العودة إلى تفاصيل المؤلَّف وضعيات النزاع في المستقبل

وضعيات النزاع في المستقبل

Tomorrow's Conflict Situations

هيئة التحرير

الملخّص

ملخص:  يشهد العالم تغيراتٍ يتمثل بعضها ببروز تراتبية جديدة للقوى، وتغيرات في سير النظام الدولي، وتشتت في القوى من خلال تضاعف المنظمت غير الحكومية، وتحدي نمط الدولة القومية، واندلاع حروب أهلية تتجاوز الحدود. وبناءً عليه، فالتحديات التي ينبغي رفعها على مدى العقود الثلاثة المقبلة كبيرة؛ خصوصًا في ضوء عدم وجود نموذج قادر على فرض نفسه في الوقت الحاضر؛ فصعود تكنولوجيا المعلومات قاد إلى بروز عالم متشابك كليًا وعلى اطلّاع تامّ؛ مم يكشف عدم المساواة القائمة في ربوع العالم، بوصفها مصدرًا محتملً للصراع، ويرخّص للمحرومين بالاتحاد والعمل معًا. في هذا السياق، هل هناك اتجاهات قيد العمل من شأنها أن تمنحنا رؤية استشرافية بشأن كيفية تطور وضعيات النزاع في العقود المقبلة؟ والإجابة هنا تقريرية: استنادًا إلى خطوط الصدع الحالية وتطورات المشهد الجيوسياسي، يرصد جون بيير مولني تطور مجموعات من العناصر الفاعلة على الصعيد العالمي، ويوضح مخاوفها ورهاناتها التي من شأنها أن تؤدي إلى الصراع، ويعدّد أنماط النزاعات التي من شأنها أن تتطور على المدى المتوسط والطويل، بالنظر إلى التطورات الأخيرة والديناميات الملحوظة في العالم. الكلمت المفتاحية:  الاستشراف، العلاقات الدولية، النزاعات، الولايات المتحدة، الصين.

Abstract

Abstract:  A new hierarchy among the world's powers, changes to the operation of the international system, dispersal of power as a result of an increasing number of non - state organizations, challenges to the idea of nation - states, civil wars raging across frontiers, etc. These are some of the characteristics of the world as it is today. The challenges confronting us over the next three decades are substantial, particularly as no model seems to be emerging clearly at the moment and the rise of information technologies has produced a world that is wholly connected and informed, showing up inequalities that are potential sources of conflict and enabling those excluded from the system to join together. In this context, are there trends at work that can afford us some insight into how conflict situations might evolve in the decades to come? The answer comes in the affirmative. Jean - Pierre Maulny demonstrates this point here, basing his argument on current fault lines and the way the geopolitical scene is developing, on how actors are operating at the world level, what their concerns are, and the issues that are likely to lead to conflict. Lastly, he looks at what types of conflict might develop in the medium - to long term, given recent developments and observable global dynamics.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستشراف
  • العلاقات الدولية،
  • النزاعات
  • الولايات المتحدة،
  • الصين.
Keywords:
  • Foresight
  • Conflicts
  • International relations
  • USA
  • China.

على مدى العقود الثلاثة المقبلة كبيرة؛ خصوصًا في ضوء عدم وجود نموذج قادر على فرض نفسه في الوقت الحاضر؛ فصعود تكنولوجيا المعلومات قاد إلى بروز عالم متشابك كليًا وعلى اطلّاع تامّ؛ مم يكشف عدم المساواة القائمة في ربوع العالم، بوصفها مصدرًا محتملً للصراع، ويرخّص للمحرومين بالاتحاد والعمل معًا. في هذا السياق، هل هناك اتجاهات قيد العمل من شأنها أن تمنحنا رؤية استشرافية بشأن كيفية تطور وضعيات النزاع في العقود المقبلة؟ والإجابة هنا تقريرية: استنادًا إلى خطوط الصدع الحالية وتطورات المشهد الجيوسياسي، يرصد جون بيير مولني تطور مجموعات من العناصر الفاعلة على الصعيد العالمي، ويوضح مخاوفها ورهاناتها التي من شأنها أن تؤدي إلى الصراع، ويعدّد أنماط النزاعات التي من شأنها أن تتطور على المدى المتوسط والطويل، بالنظر إلى التطورات الأخيرة والديناميات الملحوظة في العالم. الكلمت المفتاحية:  الاستشراف، العلاقات الدولية، النزاعات، الولايات المتحدة، الصين. Abstract:  A new hierarchy among the world's powers, changes to the operation of the international system, dispersal of power as a result of an increasing number of non - state organizations, challenges to the idea of nation - states, civil wars raging across frontiers, etc. These are some of the characteristics of the world as it is today. The challenges confronting us over the next three decades are substantial, particularly as no model seems to be emerging clearly at the moment and the rise of information technologies has produced a world that is wholly connected and informed, showing up inequalities that are potential sources of conflict and enabling those excluded from the system to join together. In this context, are there trends at work that can afford us some insight into how conflict situations might evolve in the decades to come? The answer comes in the affirmative. Jean - Pierre Maulny demonstrates this point here, basing his argument on current fault lines and the way the geopolitical scene is developing, on how actors are operating at the world level, what their concerns are, and the issues that are likely to lead to conflict. Lastly, he looks at what types of conflict might develop in the medium - to long term, given recent developments and observable global dynamics.

pp. 125 - 138.

