العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدراسات المستقبلية: الأسس الشرعية والمعرفية والمنهجية لاستشراف المستقبل

الدراسات المستقبلية: الأسس الشرعية والمعرفية والمنهجية لاستشراف المستقبل

Book Review: Future Studies: The Legal, Epistemological and Methodological Foundations of Future Foresight

كمال طيرشي

الملخّص

المؤلف: فؤاد بلمودن Fouad Belmouadden الكتاب: الدراسات المستقبلية: الأسس الشرعية والمعرفية والمنهجية لاستشراف المستقبل الناشر: المركز الثقافي العربي ومؤمنون بلا حدود - بيروت والرباط سنة النشر: 2013 عدد الصفحات: 240 صفحة

Abstract

المؤلف: فؤاد بلمودن Fouad Belmouadden الكتاب: الدراسات المستقبلية: الأسس الشرعية والمعرفية والمنهجية لاستشراف المستقبل الناشر: المركز الثقافي العربي ومؤمنون بلا حدود - بيروت والرباط سنة النشر: 2013 عدد الصفحات: 240 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • دراسات مستقبلية
  • فؤاد بلمودن
  1. سنة النشر:  2013
  2. عدد الصفحات:  صفحة ابن منظور، لسان العرب، ج 9 (بيروت: دار صادر، 1997)، ص.171 أحمد صدقي الدجاني، "الدراسات المستقبلية وخصائص المنهج الإسلامي"، المستقبلية، العدد 2 (2001)، ص.22 خلدون الشمعة، "سوسيولوجيا المستقبل بين المستقبل والمستقبلية"، الفكر العربي، العدد 10 (نيسان/ أبريل 1979)، ص.21

يروم هذا الكتاب المساهمة في الجهد المفاهيمي والتوضيحي للدراسات المستقبلية في العالم العربي والإسلامي عمومًا، وإحقاق الرؤية الحصيفة للتراكمية العلمية المستمرة. ولذلك فقد اقترن جوهر الكتاب بالسعي لبيان مفهوم استشراف المستقبل، واكتناه دلالاته المعرفية، وتوضيح المنحى الاستكشافي فيه بين قائلٍ بفنّية هذا المفهوم، وقائلٍ آخر بعلميته، وقائلٍ ثالث بشقّه الفلسفي والمنهاجي، ومن ثمّ تأصيل الأسس الإبستيمولوجية والمنهجية لاستشراف المستقبل، بالإضافة إلى ما يسميه مؤلّف الكتاب أسسها الشرعية، وكان ختامه تأكيدًا لحاجة الأمة العربية الإسلامية لمثل هذه الدراسات الاستشرافية. وإذ يُحبّذ المؤلف التعبير عن الدراسات المستقبلية عبر مفهوم "استشراف المستقبل"، فإنّه يُيط اللثام عن لغزيّة هذا المفهوم بالرجوع إلى أصله اللغوي في لسان العرب، إذ يرد أنّ "تشرّف الشيء واستشرفه بمعنى وضع يده على حاجبه، كالذي يستظلّ من الشمس حتى يبصره ويستبينه"13، وبذلك يكون الاستشراف محايثًا للتطلّع والنظر والتوقّع240. كم يُايز الكاتب بين مصطلح علم المستقبل ومصطلح المستقبلية، اللّذين كثيرًا ما تختلط ترجمتهم العربية، مكتنهًا بذلك مكامن الاختلاف بين المفهومين الاصطلاحيين. فكلمة مستقبلية يُرتجى منها تلك الحركة الفنية التي انبجست في إيطاليا في بداية القرن العشرين، مع بيان مارينيتي ("المنيفستو المستقبلي")، ونشطت في شتّى مناحي الوسط الفني، من رسمٍ ونحت ومسرح... إلخ. أما علم المستقبل فهو علمٌ خاص بالتنبؤ بالأوضاع والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتمعية في المستقبل، ويعتمد في دراسته على الاستقراء والاستنباط، ويخرج بعدها بالتأملات والتصورات والتمثلّات التي سيكون عليها المجتمع في الأجيال اللّحقة. وبعيدًا عن الجدل بشأن أصل التسمية وماهيتها، بمعنى هل يتعلّق الأمر بعلمٍ أم فنٍّ أم فلسفة؟ فإنّ ما يهمّنا في الدراسات المستقبلية هو كونها دراسات ترسم خريطة كلّيانية للمستقبل، وتعمل على بلورة الخيارات الممكنة والمتاحة، كم تساعد على التخفيف من الأزمات عن طريق التنبؤ، وترشيد عمليات صنع القرار، وزيادة المشاركة الديمقراطية في صنع المستقبل ورهاناته. مم يمنح للشعوب أريحية كبيرة في الممرسة الديمقراطية الفاعلة والتشاركية ويحفز فيهم الروح التفاؤلية بمنحى مستقبل واعد وعامر بالآمال، يساهم فيه المجموع في صنع القرارات وتقرير المصائر. وفي عقُب هذه التأصيلات المفاهيمية، ينفتح الكتاب على الأسس والمنطلقات "الشرعية" لاستشراف المستقبل بدءًا من المنطلقات الاعتقادية التي تعتبر وفق شرّاح المستقبليات أقدم أنماط الانهمم بالمستقبل والتنبّؤ به. وينهل الباحث في هذا الصّدد من معين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مساوقًا

