تصنيف السيناريوهات وإشكالية الفوضى النظرية:في الاستشراف الحديث
Categorizing Scenarios and the Theoretical Problematic of Chaos in Modern Foresighting
الملخّص
لا يمكن حصر أسباب مشكلة الفوضى والخلط النظري اللذين يشوبان حقل استخدام السيناريوهات في الدراسات المستقبلية؛ فثمّة مجموعة مركّبة من الأسباب أدّت إلى خلق هذه الحالة، ومن بينها استخدام المستشرفين أنواعًا مختلفة من المفاهيم ليس بينها فروق واضحة. وقد تعدّدت الكتابات النظرية من دراسات وكتب ومقالات أكاديمية تتناول موضوع السيناريوهات على نحوٍ غير مسبوق. وتعددت معها المداخل والمقاربات والاختصاصات التي تستخدم السيناريوهات. وهو ممّ يدفعنا إلى طرح عديد من التساؤلات بشأن تصنيف السيناريوهات وإشكالية الفوضى النظرية في الاستشراف الحديث. تتناول هذه الورقة التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات درسًا وتحليلً، وتقدّم التوجّهات الجديدة في تصنيف السيناريوهات التي انبثقت عن جهد المستشرفين بمختلف مشاربهم، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وماركز التفكير، والشركات المختلفة.
Abstract
ملخص: لا يمكن حصر أسباب مشكلة الفوضى والخلط النظري اللذين يشوبان حقل استخدام السيناريوهات في الدراسات المستقبلية؛ فثمّة مجموعة مركّبة من الأسباب أدّت إلى خلق هذه الحالة، ومن بينها استخدام المستشرفين أنواعًا مختلفة من المفاهيم ليس بينها فروق واضحة. وقد تعدّدت الكتابات النظرية من دراسات وكتب ومقالات أكاديمية تتناول موضوع السيناريوهات على نحوٍ غير مسبوق. وتعددت معها المداخل والمقاربات والاختصاصات التي تستخدم السيناريوهات. وهو ممّ يدفعنا إلى طرح عديد من التساؤلات بشأن تصنيف السيناريوهات وإشكالية الفوضى النظرية في الاستشراف الحديث. تتناول هذه الورقة التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات درسًا وتحليلً، وتقدّم التوجّهات الجديدة في تصنيف السيناريوهات التي انبثقت عن جهد المستشرفين بمختلف مشاربهم، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومراكز التفكير، والشركات المختلفة. الكلمت المفتاحية: السيناريوهات، الاستشراف الحديث، رويال دوتش شل، جونغرمان، نسيم طالب. Abstract: The causes of chaos and of the theoretical confusion which mar the field of using scenarios in future studies cannot be exhaustively enumerated. A complex set of reasons have led to this situation, including foresighters' use of different and unclearly differentiated concepts. The theoretical literature in terms of studies, books, and monographs that deal with the subject of scenarios has proliferated in unprecedented fashion. In parallel, the interventions, approaches, and specializations that use scenarios have also proliferated. This leads us to question the categorization of scenarios and the theoretical problematic of chaos in modern foresighting. This paper studies and analyzes the classical categorization of scenarios, and presents the new orientations for this categorization arising from the efforts of different kinds of foresighters, governmental and non-governmental institutions, think tanks, and corporations.
- السيناريوهات
- الاستشراف الحديث،
- رويال دوتش شل،
- جونغرمان
- نسيم طالب.
- Scenarios
- Modern Foresighting
- Royal Dutch Shell
- Helmut Jungermann
- Nasim Taleb
تقديم
وعلى الرغم من السطوة المنهجية للسيناريوهات وجاذبيتها التي بلغت حدودًا غير مسبوقة، وذلك بعد النجاح المنقطع النظير الذي شهدته عندما استخدمتها أول مرة في مجال الأعمل والاقتصاد الشركة البترولية رويال دوتش شل1، وفضلً عن المساهمت البارزة لبعض الباحثين والخبراء مثل بيير واك وبيتر شوارتز2، فقد خلقت هذه الحالة من النجاح جدلً واسعًا بين المستشرفين والفلاسفة بشأن الجوهر المعرفي والإبستيمولوجي للسيناريوهات، وتتالت التساؤلات عن ماهية الخلفيات والأطر النظرية التي تُنتج من خلالها هذه السيناريوهات. ولا يمكن اختزال الأدبيات والحوارات النظرية التي أُنتجت بشأن منهجية السيناريوهات منذ بداية الثمنينيات من القرن العشرين بصفة مطلقة في مناقشة إشكالية تصنيف السيناريوهات؛ إذ تناولت هذه الأدبيات قضايا أخرى، كمقاربة الآثار البعيدة المدى لتحليل السياسات في عمليات صنع القرار، أو دراسة أنماط التحليل الذي يهدف إلى تقييم تماسك الإستراتيجية من خلال تعددية المستقبلات؛ ولكنّ إشكالية تصنيف السيناريوهات وتقييم المناهج والمقاربات المختلفة للسيناريوهات ظلّت ثاوية بوصفها إشكالية مركزية في أدبيات البحث الاستشرافي على اختلافاتها. لقد تعددت المداخل والرؤى لدى المستشرفين في النظر إلى السيناريوهات وأشكال بنائها؛ ما أدّى إلى خلق أنماط لا حصر لها في تصنيف السيناريوهات قد تُربك وتشلّ ذهن الباحث، خصوصًا في حال انعدمت الرؤية الشاملة والكلّنية لهذه الأنماط التصنيفية المتعددة. وقد لاحظ عدد من الباحثين هذه المعضلة وأشاروا إليها من نواحٍ عدة؛ فقد وصف مثلً مايكل ماريان هذه الحالة التي أصابت مجال بناء السيناريوهات ب "الحقل تعددي الاختصاصات ذي التشويش الشديد" Very fuzzy multi-field()3؛ وأضاف قائلً: "إنّ حقل بناء السيناريوهات يخضع لتأثيرات التكنولوجيا والسياسة والثقافة ذات الطبيعة المتغيرة باستمرار، ممّ جعل من مجال السيناريوهات أحجية يصعب إيجاد الصلة بين أجزائها"4. في حين وصف رون برادفيلد وآخرون الوضع الذي
وصل إليه مجال السيناريوهات ب "الكايوس المنهجي" (Chaos Methodology)، ويُقصد به انعدام التوافق بين الباحثين والممرسين بشأن جوهر مفهوم بناء السيناريوهات5. وقد تفاقمت المشكلة في نظر بعض المستشرفين لتصل إلى الإقرار بوجود "خلط وسوء استخدام للسيناريوهات" على حدّ تعبير غودي وروبيلا في مقالهم الموسوم "صنع المستقبل: استخدام السيناريوهات وسوء استخدامها"6. ويبدو إذًا أنّ مشكلة تصنيف السيناريوهات والخلط المفاهيمي الذي شهده حقل بناء السيناريوهات وتخطيطها كان نتيجة طبيعية للطفرة النوعية والكمّية في البحث والكتابة في السيناريوهات في ثمانينيات القرن العشرين، بعدما كانت سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين لحظة تدشين واستكشاف من خلال المساهمت الرائدة لهيرمان كاهن7. لقد تعدّدت الكتابات النظرية من دراسات وكتب ومقالات أكاديمية تتناول موضوع السيناريوهات على نحوٍ غير مسبوق. وتعددت معها المداخل والمقاربات والاختصاصات التي تستخدم السيناريوهات. وهو ممّ يدفعنا إلى طرح عديد من التساؤلات بشأن تصنيف السيناريوهات وإشكالية الفوضى النظرية في الاستشراف الحديث.
