الاستشراف: فنّ وعلم استباق المستقبل
Book Review: Foresight: The art and science of anticipating the future
الملخّص
المؤلف: دونيس لوفريدج Denis Loveridge الكتاب: الاستشراف: فنّ وعلم استباق المستقبل العنوان الأصلي (بالإنكليزية): Foresight: The art and science of anticipating the future الناشر: روتليدج - نيويورك ولندن سنة النشر: 2009 عدد الصفحات: 299 صفحة
Abstract
المؤلف: دونيس لوفريدج Denis Loveridge الكتاب: الاستشراف: فنّ وعلم استباق المستقبل العنوان الأصلي (بالإنكليزية): Foresight: The art and science of anticipating the future الناشر: روتليدج - نيويورك ولندن سنة النشر: 2009 عدد الصفحات: 299 صفحة
- استشراف
- استباق
- دونيس لوفريدج
بادئ ذي بدء، قد يكون من المفيد، من أجل فهم أوسع لمنظور هذا الكتاب، النظر في المسار المهني لصاحبه، دينيس لوفريدج. فقد اشتغل لوفريدج لمدّة طويلة محلّلً كيميائيًا، قبل أن يعمل في صناعة الزجاج، لينتقل عقب ذلك إلى التخطيط ومنه إلى ما أصبح يُعرف لاحقًا باسم الاستشراف. وفي هذا الصّدد، انصبّت أبحاث لوفريدج منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي على دراسة التحديات الكبرى التي تمثّلها الحالات المعقّدة النّاجمة عن تشبيك موضوعاتٍ متعدّدة (المجتمع، العلوم والتكنولوجيا، الاقتصاد، البيئة، السياسة، القِيَم)، وهي ما يسميها الكاتب "المنظومة الاجتمعية-التكنولوجية-الاقتصادية-البيئية- السياسية-القِيَمية" (STEEPV). والأمثلة الأشهر التي يضربها الكاتب على هذه التطوّرات في الآونة الأخيرة هي بالأساس بروز مجتمعات المعرفة، والاستدامة والتنمية المستدامة، والتطبيقات الفائقة للتكنولوجيا (تكنولوجيا النانو، التكنولوجيا الحيوية، الذكاء الاصطناعي وغيرها). ومن ثمّ، يتأتّ اهتمم لوفريدج، وباتساقٍ مع خلفيته المهنية الوضعية هذه، بالنظم وأهميتها بالنسبة إلى التفكير والفعل الاستشرافي. ولذا نجده يكتب مثلً: "إذا كان ثمّة تداخل بين الاستشراف والتفكير النُّظمي، فلا يوجد موضع أفضل للنظر فيه من كتابات هربرت جورج ويلز، وألدوس هكسلي، وفانيفار بوش، وجون فون نيومان، وريتشارد فاينمن، وإريك دريكسلر، وهانز مورافيك، وراي كورزويل والعديد من الكتّاب الآخرين. وبالمثل، ينتج كلّ تحوّلٍ بارادايمي رئيس (بمفهوم توماس كون 1962)، أيًّا كان مجاله وأيًّا كانت النظرية الجديدة المترتّبة عنه، عن الاستشراف، أي عن فعل الاستباق" (ص. 17) وينقسم هذا الكتاب الذي بين أيدينا إلى جزأين، يتناول أوّلهم علاقة الاستشراف بنظرية النظم، ويعرض لأهمّ المفاهيم المتعلّقة ب "نظرية" الاستشراف و"ممرسته"؛ أمّا الجزء الثاني فيسعى إلى توظيف هذا التنظير النظري لبلورة منظورٍ أوسع (الاستدامة) وعلى مدى أطول (2030، 2050، وما وراء ذلك). ومن ثمّ، أحد أهمّ أهداف هذا الكتاب هو الربط بين التفكير بشأن النظم والتفكير الاستشرافي، وهو ما يصل بنا وفقًا للكتاب إلى أبعد من مجرّد الفعل المعقّد للتخطيط القائم على السيناريوهات (ص.)xi ويستهلّ لوفريدج الفصل الأوّل من الكتاب (الاستشراف والتفكير النُّظمي) ببعض التوضيحات المفاهيمية، وفي مقدّمتها مفهوم "الاستشراف"، مميّزًا في هذا الصّدد بين الاستشراف على المستوى الفردي أو على مستوى الجمعة الصغيرة (foresight)، والاستشراف الإجرائي النظامي الذي غالبًا ما يرتبط بمستوى مؤسّساتي و/ أو قومي (Foresight) (ص. 12). ثمّ يعرض لمفهوم "التفكير النُّظمي" الذي يتحدّى التفكير "الاختزالي" الذي هيمن على العِلْم لأمدٍ طويل وبطرق عدّة (ص. 15)، ومن ثمّ تفضيل الباحث لموشور "الوضعيات" وليس "المشكلات" للنظر إلى الفعل الاستشرافي، بوصفها نُظمٌ موسومة ب "التفاعل المنتظم والمترابط بآثار رجعية لمجموعةٍ من العناصر تشكّل كلًّ واحدًا" (ص 16). كم يعرض مفهوم "التقدير" الذي يعتبره مركزيًا، من منطلق أنّ كلًّ من الاستشراف والتفكير النُّظمي يتأثّران بالصّفات السلوكية للأطراف الفاعلة (ص. 23)، ومن ثمّ أهميته بالنسبة إلى كلٍّ من مهارات "التعلّم" و"الاستباق"، وليخلص