مقدمة

قبل النظر في وضعيات النزاع في المستقبل، نلاحظ أنّ توقّع وضعيات النزاع في الحاضر لم يجر في الواقع؛ فالكتاب الأبيض بشأن الدفاع والأمن الوطني لعام 2008 في فرنسا1 تصوّر مفهوم "المفاجأة الإستراتيجية"، بيد أنّه لم يتنبّأ بالأزمة الاقتصادية التي هزّت الولايات المتحدة، ثمّ في جميع أنحاء العالم ابتداءً من آب/ أغسطس 2008، كم أنّه لم يتنبّأ ب "الربيع العربي" الذي هزّ المغرب العربي والشرق الأوسط منذ نهاية عام 2010. وبالمثل، ننظر اليوم نظرة حنين وارتياب إلى إستراتيجية الأمن الأوروبي لعام 20032 التي كانت تؤكّد: "لم تكن أوروبا مزدهرةً ولا آمنةً، ولا حرّةً إلى هذا الحدّ في الماضي". لذلك، ركّزت "الأوراق البيضاء"3 الفرنسية في مجال الدفاع والأمن القومي في 2008 و 2013 على4 ضرورة تطوير تفكير استشرافي بشأن البيئة الدولية، من أجل استباق التهديدات، ومن ثمّ إعداد حروب المستقبل وليس حروب الماضي. إنها مقاربة مخلّصة، ولكنها صعبة للغاية. فإضافةً إلى تحديد الإشارات الضعيفة، من الضروري تحديد وضعيات النزاع في المستقبل، ونمذجة لظواهر الفعل والفعل المضاد التي تنطبق على معايير مختلفة من شأنها أن تحدّد وضعيات النزاع المستقبلية، بوصفها نوعًا من الصيغة الرياضية لتطوير العلوم الإنسانية5. وتتضمّن هذه النمذجة لظواهر الفعل والفعل المضاد بالضرورة جزءًا كبيرًا من الذاتية؛ فالمقاربة الاستشرافية تقتضي إذًا دائمًا بعض التواضع، ومخاطرةً مهمّة لمن يسلك هذا المسلك؛ [وبتعبير آخر] ينبغي تقبّل الخطأ؛ فبوصفها لازمةً لقبول تنبؤ غير دقيق، تقتضي هذه الممرسة أيضًا بعضًا من الأمانة. فهناك عددٌ من الأشخاص كان يوصي عام 2003 بالتدخل [الفرنسي] إلى جانب الأميركيين في العراق يعتقد اليوم أنّ هذا التدخل هو أحد أسباب تطور الإرهاب الجهادي، وهو خطأ، دون الإشارة إلى أنّه دعا إلى عكس ذلك عام.2003 ويتطلّب الاستشراف أيضًا قبول الجرأة في النتائج. وهو أمرٌ ليس سهلً، مع العلم أنّ طريقة إعمل الفكر ينبغي أن تكون دقيقة. وكم قال ذلك مؤخرًا متدخلٌ في إطار مشروع استشرافي لوزارة الدفاع الفرنسية، بإمكان 80 إلى 90 في المئة من لجنةٍ للخبراء أن يتفقوا على تنبؤ متطابق من دون أن يكون صحيحًا. وربما

1  Défense et sécurité nationale. Le Livre blanc (Paris: Odile Jacob/La documentation Française, juin 2008). 2 " Une Europe sûre dans un monde meilleur. Stratégie européenne de sécurité," (Décembre 2003), accessed on 3/10/2016, at: https://goo.gl/AcOSxO 3 " الورقة البيضاء" تقرير أو دليل يخبر القرّاء بإيجاز عن قضية معقدة. 4 Défense et sécurité nationale. Livre blanc (Paris: Direction l'information légale et administrative, 2013). 5  يمكننا نمذجة مفهوم "الفعل/ الفعل العكسي" بوصفه تحديدًا لحقيقة موضوعية، أو موقفٍ(A)، والعديد من العوامل التي تنطبق على هذه الحقيقة الموضوعية لتنتج الوضع.)B(

  1. Défense et sécurité nationale. Le Livre blanc (Paris: Odile Jacob/La documentation Française, juin 2008).
  2. Une Europe sûre dans un monde meilleur. Stratégie européenne de sécurité," (Décembre 2003), accessed on 3/10/2016, at: https://goo.gl/AcOSxO
  3. الورقة البيضاء" تقرير أو دليل يخبر القرّاء بإيجاز عن قضية معقدة.
  4. Défense et sécurité nationale. Livre blanc (Paris: Direction l'information légale et administrative, 2013).
  5. يمكننا نمذجة مفهوم "الفعل/ الفعل العكسي" بوصفه تحديدًا لحقيقة موضوعية، أو موقفٍ(A)، والعديد من العوامل التي تنطبق على هذه الحقيقة الموضوعية لتنتج الوضع.)B(الشكل (1) تطور الإنفاق العسكري في الأعوام 2000 - 0152 (بمليارات الدولارات الأميركية لعام 2014) المصدر: SIPRI (Stockholm International Peace Research Institute).

يكون الشخص الذي قدّم توقعات صحيحة ضمن أقلية نسبتها من 10 إلى 20 في المئة. وعمومًا، إنّ هذا الشخص ربما يكون ذا جرأة فحسب على التنبؤ في اللحظة الزمنية الموالية (t+1) بحدثٍ كان يبدو من المستحيل التنبؤ به في اللحظة.)t(وحين يجري التعبير عن هذه الاحتياطات، فإنّ تقديم وضعيات النزاع في المستقبل في هذه المقالة هو بالضرورة رؤية شخصية، حتى إذا أخذت وقائع وأحداثًا في الحسبان، هي من حيث حقيقتها بيانات أو عوامل موضوعية، إلى حدّ ما يمكن لأحد أن يكون موضوعيًا تمامًا، بما في ذلك عرض الحقائق.

الجهات الفاعلة يف وضعيات النزاع

يتعلق السؤال الأول المطروح بالجهات الفاعلة في وضعية النزاع. ونلاحظ ظاهرة أولى تتمثل باستمرارية الدول بوصفها جهات فاعلة في وضعية النزاع، لا سيم الدول - القوى الكبرى ذات التوجه للقيام بدور على الساحة الدولية من حيث قوتها الاقتصادية، ورغبتها في النفوذ بالنظر إلى نموذجها السياسي

الشكل (1) تطور الإنفاق العسكري في الأعوام 2000 - 0152 (بمليارات الدولارات الأميركية لعام 2014)

المصدر: SIPRI (Stockholm International Peace Research Institute).

والاجتمعي، ومن حيث قوتها العسكرية الحالية، أو تلك التي تسعى إلى بلوغها في المستقبل. وتوجد اليوم ثلاث بلدان يمكن أن يطلق عليها دول - قوى كبرى، هي: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا. ومن شأن الاتحاد الأوروبي أيضًا أن يدّعي هذا الوضع؛ بيد أنّه ليست له مقومات الدولة ولا يعبّ عن أيّ إرادة ليكون قوة عسكرية. من سمت هذه الدول - القوى الكبرى أنّها تنفر من أشكال الصراع التي ليست على مستوى الدولة، أو تبدو غير ملائمة لها؛ فسياسة الدفاع والتسليح الأميركية تهدف دائمًا لتحقيق التفوق العسكري والتكنولوجي المطلق مقابل أيّ كيان من شأنه أن يتحدى تلك السلطة؛ وتتمثل [هذه] القوى المنافسة بالنسبة إلى الولايات المتحدة بالاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، والصين اليوم، أو حتى روسيا التي أضحى الجميع يدرك عودة قوتها أو توخيها سياسة القوة. ومقابل عقيدة "حرب الشبكة المركزية" Warfare Centric Network في بداية الألفية الثالثة، ظهرت في الولايات المتحدة عقيدة "إستراتيجية الأوفست الثالثة للجيش الأميركي" Strategy Offset Third عام 2014، يحرّكها الهاجس نفسه، وهو الحفاظ على التفوق التكنولوجي على أيّ عدوٍّ محتمل (انظر الإطار.)1 بيد أنّ هذا التدفق التكنولوجي لم تكن له النتائج المتوقعة في العراق ثم في أفغانستان؛ ومنذ هذين النزاعين، نلاحظ أنّ الولايات المتحدة ترفض الانخراط في مسارح العمليات التي لا تتوافر فيها مصالح الدولة - القوة الكبرى: حالة ليبيا عام 2011، ثمّ سورية منذ عام.2013 وينطبق الأمر على الصين وروسيا أيضًا؛ فالصينيون غائبون عن النزاعات الحالية. أما بالنسبة إلى الروس فالتحليل المتضخم لوضعية النزاع مع الدول الغربية أو ببساطة مصالحهم الأمنية يمكن أن يفسّ مشاركتهم في مسرح النزاع السوري.