أولً. مبرّرات الحاجة إلى تصنيف السيناريوهات
لا يمكن حصر أسباب مشكلة الفوضى والخلط النظري اللذين يشوبان حقل استخدام السيناريوهات في الدراسات المستقبلية في سبب واحد؛ فثمّة مجموعة مركّبة من الأسباب أدّت إلى خلق هذه الحالة، ومن بينها استخدام المستشرفين أشكالً مختلفة من المفاهيم ليس بينها فروق واضحة، وذلك مثل: التوقّع، والتصوّر، والتخطيط، والتخيل، والتنبؤ... إلخ. وعلاوة على ذلك، فإنّ أسبابًا أخرى ساهمت في تكريس حالة التشويش والفوضى النظرية، وهي ترجع بالأساس، بحسب مايكل ماريان، إلى عدّ مجال البحث الاستشرافي شكلً من أشكال استكشاف لأطياف مختلفة من المستقبلات، وهي المستقبلات المحتملة،
والممكنة، والمرغوبة8. كم أنّ البحث الاستشرافي يسعى في الوقت ذاته لتعريف الاتجاهات السابقة وتحديدها، وهذه الخصوصية التي يتميز بها هذا البحث كانت وراء إذكاء الجدل النظري والمفاهيمي بين المستشرفين. وقد انقسموا بذلك قسمين أساسيين: قسم يفضّل رسم سيناريوهات بناء على المستقبلات الممكنة والمحتملة، فيم يفضّل قسم آخر رسم سيناريوهات معيارية بناء على المستقبلات المرغوب فيها؛ وألقى ذلك بظلاله في تكريس الفوضى النظرية. ولكنّ ذلك كان حافزًا من أجل بدء المحاولات الأولى للتصنيف جرّاء الانقسام الواضح بين المستشرفين، وبين أنماط الفكر الاستشرافي التي يشتغلون ضمنها، والتي انقسمت بدورها إلى ثلاثة أنماط أساسية طبعت الكتابات الاستشرافية على نحوٍ واسع؛ وهي النمط التنبئي، والنمط الاستكشافي/ الاستطلاعي، والنمط المعياري. وتعدّ هذه الأنماط الثلاثة بمنزلة القاعدة المرجعية لدى مختلف المستشرفين، ولا تنحصر أهميتها في قدرتها على تسليط الضوء على إشكالية تصنيف السيناريوهات فحسب، ولكنها مهمّة كذلك في توضيح قيمة الأساليب والتقنيات التي يتطلبها كلّ نمطٍ من هذه الأنماط. وبناءً عليه، حاول بيتر بيشوب وأندي هاينز وتيري كولينز تلخيص أسباب الخلط والتشويش اللذين يشوبان مجال بناء السيناريوهات في الدراسات المستقبلية، ولدى أغلب الممرسين في الحقل الاستشرافي؛ وانتهت الدراسة إلى استخلاص ثلاث مجموعات من الأسباب: المجموعة الأولى: أول أسباب التشويش والخلط في أدبيات السيناريوهات هو عدم التفريق بين مفهوم "تطوير السيناريو " Scenario Development()، و"تخطيط السيناريو" (planning Scenario)؛ ذلك أن تخطيط السيناريوهات يميل إلى تشكيل الصورة الاستشرافية المتكاملة للمستقبل، في حين يتجه بناء السيناريوهات وتطويرها نحو خلق قصص وسرديات متعددة بشأن المستقبل؛ ولذلك فإنّ مفهوم تخطيط السيناريوهات قد يكون أعمق وأشمل من مفهوم بناء السيناريوهات وتطويرها9. المجموعة الثانية: مصدر الخلط الثاني في تصنيف السيناريوهات هو عدم التفريق بين مصطلحي "السيناريو" و"البديل المستقبلي". والملاحظ أنّ أغلب التوصيفات للبدائل المستقبلية تنتهي إلى عدّها سيناريوهات عند كثير من الممرسين؛ وأمّا "السيناريوهات"، فثمة توصيف شائع يختزلها في مجرد قصص ومرويات عن المستقبل. ولكنّ مناهج الاستشراف عامة ابتكرت أشكالً مختلفة
أخرى من المشاهد المستقبلية لا تنطبق عليها خاصية القصص والمرويات عن المستقبل؛ ولذلك فإنّ مخرجات هذه المناهج أنتجت ما يسمّى البدائل المستقبلية. المجموعة الثالثة: وأخيرًا، فإنّ مصدر التشويش ينجم كذلك عن عدم التمييز بين مصطلحي "المناهج" و"التقنيات"، سواء لدى الممرسين أو حتى في الأدبيات النظرية؛ في حين لا يجد أغلب المستشرفين حرجًا في استخدام هذين المصطلحين للدلالة على الشيء نفسه. ويضيف بعضهم أسبابًا للفوضى والتشويش النظري، يمكن إيجازها في تعدّد الجهات التي تنتج السيناريوهات من معاهد جامعية، ووحدات بحثية خاصة، ومؤسسات حكومية، وشركات10؛ والتعددية المنهاجية التي تترك أثرها في الحقل المعرفي للدراسات المستقبلية، والتي تعود جذورها إلى تعدد المجالات التي تتقاطع معها دراسات السيناريوهات كالاقتصاد، والسياسة، أو التكنولوجيا، أو التخطيط الاجتمعي، أو غيرها من المجالات؛ واختلاف الأهداف التي تصاغ من أجلها السيناريوهات؛ وانقسام الدراسات الاستشرافية في مسارين معرفيين مختلفين، فبعض الدراسات تهدف إلى معرفة المستقبل والتأقلم مع الأحداث المستقبلية، فيم تهدف أخرى إلى اختبار إمكانية التأثير على تطوّر الأحداث المستقبلية، وذلك ما يضاعف من حجم الفوضى النظرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ محاولة ميشيل غودي وفابريس روبيلا حلّ إشكالية الفهم السيئ والاستخدام السيئ للسيناريوهات دفعتهم إلى القول أنّ السبب في ذلك هو انعدام منهجية واحدة لبناء السيناريوهات. فبعض المناهج بسيطة وأخرى مركّبة ومعقدة؛ وتجاوز إشكالية التصنيف يكمن عند غودي وروبيلا في وجود إجمع على العناصر الأساسية المكوّنة للسيناريوهات، وهي "التحليل النسقي"، و"استرجاعية الأحداث"، و"إستراتيجيات الفاعلين"، و"إخراج السيناريوهات"11. وبالمحصّلة، ذهبت أغلبية الأدبيات الحديثة لبناء السيناريوهات إلى الإقرار بتعددية المقاربات في تصنيف الأسس المنهجية للسيناريوهات، بحيث تختلف من مدرسة فكرية إلى أخرى، ومن باحث إلى آخر. ويعرض الجدول (1) عيّنة لهذه الدراسات التي تتضمن أشكالً تصنيفية مختلفة للسيناريوهات: وقد هدف الباحثون من وراء تعديد التصنيفات المنهجية للسيناريوهات إلى الحدّ من مشكلة الخلط المفاهيمي والفوضى المصطلحية؛ ولذلك نجد أنّ كل تصنيف يختلف عن الآخر في القاعدة المنهجية أو النظرية التي يبُرّر من خلالها الفروق والاختلافات بين أنماط السيناريوهات.
| الباحثون | الدراسة التي تضمنت نوع التصنيف |
|---|---|
| ديكو ولوبن | C. Ducot & H. J. Lubben, "A typology for scenarios." Futures , vol. 12, no. 1 (1980). |
| هلموت جونغرمان | Helmut Jungermann, "Inferential processes in construction of scenarios." Journal of Forecasting , vol. 4, no. 4 (1985). |
| نورمان دانكن وبيير واك | Norman E. Duncan & Pierre Wack, "Scenarios designed to improve decision making." Planning Review , vol. 22, no. 4 (1994). |
| تيو بوستما وآخرون | Theo J. B. M. Postma et al., "Toekomstverkenning met scenarios (Exploring the future using scenarios)." Bedrijfskunde , vol. 67, no. 2 (1995). |
| ميشال غودي وفابريس روبيلا | Michel Godet & Fabrice Roubelat, "Creating the future: The use and misuse of scenarios." Long Range Planning , vol. 29, no. 2 (1996). |
| ليام فاهي وروبرت راندال | Liam Fahey & Robert Randall, Learning from the Future: Competitive Foresight Scenarios (New York: John Wiley & Sons, 1998). |
| إيدوارد دامرز | Eduard Dammers & Leren van detoekomst, Over De Rol Van Scenario's Bij Strategische Beleidsvorming (Learning from the Future: The Role of Scenarios in Strategic Policy Making) (Delft, Netherlands: Eburon, 2000). |
| بيتر بيشوب وآخرون | Peter Bishop et al., "The Current State of Scenario Planning: An Overview of Techniques." Foresight , vol.09, no. 1 (2007). |
| بورسي هيوجنز ويوهانيس فان أوسترهوت | Pursey M. A. R. Heugens & Johannes van Oosterhout, "To boldly where no man has gone before: integrating cognitive And physical features in scenario studies." Futures , vol. 33, no. 10 (2001). |
| مايكل ماريان | Michael Marien, "Futures studies in the 21st Century: a reality based view." Futures , vol. 34, no. 3 - 4 (2002). |
| لينا بورخيسون وآخرون | Lena Börjeson et al., "Scenario types and techniques: Towards a user's guide." Futures , vol. 38, no. 7 (2006). |
| فيليب فان نوتن | OECD, Think Scenarios, Rethink Education (Paris: OECD, 2006). |
| ويليام ماكدويل ومالكوم أيمز | William McDowall & Malcolm Eames, "Forecasts, Scenarios, Visions, Backcasts and Roadmaps to the Hydrogen Economy: A Review of the Hydrogen Futures Literature." Energy Policy , vol. 34, no. 11 (2006). |
| أنجيلا ويلكنسن وإيستر إيديناو | Angela Wilkinson & Esther Eidinow, "Evolving Practices in Environmental Scenarios: a New Typology." Environmental Research Letters , vol. 3, no. 4 (2008). |
ثانيًا. التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات
تصنيف لينا بورخيسون وآخرون
إنّ نقطة الاختلاف الأساسية بين أنماط السيناريوهات ترجع بحسب لينا بورخيسون وآخرين إلى نوعية الهدف من مشروع بناء السيناريو، ونوعية المعلومات التي يهدف مشروع السيناريو إلى الحصول عليها؛ ولذلك يمكن أن تصنّف السيناريوهات إلى ثلاثة أنواع؛ تنبئية، واستطلاعية، ومعيارية. ومن الملاحظ هنا أنّ لينا بورخيسون صنّفت السيناريوهات بالاعتمد على الرؤية الكلاسيكية للتصنيف؛ وننوه أنّ هذا التصنيف يتطابق مع أنماط الفكر الاستشرافي التي شرحها مايكل ماريان أعلاه.
