العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المجتمعات وأنماط العيش في العالم: الاتجاهات الكبرى للتطور في أفق:2030-2050

المجتمعات وأنماط العيش في العالم: الاتجاهات الكبرى للتطور في أفق:2030-2050

Societies and Ways of Life across the World: Major Trends to 2030 - 2050

هيئة التحرير

الملخّص

إذا لم يكن ممكنًا أن نحدّد بدقّة، وعلى نحوٍ شامل، ما ستؤول إليه التطورات الاجتماعية في العالم في العقود المقبلة، بالنظر إلى تفاوت المجتمعات والسياقات الخاصة بمختلف دول العالم، فإنه يمكن في المقابل تحديد جملة من الاتجاهات الكبرى والمُهيكلة، في هذا الصّدد. ومثلما يُظهر جوليان دامون، انطلاقًا من مساهمته في تقرير "اليقظة 2016 "، تستحق أربعة اتجاهات كبرى الاهتمام. وهذه الاتّجاهات هي: تراجع مستوى الفقر في العالم، وازدياد تأكيد مكانة الطبقات الوسطى في البلدان الناشئة وتبعات ذلك في ما يتعلق بالاستهلاك، وتنامي التمديُن، وازدياد أهمية الديانات. ومن المؤكَّد أنّ هذه الاتجاهات تؤثّر بطرائق مختلفة جدًّا في الدول الفقيرة، وفي الدول الغنية. بيد أنها تظلّ حاسمةً في ما يتعلق بتطور العالم والمجتمعات التي ستشكّله في المستقبل.

Abstract

ملخص:  إذا لم يكن ممكنًا أن نحدّد بدقّة، وعلى نحوٍ شامل، ما ستؤول إليه التطورات الاجتمعية في العالم في العقود المقبلة، بالنظر إلى تفاوت المجتمعات والسياقات الخاصة بمختلف دول العالم، فإنه يمكن في المقابل تحديد جملة من الاتجاهات الكبرى والمُهيكلة، في هذا الصّدد. ومثلم يُظهر جوليان دامون، انطلاقًا من مساهمته في تقرير "اليقظة 2016"، تستحق أربعة اتجاهات كبرى الاهتمم. وهذه الاتّجاهات هي: تراجع مستوى الفقر في العالم، وازدياد تأكيد مكانة الطبقات الوسطى في البلدان الناشئة وتبعات ذلك في ما يتعلق بالاستهلاك، وتنامي التمديُن، وازدياد أهمية الديانات. ومن المؤكَّد أنّ هذه الاتجاهات تؤثّر بطرائق مختلفة جدًّا في الدول الفقيرة، وفي الدول الغنية. بيد أنها تظلّ حاسمةً في ما يتعلق بتطور العالم والمجتمعات التي ستشكّله في المستقبل. كلمت مفتاحية:  التحول الاجتمعي، نمط العيش، أفق 2050-2030، الطبقة الوسطى، الفقر. Abstract:  Though the existence of disparities between the societies of the world's different countries and between their specific contexts makes it impossible to determine precisely and exhaustively what social developments will occur worldwide over the coming decades, a certain number of deep - seated, structuring trends can be identified. As Julien Damon shows here, drawing on his contribution to the 2016 Vigie Report, four major trends are worthy of attention: a decrease in poverty worldwide; a continuing advance of the middle classes in the emerging countries and the consequences that ensue in terms of consumption; ongoing urbanization; and increased religious influence. Admittedly, these trends impact poor and rich countries very differently. They are, nonetheless, crucial in the development of the world and of the societies that will shape it in the future.

الكلمات المفتاحية:
  • التحول الاجتماعي،
  • نمط العيش،
  • الطبقة الوسطى،
  • الفقر.
Keywords:
  • Social transformation
  • Lifestyle
  • Horizon 2030 - 2050
  • Middle class
  • Poverty.

الاتجاهات الكبرى للتطور يف أفق 2050-2030 Societies and Ways of Life across the World:

مقدمة

لن يكون بإمكاننا، في آفاق 2030 و 2050، رسم صورةٍ بانوراميه استشرافية شاملة للتطورات الاجتمعية الممكنة في العالم. بيد أنه يمكننا، في المقابل، أن نؤكّد الاتجاهات المُهَيكلة إلى حدّ بعيد. وسنقتصر على أربعةٍ منها. فالاتجاه الأول يتمثّل في أنّ العالم سيكون في المستقبل أقلّ فقرًا، وأنّ منظور انقراض الفقر المدقع ليس طوباويًا، حتى إن كان من الضروري أن نضع في حسباننا موضوع تزايد التفاوتات وعدم المساواة. وفي الاتجاه الثاني، من المرجّح جدًا أن تستمر الطبقات الوسطى المتنامية في ترسيخ مكانتها، بطموحاتها الجديدة وبقدراتها الاستهلاكية المهمة. أمّا الاتجاه الثالث، فمفاده أنّ التمدين سيواصل وتيرته التصاعدية، بشكلَيه المتباينين جدًا؛ تزايد ظاهرة المراكز الحضرية الكبرى (تركز الثروات والأنشطة في المراكز الحضرية الكبرى)، وتزايد ظاهرة السكن العشوائي (تنامي المساكن المتردّية). وأمّا الاتجاه الرابع، فمجمله أنّ التطور المهم سيصبح فيه العالم أكثر تدينًا ممّ هو متوقع. وستؤثر هذه الظواهر على نحوٍ مختلفٍ جدًّا في البلدان الفقيرة (الأكثر تديّنًا، والتي هي في طور تنامي الطبقة الوسطى Moyennisation)، وفي البلدان الغنية (الأقل تديّنًا، والموسومة بتراجع الطبقة الوسطى).Dé - moyennisation

"نزع الفقر" عن العالم

يُقاس الفقر، على المستوى العالمي، بحسابه، وفقًا لمؤشٍّ أضحى كلاسيكيًا: العتبة المسمة "دولار أميركي في اليوم". فمنذ التقرير الأول للبنك الدولي الذي نشُر سنة 19901، يقوم خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بحساب معدلاتٍ للفقر في جميع دول العالم. فهُم، على نحوٍ أكثر تحديدًا، يهتمون بشأن الدول النامية والدول الأكثر فقرًا. فتحت العتبة المعتمدة من المؤسسات الدولية، نجد عددًا قليلً من الفقراء فعل - إن لم نجد حتى فقيرًا واحدًا - في كلّ من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. فأداة قياس الفقر التي تتمثّل، بعد إعادة تقييمها سنة 2005 بتعادل القدرة الشرائية2، في 1.25 دولار أميركي، لتصبح تحت عتبة 1.9 دولار أميركي، تُعَدُّ مقاربةً للفقر المدقع، وتشير إلى قدراتٍ استهلاكية ضعيفة جدًا. إنّ الدينامية الملحوظة، منذ عدّة سنوات، هي تراجع الفقر في العالم وآفاقٌ أكثر إيجابيةً بالنظر إلى أنّ انقراض هذه الظاهرة كثيرًا ما يُعدّ احتملً واردًا في أفق عام 2030. وبصرف النظر عن الخلافات المنهجية، ينبغي ببساطةٍ أن نستحضر أنّ الانتقال من أقلّ من 1.9 دولار أميركي في اليوم، كقدرة استهلاكيةٍ إلى