الإطار (1) إستراتيجية الأوفست الثالثة للجيش الأميركي تتمثّل "إستراتيجيات الأوفست" Strategies Offset بالنسبة إلى الولايات المتحدة بوضع خياراتٍ إستراتيجية تسمح لها بتعويض التأخّر على عدوٍّ محتملٍ أو فعلي، وحيازة أفضلية حاسمة. من حيث المبدأ، "إستراتيجية الأوفست" هي بالضرورة مبتكرة لأنها تنطلق من حقيقة أنّ الولايات المتحدة إذا كانت ستستنسخ إستراتيجية خصمها، فإنّها لن تعوّض تأخّرها إلّ إذا أنفقت مبالغ طائلة من شأنها أن تضعف اقتصاد البلاد. خلال خمسينيات القرن الماضي، قام الرئيس أيزنهاور بتطوير "إستراتيجية الأوفست الأولى للجيش الأميركي" Offset First Strategy وتمثّلت بموازنة التفوق العسكري التقليدي للاتحاد السوفياتي بتطوير ترسانة الردع النووي للولايات المتحدة. وجرى تطوير "إستراتيجية الأوفست الثانية للجيش الأميركي" Strategy Offset Second ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي، عندما استعاد السوفيات التكافؤ الإستراتيجي النووي مع الولايات المتحدة. وطوّرت واشنطن حينها إستراتيجية تهدف إلى إضعاف صفوف القوات السوفياتية التي تقع في العمق، وذلك بفضل أول الأسلحة الدقيقة التي يجري استخدامها من مسافات طويلة؛ وكان الهدف كسب الحرب دون حاجة إلى استخدام الأسلحة النووية. أما "إستراتيجية الأوفست الثالثة للجيش الأميركي" Strategy Offset Third التي تسمّى أيضًا "مبادرة الابتكار الدفاعي" Initiative Innovation Defence،

وجرى الإعلان عنها أواخر عام 2014، فإنّها تهدف إلى التصدّي لنشر خصوم محتملين أنظمة أسلحة تسمح بحظر الوصول إلى مناطق النزاع، إضافةً إلى ضروب تقدم تكنولوجي أخرى ملحوظة اليوم. وعلى خلاف "إستراتيجيتي الأوفست" الأولييَن، لم يجر [في "إستراتيجية الأوفست الثالثة"] تعيين عدوٍّ محدّد؛ أو إنه بالأحرى متعدّد. إذ تشمل "إستراتيجية الأوفست الثالثة" كلًّ من الصين وروسيا، إضافةً إلى كوريا الشمالية أو جهاتٍ فاعلة غير حكومية ربما يكون بإمكانها الحصول على التكنولوجيات المتقدمة. وتتمثّل هذه الإستراتيجية باستخدام التكنولوجيات المتقدمة في القطاع المدني حيث وتيرة الابتكار هي اليوم أسرع مما هي عليه في القطاع العسكري، مع تكنولوجيات بالإمكان نقلها في مجال التسلح. ويخصّ هذا على سبيل المثال الروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، والبيانات الكبيرة data big، وأنظمة العرض. وفي "إستراتيجية الأوفست الثالثة"، يمكن أن تكون شركة التسليح هي غوغل Google وليس الشركات التقليدية، مثل رايثيون بوينغ Boeing Raytheon أو لوكهيد مارتن Martin - Lockheed. وهكذا خصّصت الولايات المتحدة 18 مليار دولار أميركي في البحث والتطوير ل "إستراتيجية الأوفست الثالثة" هذه في ميزانيتها للدفاع لعام.2016

عمومًا، تحضّ هذه الدول - القوى الكبرى للحرب؛ ولكن، تتجاوز الحروب حاليًا مستوى الدول القومية. إنّها تجري فوق مستوى هذه الدول أو ضمنها. وعلاوةً على ذلك، نشهد اليوم تحديًا للعولمة سيظلّ ساري المفعول في الأعوام المقبلة؛ إذ كان من شأن عولمة التبادلات التجارية، مع انتهاء المواجهة الأيديولوجية بين الشرق والغرب، أن تؤدي إلى تنمية اقتصادية واسعة ترتبط بظهور أنظمة ديمقراطية. لقد تحقّق هذا المخطّط جزئيًا؛ فمنذ 25 عامًا، بدأت البلدان النامية تلحق بالركب وتضاعفت التجارة الدولية. فقد برزت دول، وتطوّرت الطبقات الوسطى في هذه البلدان الناشئة. وكان ينبغي أن يتُرجم مخطّط العولمة السعيدة ب "نزع عوامل النزاع " Déconfilctualisation في العلاقات الدولية. بيد أنّ عدم المساواة لا يزال مستمرًا، بل يتزايد سواء دوليًا أم داخل الدول. ولم تستفد دول من منافع العولمة؛ خصوصًا، مع تضاعف الفجوة بين المستفيدين من العولمة وأولئك الذين تُركوا خارجها، حتى داخل الدول، سواء أكانت دولً نامية أم صاعدةً أم حتى متقدّمة. وفي الآن ذاته، سمحت طفرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك في كثيرٍ من الأحيان عند المستبعدين عن العولمة السعيدة، بالربط بين الأفراد على نطاقٍ واسع. فاليوم، تتوافر لأيّ شخصٍ يودّ معرفة الأحداث التي تجري على الجانب الآخر من الكوكب الوسيلة للقيام بذلك، فيكون على علمٍ أو على ضلال. لقد فهم منظّرو "الدولة الإسلامية/ داعش" هذه الظاهرة جيدًا، واستخدموا وسائل المعلومات والاتصالات هذه لإيصال رسالتهم. لا تجد النزاعات في عصر العولمة السعيدة أيّ وسيط، في سياق العلاقات بين الدول، وداخل الدول الأسيرة لعقائد اقتصادية يصعب تحدّيها، لا سيم أنّها تبدو خالية من أيّ حمولة أيديولوجية: أي إنّها ينبغي أن تسود لدى الجميع بوصفها حقيقةً موضوعية. ما يفسر بقاء الدول  - القوى الكبرى اليوم خارج المجال الجديد للمواجهة، تحضر في أغلب الأحيان الحروب التي ينبغي أن تخوضها فيم بينها، وفرص حدوثها ضئيلة؛ في حين تنفر الصين والولايات المتحدة الأميركية (الرئيس باراك أوباما) من خوض نزاعات حقيقية جارية، لأنّ منطق هذه النزاعات في نهاية المطاف ليست له سوى علاقة محدودة بمصالحها بوصفها دولً - قوى كبرى.

