الاستشراف الإستراتيجي في المؤسسات العامةفي ألمانيا وقيوده
Opportunities and Limitations of Strategic Foresight Use in Public Institutions in Germany Review of Strategic Foresight for
الملخّص
المؤلف : توبياس فيتر الكتاب : الاستشراف الإستراتيجي للمؤسسات العامة العنوان الأصلي: Strategic Foresight for Public Institutions الناشر : Akademiker Verlag, Saarbrücken, Germany سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 216 صفحة
- الاستشراف الإستراتيجي
- المؤسسات العامة
- توبياس فيتر
- Opportunities
- Limitations
- Strategic Foresight
- Public Institutions
- Germany
عند اختيار كتاب الاستشراف الإستراتيجي للمؤسسات العامة في بلد ذي مؤسسات قوية مثل ألمانيا، تلفت الانتباه "براعة" المؤلِّف في تفصيله لأساليب الاستشراف وفرضياته ومقارناته بالمؤسسات الخاصة. وفي البداية، يتبادر إلى الذهن أنّ المؤلِّف خبير إستراتيجي أمضى أمدًا طويلً في هذا المجال خبرةً عمليةً، ودرايةً أكاديميةً. بيد أنّه حين يجد أنّه إزاء كاتب حديث السنّ1، فإنّ ذلك يُضفي قيمةً مضافةً على الكتاب، ويجعل القارئ يكمل قراءته إلى نهايته باهتممٍ شديد. يأتي اختيار الموضوع تبعًا لأهمية هذا المجال في السنوات الأخيرة، الناتجة من تزايد تعقيدات بيئة العمل التي أنتجت، هي نفسها، تحدياتٍ كثيرةً للمديرين وصانعي القرار؛ ومن ثمّ لجوء القطاع الخاص إلى الاستشراف الإستراتيجي لكسْب مزايا تنافسية مستدامة متأتية من تقليل اللايقين (Uncertainty،)2عن طريق بلورة الخيارات الممكنة، والمفاضلة بينها، لمعرفة التداعيات التي يؤدي إليها كل خيارٍ من شأنه الحدّ من الأزمات المستقبلية، والعمل على ترشيد عملية صنع القرار، من خلال مرجعيات مختصة بدراسة المستقبل واستشرافه إستراتيجيًا، واقتراح بدائل ممكنة لحلّ المشكلات، وصياغة الأهداف، وزيادة درجات حرية الاختيار3. وقد قُسّم الكتاب إلى تسعة فصول متسلسلة ومترابطة، تناول المؤلّف في أولها أهمية التنبؤ بالمستقبل، وبداية ظهور مفهوم الاستشراف الإستراتيجي، من تنبؤ الشركات وتخطيطها لعملياتها على امتداد عدّة سنوات من المستقبل، إلى تطوره طوال عدّة عقود؛ من مفهوم كمِّي مركّز واحدٍ، إلى مفاهيم متعددة الوجوه. فالاستشراف الإستراتيجي ينطلق من عدة فرضيات أساسية أهمها أنّ المستقبل يصعب التنبؤ به من منظور إستراتيجي، إنْ لم يكن ذلك مستحيلً. ولكن على الشركات توقّع أحداث المستقبل وتطوراته؛ للتقليل من عدم اليقين والمخاطر، ولتمكين المديرين والتنفيذيين من اتخاذ قرارات مبنيّة على الدليل. بيد أنّ هذا الاهتمم لا يقتصر على القطاع الخاص؛ ذلك أنّ المؤسسات العامة قد شرعت في تعلّم فنّ الاستشراف الإستراتيجي من هذا القطاع. وبناءً عليه ينصبُّ، جهد المؤلِّف على المقارنة بين القطاعين، ليخلص بتوصيات تهمُّ المؤسسات العامة؛ فيبدأ حديثه عن مراحل تطوره، ومصطلحاته المتعلقة بالدراسات المستقبلية، عارضًا مراحل تطوّر المفهوم واختلافه بحسب المنطقة وأسلوب التطبيق. وبحسب المنطقة، يمكن التمييز بين بيئتين. فإحدى البيئتين تسمى البيئة الكلّية، العالمية، العامة، العاملة؛ ويعنى