  1. Rapport sur le développement dans le monde 1990. La pauvreté (Washington, D.C: Banque mondiale, 1990).
  2. يُثل "تعادل القوة الشرائية " (parity power Purchasing) حساب القوة الشرائية لمختلف العملات في بلدانها الأصلية لسلعة معينة، أو لسلّةٍ من السلع، وهو يُستخدم في مقارنة مستويات المعيشة بين بلدين أو أكثر (المترجم). الجدول (1) عدد الفقراء في العالم (بالملايين)

1.91 دولار أميركي، ينقل فعلً إلى الجهة الأخرى من العتبة، ولكنه يُبقي المرء في ظروف هشة جدًّا. بيد أنّ هذا لا يمنع أن تكون الدينامية واضحةً وضوحًا جليًّا، وأنّ العالم هو أقلّ فأقلّ فقرًا. وقد أوجد المختصّ في التنمية جون ميشيل سفرينو عبارةً سعيدةً لتحديد هذا الاتجاه، هي "نزع الفقر عن العالم".Désappauvrissement du monde(3) ومن أجل تحصيل فكرةٍ بشأن تراجع الفقر في العالم، يمكننا المرور عبر ثلاثة رسوم بيانية توضّح على نحوٍ جيد تطورات قويةً ومتباينةً قيد العمل. ويمثّل الرسم البياني (1) التطورات الملحوظة المتعلقة بعدد الفقراء ونسبتهم في العالم منذ سنة 1990 حتى عام 2015. وتجدر الإشارة إلى أنّ أرقام سنة 2015 هي استقراءات مستمدة من بياناتٍ تعرف موثوقيتها تحسّنًا، ولكنها تظلل محلّ نقاشات واسعة. عند الأخذ في الحسبان بهذه الإيضاحات، فإنّ هذا لا ينفي أنها تظلّ ديناميةً واضحةً تمامًا. ففي ربع قرن، تقلّص عدد الفقراء في العالم إلى حدّ النصف، في وقت تزايدت فيه الساكنة الإجملية تزايدًا متسارعًا. وهذا الاتجاه القوي جدًا نحو الانخفاض، يُذك - على نحوٍ خاص - الانخفاضَ الشديد للفقر عند بعض "عملقة" الديموغرافيا الذين أضحوا "عملقةً" اقتصاديين أيضًا. وينطبق هذا الأمر على كلٍّ من الصين والبرازيل، على أنّ التطور في هذا المنحى لا يخصّ جميع البلدان. ويُظهر الرسم البياني (2) إظهارًا واضحًا الهبوط الحادّ للفقر في شرق آسيا (تراجعت نسبة الفقر المدقع 5 مرات)، واستمرارها - إن لم يكن تناميها - في دول أفريقيا جنوب الصحراء. انطلاقًا من الملاحظات المذكورة آنفًا، وعلى الرغم من تقديرات العواقب السلبية للانفجار المالي أواخر العشرية الأولى بالنسبة إلى القرن الحادي والعشرين، تقدّر التوقعات والتقديرات انخفاضًا مستمرًا مقبلً للفقر. ويمكننا أن نعرض هذه التوقعات والتقديرات انطلاقًا من المنحنى الذي أنجره معهد بروكنجز (الشكل 3) ونقله عنه غلاف مجلة ذي إيكونوميست The Economist.

السيناريو الأعلىتقديرات رسمية أو مركزيةالسيناريو الأدنى
-1900-1991
11129648242013
1089385982030
  1. Jean-Michel Severino & Olivier Ray, Le Grand Basculement. La question sociale à l'échelle mondiale (Paris: Odile Jacob, 2011). الرسم البياني (1) الاتجاهات الكلية للفقر في العالم الرسم البياني (2) تطور عدد الفقراء في أفريقيا وآسيا (بالملايين)

يمكن أن يبدو الإسقاط المركزي (وهو الرقم الأكثر تداولً) تفاؤليًا جدًا، ولا سيم بالنظر إلى تحول الاتجاه الذي مسّ عدة دول نامية سنتَي 2013 و 2014. يبقى أنه ليس القضاء التامّ على الفقر (1.25 دولار أميركي) هو الذي يجري الإعلان عنه، إذ يظلّ نحو 400 مليون فقير في العالم، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلً. فحدود السيناريوهات المختلفة تبقى واسعةً إلى حدّ ما في هذا التمرين للإسقاط أو للاستشراف، لأنه يمكن، من منظور أكثر تفاؤلً، ألّ يبقى سوى أقلّ من 100 مليون فقير سنة 2030. في حين يبقى في السيناريو الأكثر تشاؤمًا نحو مليار فقير كم هي الحال اليوم. وعلى الرغم من ذلك ستكون نسبة الفقر أقلّ.

اغتناء الميسورين جدًا أثناء تناقص الفقر

في وقت لم يتناقص فيه الفقر الشديد إطلاقًا على هذا النحو من قبلُ، فإنّ من هم الأكثر ثراءً – بمعنى وجود نسبة 1 في المئة من مجموع الساكنة الأكثر يسرًا – لا يزالون يزدادون ثراءً. وإذا كانت نسبة عدم المساواة، في الأجور وفي الثروة، قد انخفضت بشدّة تقريبًا في كلّ البلدان الغنية، وذلك إلى حدود

سبعينيات القرن الماضي، فإنها قد عادت إلى الارتفاع مجدّدًا منذ ذاك الحين. وهذا الأمر ينطبق خصوصًا على الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وعلى أستراليا أيضًا. ففي الولايات المتحدة، كانت نسبة 1 في المئة الأكثر يسرًا تتحكم في 18 في المئة من الدخل العامّ في سنة 1900. بيد أنّ الأمر لم يبقَ على هذه الحال سنة 1970، إذ وصلت النسبة إلى 8 في المئة لنصل إلى نسبة 18 في المئة سنة 2010. وقد كانت فرنسا في الوضعية نفسها سنة 1900، ولكنها استقرت على نسبة 8 في المئة سنة 2010، وإن كان قد لوحظ اهتزاز ملحوظ بعد بلوغ عتبةٍ تحت نسبة 7 في المئة خلال ثمانينيات القرن الماضي. ويسجّل التحليل الوطني لنسبة 1 في المئة في مجمل الدول الغنية هذا التزايد. على المستوى العالمي، يشكّل مجموع سكان نسبة 1 في المئة في الدول الغنية ما جرت تسميته "الطبقة الفوقية" التي تستفيد حتمً من دينامية العولمة. وفي البلدان النامية، ليست نسبة 1 في المئة مميّزةً لاقتصاد ريعي، بل لأنظمة امتصاصية وفاسدة لم تأفل. وبين هاتين المجموعتين السكانيتين القصوييَن، أي الأقلّ يسرًا من الذين يخرجون من الفقر، والأكثر يسرًا، توجد طبقاتٌ وسطى قلقة (في البلدان الغنية) راغبة في التغيير (في البلدان الفقيرة).