الإطار (2) "الجيوبوليتيك" من موشور تقرير "اليقظة "2016

تغيرت ملامح العالم؛ يتمثّل بعضها بظهور تراتبية جديدة للقوى، وبروز تغيرات في سير النظام الدولي، وتأكيد لعالم غير قطبي، وتشتت في القوى من خلال تضاعف المنظمت غير الحكومية، وتحدي نمط الدولة القومية، وغيرها. وبناءً عليه، فالتحديات التي ينبغي رفعها على مدى العقود الثلاثة المقبلة كبيرة، خصوصًا في ضوء عدم وجود نموذج في الوقت الحاضر قادر على فرض نفسه. ويقدّم جزء "الجيوبوليتيك" من تقرير "اليقظة 2016" الذي تصدره مؤسسة "فوتوريبل الدولية" International Futuribles، قائمةً بالاتجاهات الكبرى، ووضعيات الانبثاق وعدم اليقين التي يجري تنظيمها وفقًا للمناطق الرئيسة في العالم. ولا يدّعي هذا التجميع (الذي يجري تفصيله في التقرير المذكور) أنّه يشمل جميع الرهانات الجيوسياسية، ولكنه يهدف إلى تسليط الضوء على عددٍ من القضايا من بين تلك الأهمّ للمستقبل.

وضعيات النزاع على سُلّم العالم الاتجاهات الكبرى

ö تضاعف وضعيات النزاع في الدول الضعيفة أو قيد التفجّر ö ö غياب شرطي العالم

وضعيات الانبثاق

ö التكنولوجيات الجديدة ووضعيات النزاع: نهاية القوة العسكرية، وولادة قوة الإنترنت ö ö المجازر بوصفها هدفًا للحرب

أفريقيا الاتجاهات الكبرى

ö بطء عملية الدمقرطة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ö نمو ديموغرافي حامل لفرص اقتصادية ومخاطر بعدم الاستقرار السياسي ö أفريقيا: بين نهاية الحروب الأهلية وصعود الأصوليات، وإعادة تأكيد انعدام الأمن ö ö أفريقيا، مصدر الأطمع والمنافسات الدولية

أميركا اللاتينية درجة كبرى من عدم اليقين

ö ö أميركا اللاتينية، قوة اقتصادية ناشئة؟

الاتجاهات الكبرى

ö توردسيلاس جديدة *: أميركا اللاتينية بين الولايات المتحدة والصين ö أميركا اللاتينية مجزّأة على نحو متزايد في إطار شبكات متنافسة

آسيا الاتجاهات الكبرى

الصين، أول قوة اقتصادية في العالم في عام 2020 صعود القوميات وتضاعف النزاعات الإقليمية والبحرية (انظر الإطار 3) ö ö الهند في مواجهة تحديات متزايدة

درجة كبرى من عدم اليقين

ö ö نحو إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية؟

وضعيات عدم اليقين

ö الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية: آسيا في البحث عن نموذج

البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط الاتجاهات الكبرى (سيجري تقديمها)

ö ö صعود الإسلاميين ö الفتنة بين الشيعة والسنّة: عندما تُحيي السياسة الذاكرة الجريحة ö إسرائيل/ فلسطين: مفارقات صراع قديم العهد ومركزي ö الاضطرابات السياسية في العالم العربي: تشعّبات متباينة

الاتحاد الأوروبي الاتجاهات الكبرى

ö الانبثاق الصعب لنموذج اقتصادي واجتمعي أوروبي ö الاتحاد الأوروبي في العالم، صوتٌ أوروبي متقطّع

وضعيات الانبثاق

ö ö الاتحاد الأوروبي أمام دفع جيرانه ö البيئة والديمقراطية وحقوق الإنسان، القوة المعيارية الأوروبية قيد السؤال

ö الطاقة، انعكاس لاندماج أوروبي غير مكتمل وتبعية جيوسياسية للاتحاد الأوروبي

المصدر: Chapitre "Géopolitique," in François de Jouvenel (sous la dir. de), Rapport Vigie 2016. Futurs possibles à l'horizon 2030 - 2050 (Paris: Futuribles International, 2016), pp. 241 - 307.

تقسيم العالم الجديد (الأراضي المكتشفة خارج أوروبا) بين البرتغال وتاج قشتالة في معاهدة عُرفت تاريخيًا ب "معاهدة توردسيلاس".