بين الاستشراف المستقبلي والتفاسير التأصيلية المتعالقة بالرؤى التاريخانية، سواءٌ عند أمم المسيحيين أو المسلمين، معتقدًا ولو بصورة إرهاصية مواربة بأنّ الانهمم بالمستقبل والاهتمم به لازم البشرية منذ ظهورها، وأنه عبر تاريخها الطويل كان القلق والخواف مم يخبّئه المستقبل بالإضافة إلى الفضول وحب المعرفة بواعث قوية للتنبّؤ بالمستقبل، وليبيّ أخيرًا أنماط تنبّؤ الأمم الغابرة بدءًا بالنمط البدائي، والنمط الاعتقادي، والنمط التخيلّي. ويُجمل الكتاب المرتكزات المنهجية لدراسة المستقبليات في خمس نقاط، أولاها دراسة "التغيّ"، معتبرًا أنه ظاهرة مجسّدة وصيرورة دائمة ولها قيومية مثلى في الفكر الإنسانوي، بدءًا بالحضارات الغابرة إلى يومنا هذا. ويوضّح فؤاد بلمودن أنه على الرغم من انهمم البشرية المبكر والديمومي به، فإنّ موضوع التغير قد عولج من مناحي وتمثلّات متباينة، وذلك وفقًا للاتجاهات الفكرية السائدة في كل مجتمع عبر الدهور. أما الثانية فهي "أساليب التحليل" التي تنحو في دلالاتها اللغوية إلى التجزئة والتفكيك والعود إلى مكوّناتها الجوهرانية ومؤلفاتها الصميمية، وهي تراوح بين الكمّي والكيفي، وبيان صلاحية أيٍّ منهم للوصول إلى قدر فارق للدقة والصوابية والموضوعية. وقد أضحى في هذا الصّدد من الشائع ترجيح كفة الكم على حساب الكيف في كثير من الأبحاث والدراسات السوسيولوجية الراهنة على اعتبار أن قاعدة التكميم أكثر اختصارًا ودقة. أمّا المرتكزات المنهجية الأخرى لدراسة المستقبليات فهي على التوالي وفقًا للكاتب تحديد مستويات "الاتجاه"، الذي يعني في جوهره تكرارية الحدث باتساق ينبثق منه حمل ظاهرةٍ ما على أن تأخذ نهجًا معينا في تغيّها من حالة إلى أخرى؛ ثمّ "البُعد الزماني"، والذي يعني بالنسبة إلى الدراسات المستقبلية، سواءٌ كانت استكشافية أو معيارية أو هجينة، الحرص على تحديد مدى زمني لتنبّؤاتها؛ ثمّ أخيرًا "الكلّيانية"، ويقصد بها التركيز على النظام كله بدلً من التركيز على جوانبه، من منطلق قاعدة أنّ الكلّ أكبر من مجموع الأجزاء، ومن ثمّ، تفكيك الظواهر وإعادة تركيبها ودراسة مناحيها التغيرية كلّ واحدةٍ على حدة، ثم دراسة تأثير كلّ متغيرٍ في الآخر، ودرجة التفاعل بين المتغيرات (ص. 18) وتظلّ إحدى أهمّ مساهمت هذا الكتاب هي التأكيد على أنّ الهدف من وراء دراسة مناهج الدراسات المستقبلية ليس التعمّق في المناحي المعرفية النظرية التي أثارتها حقول العلوم السوسيولوجية، ولا حتى الوقوف عند جدلية الكمّ والكيف، بل الوقوف على أهم التقنيات والأساليب الإجرائية المتداولة في حقل الدراسات المستقبلية، وأنّ هذه المناهج على اختلاف مناحيها، سواءٌ المعيارية أو الإرشادية أو الكيفية، تكمن قيمتها في كونها تُكّننا من حذق معالم الاتجاهات والثيمت السائدة للظواهر المدروسة، ومناحي ونوعية التحولات الفاعلة سوسيولوجيًا، ولزومية وشرط تبلورها وتجليها وكذلك احتملاتها وامتداداتها. ثمّ يبُرز الكاتب أنّ خمس تقنيات تندرج تحت المناهج المعيارية، وهي "السيناريو"، الذي يصف وضعًا مستقبليًا ممكنًا أو محتملً أو مرغوبًا فيه، و"الاستثارة الفكرية"، وهي تشجيع أكبر قدر ممكن من