تأكيد مكانة الطبقات الوسطى على مستوى العالم

تجري الإشارة إلى التراجع النسبي للطبقات الوسطى وقلقها في فرنسا وفي عددٍ من الدول الغربية أيضًا. في حين أنّ هذه الطبقات من شأنها أن تكون بصدد البروز في الدول الناشئة، في مستهلّ مرحلة توسّع. وعلى نحوٍ معيّ، قد يكون من شأن ديناميات "تنامي الطبقة الوسطى" أنها تميّز البلدان النامية، مثلم استطاعت أن تميّز فرنسا - مع أخْذ الاختلافات الممكنة لعناصر المقارنة في الحسبان - في فترة "الثلاثين المجيدة"4. وبموازاةٍ لذلك، قد يكون من شأن ديناميات "تراجع الطبقة الوسطى" أنها تؤثر في بلدان العالم القديم5.

  1. الثلاثون المجيدة Trente Glorieuses("): هي مرحلة طويلة من النمو عرفتها معظم البلدان المتقدّمة خلال الفترة المُمتدّة من نهاية الحرب العالمية الثانية وتنفيذ مخطّط مارشال، إلى بداية السبعينيات مع الأزمة الاقتصادية لعام 1973 الناجمة عن الحصار النفطي العربي على نحوٍ أساسي. وقد تميّزت هذه الفترة، فضلً عن مستويات خلق القيمة والنموّ العالية، بدرجةٍ معيّنة من التنظيم والاتساق الاجتماعي، وبارتباطٍ مباشرٍ مع التّوازن بين أجور العمال وأرباح الشركات (المترجم).
  2. لتفصيل أكبر بالنسبة إلى هذه النقطة المهمة، انظر: Julien Damon, Les classes moyennes, Paris: presses universitaires de France , coll. Que sais-je? (Paris: PUF, 2013); Julien Damon, Le marché des classes moyennes dans les pays émergents: Quelle réalité? Quelles opportunités? (Paris: Chambre de commerce et d'industrie de Paris, 2014).

منذ القرن التاسع عشر، حاولت العديد من التحليلات ترسيم مدار الطبقات الوسطى. فهي تارةً مُحتفى بها، وتارةً أخرى مُنتقدة أو متودّد إليها أو محتقرة. ووفق العصور وبحسب العديد من المؤلِّفين، تحظى الطبقات الوسطى اليوم بتتبّعٍ عن كثب، في فرنسا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وفي العالم النامي أيضًا. فوجود هذه الطبقات، في البلدان الغنيّة، في بؤرة القضايا الاجتمعية والاهتممات الانتخابية أمرٌ مثيرٌ للاهتمم. وبين انشقاق الأغنياء جدًا وتهميش الفقراء جدًا، توجد هذه الطبقات التي تختلف حدودها اختلافًا كبيرًا؛ بحسب عدّة دراسات في ملتقى الديناميات والإشكاليات. وعلى الصعيد العالمي، من شأن بروز هذه الطبقات في البلدان النامية أن يغيّ التوازنات الاقتصادية والديمقراطية، سواءٌ كان ذلك في كلّ بلد على حدة، أو على الصعيد العالمي أيضًا. وتقدّم الدراسات التي تتمحور حول حزمات الدخول المتوافرة وحدودها، أو مستويات الاستهلاك التي تسمح بتقدير نسبة الطبقات الوسطى الناشئة، حدودًا فاصلةً متباينةً. ويمكن أن تكون المقاربة مقيّدةً إلى حدّ ما، وقريبةً إلى حدّ ما من عتبات الفقر والرخاء. ومن أمثلة ذلك ما يلي: قام بنك التنمية الأفريقي وبنك التنمية الآسيوي بنشر دراسات حول الطبقات الوسطى، استنادًا إلى دخل يومي يراوح بين دولارين و 20 دولار أميركي. اشتغل البنك الدولي بخصوص هامشٍ يوميّ يراوح بين دولارين و 13 دولارًا (وهو ما يُقابل في حدّه الأدنى الحد الأدنى المتوسط للفقر في 70 بلدًا، ويُقابل في حدّه الأعلى حدّ الولايات المتحدة). يرتكز مكتب ماكنزي على دخل يومي يفوق ال 10 دولارات أميركية. في عملٍ مرجعي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراوح حدود القدرة الشرائية اليومية بين 10 و 100 دولار أميركي. والفائدة من الاستدلال وفق حدودٍ تراوح بين 10 و 100 دولار أميركي هي إقصاء الفقراء في البلدان الأكثر فقرًا من الطبقة الوسطى العالمية من جهةٍ، وإقصاء الأغنياء في البلدان الأكثر ثراءً من جهةٍ ثانية. مهم كانت المناهج، والسقوف، والعتبات، والمصادر، وطرق جمع البيانات، فإنّ الاستنتاجات تذهب في نهاية الأمر إلى المنحى نفسه. وتفيد الخبرات والإعلانات التأكيد الحالي لمكانة الطبقات الوسطى في البلدان الناشئة. وسنهتم بإحدى هذه الأعمل الدولية المرجعية المقارنة، وهي أعمل لها مناهضوها ومؤيدوها، وفضائلها وعيوبها. وينبغي التعامل بحذر مع التحليل الذي بثّته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وإن كان يُكّننا من الحصول على رؤية شمولية.