تحاول السيناريوهات التنبئية (Scenarios Predictive) في نظر لينا بورخيسون وآخرين الإجابة عن السؤال: ما الذي سيحدث؟ بحيث يسعى هذا النوع من السيناريوهات إلى التنبؤ بالأحداث المستقبلية من خلال استخدام مفاهيم من قبيل الاحتملية، ومفهوم "الرجحان" (Likelihood)، بصفتها مفاهيم مجاورة لمفهوم السيناريوهات التنبئية التي تسعى إلى محاولة الكشف عن تطوّر الأحداث المستقبلية من خلال إيجاد الروابط بين الرؤية الذاتية ومقاربة الرجحان لحدث معيّ. وتنقسم السيناريوهات
التنبئية إلى سيناريوهات تكهنات وسيناريوهات "ماذا- لو؟"، وذلك بحسب نوعية الشروط المتعلقة بالسؤال الأولي الذي جرى طرحه أعلاه: ما الذي سيحدث؟12
تحاول سيناريوهات التكهنات الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي سيحدث فيم إذا استمّرت التطوّرات الراهنة في الظهور؟ وتنطلق سيناريوهات التكهنات من افتراض أولي مفاده أنّ مخرجات السيناريو هي تأكيد لاستمرار المستقبل الأكثر رجحانًا. ومن خلال هذا الافتراض، فإنّ شكل السيناريوهات التي تظهر من خلال التكهنات تصاغ على النحو التالي: "الأكثر أو الأقل" (High/Low) في ميزان الرجحان. ولذلك يتلاءم أسلوب سيناريوهات التكهنات من الناحية المنهجية مع آليات التخطيط في مجال الأعمل، والأحداث الاقتصادية، والإحصاء المؤسساتي13. وتستخدم سيناريوهات التكهنات في تحليل المتغيّات الخارجية (وهي المتغيّات الخارجة عن سيطرة الفاعل أو المنظمة)، كم يتلاءم أسلوب سيناريوهات التكهنات أكثر مع استشراف القضايا في المدى الزمني القصير عندما يكون مستوى الريب واللايقين في العوامل الخارجية محدودًا.
تعدّ سيناريوهات "ماذا- لو؟" شكلً آخر للسيناريوهات التنبئية، بحيث يحاول هذا النمط الإجابة عن السؤال: ما الذي سيحدث فيم إذا حدثت تغيرات وأحداث خاصّة ذات تأثير كبير في التطورات الراهنة في المستقبل القريب؟ وقد تكون هذه الأحداث خارجية أو قرارات داخلية. وتختلف سيناريوهات "ماذا - لو؟" عن سيناريوهات التكهنات في اعتمدها على إدراج أشكال مختلفة من المتغيرات (داخلية - خارجية)، وذلك فضلً عن اعتمدها على متغيّ "التشعّب والتفرّع" (Bifurcation) الذي يشير إلى ظاهرة تفرّع الحدث الرئيس إلى أحداث أخرى متعددة14.
تحاول السيناريوهات الاستطلاعية الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يحدث؟ وتهدف السيناريوهات الاستطلاعية بصفة عامة إلى اكتشاف الوضعيات أو التطوّرات المختلفة التي يمكن
أن يتشكّل عبرها الحدث المستقبلي؛ وتساهم السيناريوهات الاستطلاعية في تطوير آليات النظر إلى المستقبل من خلال وجهات نظر ورؤى مختلفة، تقدّم كل منها صورة مختلفة، بحيث تغطي في النهاية الطيف الاحتملي الواسع للأحداث المستقبلية. ويمكن الإشارة إلى وجود نقاط التقاء وتشابه متعددة بين نمط سيناريوهات "ماذا - لو؟"، ونمط السيناريوهات الاستطلاعية، وذلك مع أنّ الثانية غالبًا تركّز على مدى زمني أكبر وأطول. فلذلك نجدها تسلّط الضوء أكثر على التحولات البنيوية والعميقة والقضايا الإستراتيجية15. وتعتمد السيناريوهات الاستطلاعية في اختيارها للمدى المستقبلي للدراسة على نقطة بداية تقع في المستقبل، وذلك خلافًا لنمط سيناريوهات "ماذا - لو؟" التي تضع نقطة بداية السيناريو في الحاضر. كم يرى بعض المستشرفين أنّ السيناريوهات الاستطلاعية تنطلق من الاتجاهات الموجودة في الماضي والحاضر، والتي يستمّر حضورها في المستقبل؛ لأنّ السيناريوهات الاستطلاعية تنطلق ابتداءً من تحليل الاتجاهات، والنظر إلى مدى رجحان حدوث تغيرّات وتحولّات في الاتجاهات الراهنة أو عدم رجحانها16. وتنطلق السيناريوهات الاستطلاعية من أربعة افتراضات أساسية هي: لا يُثّل المستقبل استمرارًا لنمط العلاقات والديناميات الماضية فحسب، بل إنّ المستقبل يتشك ل من خلال الخيارات والسلوكيات الإنسانية الراهنة أيضًا. يساهم استطلاع المستقبل في تكوين المعرفة الأساسية لاتخاذ القرارات في الحاضر. لا يوجد بديل مستقبلي واحد؛ فاللايقين والريب اللّذان يميّزان الظاهرة المستقبلية يفرضان تصوّر تنوّعٍ وتعددٍ للبدائل المستقبلية التي ترسم فضاء الممكنات. تتضمّن عملية بناء السيناريوهات التحليل العقلاني، وكذا التحليل الذاتي التحك مي، فضلً عن احتوائها على مناهج تفاعلية، ومناهج أخرى تشاركية17. كم يمكن التمييز بين نوعين من السيناريوهات الاستطلاعية، وهم:
يسعى هذا النوع من السيناريوهات الاستطلاعية إلى الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يحدث لتطوّر العوامل والمتغيرات الخارجية؟ وتركّز السيناريوهات الاستطلاعية الخارجية غالبًا على
العوامل والمتغيرات الخارجة عن سيطرة الفاعلين وسلطتهم، بحيث تُستخدم من أجل تعزيز إستراتيجية التخطيط وتطويرها داخل المؤسسات ولدى الفاعلين المختلفين. لذلك فإنّ السيناريوهات الخارجية لا تصنع سياسات وبرامج جاهزة لصناع القرار، بل تحاول وضع قاعدة شاملة من أجل تطوير السياسات والإستراتيجيات. ولذلك يعتقد الكثيرون أنّ السيناريوهات الخارجية وسيلة جيّدة لبناء إستراتيجيات جيّدة ومتمسكة؛ لأنّها تأخذ في الحسبان دور العوامل الخارجية في تحديد مستقبل المؤسسات. وتكتسي السيناريوهات الاستطلاعية الخارجية أهمية كبرى؛ وذلك من خلال تنامي استخدامها داخل المؤسسات والمنظمت آليةً لإيجاد حلول مرنة وجيّدة، في ظل وجود المتغيرات الخارجية التي غالبًا يكون للفاعلين داخل المؤسسة تأثير ضئيل فيها. كم تساهم السيناريوهات الخارجية في تطوير قدرة المؤسسات (الفاعلين) في التقاط الإشارات المنبئة بالمستقبل، وخاصّة الإشارات الضعيفة التي تُنبئ بحدوث تغيرات راديكالية في بيئة المؤسسة أو الفاعل.