بها البيئة التي توجد فيها المؤسسة، وهي التي لا يكون لها تأثير مباشر. أمّا البيئة الأخرى، فهي البيئة الجزئية التي يكون للمؤسسة تأثير مباشر في تركيب أفرادها وسلوكهم وأفعالهم. ويسرد المؤلِّف أنواع تطور الاستشراف بحسب البيئة، وقد بدأ بسرعة، مع أواخر القرن التاسع عشر، تطور مفهوم الاستشراف الإستراتيجي على المستوى الجزئي (المؤسسة) عبر ثلاثة أجيال. فالجيل الأوّل متمثّل في "التطور النظامي" (development Systematic)؛ وهو عبارة عن أنظمة التحذير المبكر المبني على أرقام بارزة محسوبة بطريقة الاستقراء، كانت الدول الأنغلوسكسونية قد بدأت باستخدامه منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، وانتقل إلى الشركات الألمانية في بداية عام 1972. أمّا الجيل الثاني من الاستشراف، فهو يُعرف باسم "أنظمة التعرّف المبكر" (systems recognition Early)، وهو لم يُقدّم للتعامل مع المؤشرات لتحديد المخاطر ومعالجتها، بل للتعامل مع الفُرص والاحتملات المتعلّقة بالشركات، وقد بدأ استخدامه في ألمانيا عام 1976. وأمّا الجيل الثالث، فقد عُرف ب "أنظمة الإدراك المبكر" (systems awareness Early)، وهو يركّز أكثر فأكثر على البدائل الإستراتيجية واستعمل طريقة الإشارات الضعيفة. وبدأ استخدامه في ألمانيا عام 1977، وقدّمه إيغور آنسوف لتحديد المخاطر والفرص في المدى الطويل (ص. 7). ثمّ برز بعد ذلك مفهوم الاستشراف الإستراتيجي في التسعينيات، وازداد نضجه في العقد الأول من الألفية الحالية، على يد كلٍّ من مولر وستفنس (ص. 13)، بتحليل العمليات التشاركية عبْ استخدام المعرفة المبنية على السيناريو وتصميم معياري للرؤى. ثمّ ينهي المؤلِّف الفصل الأول بالحديث عن علاقة مصطلحات الاستشراف الإستراتيجي بالدراسات المستقبلية - وبشيءٍ من التفصيل عبر المنظور الزمني - ثمّ عن وظائفه بالتفصيل في الشركات، ثمّ إنّه ينقُدها بتصنيف النهُج، ومقارنته بتقييم الأثر التنظيمي. بعد ذلك، يعرض المؤلِّف لمناهج الاستشراف ووسائل، ويفردها في الفصل الثاني، مستهلًّ الحديث عن مشكلات تطبيق الاستشراف وتنفيذه. وقد بدأ بمشكلتين رئيستين في التطبيق (ص. 43). فأولاهم تكمن في صعوبة إيجاد النهج الصحيح لتطبيقه في المؤسسة. أمّا ثانيتهم، فهي تتعلق بكفاءة استخدام المؤسسة وتنفيذها للنتائج المستخلصة من الاستشراف. ثمّ يعرض بعض الاقتراحات للتوافق بين أهداف المؤسسة وكيفية استخدام الاستشراف وتضمين نتائجه ضمن هيكل المؤسسة، من جهة أنّ الأنشطة من الضروري أن تُصمّم على أساس مستمر، وتُنجَز على نحوٍ دوري. وفي إثر ذلك، تحدّث المؤلِّف عن دراسة بيكر لاستشراف 18 شركةً من قطاعات مختلفة (ص. 47)، وخلص إلى أنّ الاستشراف يُنجَز على ثلاثة مستويات مختلفة في الشركة؛ أوّلها على مستوى الشركة العامّ بقسم البحوث والتطوير، وثانيها على مستوى الوحدات التجارية بواسطة مراكز التكنولوجيا أو أقسامها، وثالثها على المستوى الافتراضي أو الجانبي الموكل لفرق المهمّت. ثمّ يعرض المؤلِّف لتنفيذ أنشطة الاستشراف ونتائجه، وعملية صنع القرار الإستراتيجي المتأتّ من مراحل عملية الاستشراف الستّ (ص. 51)، ليصل إلى متطلبات تطبيق