أنجز عالم الاقتصاد هومي خراس تقريرًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية6. وبحسب هذا العالِم، يمكن تعريف الطبقات الوسطى بالحدود الفاصلة للدخل التي تراوح بين 10 و 100 دولار أميركي كقدرة شرائية يومية لكل فرد. وتشمل ورقة عمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 145 بلدًا، وهي إحدى الدراسات النادرة بشأن التراصف الاجتمعي في العالم، وتمثّل 98 في المئة من سكان العالم، و 99 في المئة من الناتج المحلي الإجملي العالمي. وقد أحصى الكاتب في عام 2009 أكثر من 1.8 مليار شخص ضمن "الطبقة الوسطى العالمية". يعيش نصف عدد الأشخاص المشمولين في هذه الطبقة (أي مليار شخص تقريبًا) في اقتصاديات ناشئة قوية النمو. وتشمل الولايات المتحدة وحدها 230 مليون شخص، وأوروبا (بالمعنى الواسع) 664 مليون شخص، وآسيا نصف مليار شخص. ولا تحوي أفريقيا جنوب الصحراء سوى ثلاثين مليون شخص؛ كم هو الشأن بالنسبة إلى كندا وحدها. وتُؤوي الصين ثاني أكبر ساكنة تقع ضمن الطبقة الوسطى العالمية (بعد الولايات المتحدة) تشتمل على 157 مليون شخص. وإذا كانت هذه الطبقة الوسطى العالمية تحظى بالأغلبية بين سكان الولايات المتحدة، فإنها محدودةٌ جدًّا في الصين (12 في المئة من مجموع السكان). ويعتقد بعض المعلّقين أنّ هذا الرقم مبالغٌ فيه جدًا. وينطبق الأمر نفسه على الهند. فبحسب خبراء محليين ومراسلين صحافيين، لا تعدو الطبقة الوسطى، في الحقيقة، أن تكون نخبةً ضيقة. مع الأخذ بهذه التحفظات، يمكننا العودة إلى عمل خراس آنف الذِكر الذي يرى أنّ من شأن عدد هذه الطبقة الوسطى العالمية أن ينتقل إلى 3.2 مليارات شخص بحلول عام 2020، وإلى 4.9 مليارات شخص بحلول عام 2030. ومن شأن الأساس في هذا النمو (نسبة 85 في المئة) أن يأتي من آسيا. أمّا عدد الطبقة الوسطى بأميركا الشملية، فمن شأنه أن يظلّ مستقرًا؛ وذلك من خلال الارتباطٍ بظاهرتين تتعادلان؛ إذ يلج الفقراء في الطبقة الوسطى، في حين يصبح أفرادٌ من الطبقة الوسطى أغنياءَ ويتركونها من الناحية الإحصائية. يُضاف إلى ذلك أنّ أوروبا ستعرف نموًا لطبقتها الوسطى إلى حدود سنوات 2020، ولكنها ستتراجع في عقب ذلك؛ بسبب تناقص النمو الديموغرافي لبعض أكبر البلدان الأوروبية كألمانيا أو روسيا.

  1. Kharas Homi, “The Emerging middle class in developing countries,” paper presented at the OCDE, no. 285 (Janvier 2010). ومن أجل موازنة تقديرات هومي خراس، انظر التقرير الآتي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: “ Emerging middle class blues,” OECD, 1/7/2013, accessed on 2/9/2016, at: https://goo.gl/bksK6O الجدول (2) الطبقة الوسطى العالمية: التقييم والإسقاطات (بالملايين، وبالنسب المئوية)
203020202009
%7322%10333%18338أميركا الشمالية
%14680%22703%36664أوروبا
%6313%8251%10181أميركا الجنوبية
%663228%541740%28525آسيا
%2107%257%232أفريقيا جنوب
الصحراء
%5234%5165%6105الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا
%1004884%1003249%1001845العالم

اعتمدًا على تقديراتٍ لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وعلى الإسقاطات الديموغرافية للأمم المتحدة، يمكن القول إنّ الطبقة الوسطى العالمية قد مثّلت 27 في المئة من إجملي سكان العالم سنة 2009، وإنّ من شأنها أن تمثّل 42 في المئة من إجملي سكان العالم سنة 2020، و 59 في المئة سنة 2030، عندما سيصبح عدد سكان العالم الإجملي 8.3 مليارات نسمة، وهي حركة يمكن أن توصف بأنّها "مذهلة". وبالموازاة لذلك، ضمّت أوروبا وأميركا الشملية في عام 2009 أكثر من نصف هذه الطبقة الوسطى العالمية، ولكنْ من شأن بلدان هاتين المنطقتين ألّ تضمّ أكثر من 20 في المئة من هذه الطبقة الوسطى العالمية في عام 2030، وهو تحوّل كبير أيضًا. وعلى الرغم من ذلك، ينبغي التذكير بأنّ هذه التقديرات، وأكثر منها هذه الإسقاطات، تتعلّق ببياناتٍ وفرضياتٍ وتطورات، تدعو دائمًا إلى ضرورة التعامل مع الأعداد بحذر. في ما يخص البيانات ذاتها، ليس من المبالغة القول إنّها ليست دقيقةً تمامًا. فقواعد جمع المعلومات وطرقها تتطوّر باستمرار، ولكنْ لا تمتلك كلّ البلدان الأدوات القوية نفسها (وإنْ كانت قابلةً للنقاش أحيانًا) التي يمتلكها المعهد الوطني للإحصائيات والدراسات الاقتصادية (INSEE) في فرنسا. وهكذا، من البديهي أنّ الأمر يتعلّق بنسب الطبقات الوسطى اليوم - انطلاقًا من حزمات مستوى المعيشة - بتقديرات فحسب، وأنّ هذه التقديرات في حدّ ذاتها لا تتّسم بموثوقية أكيدة.

وفي ما يتعلق بالفرضيات، فإنّ كل شيء يقوم على توافقات الاقتصاديين التي تقدّر أنّ عتبةً معيّنةً (أو سقفًا) معيّنًا تُدخل ساكنةً ما إلى الطبقة الوسطى العالمية (مع العلم أنّ هذا المفهوم لا يجد في العديد من البلدان معنى كبيرًا). وأخيرًا، لا تنتج تطورات الطبقة الوسطى العالمية، كم جرى رصدها في كل بلد، من تحولات البنية الاجتمعية في هذه البلدان فحسب، بل تنتج أيضًا وخصوصًا، من خلال أدوات القياس المستعملة، عن الأسعار وأسعار الصرف. ولا يفيد تعادل القوة الشرائية سوى على نحوٍ ناقص بخصوص ظواهر تبحث عن تجاوزها. وبارتكازه على أعمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، درس مكتب الدراسات ماكنزي تطور "الطبقة الوسطى الاستهلاكية". وقد تطرّق إلى الطبقة الوسطى الناشئة؛ بوصفها الفئة السكانية التي بمقدورها إشباع حاجاتها الأساسية، وأيضًا حاجاتها الأكثر تطوّرًا7. أمّا الحد الأدنى الذي يعتمده مكتب ماكنزي، فهو دخل يفوق 10 دولارات أميركية يوميًا. وفي سنة 2010، كانت هذه الطبقة تضم 2.4 مليار نسمة (وهو تقدير أعلى من تقدير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ لأنه جرى أخذ الدخل في الحسبان، وليس القدرة الشرائية). ويُقدّر مكتب ماكنزي أنه بحلول عام 2025 ستصل الطبقة الوسطى الناشئة إلى 4.2 مليارات نسمة، وأنّه في عام 2025، سيوجد نصف سكان العالم ضمن طبقة الاستهلاك، في حين أنّ هذه الطبقة كانت تشكّل ثلث سكان العالم في عام.2010 إنّ هذا التقدم "مذهلٌ" فعلً. ففي عام 1970، كانت الطبقة الاستهلاكية – وهي التي كانت موجودةً في البلدان المتطورة خصوصًا – تمثّل أقلّ من ربع سكان العالم. وفي عام 1950، كانت لا تمثّل سوى 13 في المئة. وفي عام 1900، كانت تمثّل أقلّ من 0,1 في المئة. وقد تزايدت الطبقة الاستهلاكية بنحو 1.7 في المئة سنويًا خلال الفترة 1970 - 1990. وبحلول عام 2025، من شأن وتيرة هذه الزيادة أن تزداد أكثر من الضعف (الشكل 4). وستصبح الطبقة الوسطى الاستهلاكية موجودةً أكثر فأكثر في المدن، وفي مدن البلدان النامية تحديدًا. يقدّر مكتب ماكنزي أنه ينبغي الأخذ في الحسبان أكثر من مليار نسمة إضافية ستنضمّ إلى الطبقات الوسطى الحضرية في البلدان النامية بحلول عام 2025، وأنّ النسبة الأساسية من التزايد بالنسبة إلى الطبقة الاستهلاكية في مدن البلدان الناشئة حتى عام 2025 ستبلغ نحو 95 في المئة. ومن ثمّ، ينبغي النظر في الحاجات الكبيرة التي ينبغي إشباعها، والتي تبدأ منذ اليوم، في ظل مخاطر إحباطات وخيبات أمل كبرى، في ما يتعلق بالخدمات الجمعية للمياه، والطاقة، والصحة، والتعليم.