الأفراد على طرح ما لديهم من أفكار مستقبلية بشأن موضوع معين، و"تحليل التدرج السببي"، الذي يرتكز على توظيف معطيات ما بعد البنيوية، و"التنبّؤ الرجعي"، بوصفه أهم أساليب التنبؤ المعياري حيث يعمل على الإجابة عن سؤال "ما المطلوب مستقبلً؟"، وأخيرًا، تقنية "تمثيل الأدوار"، التي تتشابه معطياتها بأكبر قدر ممكن مع الواقع الفعلي. وبعد أن يستعرض الكتاب هذه المناهج المعيارية الكيفية للدراسات المستقبلية وتقنياتها، يتناول المناهج الرياضية درسًا وتحليلً، معتبرًا أنّ جمهور العلمء في هذا المجال يعتقد أنّ الأساليب الكمية بصورها المتباينة الرياضية والإحصائية أكثر دقّة وإيجازًا وموضوعية في التوصيف، لما تحقّقه من إمكانية التعامل مع المتغيرات واللواحق الكمية بصورة تسنح باكتناه ما يمكن أن تنحو إليه السياسات المختلفة من نتائج على المدى الطويل (ص. 147). ويبيّ الكاتب أنّ الأنماط الكمّية تمتاز بغلبة الطابع التوصيفي، مع أنها قد لا تتوافق مع بعض الموضوعات والظواهر التي تتطلّب استخدامًا مكثّفًا لأدوات التحليل المعياري، معتبرًا أنّ الحاجة تظلّ ملحّة مع ذلك لاستخدام تقنيات التحليل الكمي خصوصًا في الموضوعات ذات المنحى الحسابي الرياضي، مثل قياس الدخل القومي ونسب تزايد السكان وحجم استهلاك الطاقة وغيرها. ثمّ يعرج الكتاب عقب ذلك على التزايد الكبير والمستمر للدراسات المستقبلية الذي أدّى إلى تعميق مجالات التداول لأساليبها وأنماطها؛ إذ لم تعد هذه الدراسات منذ ستينيات القرن الماضي قاصرة ومرتهنة بالمجالات العسكرية والإستراتيجية، بل ذهبت بعيدًا عن الجزئية والقطاعية في تمثلها للمستقبل شيئًا فشيئًا؛ فظهرت كثير من الدراسات والتقارير المستشرفة للمستقبل في العالم الغربي تحرص كلّ الحرص على الدوام والاستمرارية وتتبنّى خلفية أطول مدى لنشاطاتها. وفي هذا السياق، ظهرت النمذجة، وهي التي تهتم بمجمل التغيرات والتشابكات والتفاعلات، وتحاول التعبير بدقّة عن كلّ الظواهر والديناميات؛ إذ لا تهمل العلاقات التي قامت في الماضي، ولا تهمل الأسباب الموضوعية التي تفرض نفسها لتغيير المسارات المستقبلية، والنموذج في جوهره هو بناءٌ إبستيمولوجي يُعمد فيه إلى المحاكاة من خلال آلية عمل نسق معين واقعي، ويُبلور من خلاله الخصائص البنيوية الرئيسة له؛ ويتمّ بناء النموذج من خلال الجمع بين الأدوات المنهجية الكمية والأدوات الكيفية. ينحو بنا هذا السؤال المركزي في طرح فؤاد بلمودن نحوًا حثيثًا إلى محاولة تجلّ القيمة المرتجاة من وراء الدراسات الاستشرافية المستقبلية، بحكم إبراز مدى حاجة الأمة الإسلامية إلى الدراسات المستقبلية في جلب المنافع ودفع المضار، أو الاسترشاد بها في رسم الخطط وتحديد الأولويات واتخاذ القرارات. ومع ذلك، علينا التحفظ إزاء مثل هذا النمط من الدراسات؛ إذ ينبغي الاعتدال في الدراسة والتطلع إزاءها؛ فليست كثرة العناية بها وكثرة المراكز التي فتحت لها علامة صحة، بل هي علامة على مدى