أيّ نوع من النزاعات؟

يقود تزايد التعارض بين القوى العسكرية الكبرى إلى الرغبة في المبارزة في صراعٍ على النفوذ على الأراضي المجاورة. وستكون وضعية الصراع بين الدول - القوى الكبرى غير مباشرة في الأعوام المقبلة؛ إذ أضحى الاتجاه نحو انتعاش سباق التسلح بالفعل مستدامًا، ويبدو خطاب باراك أوباما في براغ بشأن نزع السلاح النووي في نيسان/ أبريل 2009، ماضيًا بعيدًا. ويبدو أنّ تحديث الأسلحة النووية وتطوير أسلحة تقليدية جديدة، وبروز أسلحة سيبرانية وأسلحة مستقلة، أصبح القاعدة، وليس واردًا أن يرى النور اتفاقٌ كبير لنزع السلاح. من خلال "حروب الهوية" هذه في عالم ما بعد العولمة ستتواجه القوى العسكرية، كم يبين ذلك التحول الأخير لطابع الصراع السوري، بحيث بدأت أهمية المعارضة بين الولايات المتحدة وروسيا تتزايد في هذا الصراع. في حروب الهوية هذه، وزن الكلمت والأفكار، ومن ثمّ وزن الدعاية، مؤثّرٌ بقدر ما يؤثّر وزن الأسلحة. ما يفسر تطور ما يسمى عادةً "الحروب الهجينة"؛ بمعنى التوظيف الإعلامي للتوترات عن طريق استخدام الإنترنت والشبكات الاجتمعية، مقترنًا بإجراءات عسكرية ضعيفة. ويمثّل صراع دونباس واستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، في أوكرانيا، نماذج من هذه الحروب الهجينة. في جنوب شرق آسيا، تتخذ وضعيات النزاع القائمة على الهوية منعطفًا تقليديًا، لأنّ الهوية تظلّ قائمة على إطار الدولة القومية. ما يحفز النزاعات والمطالبات الإقليمية في بحر الصين، لا سيم النزاع بين اليابان والصين على جزر سينكاكو - دياويو (انظر الإطار 3). وترتبط هذه النزاعات والمطالبات الإقليمية أيضًا ارتباطًا غير مباشر بالموارد الطبيعية؛ إذ من المرجح في المستقبل استغلال المناطق الاقتصادية خارج 200 ميل بحري تحيط بالجزر. وفي ضوء غياب الوساطة الممكنة إزاء غضبهم واستيائهم، يتجمع المستبعَدون من العولمة على أساسٍ قبلي بمفهوم الجمعة الأهلية للتضامن التي تبدو أكثر قدرةً على حميتهم. وربما تكون هذه الجمعة الأهلية هي الأسرة أو الحي أو الجمعة العرقية، أو الدين... وتتعارض هذه الجمعات الأهلية للمصلحة مع الجمعات الأهلية الأخرى التي ربما تكون موجودةً لأنّها تقوم على أساس الانطواء على الذات بوصفه ردّة فعلٍ للحمية. إنّها تقوم إذًا على إقصاء الآخر، ومن ثمّ بحكم طبيعتها، من شأنها أن تكون متنازعةً مع الخارج.

الإطار (3) النزعة القومية والنزاعات الإقليمية والبحرية في جنوب شرق آسيا

للوزن الاقتصادي المتزايد للصين مخاطر على الصعيد الأمني، يرتبط أقربها بصعود النزعات القومية وعودة النزاعات الإقليمية والبحرية للظهور؛ وهي على ذلك اتجاهاتٌ تكون في كثيرٍ من الأحيان مترابطة. وينتج أيضًا من القوة العسكرية المتنامية للصين المرتبطة بطموحاتٍ متزايدة ولكنها تظلّ مع ذلك غير واضحة، الزيادة في القدرات الدفاعية لجيران بكين، لا سيم بغية تأكيدهم سيادتهم على المناطق

المتنازع عليها. وهكذا تقع جزر سين كاكو - دياويو التي تتنازع عليها الصين واليابان (وإلى حدٍّ أقل تايوان) في قلب التوترات بين بكين وطوكيو، على خلفية خطابٍ قومي وعسكرة. وفي بحر الصين الجنوبي، فإنّ النزاعات أكثر تعقيدًا، لأنها تتعلّق بعدة فاعلين (الصين، وتايوان، والفلبين، وبروناي، وماليزيا، وفيتنام)، وهي على درجة الحساسية نفسها. وتخترق بلدان المنطقة حركاتٌ قومية مهمة، من شأنها أن تتعزّز بحلول عام 2020، تتزامن مع المخاوف بخصوص الصين التي جرى التعبير عنها في بعض المجتمعات (اليابان، وتايوان، وفيتنام)، أو تواكب التعرّف على بعض التحديات الداخلية أو التهديدات المرتبطة بالمحيط الجغرافي المباشر (حالات كوريا الجنوبية، وإندونيسيا، وميانمار، وتايلاند). ومن شأن هذه النزعات القومية أن تترجم إلى مشاكل متواترة ومتزايدة على الساحة الدبلوماسية، مع خلفية الخلافات التاريخية التي توظّفها الأحزاب السياسية. وحالة تنافس الصين واليابان، المستدام دون شك، هي الأكثر تعبيرًا عن ذلك. وإذا كانت مخاطر النزاع في هذه المناطق المختلفة تظلّ حقيقيةً في أفق عام 2020، فإنها لا تزال معلّقةً بإرادة الدول المعنية بالدخول في صراعٍ ذي عواقب غير مؤكدة من أجل قضايا ثانوية. ويضاف إلى ذلك ميزان قوى غير متوازنٍ على نحوٍ متزايد بين الصين التي تتوفّر على أذرعٍ اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية مهمّة، وبلدانٍ، على غرار الفلبين، تواجه العديد من التحديات. ويُضاف أيضًا إلى هذا المعطى الاعتمد المتزايد لمختلف البلدان على الاقتصاد الصيني، وهو الأمر الذي يحدّ كثيرًا من هامشها للمناورة. وأخيرًا، يُضاف عدم اليقين المحيط بالتدخّل المحتمل للولايات المتحدة المنخرطة في المنطقة، التي لم تعد قادرةً على تأدية دور الحكَم. وتظلّ مخاطر النزاع على نطاق واسع، وإن كانت حقيقية، محدودةً جدًّا في الواقع. وستترك هذه التوترات المستمرّة من دون شك، بصمتٍ عميقةً على التوازنات في شرق آسيا، وتفتح الطريق أمام تأويلات متعدّدة بشأن موقف الصين في المحيط الإستراتيجي الإقليمي. وأكثر من خطر الصراع على نطاقٍ واسع في شرق آسيا، يبرز التعزيز التدريجي والسريع لوزن الصين في الحوارات السياسية - الإستراتيجية (أو عدم وجودها) على الصعيد الإقليمي الذي يبدو في الأفق. وبحلول عام 2020، سيرجح ميزان القوى من دون شك لمصلحة بكين، ومن شأنه أن يؤكّد نجاحات هذه الإستراتيجية الهجومية.