  1. Court David & Narasimhan Laxman, “Capturing the world's emerging middle class,” McKinsey Quarterly (Juillet 2010), accessed on 2/9/2016, at: https://goo.gl/czxqfx الرسم البياني (4) تقدم "الطبقة المستهلكة" في العالم وفقًا لمكتب ماكنزي (بمليار نسمة)

ساكنة عالمية أكثر تمديُنًا باستمرار

يترافق تطور الطبقات الوسطى ترافقًا متزايدًا مع إحدى خصائصها الاجتمعية المتمثّلة في التمديُن. فخلال كلّ سنتين منذ سنة 1988 على نحوٍ متواتر، ينشر قسم السكان بالأمم المتحدة إسقاطات متعلقةً بتطور عدد السكان في المدن والأرياف. ومنذ عام 2008، أضحى معظم سكان العالم حضريين. وتُقدّر هذه النسبة ب 54 في المئة سنة 2015، وتقدّر إسقاطاتها بنسبة 66 في المئة بحلول عام 2050 (الجدول.)3 وبدايةً من عام 2015 حتى عام 2050، من شأن الجمع بين النمو الديموغرافي العالمي وعملية التمديُن أن يؤدّي إلى زيادةٍ تقدّر ب 2.5 مليار حضريين. وستكون هذه الزيادة مركّزةً بنسبة 90 في المئة في آسيا وفي أفريقيا، وخصوصًا في الهند، والصين، ونيجيريا. فهذه البلدان الثلاثة وحدها ستشملها نسبة 37 في المئة من الزيادة المتوقعة. وفي عام 2050، قد تشمل الهند زيادة قدرها 404 ملايين حضري إضافي

(على الرغم من أنّها حينئذٍ لا تكاد تكون ذات أغلبية حضرية)، وقد تشمل الصين 292 مليونًا، ونيجيريا 212 مليونًا. ومن هنا نتبيّ، مرّةً أخرى، مدى التحديات؛ من جهة البنى التحتية، والسكن، والطاقة، إضافةً إلى الخدمات الصحية والتعليمية. أضحت هذه الملاحظات والديناميات معروفةً تمامًا في الوقت الراهن. فقد تزايد السكان الحضريون في العالم بسرعة، وانتقلوا من 746 مليون نسمة في عام 1950 إلى 3.9 مليارات نسمة في عام 2015. وقد يصبح عدد الحضر 6 مليارات نسمة في عام 2045. وتُؤوي آسيا اليوم، على الرغم من معدل تحضٍّ منخفض نسبيًا، 53 في المئة من سكان حضر العالم، تتبعها أوروبا ب 14 في المئة، وأميركا اللاتينية ب 13 في المئة. وتركز أعمل الأمم المتحدة على التجمعات السكانية الكبرى، بوصفها تعبيرًا عن ظاهرة التمدين الأساسية. وتزداد أهمية المدن الكبرى (Mégacités)، كم تسميها الأمم المتحدة، ذات الأكثر من 10 ملايين ساكن. ففي حين كان يُحصى منها ثلاث مدن فقط سنة 1970، وعشر مدن سنة 1990، بإجملي 153 مليون ساكن (أقل من 7 في المئة من إجملي سكان الحضر في العالم)، أحصيتُ 28 كبرى في عام  مدينةً 2014، تؤوي 453 مليون ساكن (أي نحو 12 في المئة من سكان الحضر في العالم). وتقدر الأمم المتحدة أن يصل هذا العدد إلى 41 مدينةً من هذا الحجم بحلول عام.2030 بالنسبة إلى هذه التجمعات العالمية الكبرى، تؤكد البيانات الحديثة تأكيدًا شديدًا وجود تطور معروف. فخلال الفترة 1830 - 1925، ظلّت لندن أكبر مدينة في العالم (مع ساكنةٍ تراوح بين مليون و 8 ملايين ساكن)، متقدمةً بذلك على بكين. وقد تجاوزتها إثر ذلك نيويورك التي تجاوزتها طوكيو بعد ذلك. بيد أنه يمكننا أن نعبّ عن الأمر بطريقة أخرى وعلى نحوٍ أعمّ. فقد كان عالم المدن الكبرى، أساسًا، عالمًا أوروبيًا في القرن التاسع عشر، وأميركيًا في القرن العشرين. وهو في القرن الحادي والعشرين عالم آسيوي وأفريقي أساسًا.

أوقيانوسياأميركا
الشمالية
أميركا
اللاتينية
أاوروباآسياأفريقياالعالم
626441521814301950
718280744840542015
748786826456662050

إذا كنّا نركّز، في أغلب الأحيان، على الملاحظات والتساؤلات بشأن هذه المدن العملاقة التي أصبحت تزداد أهميةً، فهذا لا يمنع أنّ أكثر من نصف الحضر (مليارَا شخصٍ تقريبًا) يعيشون، في عام 2014، في مدنٍ تُؤوي أقلّ من 500 ألف ساكن؛ ومن شأن هذه الحال أن تبقى كذلك سنة.2030

20302014
الساكنةالمدينةالرتبةالساكنةالمدينةالرتبة
37.2طوكيو137.8طوكيو1
36.1دلهي224.9دلهي2
30.8شنغهاي323.0شنغهاي3
27.8مومباي420.8مكسيكو4
27.7بكين520.8ساو باولو5
27.4داكا620.7مومباي6
24.8كراتشي720.1أوساكا7
24.5القاهرة819.5بكين8
24.2لاغوس918.6نيويورك9
23.9مكسيكو1018.4القاهرة10