فقدان الرؤية المستقبلية، ومن ثمّ الحاجة للعناية بالدراسات المستقبلية. ويؤك د الكاتب في هذا الصّدد على أنّ أهمية هذه الدراسات تكمن في كونها تجعل من الأمم تتحكّم في مستقبلها، ومن دون هذا التخطيط والاستعداد، فإن النتيجة المؤكدة هي الوقوع في المآسي والمحن على حين غلفة، وكلم كثرت مراكز الدراسات المستقبلية ومؤسّساتها، فإنّ ذلك يؤدّي إلى استقرار الحياة في شتى مناحيها. وهو ما يقود فؤاد بلمودن إلى النهل من التراث الديني الإسلامي لبرادايمات المناحي الاستشرافية المستقبلية، بدءًا من استعراض الرّؤى المستقبلية عند الأنبياء نوح ويوسف ومحمد عليهم السلام. وهو بذلك يضع يده على الضرورة بالنسبة إلى الأمّة العربية الإسلامية، إن هي أرادت المساهمة بفاعلية في صنع المستقبل، أن تمتلك الخريطة الواضحة لهذا العالم الجديد، وتعبئة جهد الباحثين والخبراء، وإنهاض المراكز الإستراتيجية ومعاهد البحث العلمي ذات الاهتمم بمستقبليات العالم العربي والإسلامي، والاعتراف بأنّ إطار الدراسات المستقبلية يزداد الاهتمم به على نحو كبير، وبالخصوص في الدول المتطورة. والأمة العربية الإسلامية هي بذلك، وفقًا للكاتب، في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الدراسات، ولكن شريطة الطرح الجاد والمثمر للتحولات العالمية الآنية والمستقبلية، والإحاطة بالمتغيّات والتناقضات والصراعات في هذا العالم الكبير. وأخيرًا، يجدر بنا التنويه إلى أنّ هذا الكتاب يُساهم على وجه التأكيد في إثراء التراكم المعرفي في هذا الحقل من الدراسات، وفي التقويم العام لواقع الدراسات المستقبلية في العالم العربي والإسلامي الذي يجلّ الضعف والانحسار والمحدودية وغياب التشجيع على اقتحام الباحثين لهذا النوع من الدراسات الحيوية لنهضة الشعوب والأمم وتقدمها وازدهارها في هذا الوقت الذي تعصف المتغيرات الداخلية والخارجية بكلّ الكيانات الصغيرة والضعيفة، بينم تتنازع إستراتيجيات القوى العظمي على تحسين وضع شعوبها في المستقبل.