة النشر: 2013 (ط 2) عدد الصفحات: 127 صفحة

Abstract

المؤلف: تيري غودان Thierry Gaudin الكتاب: الاستشراف العنوان الأصلي (بالفرنسية): La Prospective الناشر: دار النشر الجامعية بفرنسا - باريس سنة النشر: 2013 (ط 2) عدد الصفحات: 127 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • تيري غودان
  • استشراف
  1. سنة النشر:  2(ط 2)
  2. عدد الصفحات:  صفحة

منذ قِدم الزمان، تسعى البشرية لاستشراف مستقبلها والتنبّؤ بمآلاتها وعواقبها. ويأتي هذا الكتاب ليقدّم تأريخًا مُوجزًا ومركّزًا لهذا السّعي للاستشراف؛ من مُمرسة الرّجم بالغيب في العصور القديمة إلى التقنيات الأكثر تعقيدًا في أيّامنا الحاضرة، والتي أضحت تكتسي صبغةً علمية بشكلٍ متزايد. ويعرض الكتاب أهم الأدوات الحالية للاستشراف، من نمذجةٍ بيئية واقتصادية وديموغرافية، مع إيلاء اهتممٍ خاصّ لدراسة التفاعلات التكنولوجيا/ المجتمع، على اعتبار أنّ الانتقال من الحضارة الصناعية إلى ما يُسميه الكاتب "الحضارة المعرفية" يُسائل بشدّةٍ الصّنعات والممرسات الاجتمعية. كم يقدّم مؤلف الكتاب، تيري غودان، معلوماتٍ وافية فيه عن مهنة "عالم المستقبليات"، باعتبارها "تكنولوجيا معرفية" تلجأ إليها الحكومات والشّكات والمسؤولون المحليون بشكلٍ متزايد، والمتمثّلة - في أعقاب دراسة مسألة مُعقّدة بعناية - في بلورة نماذج لمختلف ضروب المستقبل الممكنة. وإذ يستخدم غودان التقنيات الحديثة في عمله الاستشرافي، فإنه يتطلّع في الآن ذاته باهتممٍ الوسطاء الروحيين والعرّافين وسحرة العصور القديمة، والذين مهم كانت ممرساتهم غير عقلانية فهي ذاتُ تأثيراتٍ إيجابية نسبةً إلى القلق المُلازم للإنسان؛ مثلم أنه يُضفي قيمةً على بعض الأعمل الأدبية من الخيال العلمي، من قبيل روايات جول فيرن. لا غرو إذًا أن يستعرض هذا الكتاب في فصله الأوّل، قبل أن يستهلّ تقديم نماذج الاستشراف الكمّية والكيفية ويناقش تشعّباتها ومخاطرها، ضُوب الكهانة والعرافة التي سبقت إضفاء الصبغة العلمية على الاستشراف في العصور الحديثة، بدءًا من الإغريق، مرورًا بالعوالم الصينية والشرق-أوسطية والأفريقية والأوروبية-الغربية (قبل إضفاء العقلانية عليها، أو ما أطلق عليه ماكس فيبر "نزع السّحر عن العالم")، ووصولً إلى الخيال العلمي المكتوب والسمعي-البصري. ويرصد الكتاب عقب ذلك تيّارات التفكير في المستقبل التي نشأت عن الحرب العالمية الثانية، سواءٌ الجُزافية منها والمُبالِغة أو البراغمتية، مبُرزًا التأثير القوي لإدارة الدفاع الأميركية في هذا الصّدد، ومُلقيًا الضوء على التقريرين الذين أديا دورًا مهمً في بلورة مجال الاستشراف: تقرير "حدود النمو" لنادي روما في عام 1972، وتقرير برونتلاند "مستقبلنا المشترك" في عام 1987. ويستعرض في النصف الثاني من هذا الفصل أهمّ الإسهامات التي تبلورت في هذا المجال، إلى حدود العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مبرزًا الهيمنة الأميركية في هذا المجال، وبشكلٍ أكثر دقة، هيمنة اليمين المحافظ الأميركي. أمّا الفصل الثاني، فيطرح قضايا صدقية الاستشراف ونجاعته، والترابط بين منظّري الاستشراف وأصحاب القرار، وخاصّةً من خلال نموذج الإدارة الأميركية، ليؤكّد أنّ مستقبل البشرية لم يعد يُحدّد من لدُن العسكريين والدبلوماسيين ورجال الدين (كم كان يعتقد هنري كسنجر أو صموئيل هنتنغتون) أو عبر القوى الاقتصادية المُعولمة (كم كان يعتقد فرانسيس فوكوياما)، وإنّا من خلال بُعدَيْن أضحيا رئيسين: البيئة والمعرفة. ويلُامس الكاتب هنا عددًا من القضايا الجوهرية من قبيل النمذج المستقبلية البديلة