تحاول السيناريوهات الاستطلاعية الإستراتيجية الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يحدث إذا تصرفنا بطريقة معيّنة؟ بحيث يسلّط هذا النمط من السيناريوهات الضوء على دور المتغيرات السياسية في عملية صنع القرار، ويدرس التأثيرات السببية للقرارات الإستراتيجية. كم توضّح السيناريوهات الاستطلاعية الإستراتيجية قيمة العوامل الداخلية في المنظمة، وهي تلك المتغيرات التي بإمكان الفاعل التأثير فيها تأثيرًا بالغًا، ولكن من دون تجاهل التأثيرات التي قد تُحدثها المتغيرات الخارجية بصفة مطلقة. وتقدّم السيناريوهات الاستطلاعية الإستراتيجية صورة واضحة عن آليات تأثير مخرجات القرارات الإستراتيجية في شكل التطورات المستقبلية للفاعل أو المؤسسة.
وتدعى السيناريوهات المعيارية أحيانًا السيناريوهات التوقعيّة أو الاستباقية، بحيث تنطلق من فرضية تعددية زوايا النظر إلى المستقبل؛ ولذلك فالسيناريوهات المعيارية هي رؤى تفاؤلية مرغوب في حدوثها، أو قد تكون رؤى تشاؤمية يُتخوّف من حدوثها18. وتحاول السيناريوهات المعيارية الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق هدف أو غاية محدّدة في المستقبل؟ وتمتلك السيناريوهات المعيارية نقاط بداية واضحة، بحيث تكون نقطة التركيز على بعض الوضعيات المستقبلية، أو بعض الغايات وكيفية تحقيقها. فإذا كانت الغايات قابلة للتحقيق ضمن الشروط العامة
لبيئة النظام، فنحن نكون بصدد بناء سيناريوهات محافظة. أمّا إذا كانت الغايات أو الوضعيات المستقبلية تفضي إلى تحوّل أو تغيّ غير معهود، مع افتراض أن تحقيق هذه الغايات الممكنة لا يحدث إلا من خلال تغيير النظام جذريًّا، نكون بصدد رسم ما يُطلق عليه السيناريوهات التحوّلية. إنّ السيناريوهات التحولية ترفض فكرة بناء النمذج والنّمذجة، كم يرفض هذا النوع من السيناريوهات فكرة إدماج تحليل الاتجاهات في صلب عملية بناء السيناريوهات.
تحاول السيناريوهات المحافظة الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق هدف محدّد، وذلك مع إدراج بعض التعديلات في تطوّر الأحداث الراهنة؟ وتهدف السيناريوهات المحافظة إلى بحث سبل تحقيق هدف معيّ بطريقة فعّالة، والمقصود بالفعالية القيام بحساب تكلفة تحقيق هذا الهدف. وهنا يمكن استخدام النمذجة التفاؤلية، مثل النموذج المتفائل للطاقة "نموذج ماركال"19.
تحاول السيناريوهات التحولية الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق الهدف المرجو، عندما تعيق متغيرات البنية الجديدة إحداث التغيرات الضرورية في سبيل تحقيق الهدف؟ غالبًا تضع السيناريوهات التحوّلية نقطة بداية السيناريو في المستقبل، كم تضع أهدافًا بعيدة المنال، بحيث تبدو صعبة التحقق إذا ما قارناها بشكل التطورات الراهنة20. ولا تهتم السيناريوهات التحولية بالأحداث الهامشية، بقدر اهتممها بالتغيّات العميقة التي تحدث على مستوى "الاتجاهات الرئيسة" (Break Trend) في مسار تحقيق الهدف. وقد قدّمت لنا لينا بورخيسون محاولة تصنيفية تضع في الأساس فروقًا واضحة بين مختلف البرادايمات، والمنطلقات الإبستيمولوجية في بناء السيناريوهات، وخاصّة عندما توقّفت في تحليل الأنماط الثلاثة التي تراها أساسية في تصنيف السيناريوهات إلى: التنبئية، والاستطلاعية، والمعيارية، وذلك على الرغم من وجود إجمع لدى العديد من المستشرفين على رفض تصنيف النمط المعياري ضمن أنواع السيناريوهات.
تصنيف فان نوتن
حاول فان نوتن بناء نموذجه التصنيفي معتمدًا على استقراء مئة دراسة أكاديمية نشرت منذ منتصف ثمانينيات من القرن الماضي، بحيث تتناول جوانب متعددة ومختلفة حول استخدام منهجية السيناريوهات. وتوصل فان نوتن إلى أنّ السيناريوهات تنقسم إلى مجموعتين أساسيتين من حيث خصائصها وهم: السيناريوهات الكلية، والسيناريوهات الجزئية، ومن خلال الأسئلة ذات الطبيعة الإبستيمولوجية والمنهجية التي طرحها فان نوتن وذلك من قبيل لماذا؟ وكيف؟ وماذا؟ وتوصّل فان نوتن إلى النتيجة التالية: تظهر الاختلافات الأساسية بين السيناريوهات عبر مجموعة من المستويات وهي الهدف من السيناريو، وبنية السيناريو وهيكلته، ثم محتوى السيناريو21؛ أي إنّ الهدف من السيناريو يؤثّر في هيكلته وبنيته، كم تؤثّر بنية السيناريو بدورها في محتويات السيناريو، كم هو موضّح في الجدول:)2(
| الخصائص الكلية والشاملة للسيناريوهات | الخصائص الجزئية التفصيلية للسيناريوهات |
|---|---|
| أهداف السيناريو: الاستطلاع - العمل ما قبل البحث | كيفية عمل السيناريو: العمليات والمخرجات دور القيم في عملية بناء السيناريو: وصفي - معياري المجال الذي يستهدفه السيناريو بالبحث والدراسة: القضايا – المجال - المؤسسات (ذات العلاقة) طبيعة التحوّل المنشود: تطوري – قطيعة - قطيعة تدريجية |
| بنية السيناريو وهيكلته: حدسي - تحليلي | مدخلات السيناريو: كمية، كيفية الأساليب المستخدمة في بناء السيناريو: الأساليب التشاركية -النماذج الجماعات المشتركة في عمليات بناء السيناريو: شاملة - حصرية |
| محتوى السيناريو: مرك - بسيط ّ ب | عامل الزمن في بناء السيناريو: تسلسلي الأحداث - حدثي مؤقت القضايا التي يتناولها السيناريو: متجانسة - غير متجانسة مستوى التكامل: متكامل - متناقض |
وضع فان نوتن تصنيفه للسيناريوهات من خلال تقسيمها إلى مجموعتين تتميزان من حيث الخصائص بالشكل التالي: ثلاث خصائص أساسية وجوهرية؛ وهي الأهداف، وبنية السيناريو وهيكلته، ومحتوى
للوظائف التي تؤدّيها الأنماط المختلفة للسيناريوهات.