يتّصف التمديُن العالمي الحالي بتركيزٍ وكثافة متزايدين. وضمن هذا الإطار، يتّسم بكثرة السكن العشوائي وتوسّعه. وقد قدّرت الأمم المتحدة أنّ عدد الأشخاص الذين يقطنون السكن العشوائي تجاوز مليارًا سنة 2007، وأعلنت أنّه من المرجح أن يتجاوز 1.4 مليار شخص سنة 2020، وأنّه سيتجاوز مليارين سنة 2050. وإن كانت الدقة الإحصائية التامّة مستحيلةً، فإنّ المقادير الكلّية لها نصيب من الصحة. يعيش اليوم أكثر من شخص من أصل سبعة أشخاص في سكنٍ عشوائي (بغضّ النظر عمّ يمكن أن تكون التعريفات والوضعيات المتنوعة لهذه الأحياء الخاصة). وإذا كان من شأن هذه الحال أن تستمر على ما هي عليه، فستصبح هذه النسبة واحدًا من أصل ستة أشخاص سنة 2020. وفي هذا الصّدد، تفرض عبارةٌ نفسها؛ مفادها أنّ تمديُن العالم هو إلى حدّ بعيد "تزايدٌ لظاهرة السكن العشوائي".)Bidonvillisation(إنّ التعريفات والترجمت هي إلى حدّ ما مضمونة. فالمصطلحات من قبيل: "كوخ قذر"، أو "أحياء عشوائية"، أو "مساكن غير رسمية"، أو "منشآت غير قانونية"، أو "أحياء غير قانونية"، أو "أوكار"، أو "منازل ذات دخل

منخفض"، تُستعمل - في أغلب الأحيان - بطريقةٍ قابلة للاستبدال. وعلى الصعيد العالمي، اقترح برنامج المستوطنات البشرية للأمم المتحدة (Habitat - ONU) تعريفه الخاص للسكن العشوائي، انطلاقًا من مؤشر ذي متغيرات خمسة. ويركّز تعريف برنامج المستوطنات البشرية للأمم المتحدة للسكن العشوائي، وهو تعريفٌ ذو بُعدٍ إجرائي أكثر من كونه ذا بُعدٍ رسمي، على الخصائص الفيزيائية (مستوى الجودة المتدنّ للسكن، وغياب إمدادات الماء والصرف الصحي)، والخصائص القانونية (عدم قانونية الأرض والبناء). وبحسب بعض الخبراء، من شأن مثل هذا التعريف، في حال أخذ عدم تجانس عناصره في الحسبان، أن يؤدّي إلى التقليل من شأن هذه الظواهر. ويرى مؤلفون آخرون أنّ موثوقية البيانات لا تسمح، في الواقع، بقول شيء دقيق يُذكر في هذا الشأن. أمّا بشأن هذه المناطق، فثمّة أطروحتان تتواجهان. فبعضهم يرى فيها عمليةً طويلة الأمد لتحسين ظروف العيش؛ إذ تسمح المدينة بالوصول التدريجي إلى الشبكات المتطورة (سواءٌ تعلّق الأمر بالمياه، أو التعليم، أو الطاقة). في حين يؤكد آخرون تدهور الأوضاع (ولا سيّم من جهة انعدام الأمن). فبم أنّ هذه الفضاءات الحضرية مناطق للفقر، فهي أيضًا أماكن للابتكارات ولبساطة العيش الاضطرارية. فهل ينبغي الاحتفاء بهذه الابتكارات؟ وهل يمكن الاستلهام منها في البلدان المتطورة؟ يظلّ السؤال الأول متّسمً بالانفتاح حاليًا. وهناك تساؤل آخر تقليدي، هو: هل أنّ الأحياء العشوائية، في البلدان النامية مناخل8 للعبور إلى حياة أفضل؟ أم هي شِاكٌ عالقٌ بها سكانها؟ لقد عرفت أطروحة المدينة بوصفها "منخلً"، في الأزمنة الأخيرة، اهتممًا متجدّدًا. بيد أنّ غياب معطيات وبيانات موثوقةً سيؤدي إلى درْء استنتاج خلاصاتٍ على نحوٍ أحادي المعنى. وستظلّ حركة التركّز والتجمّع السكاني في المناطق الحضرية تنتشر انتشارًا مكثّفًا في أكثر المناطق تدهورًا.

التراتبية الاجتمعية العالمية

وصلت اللفظة الأوائلية "قاعدة الهرم" (Pyramid the Of Bottom) إلى الشهرة. وهي تُشير إلى نسبة كبيرة تمثّلها المجتمعات الفقيرة للبلدان الفقيرة في أسفل قاعدة هرم توزيع سكان العالم، وفقًا للموارد. فالجزء الأكبر من سكان العالم يوجد في "قاعدة الهرم"، إذا أخذنا سقفًا مقدّرًا بعشرة دولارات أميركية يوميًّا. وفي أواخر العشرية الأولى من الألفية الثالثة، فإنّ نحو 4.5 مليارات نسمة يعيشون بأقلّ من عشرة دولارات أميركية يومية. ولكن إذا أخذنا كسقفٍ ل "قاعدة الهرم" عتبة 1.55 دولار أميركي يوميًا بتعادل القدرة الشرائية (الذي انتقل إلى 1.9 دولار أميركي في عام 2015)، فإنّنا نعُدّ مليار شخصٍ تقريبًا.

  1. منخل " (Sas): مصطلح يستعمل في الهندسة المعمارية، ويقصد به فضاءٌ للعبور يوجد بين مكانين أو غرفتين (المترجم.) الرسم البياني (5) التوزيع الثلاثي للهرم الاقتصادي العالمي (2010)

وأعلى كثيرًا من قاعدة الهرم، توجد ساكنةٌ يمكن وسمها ب "قمة الهرم " (Pyramid the Of Top)، نضع لها كعتبةٍ للدخل 100 دولار أميركي يوميًا. ويوجد نحو 500 مليون شخص في هذه الوضعية في البلدان الغنية أساسًا. ونجد، أخيرًا، بين الطّبقتين طبقةً وسطى عالميةً، تُعرف بلفظة أوائلية جديدة، هي: "وسط الهرم" (Pyramid the Of Middle) التي تضمّ نحو مليارَيْ شخص (وهو معدل أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومكتب ماكنزي)، ومعظمها لا يزال يوجد في البلدان الغنية. بيد أنه ابتداءً من 2020، سوف تُؤوي آسيا أكثر من نصف هذه الطبقة. تشمل طبقة "وسط الهرم" مستويات عيشٍ مرتفعة على نحوٍ ملموس، مقارنة بًالفقراء. فالطبقات الوسطى الناشئة، والمجملة في طبقة "وسط الهرم"، تُقسّم ميزانيتها بطريقة مختلفة عن الفقراء؛ إنفاق أقلّ في الغذاء، وإنفاق أكثر في التعليم والترفيه. وهي حضرية في أغلبها، وممثّلة كثيرًا في التجمعات الحضرية الكبرى، وهي تعيش بالنسبة إلى جزءٍ كبير منها في مساكن مجهّزة بحمماتٍ وأجهزة تلفزيون. ومن المؤكَّد أن طبقة "وسط الهرم" توجد في أحياء مجهّزة، ولكنها توجد في مساكن غير نظامية، وفي أحياء عشوائية. ولكن بالنظر إلى أنّ معظم أفرادها قرويّون فقراء، فإنّهم لا يملكون الوصول إلى أسباب رغدِ العيش والتجهيزات التي توفرها المدينة، حتى في أحيائها العشوائية. كم أنّ الساكنات الناشئة لطبقة "وسط الهرم" بدأت تصبح موظفةً براتبٍ وتستفيد من التغطية الاجتمعية. إضافةً إلى ذلك، يعيش أفرادها في مساكن أصغر، ولديهم أطفال قليلون، وهي تستثمر في تعليمهم. وبالنظر إلى جميع مؤشّات النمو (الدخل، وأمد الحياة، ونسبة وفيات الأطفال، والوضع الصحي)، فإنّ هذه الساكنات تتميّز على نحوٍ إيجابي من طبقة "قاعدة الهرم".