الشكل (2) إسقاطات الإنفاق الدفاعي للصين والولايات المتحدة في أفق عام 0502 (بمليار دولار أميركي)، وفقًا لافتراضات متعدّدة

هذه التوقعات هي امتداد للاتجاهات الحالية، وتتوافق متغيرات هذه الافتراضات: بالنسبة إلى الولايات المتحدة مع التقديرات

المختلفة للميزانية لحكومة الولايات المتحدة عام 2012 وعام 2013، إضافةً إلى قانون مراقبة الميزانية Budget Control Act لعام 2011 الذي يتطلب تخفيض سقف الديون الأميركية عن طريق خفض 1200 مليار دولار من العجز في الولايات المتحدة على مدى عشر سنوات (2022-2012)؛ وبالنسبة إلى الصين، مع ثلاثة إسقاطات مختلفة لنمو ميزانية الدفاع. ولا تأخذ الافتراضات في الحسبان

بعض القطيعات الممكنة (التقدم العلمي والتقني، أو الصراع الجيوسياسي الرئيس... وغير ذلك)، لكنها تمنح رؤيةً للديناميات الحالية. المصدر: Giri Rajendran, "Chinese-US Defence Spending Projections," IISS (International Institute for Strategic Studies) (19 March 2013), accessed 30/9/2016, at: https://goo.gl/LDfsVN

أما اليوم، فقد ظهر نوعان رئيسان من وضعيات النزاع: النوع الأول هو المتعلّق ب "الدولة الإسلامية" أو "داعش"؛ فوراء الخطاب الأيديولوجي الديني، نجد الجوهر ذاته لتكوين المجموعة التي بُنيت بالتضامن في مواجهة المحنة على أنقاض الدولة العراقية بعد عام 2003. إنّ الأيديولوجية قوية وعامل انقسام، لأنّ رسالةً واضحة

المعالم هي شرطٌ لا غنى عنه لنجاح "الدولة الإسلامية"، ولأنّ الإزالة المادية للآخر، من هو مختلف، هي عنصرٌ مكوّن لهذه الرسالة المُقسِّمة. والبقية هي هروبٌ حذقٌ إلى الأمام بقدر ما عرفت الاستفادة من نزاعات العولمة السعيدة التي يمكن أن توجد داخل المجتمعات الغربية. وُلد إذًا الصراع الهوياتي الأول "العابر للدولة" الذي يستفيد استفادةً كاملة من التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصالات ب "الدولة الإسلامية". إنّها وضعية نزاع "فوق مستوى الدولة" Supraétatique؛ بمعنى أنّها تقع فوق الدول، ما يجعلها عاجزةً إلى هذا الحدّ في مواجهة هذه الظاهرة. وإذا كان الدين هو القوة الموجّهة، فلا ينبغي أن ننخدع: إنّه قوة موجّهة فقط وليس السبب في هذا النوع من الصراع، حتى لو كانت السلطة الفلسفية للأديان تؤدّي دورًا مهمًّ في "نجاح" وضعية النزاع هذه. أما النوع الثاني من وضعيات النزاع فهو "داخل مستوى الدولة" Intraétatique. إنّه الصراع داخل الدول نفسها، للمستبعدين من العولمة الذين لا يجدون وساطة، أي يبدو أنّ المُرحِلّات التقليدية لتمرير مطالبهم الاجتمعية، أي الأحزاب السياسية التقليدية، باءت بالفشل. الحديث في هذه الحالة عن وضعية نزاعٍ مبالغٌ فيه؛ لأنّه لا يوجد تعميم لأعمل عنيفة، ولكن يقود هذا عددًا من الأحزاب أو الشخصيات السياسية لنقل جميع الأفكار القائمة على الانطواء على الذات ورفض الآخر أساسًا للعودة إلى حالةٍ من الرفاه بالنسبة إلى المُستبعَدين. بهذا المعنى، إنّ رفض العديد من الدول الأوروبية قبول المهاجرين في أوروبا، مثله مثل "البريكسيت" [خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي]، فضلً عن ظاهرة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، هي كلّها مظاهر لهذا الانطواء على الذات أو رفض الآخر، مع مخاطر النزاع التي ربما تمثّلها في المستقبل. وفي غياب جوابٍ ملائم عن تجاوزات العولمة، فإنّ الميل الطبيعي، وهو الميل الأسهل لتلبية غضب الأفراد، هو إيجاد أكباش فداءٍ وليس البحث عن حلول حقيقية لتزايد عدم المساواة. هذا هو أصل ما يسمى عادةً الشعوبية؛ بيد أنّ المصطلح غير ملائم لأنّه لا يميّز الاتجاهات العميقة قيد العمل التي تزدهر في الاتحاد الأوروبي كم في الولايات المتحدة، والتي تنتهي في آخر المطاف بتقويض الفكرة ذاتها ل "القيم الغربية". إنّ هذا الميل الجاذب إلى المركز يمثّل اليوم تهديدًا كبيرًا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه كيانًا؛ فخطر التفكّك لا يمكن عدّه باطلً، ولكن بالنسبة إلى الدول التي تشكّل اليوم الاتحاد الأوروبي أيضًا. من الصعب وصف هذا النوع من وضعيات النزاع الداخلية الحقيقية، أي وضعيات النزاعات المصحوبة بأعملٍ عنيفة من شأنها أن تتطور في حال آلت الاتجاهات الحالية إلى التدهور. لقد نجح تنظيم "الدولة الإسلامية" في صراعه العالمي، وساهم في تصاعد وضعيات النزاع الداخلية هذه. إذ يكفي عدد قليل من أتباع تنظيم "الدولة الإسلامية" لكي يولد الشعور بالحرب؛ ففي فرنسا يمثّل 10 آلاف شخص [تقديرًا لمقاتلي داعش] القليل في مقابل ما يزيد عن 65 مليون شخص [ساكنة فرنسا]؛ ومع ذلك، وحتى اليوم،

لم يجر المسّ بالشعور بالحرب. إنّها حدود الممرسة التي يقوم بها "الدولة الإسلامية". إنّ مستوى وضعية النزاع الذي وُجد لا يمكنه أن يتزايد حقيقةً إلّ إذا كان الجواب المقدَّم يساهم في تفاقم الانقسامات الهوياتية داخل المجتمعات. وهي إستراتيجية اتّبعها تنظيم "الدولة الإسلامية" في فرنسا. وعلاوةً على ذلك، فمن غير المحتمل أن يكلّل مشروع الجهوية، في سورية والعراق، بالنجاح على المديين المتوسط والطويل. فمن جهة، إنّ ضروب معارضة هذه الحركة كبيرة، ولا تنحصر في القوى الغربية. ومن جهةٍ أخرى، إنّ قدرتها على التحوّل إلى دولة قومية تقليدية تربطها علاقات دبلوماسية طبيعية بالدول الأخرى منعدمة؛ فخطاب "الدولة الإسلامية" يقوم على رفض الآخر ورفض الاختلاف. لدى "الدولة الإسلامية" إذًا فرصٌ ضئيلة للبقاء على المدى الطويل، على الأقل بوصف هذا التنظيم كيانًا قائمًا على منطقة.