تصنيف بيتر بيشوب وآخرون
للسيناريوهات موضّحة في الجدول:)3(
| خاصية السيناريو | التقنية المستخدمة |
|---|---|
| المقاربات الحُكمية | التنبؤ الذكي، دلفي الخبراء، لعب الدور، "الرؤيوية" (Visualization) |
| السيناريوهات المرجعية | تحليل الاتجاه، "تقنية مانووا" (Manoa)، سيناريوهات النظم، تحليل أثر الاتجاه |
| السيناريوهات المثبّتة | منهجية معهد ستانفورد للأبحاث (SRI) في بناء السيناريوهات |
| الأحداث المتسلسلة والمتعاقبة | شجرة الاحتمالات، الرؤية الاجتماعية، خريطة الاختلاف (mapping Divergence) |
| المسار Backasting (خاص بالسيناريوهات المعيارية) | منهجية أفق المهمة، ال ُ ثر المستقبلي للتكنولوجيات، خريطة المستقبل. |
| أبعاد اللايقين | التحليل المورفولوجي، منهجية "اختزال اختلال المجال" (anomaly Field relaxation)، منهجيات شل والشبكة العالمية للأعمال (GBN) |
| مصفوفة التأثير المتبادل | تقنية (SMIC)، وتقنية (PROB-EXPERT)، وتقنية (IFS) |
| أنساق النمذجة | "تحليل الحساسية" (Analysis Sensitivity)، السيناريوهات الديناميكية |
تصنيف دامرز
السيناريو؛ وعشر خصائص أخرى جزئية ثانوية كم يظهر في الجدول (4). ويمكن القول إنّ تصنيف فان نوتن بصفة عامة يتميز بالشمولية ولكنه يكتفي بالوصف، وذلك من دون تقديم مقاربة عميقة
لقد صنّف بيتر بيشوب السيناريوهات من خلال مقاربة تركّز على الرؤية الوظيفية، أو الأساليب التقنية المستخدمة في بناء السيناريوهات. كم اعتمد بيتر بيشوب على أنماط دراسات الحالة المختلفة للمستشرفين، بصفتها خاصية إضافية في تحديد خصائص السيناريو، فخلُص إلى وجود ثمانية أنماط
يفضّل دامرز استخدام مفهوم التفكير بالسيناريوهات بدلً من مفهوم بناء السيناريوهات الشائع لدى المستشرفين؛ ولذلك صنّف التفكير بالسيناريوهات إلى قسمين هم طبيعة المتغيرات، وطبيعة السيناريوهات التي تتلاءم مع نوع المتغيرات الموجودة وشكلها، كم هو موضّح في الجدول:)4(
| طبيعة المتغيرات | طبيعة السيناريوهات |
|---|---|
| سعة مواضيع السيناريو | قطاعي/ تعددي القطاعات |
| مستوى الشمولية | جزئية/ كلية |
| الاتجاه الزمني (من الماضي إلى المستقبل، أو اتجاهات زمنية أخرى) | استشرافي/ إسقاطي |
| المدى الاستطلاعي | مهيمن/ محدود الاستطلاع/ عالي الاستطلاع |
| بؤرة التركيز | البيئة/ السياسات |
تصنيف كارل هاينز ستاينمولر
صاغ كارل هاينز ستاينمولر تصنيفًا مبنيًا على خصائص السيناريو المنهجية، بصفتها تنعكس مباشرة على نوعية السيناريو المستخدَم، ويُجمل ستاينمولر سمت السيناريو في ست خصائص وهي: التمثيل، والموضوع، والتكميم، والزمن، والخاصية الوظيفية في مراحل البحث والدراسة، وأخيرًا خاصية العامل السيميائي، كم هو موضّح في الجدول:)5(
| الخصائص | نمط السيناريوهات |
|---|---|
| خاصية التمثيل | سيناريوهات كاملة/ سيناريوهات جزئية |
| خاصية الموضوع | السيناريوهات الشاملة/ سيناريوهات ذات المشكلة الخاصة |
| خاصية التكميم | سيناريوهات شبه كمية/ سيناريوهات كيفية |
| خاصية الزمن | السيناريوهات الوضعية، السيناريوهات العملياتية، السيناريوهات قصيرة المدى، سيناريوهات طويلة المدى، سيناريوهات ليس لها سقف زمني |
| الخاصية الوظيفية في مراحل البحث والدراسة | سيناريوهات المدخل (Entrance)، سيناريوهات استطلاعية، سيناريوهات بناء الأهداف، السيناريوهات المبنية على النتائج |
| خاصية العامل السيميائي | السيناريوهات الشكلية (كل نص مكتوب هو سيناريو) السيناريوهات القصدية (لا يعبّ النص المكتوب عن السيناريو، إلا إذا استهدف المستقبل) |
تصنيف ميشيل غودي وفابريس روبيلا
يتميز تصنيف ميشيل غودي وفابريس روبيلا للسيناريوهات ببساطته وكلاسيكيته، فهو لا يختلف كثيرًا عن تصنيف مايكل ماريان، أو لينا بورخيسون؛ وهو بالأحرى تصنيف كلاسيكي ثنائي، يصنّف السيناريوهات إلى "السيناريوهات الممكنة" و"السيناريوهات المرغوبة"؛ إذ تشمل السيناريوهات الممكنة كلّ ما يمكن تخيّل حدوثه، وتمثّل السيناريوهات المرغوب في حدوثها جزءًا صغيرًا من السيناريوهات الممكنة22. ويعتمد تصنيف السيناريوهات بالنسبة إلى غودي وروبيلا على عاملين مهميّن هم طبيعة السيناريو، ودرجة احتملية السيناريو. ومن خلال هذين العاملين تتكشف الصور والمشاهد المختلفة للسيناريوهات المتمثلة بالسيناريوهات المرجعية، والسيناريوهات المبنية على الاتجاه، والسيناريوهات المعيارية والمغايرة.)Contrasted(وإجملً، يمكن القول إنّ عامل درجة احتملية السيناريو ورجحانه يعدّ المعيار الحقيقي لتصنيف السيناريوهات عند غودي وروبيلا؛ فخاصّية السيناريوهات المبنية على الاتجاه مثلً تتميز برجحان كبير في الحدوث، لأنّها تُحيل على إسقاطات وجنوحات ثقيلة تتحرّك من الماضي نحو المستقبل، وتقع السيناريوهات المبنية على الاتجاه ضمن طيف السيناريوهات التي تتجاوز إمكانية وقوعها نقطة الصفر (0)، فيم تنتمي السيناريوهات المعيارية أو المغايرة إلى فئة النمط الأقل رجحانًا وأقل احتملية للحدوث، ولكنّها تشكّل جزءًا من منطقة المستقبل الممكن الأكبر والأشمل: كم يبيّ ذلك الشكل):3(
لقد حاول غودي وروبيلا إزالة اللبس عن مفهوم السيناريوهات وخصائصها؛ وتضمّن ذلك تحليل العلاقة بين مفهوم السيناريو ومفهوم الإستراتيجية، بحيث أقرّ المستشرفان أنّ السّمة المميزة للسيناريوهات هي نوع الرؤية التي تتبناها سواء أكانت استكشافية أم معيارية. أمّا الإستراتيجية فتعتمد على نوعية المواقف التي تُتخذ أمام طيف المستقبلات الممكنة.
تصنيف أنجيلا ويلكسن وإيستر إيديناو
لقد أشارت أنجيلا ويلكسن وإيستر إيديناو إلى أنّ حقل بناء السيناريوهات شهد أثناء تشكّله وتطوّره ثلاثة أنماط نظرية تعبّ في الأساس عن البنى الجوهرية لتصنيف السيناريوهات، ولا تنفك كل أشكال السيناريوهات عن هذه البنى، وهي كالتالي: النمط العقلاني/ الموضوعي: يستخدم مناهج من قبيل تحليل أثر الاتجاه.
الكيفية التي تُدعى عند البعض بمقاربة "شل" لبناء السيناريوهات.
الفرنسية (prospective.)La وقد اقترحت أنجليلا ويلكنسن وإيستر إيديناو تصنيفًا ثلاثيًا آخر للسيناريوهات يأخذ في الحسبان متغيرين أساسيين هم القضية - الفاعل، وجاء على النحو التالي:
العلمء والباحثين الوصول إلى هذا النوع من المعرفة.
ذات المحتوى الكيفي. النمط البنائي - الاجتمعي: يستخدم هذا النمط مختلف المقاربات المنهجية للمدرسة الحدسية
النمط المعياري الحتمي: يستخدم هذا النمط أغلب المناهج التي تطوّرت في مدرسة الاستشراف
سيناريوهات النمط المركّز على المشكلة: ينخرط هذا النمط ضمن المقاربة التي تعطي قيمة كبيرة للعوامل والأحداث القادمة من البيئة الخارجية أو أجزاء منها، وخاصّة العوامل القابلة للتكميم منها، وذلك خلافًا للمقاربات المعيارية. إنّ جوهر هذا النمط هو النظر إلى المستقبل بوصفه متغيًّا يمكن إدراكه والقبض عليه؛ وهنا تلتقي فكرة سيناريوهات النمط المركّز على المشكلة مع الإطار المعرفي الوضعي الذي يقرّ إمكانية خلق معرفة علمية صحيحة، وإمكان سيناريوهات النمط المركّز على الفاعل: يركّز هذا النمط على الفاعلين المنخرطين في تفاعل علائقي ضمن بيئة معيّنة، كم يأخذ في الحسبان الأشكال التأويلية لهؤلاء الفاعلين للأحداث المختلفة؛ ويسعى هذا النمط إلى التخطيط، وخلق الإستراتيجيات التنظيمية. وتتسم العملية البحثية التي تنتج هذا الشكل من السيناريوهات بالتعددية والتقاطع المنهجي، ولكن هذا النمط لا يستخدم المعلومات ذات المحتوى الكمّي، بحيث تميل أكثر إلى استخدام المعلومات
سيناريوهات النمط المبني على التدخلية الانعكاسية أو على تعدد الفواعل: إنّ هذا النمط يحاول رأب الفجوة بين النمطين السابقين من أجل قراءة أفضل للارتياب واللايقين من خلال آلية التنويع في أساليب بناء السيناريوهات، وتشكيل السيناريوهات ضمن أنواع معرفية متعددة، سواء كانت كيفية أو كمّية أو أي شكل معرفي آخر23.