يحاول هذا الرسم البياني أن يحدّد تركيبيًا الفروقات بين طبقات "وسط الهرم" و"قاعدة الهرم" وقمة الهرم". وقد يبدو هذا التمثيل البياني لنوعٍ من التراتبية الاجتمعية العالمية – النمطية بالنسبة إلى مختلف التحليلات لطبقة "قاعدة الهرم" تبسيطيًا، وهو، كذلك فعلً، ويشير إلى حقيقةٍ معاصرة. النقطة المهمة، في هذا السياق، هي أنّ جزءًا كبيرًا من ساكني الأحياء العشوائية أكثر انتمءً إلى طبقة "وسط الهرم" منه إلى طبقة "قاعدة الهرم" إذا ما حدّدنا كسقفٍ لطبقة "قاعدة الهرم" وكعتبةٍ لطبقة "وسط الهرم" العتبةَ الدولية للفقر المقدَّرة بأقل من دولارين أميركيين في اليوم. وعلى العكس من ذلك، إذا أخذنا تعريفًا أوسع لطبقة "قاعدة الهرم"، بسقف 10 دولارات أميركية يومية على سبيل المثال (يتناسب ذلك، إلى حدّ ما، مع عتبة الفقر في الولايات المتحدة)، فسنجد أنّ الأغلبية الساحقة لسكان الأحياء العشوائية تعيش في طبقة "قاعدة الهرم". قد يجد بعض القراء تناقضًا بين منظورٍ يتوقع تناقصًا قويًا للفقر المدقع في العالم من جهة، وتمدّد الأحياء العشوائية من جهةٍ ثانية. بيد أنّ التناقض هو ظاهري فحسب؛ ذلك أنّه يتأتّ، كم هو الشأن في أغلب الأحيان، من مشكلات في التعريفات، وفي التحديدات الخصائصية الإحصائية. وبالنظر إلى تحليلات شروط العيش في البلدان الغنية، فإنّ سكان الأحياء العشوائية في البلدان الفقيرة محرومون جدًّا من دون شكّ. ولكن بالنظر إلى عتبة الفقر المدقع، فإنّ جزءًا كبيرًا جدًّا من سكان الأحياء العشوائية ليسوا فقراء؛ ذلك أنّ الفقر في العالم النامي يبقى، قبل كلّ شيء، فقرًا ريفيًا. وفي مدن البلدان النامية، تكون مستويات الفقر أقلّ من مستوياته بالمناطق الريفية. وفي إيجازٍ، يمكن أن يتلاقى تناقص الفقر وتزايد الأحياء العشوائية؛ لأنّ الأسر التي تعيش في الأحياء العشوائية ليست بالضرورة فقيرةً بالمعنى المالي، ولأنّ الأحياء العشوائية هي من تصميم فقراء المناطق الحضرية، وهم يستعملونها كفضاءاتٍ من شأنها أن تتيح الانفلات من الفقر تحديدًا. وفي الواقع، يحظى العديد من سكان الأحياء العشوائية بعوائد مادية. وحتى إن لم تكن هذه العوائد ثابتةً، فهي على الأقل ذات شأن. وإنّ المعيشة في الأحياء العشوائية ليست خيارًا لجودةٍ معيّنة للحياة، ولكنها، في أغلب الأحيان، خيارٌ اقتصادي يرنو إلى تقليص تكاليف السكن؛ من أجل التوفير على المستوى الشخصي، و/ أو من أجل إرسال المال إلى لعائلة المستقرة في مناطق حضرية أقلّ ديناميةً أو في مناطق ريفية.

عالَم قيد التحول الديني

يمكن أن تضاف إلى الإسقاطات الديموغرافية بشأن تحولات سكان العالم إسقاطاتٌ دينية متعلّقة بتطورات المجتمعات المؤمنة. ولا يسعنا القول إنّ كانت تقديرات أعداد المجتمعات المتدينة تصف تحديدًا مجتمعات المتديّنين أو مجتمعات الأفراد المنحدرين من تقاليد معينة، على أنّ صعود النزعة الروحية يعوض إدبار بعض العقائد. وفي سياقات أخرى، يسود التأكيد الأصولي.

وعل أيّ حال، وبغضّ النّظر عمّ وراء مواضيع التراتبية الاجتمعية والتوط ن الترابي، فإنّ من شأن التحولات الاجتمعية الكبيرة الحالية والمستقبلية، والتوازنات العالمية الكبيرة، أن تدفعها تحولاتٌ دينية قويّة (عدد المؤمنين، والأهمية النسبية لمختلف الاعتقادات). وكثيرًا ما تقع الإحصائيات الدينية (بم يعتقد المؤمن؟ ووفق أيّ انتساب؟) في حقل التحذقلات. فمقابل مخاوف بعضهم وتخيلّاتهم، يأتي إنكار الآخرين. الاستبدال الإثني -  الديني الكبير من جهة، والتعايش السعيد و"المُبرقش" من جهة أخرى. ومن أجل تكوين فكرة عقلانية، على الأقل على مستوى الاعتقادات المعلن عنها، توجد عدّة معطيات يمكن الاستناد إليها. فمجلة فوتوريبل Futuribles تقدم على نحوٍ منتظم، منذ سنوات، محاولات لقياس مستويات التطورات الدينية في العالم، مع تحولاتها9. ومن أبرز مصادر التحليلات الاستشرافية القليلة للأديان، "مركز بيو للأبحاث" (Center Research Pew). وقد قدم هذا المركز، سنة 2015، دراسةً جديةً وغزيرةً10 ترتكز على البيانات المتوافرة من كل أرجاء العالم، وتشتمل على نتائج لعدّة دراسات استقصائية وطنية، ذات منهجيات واستبيانات متقاربة. وتتناول الدراسة فروق الخصوبة والوفيات ومعدلاتها، وظواهر الهجرة، والتحول من دينٍ إلى آخر، وهي عملية أكثر تعقيدًا. وتشكّل هذه النقطةُ الجِدَّةَ المنهجية، مع تقديراتٍ للتغيرات المتوقعة من الدين، سواءٌ تعلّقت بهجران دينٍ أو باعتناق دينٍ جديد. وهذه الطريقة دقيقة، على أنّ هذه العملية مهمّة؛ لأنّه ينبغي التخلي عن نظرة عامّة وراثية بالنسبة إلى الانتمء الديني.