الإطار (4) الشبكات الاجتماعية، سلاح إستراتيجي جديد؟

أصبحت الفيسبوك وتويتر وغيرها من الشبكات الاجتمعية مساحات إستراتيجية حقيقية لمنظمت مختلفة (تنظيم القاعدة، وحركة الشباب، وحزب الله، وغيرها). وفي هذا السياق، نلمس اتجاهًا تصاعديا في استخدام المنظمت الإرهابية الإنترنت لأغراض "الجلبة السياسية الدعائية" Agitprop والتجنيد؛ ففي كانون الثاني/ يناير 2008، قد يكون تنظيم القاعدة توفّر على 5800 موقع إلكتروني على الإنترنت، مع معدل إنشاءٍ ل 900 موقع إلكتروني جديد شهريًا، مبرزًا على هذا النحو التطور المذهل لتواصل هذه المنظمت عبر الفضاء الافتراضي. وإن كان رقم الحسابات التابعة لها على الشبكات الاجتمعية آخذًا في الازدياد، فإنّ اعتمده بدقّة يظلّ صعبًا، بالنظر إلى موقف أنصارها الذين يستخدمون أسمء هذه المنظمت لاحقة لحساباتهم الخاصة أو أسمء مستعارة ذات طابع عام، دون الحديث عن "روبوتات الجهاد" *؛ ولنذكر هنا "داعش" ("الدولة الإسلامية")، و"الجيش السوري الإلكتروني"، و"القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي"، و"بوكو حرام"، وغيرها. وبوصف الفضاء الافتراضي مفيدًا جدًّا بالنسبة إلى الإرهابيين من أجل نشاطات "الجلبة السياسية الدعائية" أو التجنيد، فإنّ هؤلاء لا يميلون إطلاقًا إلى الشبكة نفسها مباشرةً. وتظلّ سياسات الرقابة التي تمارسها الشركات المالكة لهذه الشبكات الاجتمعية تواجه مفارقة "حرية التعبير مقابل تلطيف الآراء". وينتج عن ذلك تلطيفٌ بعدي يبدو غير فعال إزاء المنظمت الإرهابية.

المصدر: يستند هذا النص إلى الأعمال المنجزة في إطار دراسة مؤسّسة "فوتوريبل الدولية": الشركات والأمن السيبراني في أفق عام 020 2، انظر: Futuribles International, Entreprises et cybersécurité à l'horizon 2020 (Paris: Futuribles International, 2015), accessed on 8/1/2017, at: https://goo.gl/1v41Qm

يتمثل الخطر الرئيس في وضعيات النزاع الحالية بأنّ الدول القومية، بما في ذلك الدول - القوى الكبرى، تبدو غير ملائمة لمعالجة هذا النوع من النزاع ومنح وساطة ذات صدقية لحلّها؛ ففي أفغانستان التي تمثّل حالتها في بعض النواحي نموذجًا لهذا النوع من النزاع، الصراع هو في الأساس هوياتي، داخل المجتمع الأفغاني الذي يعيش حالة حرب مستمرة تقريبًا منذ 35 عامًا. وبعد ثلاثة أعوام من الصراع السوري، خلق التقاطع بين أنواع مختلفة من وضعيات النزاع، تلك المتعلقة بتنافس القوى الإقليمية إن لم يكن العالمية، إضافةً إلى النزاعات الهوياتية والاجتمعية داخل البلاد، خطوط صدع متعدّدة بين الأطراف الفاعلة. لذلك، لا يظهر أيّ حلٍّ في الأفق باستثناء الضجر الافتراضي لمقاتلين مشتبكين على أراضٍ ربما فرّ سكّانها منها. وحتى الساعة، تظلّ هذه النزاعات في معظمها نزاعات محيط، إذا اعتمدنا وجهة نظرٍ محورها الغرب، ما عدا الامتدادات، لا سيّم في فرنسا، للصراع الذي يقوده "الدولة الإسلامية". ومن شأن المستقبل أن يكون أكثر قتامةً إذا استمرت الوساطة السياسية للتوترات الاجتمعية في الإخفاق، لا سيّم في الديمقراطيات الغربية. وربما يكون المنفذ تحوّلها إلى صراعات هوياتية، مع مخاطر قوية بقدر ما يوجد اليوم نزاعٌ عابر للدولة من ذاك النوع الذي من شأنه أن يهيكل وضعيات النزاع الداخلية. وفي هذا السياق، تفرض التكنولوجيات الجديدة للاتصالات والمعلومات مزيدًا من الشفافية بالنسبة إلى الحكّام. وهو تطوّرٌ إيجابي، بيد أنّه يترجم أيضًا إلى خطرٍ مزدوج من التضليل وزوال تثبيط الأحاديث والتبادلات بالإنترنت وعلى الشبكات الاجتمعية، مساهمً في جعل السلوك غير الطبيعي الذي يدعو إلى استبعاد الآخر شكلً من أشكال السلوك الطبيعي. والحاجة إلى التفكير في تنظيم هذا النوع من الظواهر، تتجاوز التساؤل البسيط بشأن حظر المواقع التي تمجّد الإرهاب. وأخيرًا، سيصبح الوصول إلى الموارد الطبيعية، الموارد الطاقية أو موارد المواد، رهانًا مهمًّ في الأعوام الخمسة عشر المقبلة. وفي السيناريوهات التي وضعها "معهد بحوث أوروبا المستدامة" Sustainable Institute Research Europe، سيؤدي تواصل النمو العالمي لاستهلاك الموارد بالمعدلات الحالية إلى زيادةٍ بأكثر من ثلث إجملي حجم الموارد المادية المستخرجة أو التي يجري حصادها في العالم في الأعوام 2010 - 2030، من 62 مليار طن إلى 100 مليار طن. يطرح هذا السيناريو بالتأكيد مشكلةً من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولكن ربما يؤدي أيضًا إلى تنافس متزايد في الحصول على المواد. ومن شأن هذه المنافسات أن تجمع الدول القومية في مخطّطٍ أكثر تقليدية من النزاع. ويأخذ هذا السباق من أجل الوصول إلى المواد، كم تمارسه على سبيل المثال الصين، بصورة رئيسة، شكل استثمرات في البلدان التي تزخر بهذه المواد، بوصفه نوعًا من "القوة الناعمة" العدوانية. فهل سيستمر الأمر بعد 15 عامًا؟ ألن يصبح الوصول إلى الموارد الطبيعية أكثر عرضةً للصراع؟ يبدو الأمر مؤكدًا إذا فشلنا في تنظيم نماذج النمو الاقتصادي، وإذا لم يفلح التقدم التكنولوجي في الحدّ من استهلاك الموارد الطبيعية.