التصنيف التاريخي للسيناريوهات
يحاول تصنيف السيناريوهات، من خلال المقاربة التاريخية، الحدّ من "الكايوس المنهجي" الذي اتسم به الحقل المعرفي للسيناريوهات بحسب توصيف رون برادفيلد، والقضاء على كثرة التصنيفات التي وضعها الباحثون. ولذلك فقد افترضت المقاربة التاريخية وجود ثلاث مدارس أساسية، وهي المدرسة الحدسية التي تعود في بدايتها إلى إسهامات معهد راند، ووجدت سبيلها إلى التوهّج والتطور من خلال اعتمدها من شركة شل النفطية، والشبكة العالمية للأعمل (GBN). والثانية هي المدرسة الاحتملية التي طوّرها كل من غاستون بيرجي وميشيل غودي، فيم أضحى يُعرف بمدرسة الاستشراف الفرنسية. أمّا الثالثة، فهي مدرسة "احتملية الاتجاهات المعدّلة" (Trends Modified Probabilistic) التي ابتكرها كل من تيد غوردون وأولاف هيلمر في معهد راند.
ثالثًا. قراءة يف خصائص التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات
إنّ الملاحظ لعيّنة التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات يجدها تشتمل على بنية معرفية مشتركة على تعدّدها، مع وجود بعض الاختلافات الطفيفة بينها. فإذا نظرنا إلى تصنيف فان نوتن مثلً، فالسيناريوهات عنده تتميز من جهة بنيتها الإبستيمولوجية؛ فهي حدسية، أو احتملية كمّية24. فيم يرى كل من ديكو ولوبن أنّ النقطة الأساسية في تمييز السيناريوهات بعضها عن بعض هي الشكل النهائي للبدائل التي ترسمها هذه السيناريوهات، وخاصّة عندما تأخذ صيغ سيناريوهات قصوى، أو سيناريوهات محتملة25. وإضافة إلى ذلك، حاول فان نوتن النظر إلى محتوى السيناريو أثناء إجرائه للمقارنة بين أنواع السيناريوهات، فوجد سيناريوهات مركّبة تحمل قاعدة متعددة الأبعاد والمتغيّات؛ كم توجد سيناريوهات بسيطة جدًّا من حيث بنيتها. وقد أشار فان نوتن كذلك إلى إمكانية تصنيف السيناريوهات من خلال أنماط تطوّرها عبر
الزمن، بوصفها أحداثًا منفردة أو مؤقّتة (Snapshot)، وذلك في مقابل السيناريوهات التي توصّف التطوّر الزمني على شكل أحداث متسلسلة ومتعاقبة (Chain)26. ولكن أحد أكثر التصنيفات انتشارًا لدى عدد كبير من المستشرفين هو النظر إلى اختلاف أنماط السيناريوهات من خلال الافتراضات الأساسية لكل سيناريو؛ ولذلك نجد أنّ السيناريوهات تنقسم من خلال هذه الرؤية إلى نوعين، فهي استطلاعية، أو استباقية؛ وهو الرأي الذي استقرت عنده قراءة كل من غودي وروبيلا أو لينا بورخيسون مع وجود بعض الاختلافات بينهم. أمّا ماريان فقد أضاف مفاهيم غير اعتيادية وجديدة في تصنيف السيناريوهات مثل مفهوم "الرؤية البانورامية" ومفهوم "مساءلة الآخرين جميعهم"27، فيم ركّز كل من ماكدويل وأيمز على مفهوم الرؤية ومفهوم المسارات (Backasts) في تصنيف السيناريوهات28. ثم إذا نظرنا إلى تصنيف هيوجنز وأوسترهوت، وهو الأحدث مقارنة بتصنيف ديكو ولوبن، نجد أنّ كليهم يمثّل شكلً تصنيفيًا بسيطًا. أمّا تصنيف دنكن وواك، فقد ركّز أكثر على مجال الأعمل، لكنه لم يراعِ الفروق بين متغيرات الاقتصاد الكلّ والسيناريوهات البيئية. ولذلك يبدو أنّ أغلب هذه التصنيفات يعوزها التحليل المعمّق، وهي ليست دقيقة بالمستوى الذي يحدّ من الفوضى المفاهيمية في الحقل النظري لبناء السيناريوهات. لكنّ بعض التصنيفات الحديثة حاولت تجاوز هذه المطبّات المنهجية، وحاولت أن تقترب بصفة أعمق إلى التطورات الحديثة في هذا الحقل المعرفي. تعطي أغلب التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات قيمة أعلى لخاصّية التكامل المنهجي في استخدام السيناريوهات؛ ويظهر أبرز مثال على الاتجاه نحو التكامل المنهجي في تقنيات بناء السيناريوهات، بحسب بعض التصنيفات الكلاسيكية (خاصّة التصنيف التاريخي)، من خلال تطوّر استخدام مصفوفة التأثير المتبادل التي جرى ابتكارها أول مرة على يد رواد المدرسة الحدسية الأميركية في معهد راند، ومعهد المستقبل، مع ثيودور غوردون وأولاف هيلمر، في خمسينيات القرن العشرين، وتحوّلها إلى منهجية مركزية في الاستشراف الفرنسي، وإحدى أشهر الطرائق ضمن المدرسة الاحتملية الكمية لبناء السيناريوهات، وخاصّة في تجلياتها في التحليل الهيكلي المعروف بتقنية ميكمك (MICMAC)، أو تحليل إستراتيجيات الفاعلين والمعروف بتقنية ماكتور.)MACTOR(وعلى الرغم من الحوارات النظرية التي أثارها الباحثون في الاستشراف بشأن تصنيف السيناريوهات، وخاصّة بعد الثورة في الدراسات المستقبلية التي اتسمت بها فترة منتصف الثمنينيات من القرن العشرين، بحيث عرفت انتشارًا غير مسبوق سواء في الكتابات الأكاديمية أو في ممرسة التقنية في مجالات الأعمل والاقتصاد، ومجالات السياسة العامة المختلفة، فإننا نجد أنّ المفتاح النظري الكلاسيكي والشائع
في تصنيف السيناريوهات يقوم على تقسيم بسيط لها إلى محتملة وممكنة، إضافة إلى السيناريوهات التي تدرج القيم فيها، وهي السيناريوهات المعيارية أو المرغوب فيها29. إنّ تقسيم السيناريوهات إلى محتملة وممكنة كان أساسًا عامًا للتصنيف الكلاسيكي بين المقاربات المنهجية المختلفة للسيناريوهات؛ ممّ دفع كثيرًا من المستشرفين إلى استخدام هذا التقسيم على نحو واسع، وذلك مع أن مستشرفين آخرين أضافوا مفاهيم أخرى لهذا التقسيم من أجل استيعاب حالة التعقّد والتركيب الشديدين التي يشهدها هذا الحقل المعرفي، كم فعل ميشيل غودي وفابريس روبيلا، أو هيوجنز وأوسترهوت، حين أضافوا مفهوم السيناريوهات الاستطلاعية30، فيم أضاف كل من ديكو ولوبن وماكدويل أيمز، وكذلك برادفيلد مفهوم السيناريوهات الوصفية. ومنهم من أضاف مفهوم السيناريوهات الأكثر احتملً، ومنهم من حاول إضافة مفهوم السيناريوهات المحرّرة من الأنماط الفكرية والذهنية السائدة، بصفتها تصنيفًا يحاول تجاوز التحليل القائم على فكرة الاحتملات فحسب31. وبناءً عليه، يبدو أنّ دراسات عديدة أجمعت على أهمية التصنيف ووضع الفروق الأساسية بين أنماط السيناريوهات ونماذجها؛ ولكن في المقابل، ظلّت الحاجة النظرية إلى التمييز بين هذه التصنيفات إلى حدّ الآن بلا إجابة، وخاصّة في ظل التطور السريع لمناهج البحث وبناء السيناريوهات. وأصبحت أغلبية التصنيفات الكلاسيكية لا تعكس إلّ صورة جزئية لحقيقة المجال المنهجي والنظري للسيناريوهات، ولا تسلط الضوء على البنى الفلسفية والإبستيمولوجية التي تقف وراء عملية صنع السيناريوهات. وإجملً، يمكن القول إنّ التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات تقع في خانة التصنيفات التعليمية والمنهجية، وتكتفي بالجوانب الوصفية الشكلية. ولذلك حاولت التوجهات الجديدة رأب هذه الفجوة، وإضفاء أبعاد تصنيفية أكثر عُمقًا.