النسبة المئوية من مجموع السكانعدد الأفراد (بالمليارات)
2050201020502010
31.431.42.922.17مسيحيون
29.823.22.761.6مسلمون
13.216.41.231.13غير منتسبين
14.9151.381.03هندوس
5.27.10.490.49بوذيون
0.20.20.020.01يهود
5.56.70.510.46ديانات أخرى
  1. من أجل تحليلات موثقة بشأن استشراف الديانات، انظر: Mabille François, “Regard prospectif sur les religions dans le monde,” Futuribles , no. 393 (mars - avril 2013), pp. 63 - 74; Mayer Jean - François, “Les courants religieux à l'horizon 2037. Les religions entre mondialisation et individualisation,” Futuribles , no. 332 (juillet - août 2007), pp. 55 - 69; Lambert Yves, “Vers une ère post - chrétienne?,” Futuribles , no. 200 (juillet - août 1995), pp. 85 - 111.
  2. “ The future of world religions: population growth projections, 2010 - 2050,” Pew research center, 2/4/2015, accessed on: 2/9/2016, at: https://goo.gl/xeqIBV

ماذا يمكن أن يشبه التوزيع الديني في أفق عام 2050؟ من شأن المسيحيين أن يظلّوا هم الأغلبية. ومن شأن الإسلام، في تنوعه، أن يتزايد أسرع من كلّ الديانات الكبرى الأخرى. وعلى أساس هذه الفترة، من شأن عدد المسلمين أن يتزايد ب 1.2 مليار، أي بنسبة 75 في المئة، في مقابل تزايد عدد المسيحيين ب 750 مليونًا، أي بنسبة 35 في المئة، وتزايد نسبة الهندوس بنسبة 34 في المئة. وفي أفق عام 2050، من شأن عدد المسلمين المقدر ب 2.8 مليار، أي 30 في المئة من مجموع الإنسانية، أن يصبح مساويًا تقريبًا لعدد المسيحيين (2.9 مليار، أي 31 في المئة من مجموع الإنسانية). وبالنظر إلى أنّ الفُتور سيكون قويًا، فإنّه ينبغي انتظار أفق عام 2070 من أجل أن يتجاوز عدد المسلمين عدد المسيحيين. جغرافيًا، يُتوقّع أن تكون التقلّبات كثيفةً، حتى في الحال التي لا يبدو فيها ممكنًا إجراء قياس كلّ لتطورات الانفصالات، والتخصّصات الترابية دون المستوى الوطني. أمّا جيوسياسيًا، فيمكن أن تتحرّك بؤر المسيحية والإسلام. وستظل الهند ذات أغلبية هندوسية، بيد أننا سنجد فيها، مع حلول عام 2050، أكبر جالية مسلمة وطنية، مقارنةً بإندونيسيا أيضًا. وفي أوروبا، ستصل نسبة المسلمين إلى 10 في المئة من مجموع السكان. وستعيش نسبة 40 في المئة من المسيحيين في دول أفريقيا جنوب الصحراء. وينتج تقاطع المسارين، المسيحي والإسلامي، من مستويات نسب الخصوبة الحالية. وتراوح النسبة المئوية للخصوبة بين 1.6 طفل عند البوذيين، و 3.1 طفل عند المسلمين، مرورًا ب 2.7 عند المسيحيين، و 2.4 عند الهندوس، و 1.7 بالنسبة إلى "غير المنتمين". وستعرف أعداد هؤلاء (ملحدين، ولاأدريين، ودون هوية دينية) تناميًا (من 1.1 مليار إلى 1.2 مليار)، ولكنّ حصتهم النسبية ستعرف تراجعًا (من 16 إلى 13 في المئة). وفي بعض البلدان – وليست هي البلدان الأقل شأنًا - سيصبح تقدم "عدم الانتمء الديني" الخاصية الأساسية للتحولات. وينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة، وينطبق على فرنسا على نحوٍ خاصٍ؛ ذلك أنّ هذا البلد الملقّب قديمًا ب "البنت البكر للكنيسة"، لا يزال في عام 2010 ذا أغلبية مسيحية (64 في المئة). ومن المفترض أن تُؤوي فرنسا في أواسط القرن الحادي والعشرين 11 في المئة من المسلمين، مقابل 7.5 في المئة سنة 2010. ولكنّ التغيير الأكثر شدةً هو انتقال "غير المنتمين" من 28 في المئة إلى 44 في المئة؛ بمعنى أنّ عدد غير المؤمنين سيزداد في عالِم سيصبح أكثر تدينًا. وعلى كوكبٍ أرضي من شأنه أن يُصبح ذا أغلبيةٍ مسلمة في فجر القرن المقبل، سيبقى الاستثناء الفرنسي أيضًا ذا طبيعةٍ دينية. يبقى أنّ كلّ هذه الأرقام ليست سوى توقعات، محدّدةٍ بوجه عامّ من خلال إسقاط اتجاهات قيد العمل حاليًا. وكلّ هذا لا يرسم لزامًا خطوط عالم الديانات كم سيكون تمامًا؛ ذلك أنّ عملية الاستشراف هي الاهتمم بالإسقاطات، وهي تصور سيناريوهاتٍ متباينة، وانقطاعاتٍ محتملة أيضًا. وإن كانت الأديان تتعامل مع المتسامي، فإنها على الرغم من ذلك ليست ثابتة؛ من جهة أنّها تتطور. وإن كانت الديناميات الديموغرافية الكبرى تعيد - من دون شك - تشكيل العالم، فإنّ مستقبل الديانات الكبرى يحتفظ بقدرٍ كبير من عدم اليقين.

المراجع

References

“ The future of world religions: population growth projections, 2010 – 2050.”

Pew research center.

Court, David. Court & Narasimhan Laxman. “Capturing the world's emerging

middle class.” McKinsey Quarterly (Juillet 2010).

Damon, Julien. “Sociétés et modes de vie dans le monde: Grandes tendances

d'évolution à l'horizon 2030 - 2050.” Futuribles. no. 415 (novembre - décembre

. Le marché des classes moyennes dans les pays émergents: Quelle

réalité? Quelles opportunités? Paris: Chambre de commerce et d'industrie de

Paris, 2014.

. Les classes moyennes, Paris: presses universitaires de France. coll.

Que sais-je? Paris: PUF, 2013.

De Jouvenel, François. (sous la dir.) Rapport Vigie 2016. Futurs possibles à

l'horizon 2030 - 2050. Paris: Futuribles International, 2016.

François, Mabille. “Regard prospectif sur les religions dans le monde.” Futuribles.

no. 393 (mars - avril 2013).

Homi, Kharas. “The Emerging middle class in developing countries.” paper

presented at the OCDE. no. 285 (Janvier 2010).

Jean - François, Mayer. “Les courants religieux à l'horizon 2037. Les religions

entre mondialisation et individualisation.” Futuribles. no. 332 (juillet - août 2007).

Rapport sur le développement dans le monde 1990. La pauvreté. Washington,

D.C: Banque mondiale, 1990.

Severino, Jean-Michel & Olivier Ray. Le Grand Basculement. La question sociale

à l'échelle mondiale. Paris: Odile Jacob, 2011.

Yves, Lambert. “Vers une ère post - chrétienne?” Futuribles. no. 200 (juillet - août 1995).