التي تضمن الاستقلالية من غير انغلاقٍ على الذّات، وتضمن الاستدامة من غير نبذٍ للتكنولوجيا، وتضمن الانتقال إلى ما يسميه "حضارةً معرفية". وتأتي القيمة المُضافة الأبرز للكتاب في جزئه الثاني بصيغة تركيبية لمنهجية الاستشراف، بدءًا باستعراض التقنيات الكمّية في مجال الاستشراف التي يُقسّمها إلى قسمين: (أ) النمذجة، التي تخصّ كمّياتٍ فيزيائية، والتي تشمل في مجال الدراسات الاستشرافية "النمذجة الديموغرافية" التي تعدّ الأكثر شُيوعًا وموثوقية لبناء سيناريوهات مستقبلية، و"النمذجة الاقتصادية" بمختلف تفرّعاتها خاصّةً منها المالية، و"النموذج الكينزي" الذي اعتبر الكاتب أنّ نقده لمنطق "اليد الخفية" للسّوق قد فتح مجالاتٍ خصبة للنمذجة والتخطيط، وكذلك "نموذج ليونتييف" الإحصائي الذي يعدّه متّسقًا مع دراسات جدوى التنمية المُستدامة، و"النمذجة البيولوجية"، وأخيرًا "النمذجة الاستعرافية". (ب) معالجة الرأي، التي تشمل استطلاعات الرأي بالإضافة إلى آراء الأطراف الفاعلة وإستراتيجياتها؛ وضمنها يُعرّف الكاتب مختلف المناهج والأساليب المُعتمدة في مجال الاستشراف: "الأسئلة السبعة لسامي Sept questions(" Sami de)، "مصفوفات التأثير المتبادل" (cross-impact Matrices)، "مِعداد رينيي" (de Abaque Régnier)، وأخيرًا "طريقة ديلفي" (Delphi.)Méthode ويكتسي مجال "دراسة التفاعلات التكنولوجيا/ المجتمع" (Ethnotechnologie) أهمّية بًالغة في نظر تيري غودان؛ إذ نجده يُخصّص له فصلً كاملً يتناول بالدرس والتحليل حلقة التأثيرات العكسية للمجتمع في التقنية (عملية الابتكار)، وتأثيرات التقنية في المجتمع (تحولّات المجتمع وآدابه، ذات الطبيعة غير المتوقّعة في الغالب). ويستعرض الكاتب في هذا الصّدد القضايا المستقبلية المركزية الرّهينة بالتحولّات التطوّرية المعاصرة الجذرية التي جلبتها وتجلبها المَكْنَنة المُفرطة والاكتشافات والتلاعبات الجينية، ليخلص إلى أنّ مجال "دراسة التفاعلات التكنولوجيا/ المجتمع" يُثّل جانب البحث الأساسي للاستشراف، في حين أنّ المجالات التخصيصية الأخرى تمثّل جوانب البحث التطبيقي. وهذه الجوانب التطبيقية هي التي تُشكّل تحديدًا الجزء الأخير من الكتاب، ولا سيّم منها منهجية "السيناريوهات" وسيرورتها التحليلية التي تعتبر الأكثر انتشارًا في مجال الدراسات الاستشرافية، و"ألعاب اليوتوبيا" وأدوارها التحريرية لآفاق استشراف المستقبل. وليختتم غودان هذا العرض السريع لهذه الجوانب التطبيقية، والتي كانت على وجه التأكيد تستحقّ تطويراتٍ أوفى، بتسليط الضوء على أهمّ مخاطرها التي يحصرها في ثلاثة عناصر: غلَبة البُعد "الآني"، وحصر العمل الاستشرافي في شخصيات معروفة ومُعترف بها، وعدم جسارة الأعمل الاستشرافية التركيبية التي تسعى غالبًا للتوافق وتنبذ الرُّؤى الجذرية. يبقى أنّ شكل الكتاب التوليفي ضمن سلسلة (sais-je Que) - الذي يعرض الجوهر الأساسي لموضوعٍ معيّ في حجم صغير (128 صفحة) بالنسبة إلى جميع كتب هذه السلسلة، تروم من ورائه دار "النشر

الجامعي بفرنسا" تعميم هذه المضامين العلمية على الرأي العام - لا يسمح في أحيان عديدة بالدخول في صلب الموضوع والاكتفاء بالإشارات السريعة ورؤوس الأقلام، وهو ما يظلّ عليه الأمر عمومًا في هذا الكتاب. كم يجدر بالذّكر في الختام أنّ تيري غودان يرأس جمعية "استشراف "2100 (2100 Prospective)، والتي تقوم على اعتبار أُفق عام 2100 الإطار الزمني المعقول لمعالجة القضايا المعقدّة من قبيل المناخ، والديموغرافية العالمية، وغزو الفضاء. وتعدّ إحدى الأفكار المحورية عند غودان وجمعية "استشراف 2100" أنه لا يوجد شيءٌ ثابت مطلقًا في مختلف السيناريوهات المستقبلية التي يجري تطويرها؛ فاليقين الوحيد الذي لدينا بشأن المستقبل هو أنه ليس مكتوبًا سلفًا، بل إنه لم يزل أبدًا مفتوحًا، ويمكن تغييره عن طريق العمل والفعل والممرسة.