الإطار (5) الشرق الأوسط، عدم يقين كبير

يظلّ الشرق الأوسط مجالً لعدم استقرار كبير. فمنذ عدّة عقود، فلسطين واحدة من بؤر وضعيات النزاع الإقليمية والدولية أيضًا، ذلك لأنّ احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية يثير صدى قويًا في الدول الإسلامية، بالنظر إلى طابعه الاستعمري. تضاف اليوم إشكالات إسلامية جسيمة؛ فعلى خلفية التنافس بين السعودية وإيران، والحرب الأهلية في اليمن وسورية والعراق، وصل الانقسام بين الشيعة والسنة إلى ذروته. وتتغذّى هذه "الفتنة" بالإسلام السياسي الراديكالي، وهو الطرف المتطرف للإسلام السياسي السنّي الذي ما فتئ يثبت وجوده منذ سبعينيات القرن الماضي في سياق خسوف العالم العربي. هيّأ الانجراف السلطوي للأنظمة ذات الطابع القومي وإخفاقاتها الاقتصادية (البطالة) والأخلاقية (الفساد)، والجيوسياسية (لم تحلّ قضية فلسطين)، البساط لهذا الإسلام السياسي. وبالنظر إلى هذه التطورات، هذه هي الاتجاهات الكبرى الخاصة بالشرق الأوسط التي حدّدها الخبراء في تقرير "اليقظة."2016

صعود الإسلام السياسي

ستعتمد القدرة على مواجهة الأشكال المتطرفة للإسلام السياسي على تطور الوضع في سورية والعراق واليمن، وليبيا؛ فالفوضى هناك تسمح بنجاحات الجهادية. ويمكن أن يكون وضع التنمية الاقتصادية والاجتمعية، ومدى إثبات التيارات الحداثية ذاتها، وهي المتعلّقة بفصل معيّ بين المسجد والدولة، متغيرًا لا ينبغي الاستهانة به، فضلً عن مدى ظهور مساحة ثقافية وعلمية مستقلة عن المجال الديني. ويبدو تطور العلاقات الأوروبية - العربية، وعلى نطاقٍ أوسع تطور الحوار بين الغرب والعالم العربي، حاسمً؛ فحلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من عدمه، هو الذي يمثّل حافزًا لتعبئة الإسلام السياسي، أكثر حسمً. وأخيرًا، يمكن أن تمثّل التغيّات في الريع النفطي في دول الخليج، لا سيّم في المملكة العربية

السعودية، ومدى انزلاق "بلدان نموذجية" جديدة في الإسلام السياسي، أو على العكس تخلّ بعض الدول عنه، وهي التي كانت قد اعتمدته (إيران على سبيل المثال)، عاملً محفّزًا في هذا الاتجاه أو ذلك.

الفتنة بين الشيعة والسنّة، أو عندما تؤجّج السياسة الذاكرة الجريحة

في الواقع، إذا كان تفاقم هذا الانقسام يعود إلى تسييس شيعة العراق وإيران منذ ستينيات القرن الماضي، فإنّ الثورة الإيرانية التي أصبحت ثورةً دينيةً شيعية، هي التي مثّلت بالخصوص محفّز الفتنة؛

فقد حفّزت طهران الحركات السياسية الشيعية، لا سيّم مع إنشاء حزب الله في لبنان عام 1992. ومن جانبها، قادت البلدان ذات الأغلبية السنية سياساتٍ للاحتواء الإقليمي لإيران، بدءًا من العراق الذي أعلن الحرب على طهران عام 1980. وإذا كان هذا الصراع قد عرف مراحل تخفيف، فإنّ الأحداث جاءت لتُنعشه: مع وصول زعمء شيعة إلى السلطة بعد الحرب الأميركية في العراق عام 2003، والحرب الأهلية في سورية، والتظاهرات العنيفة المتكررة في البحرين وفي لبنان... وغير ذلك. وبطبيعة الحال، يعتمد التخفيف من الفتنة أو عدمه على تطور العلاقات بين طهران والرياض. وعلاوةً على ذلك، إنّ تموضع إيران في المجتمع الدولي هو عامل أساس بالنسبة إلى الفتنة. فإذا كان استبعاد طهران قد ساهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة، فضمّها يقلص النزاعات. وحلّ عقدة الملف النووي هو من وجهة النظر هذه عنصرٌ أساسي في هذه الدينامية. وأخيرًا، من شأن وضع البلدان - الوعاء لضروب العنف بين - إسلامي (سورية، واليمن، والعراق) أن يكون له أيضًا تأثير في الفتنة في الأعوام المقبلة. وإضافةً إلى الخسائر البشرية، من شأن تكثيف الفتنة أن يؤدّي إلى مراجعة الحدود، لا سيّم في سورية والعراق واليمن، حيث تميل ديناميات عنيفة إلى "إعادة صفة الجمعة الأهلية" لمجالاتٍ كانت مندمجةً إلى حدٍّ ما. وعلى العكس من ذلك، من شأن التخفيف من الفتنة، لا سيّم في إطار مسلسل للمصالحة، أن يتيح منظورًا للاستقرار في المنطقة.

إسرائيل/ فلسطين، مفارقات صراع قديم العهد ومركزي

يُنتج الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بانتظام فصولً عنيفة، على غرار حرب صيف 2014 بين حمس والجيش الإسرائيلي. وإلى حدّ الآن، لا يسمح التطور السياسي في إسرائيل نحو تعبيراتٍ أكثر راديكاليةً للصهيونية برؤية ملامح بدايات قطيعة إيجابية في الأفق. ولا يمثّل الانقسام الفلسطيني بدوره محفّزًا لسيناريو القطيعة؛ إذ بإمكان القيادة الإسرائيلية أن تستحضر هذا الانقسام لتؤكّد مدى عدم تأثير اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية في إسلاميّي حركة حمس على وجه الخصوص. ويمكن أن تتأتّ القطيعة نحو خروج من الأزمة من دبلوماسية إلزامية تجاه إسرائيل. ويفترض أيضًا هذا السيناريو المتوجّه نحو عملية سلام عادل، توحيدًا للتيارات الفلسطينية، بوصفه شرطًا لا غنى عنه لاتفاق نهائي.

المراجع De Jouvenel, François (sous la dir. de). Rapport Vigie 2016. Futurs possibles à Défense et sécurité nationale. Le Livre blanc. Paris: Odile Jacob/La documentation Défense et sécurité nationale Livre blanc. Paris: Direction l'information légale et "Entreprises et cybersécurité à l'horizon 2020." Futuribles International. (2015). Rajendran, Giri. "Chinese-US Defence Spending Projections." IISS (International Institute for Strategic Studies). (19 March 2013). at: https://goo.gl/LDfsVN "Une Europe sûre dans un monde meilleur. Stratégie européenne de sécurité."

References l'horizon 2030 – 2050. Paris: Futuribles International, 2016. Française, 2008. administrative, 2013. at: https://goo.gl/1v41Qm

(Décembre 2003). at: https://goo.gl/AcOSxO