رابعًا. التوجّهات الجديدة يف تصنيف السيناريوهات
تصنيف جونغرمان للسيناريوهات
انطلقت بعض التصنيفات غير التقليدية للسيناريوهات من افتراضات تصنيفية ليست مغايرة كليًّا لتلك التي انطلقت منها المقاربات التصنيفية الكلاسيكية، ومثال ذلك تصنيف جونغرمان في دراسته المنشورة سنة 1985 بعنوان: "المسارات الاستدلالية في بناء السيناريوهات". وقد صنّف جونغرمان
السيناريوهات صنفين هم النموذج الاستقرائي (الاستطلاعي)، والنموذج الاستنتاجي (الاستباقي). ويقوم تقسيم جونغرمان في الأساس على نموذج الاستدلال والبرهنة الذي يقوم عليه كلا الصنفين في عملية بناء السيناريوهات32. إذ تعتمد السيناريوهات الاستقرائية (الاستطلاعية) على منطق استدلالي سببي، وغالبًا ما تنطلق السيناريوهات الاستقرائية من الوضع الراهن في رسم مسارات مستقبلية سببية ومنطقية، تبرز من خلالها القوى القائدة للتغيّ عبر خاصية الترابط بين المتغيرات؛ ممّ ينتج ما يسمى بالمستقبلات أو البدائل المستقبلية33. أمّا السيناريوهات الاستنتاجية (الاستباقية)، فهي تقوم على منهج مغاير لمنطق السيناريوهات الاستقرائية، وذلك أنّ السيناريوهات الاستنتاجية تنطلق من افتراضات متخيّلة لبدائل مستقبلية معقولة. ويجري صوغ السيناريو الاستنتاجي عبر خلق مشاهد وأحداث تكمّل صورة السيناريو المتخيّل، وتجميع كل شروطه من متغيرات البيئة، وذلك انطلاقًا من الأحداث الماضية باستخدام منهجية استرجاعية تحاول أن تبني سيناريوهات من خلال البرهنة بالأحداث التي وقعت في الماضي34. ومن خلال هذه الرؤية، يمكن أن نستشف الشكل التصنيفي الذي رسمه جونغرمان للسيناريوهات، بحيث سلّط الضوء على المسارات الاستدلالية وآليات البرهنة المختلفة في بناء السيناريوهات. ولم يتوقف جونغرمان عند التصنيف الشكلاني للسيناريوهات، والمتطابق مع التصنيف الكلاسيكي، بل ذهب خطوة أبعد في تحليل الخصائص البنيوية لدى كل شكل من أشكال بناء السيناريوهات. ويمكن توصيف فكرة جونغرمان حول السيناريوهات ضمن الجدول:)6(
| التصنيف الكلاسيكي السيناريوهات | النمط البرهاني والاستدلالي في كل نمط | الصورة النهائية لتصنيف جونغرمان |
|---|---|---|
| سيناريوهات استطلاعية | نمط استقرائي | التشخيص الفعلي |
| سيناريوهات تنبئية/ استباقية | نمرط استنتاجي | البرهنة باسترجاع الأحداث الماضية |
تميل المفاضلة بين النمط الاستنتاجي والاستقرائي إلى الثاني في رأي جونغرمان، بسبب وجود بعض الشواهد الإمبريقية على ذلك. فهناك ميل طبيعي نحو الوثوق بالحجج المبرهنة على نحوٍ سببي؛ والمعلومات ذات المنطق السببي يكون لها وزن ترجيحي أكبر في احتملات الوقوع، ويظل الاستدلال السببي المفضّل حتى في ظل وجود علاقة عرضية (غير سببية) بين المتغيرات.
مدخل الهشاشة ومضادة الهشاشة في تصنيف نسيم طالب للسيناريوهات
يلاحظ أنّ مجال بناء السيناريوهات لا يزال يشهد قراءات نظرية وإبستيمولوجية متجددة وغير تقليدية؛ الأمر الذي يدل على استمرار الجدل النظري حول آليات التصنيف ومعاييره المختلفة، وخاصّة تلك التصنيفات التي جرى صوغها في بداية العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين. ومن بين أهم هذه المحاولات التصنيفية يمكن الإشارة إلى معيار الهشاشة ومضادة الهشاشة (and Fragility Antifragility) الذي ابتكره نيكولاس نسيم طالب. ويقوم هذا المعيار على محاولة التفريق بين المواقف والمناهج المختلفة التي يتخذها الباحثون أو صانعو السياسات حيال الظاهرة المستقبلية، بحيث تصبح الهشاشة عبارة عن مساحة الريب واللايقين التي تغلّف ظواهر المستقبل، وتمثّل مضادّة الهشاشة الأطر المنهجية التي تحاول الاستفادة من الريب المستقبلي وتحويله إلى مخرجات إيجابية35. وتبرز قيمة معيار "الهشاشة ومضادة الهشاشة" الذي قدّمه نسيم طالب من خلال التصنيف اعتمدًا على النمط التأويلي لظواهر الارتياب واللايقين الذي تعتمده أي منهجية من مناهج بناء السيناريوهات، مع لفت النظر بصفة جوهرية إلى مصدر الريب واللايقين. ولذلك يصبح معيار تصنيف السيناريوهات متطابقًا مع معيار النظر في أسلوب تأويل اللايقين ضمن المقاربات المختلفة لبناء السيناريوهات. وقد نتج من ذلك تشكّل نمطين تأويليين، أحدهم حتمي والثاني غير حتمي في تفسير ظواهر الريب واللايقين36. وفضلً عن ذلك، فإنّ ظواهر الارتياب واللايقين قد انقسمت الآراء حولها واتخذت في ذلك مذهبين: الأول: يرى أنّ كل الظواهر التي يمكن ملاحظتها هي عبارة عن مواضيع غير قابلة للتوقع على نحو إطلاقي، بحيث تعبّ الظواهر التي نلاحظها عن الحظ والصدفة، كم هو معروف في قانون "الحركة البراونية" (motion Brownian)39. ويقوم هذا التصور على انعدام الحتمية وانعدام السببية، بحيث لا يعبّ مفهوم "السبب" عن أي دلالة معرفية أو علمية؛ فم هو حادث في الواقع ليس إلّ صورة أخرى للصدفة والحظ. الثاني: يرى أنّ مصدر الريب واللايقين يكمن في "العشوائية الإبستيمولوجية". وتقوم هذه الفكرة على تصوّر "الحتمية العلمية للابلاس"، والتي يعود أصلها إلى سنة 1814. ومن خلال منظور لابلاس، فإنّ أصل الريب واللايقين يكمن في انعدام وجود القدرة على تحديد الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء الظواهر ومعرفتها وقياسها. ففي الوقت الذي تظل فيه فكرة الحتمية السببية عند لابلاس صحيحة، فإنّ المناهج والوسائل تعجز عن معرفة الأسباب الحقيقية لحدوث الظواهر73.
يرى نسيم طالب أنّه على الرغم من وجود نوعين مختلفين من الريب واللايقين، فإنّه لا يوجد فرق حقيقي بينهم على المستوى التطبيقي. فسواء كان الريب مصدره "العشوائية الصحيحة"، أو مصدره "الحتمية الكايوسية"، فإنّ تأثير ذلك لا يظهر على مستوى الممرسة العلمية. ولكنّ شارمان شاكل أكّد أهمية وضع الفروق بين مصادر الريب واللايقين؛ لأنّ ذلك ضروري في تصنيف تقنيات بناء السيناريوهات وتقييمها، فضلً عن أنه يساهم في تصنيف السيناريوهات بين المقاربات الحتمية للمستقبل والمقاربات غير الحتمية للمستقبل؛ وهي تلك المقاربات التي تضع عناصر المفاجأة والصدفة في جوهر عملية بناء السيناريوهات. فعلى سبيل المثال، تقع المقاربات الحدسية في بناء السيناريوهات ضمن المنطق الحتمي في بناء السيناريوهات؛ ويتجلّ ذلك من خلال المفاهيم الأساسية التي تطرحها، وذلك من قبيل مفهوم "القوى القائدة"، أو "العوامل السببية"، والتي تعرّف بأنّها القوى التي لديها قدرة كبيرة على قيادة دفة التغيّ في المستقبل، وتصنّف هذه القوى على النحو التالي83: القوى الثابتة (Constant): وهي عبارة عن مجموع من العوامل المستقرّة التي لا تتأثر بعنصر التغير، كم تمثّل خاصية الاستمرار لدى القوى الثابتة في المدى الزمني الممتد بين الماضي والحاضر والمستقبل أهم سمة في هذه العوامل. القوى الحتمية (Predetermined): وهي مجموع العوامل التي تقود التغيير، ولذلك تسمى هذه القوى ب "عوامل التغيير"، بحيث يوجد إقرار بظهور التغيّ في المستقبل، ولكن التغيّ معروف ويمكن التنبؤ به. القوى الريبية واللايقينية (Uncertain): وهي مجموع العوامل غير المتوقعة واللايقينية. وبمعنى آخر، فإنّنا نخلص إلى وجود صنفين من مقاربات بناء السيناريوهات في الاتجاه الجديد في التصنيف، وهي مقاربات تعتمد على السببية في تفسير الحدث الريبي واللايقيني، ومقاربات أخرى لا تعتمد السببية في تفسير الحدث الريبي أو اللايقيني. وبذلك تنتقل عملية تصنيف السيناريوهات إلى البحث في الفرق الأنطولوجي في تأويل قضايا الارتياب والعشوائية التي تطوّر الجدل حولها منذ ظهور ما يسمّى ب "ميكانيكا الكوانتوم" في بداية القرن العشرين.