إلى أن التفاعل الدائري وذا الآثار الرجعية (تقدير ↔ تعلّم ↔ استباق) يمثّل أساس "الاستشراف " (ص. 24) ويتناول الفصل الثاني (الاستشراف والنُظم: الإبستيمولوجيا والنظرية) الجانب النظري للاستشراف، معتبرًا منذ البداية أنّ الاستشراف "لن يغيّ من الأمر كثيرًا نسبةً إلى ما يحدث فعلً في العالم الحقيقي" (ص. 38)، في حين يعرض الفصل الثالث لمضامين "الاستشراف المؤسسّي" (ص. 79)، بالإضافة إلى ملحقٍ طويل وثريّ بشأن تطبيق هذا الإطار على مستوى ممرسات استشرافية قومية (ص. 104). وأمّا الفصل الرابع (الاستشراف في الصناعة)، فهو بالتأكيد من أغنى فصول هذا الكتاب بحكم التجربة المهنية الثرية لصاحبه لما ينيف عن 40 عامًا في مجال الأعمل والبحوث الصناعية، وهو مثيرٌ للاهتمم على وجه الخصوص بالنسبة إلى القارئ القادم من خارج قطاع الأعمل والصناعة. ويتعرّض الكاتب هنا من منطلق خلفيته المهنية المتينة إلى أهمية الاستشراف في المجال الصناعي وتطبيقاته العديدة، بما فيها ما يسميه "جمع المعلومات الاستخباراتية" (gathering Intelligence) (ص. 125)، و"المسح البيئي" (Environmental scanning) (ص. 128). وأخيرًا، يروم الفصل الخامس تعميم النتائج التي جرى الوصول إليها سلفًا من خلال استنباط مجموعة من "أجود الممرسات" (practices Best) بالنسبة إلى مجموع مكوّنات المنظومة (STEEPVشار إليها أعلاه.) المُ بعد هذه النقاشات الغنية والمستفيضة، تتبوّأ الاستدامة مكانةً مركزية في الجزء الثاني من الكتاب، ممهّدًا لمعالجتها بعرض واسع لطريقة السيناريوهات (الفصل السادس)، بوصفها بالأساس عملية تعلّم (ص. 158)، وموجزًا إياها في طريقةٍ لتصميم السيناريو من تسع خطوات (ص. 159)، ومنتقدًا لها على الخصوص في ما يتعلق بمسألة "القِيَم والمعايير" التي تقوم عليها (ص. 167). أمّا الفصل السابع (العالم المُستدام)، فيتضمّن قدرًا وافرًا من المعلومات والمقاربات الثرية، واصفًا المشاكل أو المشاريع السهلة الانقياد نحو التفكير الاختزالي في "حلٍّ محدّد" أو "نقطة نهاية" بأنها عوضًا من ذلك "شللّات دينامية لوضعيات مترابطة بينيًّا... تنشأ من العلاقات المتبادلة بين العالمين البشري والطبيعي، يجري فيها الاعتراف بالاعتمد المطلق للعالم البشري على العالم الطبيعي والعمل على أساس ذلك" (ص. 203)؛ بمعنى أنّ العقل البشري لا يمكنه ببساطة التعامل مع مستوى تعقيد العالم الطبيعي (ص. 211). ومن ثمّ، يجري تقديم نموذج عن هذا التعقيد في ملحقٍ يعرض مفهوم العلاقات المتبادلة في مجال الاستدامة (ص. 221). وأخيرًا وليس آخرًا، تجري الإشارة إلى تزايد درجة تعقيد المنظومة (STEEPV) في المستقبل، لا سيّم بالنظر إلى الإسقاطات السكانية في أفق 2030، ثمّ في أفق.2050 وفي الختام، ينبغي التنويه إلى أنه ليس من اليسير على الإطلاق الولوج إلى هذا الكتاب، وذلك بسبب لغته المتخصّصة وصوغه الفائق الكثافة، وأسلوبه البلاغي الصارم. بيد أنّ القارئ، متى أدّى "التكلفة
الثابتة" لتفكيك هذا الاستصعاب الاستهلالي وتذليل هذه العقبات الأولية، فإنه يجد نفسه أمام فيض هائل من المعلومات والتشبيكات لمجالات عادة ما تجري مقاربتها عبر مناهج اختزالية. ما نحن بصدده هنا ليس إذًا مجرّد محاولةٍ لتعزيز الدراسات الاستشرافية، بقدر ما هو تعليق آمال واسعة على آفاق إنسانية أبلغ من الأدوات والمعارف التي بين أيدينا. وبالعودة إلى الغرض الرئيس من الكتاب، لا يسعنا سوى الاتفاق على أنّ نمط "التفكير النُّظمي" الذي يدافع عنه دينيس لوفريدج يمكنه من حيث المبدأ المساهمة في ترسيخ العمل الاستشرافي وتطويره. فعندما يجري استخدامه بشكلٍ مناسب، فإنه يضيف الاتساق والدقة في هذه العملية. ويقدّم المؤلف مجموعة من الاقتراحات التي تُوفّر جميعها مادّةً غنية للنقاش، وذلك للتعجيل بتنفيذ هذا الربط بين "الاستشراف" و"التفكير النُّظمي".