خاتمة
لقد ساهم جهد المستشرفين من مختلف مشاربهم، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومراكز التفكير، والشركات المختلفة خلال أكثر من نصف قرن، في إثراء القاعدة النظرية والمنهجية للسيناريوهات، وخلق ثورة معرفية تجلت في كثرة الكتابات والدراسات التي أسّست مدارس واتجاهات نظرية متعددة.
ولكن في الوقت نفسه، خلقت هذه الثورة المعرفية مجموعة من العوائق والمآزق النظرية والمنهجية التي واجهت الباحثين والممرسين لتقنية السيناريو. وقد جرى تشخيص هذه الحالة عند المستشرفين بتسميات متعددة، مثل "الكايوس المنهجي" عند رون برادفيلد، أو "الحقل تعددي الاختصاصات وذي التشويش الشديد" عند مايكل ماريان، أو "سوء استخدام السيناريوهات" عند غودي وروبيلا، أو "التشويش في أدبيات السيناريوهات" بحسب تعبير بيتر بيشوب وباحثين آخرين. وقد مثّلت هذه التسميات دلالة عميقة على المأزق النظري الذي وصل إليه الاستشراف الحديث بسبب التطور والانفجار كمًّ ونوعًا في الكتابة حول السيناريوهات إلى حدّ مفزع. ومن خلال النظر في تصنيف السيناريوهات وإشكالية الفوضى النظرية في الاستشراف الحديث، والتوجّهات الجديدة في تصنيف السيناريوهات، خلصنا في هذه الدراسة إلى أنّه يمكن إجمل الكتابات التصنيفية بشأن السيناريوهات في مجموعتين تتسم كل واحدة منهم بخصائص مميزة: تتمثّل المجموعة الأولى في التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات بالتصنيفات التي انتشرت في ثمانينيات القرن العشرين، وأشهرها تصنيفات فان نوتن، ومايكل ماريان، ولينا بورخيسون، وغودي وروبيلا. وتشترك أغلب هذه التصنيفات في القيمة المنهجية والتعليمية الموجودة فيها، بحيث تقرّ أغلبها بالتقسيم الثلاثي: استطلاعي – تنبئي - معياري، مع وجود اختلافات طفيفة بين هؤلاء المستشرفين. وقد بيّنا أنّ نقطة الضعف في هذا النوع التصنيفات هي تقديمها رؤية تجزيئية تفتقر إلى العمق الفلسفي والإبستيمولوجي الثاوي وراء التقنيات والمناهج والمقاربات المختلفة لبناء السيناريوهات. في حين لم يكن تبلور المجموعة الثانية كبيرًا إلى حدّ الآن، إلّ أنّه يمكن وصفها بالاتجاه الجديد في تصنيف السيناريوهات؛ وهو اتجاه حاول سد الفجوة في التصنيفات الكلاسيكية للسيناريوهات، من خلال العيّنة التي اخترناها لمساهمت كل من جونغرمان أو نسيم طالب بشأن معيار الهشاشة ومضادة الهشاشة. وتبيّ أنها مقاربات تصنّف السيناريوهات، بناءً على نمط الاستدلال والبرهنة والمنطق السببي الذي تقوم عليه. ولذلك استنتج جونغرمان وجود صنفين للسيناريوهات، استنتاجي واستقرائي. في حين ارتأى طالب أنّ معيار تصنيف السيناريوهات يقوم على الشكل الذي يتبناه الباحث في تأويل ظواهر الارتياب واللايقين والعشوائية، ليخلص بذلك إلى وجود صنفين من السيناريوهات هم المقاربات الحتمية للمستقبل، والمقاربات غير الحتمية للمستقبل.
المراجع
References
Bishop, Peter et al. "The Current State of Scenario Planning: An Overview of
Techniques." Foresight. vol. 9, no. 1 (2007).
Börjeson, Lena et al. "Scenario types and techniques: Towards a user's guide."
Futures. vol. 38. no. 7 (2006).
Bradfield, Ron et al. "The Origins and Evolution of Scenario Techniques in Long
Range Business Planning." Futures. vol. 37. no. 8 (2005).
Dammers, Eduard & Leren van detoekomst. Over De Rol Van Scenario's Bij
Strategische Beleidsvorming (Learning from the Future: The Role of Scenarios in
Strategic Policy Making). Delft, Netherlands: Eburon, 2000.
Drebyshire, James & George Wright. "Preparing for the Future: Development of
an 'Antifragile' Methodology that Complements Scenario Planning by Omitting
Causation." Technological Forecasting and Social Change. vol. 82. no. 1 (2014).
Ducot, C. & H. J. Lubben. "A typology for Scenarios." Futures. vol. 12. no. 1 (1980).
Duncan, Norman E. & Pierre Wack. "Scenarios designed to improve decision
making." Planning Review. vol. 22. no. 4 (1994).
Fahey, Liam & Robert Randall. Learning from the Future: Competitive Foresight
Scenarios. New York: John Wiley & Sons, 1998.
Fishbone, Leslie G. & Harold Abilock. "Markal, A linear Programming: Model
for Energy Systems Analysis: Technical Description of The BNL Version." Energy
Research. vol. 5. no. 4 (1981).
Godet, Michel & Fabrice Roubelat. "Creating the future: The use and misuse of
scenarios." Long Range Planning. vol. 29. no. 2 (1996).
Heugens, Pursey M. A. R. & Johannes van Oosterhout. "To boldly where no
man has gone before: integrating cognitive And physical features in scenario
studies." Futures. vol. 33. no. 10 (2001).
Höjer, Mattias. What is the point of IT? Backcasting Urban Transport and Land-
use Futures. Stockholm: Department of Infrastructure and Planning, Royal
Institute of Technology, 2000.
Hughes, Nick. "The Methodological Basis for Low Carbon Scenarios-Lessons
from The Wider post-war Scenario Tradition." ICEPT Working Paper, May 2007.
Jungermann, Helmut. "Inferential processes in construction of scenarios."
Journal of Forecasting. vol. 4. no. 4 (1985).
Kosow, Hannah & Robert Gassner. Methods of Future and Scenario Analysis
Overview, Assessment, and Selection Criteria. Bonn: Studies/Deutsches Institut
für Entwicklungspolitik, 2008.
Makridakis, Spyros et al. "The accuracy of extrapolation (time series methods):
Results of a forecasting competition." Journal of Forecasting. vol. 1. no. 2 (1982).
Mannermaa, Mika. "Futures Research and Social Decision Making: Alternative
Futures as a Case Study." Futures. vol. 18. no. 5 (1986).
Marien, Michael. "Futures Studies in the 21st Century: A Reality based View."
Futures. vol. 34. no. 3 - 4 (2002).
McDowall, William & Malcolm Eames. "Forecasts, Scenarios, Visions, Backcasts
and Roadmaps to the Hydrogen Economy: A Review of the Hydrogen Futures
Literature." Energy Policy. vol. 34. no. 11 (2006).
Mietzner, Dana & Guido Reger. "Scenario Approaches: History, Differences,
Advantages and disadvantages." EU-US Seminar: New Technology Foresight,
forecasting and Assessment Methods (Seville 13 - 14 May 2004).
Nassim Taleb, Nicholas. Antifragile: Things that Gain from Disorder. New York:
Random House, 2012.
Postma, Theo J. B. M. et al. "Toekomstverkenning met scenarios (Exploring the
future using scenarios)." Bedrijfskunde. vol. 67. no. 2 (1995).
Schoemaker, Paul J.H. & Cornelius A.J.M. van der Heijden, "Integrating
Scenarios into Strategic Planning at Royal Dutch/Shell." Planning Review. vol.
20. no. 3 (1992).
Schwartz, Peter. The Art of the Long View: Planning for the Future in an Uncertain
World. New York: Doubleday, 1991.
Van Der Heijden, Kees. Scenarios: The art of strategic conversation. Chichester:
John Wiley & Sons 1996.
OECD, Think Scenarios, Rethink Education. Paris: OECD, 2006.
Wack, Pierre. Scenarios: The Gentle Art of Re‐Perceiving: One Thing or Two
Learned While Developing Planning Scenarios for Royal Dutch/ Shell. Cambridge:
Harvard Business School, 1984.
Wilkinson, Angela & Esther Eidinow. "Evolving practices in environmental scenarios:
a new scenario typology." Environmental Research Letters. vol. 3. no. 4 (2008).