الاستشراف ومعاييره، مختتمًالفصل بالحديث عن منهجية الاستشراف وتصنيف الطرق الثمني بحسب النوع؛ الكمي أو الكيفي، أو الوضع؛ المعياري أو التفسيري (ص. 60) وبعد تحديد الإطار النظري للأساليب والنهُج والفرضيات، يعرض المؤلِّف لمسألة إسقاطها على مستوى المؤسسات الألمانية التي خصص لها الفصل الثالث من الكتاب، معنونًا إيّاه "وصف جمهورية ألمانيا الاتحادية كإطار مرجعي لتحليل الاستشراف الإستراتيجي المستخدم في المؤسسات العامة في ألمانيا، وخاصة الفرع التنفيذي من المؤسسات". ويبتدئ فيتر الفصل بالحديث عن صفات الدولة الألمانية ومؤسساتها العامة، من منظور السلطات الثلاث أفقيًا ورأسيًا، ثمّ يقدم تفصيلً أكثر بشأن الهيكل التنفيذي للجمهورية (الإداري والقانوني) على المستويين العامّ والخاص. وبعد الحديث عن بيئة المؤسسات الألمانية وسرْد تطور المفهوم واستخدامه، ينتقل المؤلِّف في الفصل الرابع إلى النهُج المتبعة لتحليل فرص تطبيق الاستشراف؛ وأولها نقْل المعرفة الموجودة من القطاع العامّ إلى الخاص، عن طريق مقارنة عامة ومحددة بين القطاعين، وبناء إطار مرجعي يمكّن المستخدم من تقييم الظروف المحيطة بالمؤسسة العامة، وثانيها الطريقة التي تقيّم فرص التنفيذ المبينة في شكل درجات الحرية. أمّا الطريقة الثالثة، فتهمّ تقييم الفرص بواسطة التحليل القصير لعوامل السياق المحيطة بالمؤسسة. ثمّ يعرض فيتر لهيكل المؤسسة وخصائصها التي تؤثّر في أسلوب الاستشراف، ويبني الفرضيات لتطبيق الاستشراف في فرع المؤسسات التنفيذية الألمانية. وتنصّ الفرضية الأولى للأسلوب الأول على أنّ القطاعين العامّ والخاص يُظهران اختلافات عميقةً، تكشف عن حواجز لا يمكن أن يتغلب عليها القطاع العامّ، إذا أراد تطبيق الاستشراف باتباع المفاهيم من القطاع الخاص. أمّا الأسلوب الثاني، فيصف درجات الحرية المتمثلة في وضع الهيكل القانوني، وتصف فرضيته أنّه إذا كانت المؤسسة العامة أكثر استقلاليةً في مقدرتها على صنع القرار، وكانت تحظى بدرجة أكبر من درجات الحرية، فإنّ الأشخاص والمؤسسات التنظيمية التي ستدخل عملية تنفيذ الاستشراف ستكون أقلّ؛ بمعنى أنه كلم زادت درجة الحرية، كان من الأسهل تنفيذ عملية الاستشراف. وتنص الفرضية الثالثة للأسلوب الثالث على أنّ إطار عوامل النجاح يعزّز من استنتاج درجات الحرية، فهو يكشف أنّ حرية صنع القرار أمر مهمّ من دون شكّ، بيد أنّ هناك عومل أخرى تسمح لنا بمناقشة نتائج متعلّقة بشكل درجات الحرية للمؤسسات العامة على نحوٍ نقدي. نأتي بعد ذك إلى المسألة الأساسية التي تهمّ إسقاط هذه الفرضيات على المؤسسات الألمانية؛ إذ يبيّ المؤلِّف مظاهر الاستشراف الإستراتيجي، ويوضح الفرق، من خلال المقارنة، بين القطاعين العامّ والخاصّ. وهذا ما تحدّث عنه في الفصل الخامس الذي عرض مقارنة بين القطاعين أفضت إلى سبع صفات تظهر اختلافات جوهرية على نحوٍ أعمق، هي: أهداف كل قطاع، وقدرة صنع القرار، والسلع والخدمات المنتجة وتسويقها، وعوامل الإنتاج المستخدمة، والهيكل المالي وطرق التمويل، ودرجة التنظيم، ووجود المخاطر. وفي ختام الفصل، يستخدم المؤلّف هذه المفاهيم لعرض مقارنة معمقة باستخدام أسلوب
مبنيّ على الأهداف العامة والمحدّدة، واللاعبين الرئيسين، والإطار الزمني، ومدة المشاريع النموذجية، والأساليب الرئيسة المستخدمة للاستشراف (ص. 108). وبعد ذلك، يتحدث عن فرص تنفيذ الاستشراف وتطبيقه في المؤسسات التنفيذية الألمانية، وربطها بالفرضيات السابقة الذِكر، مخصّصًا ذلك في الفصل السادس، مستهلً إياه بسرد محددات نموذج درجات الحرية التي تمثّل مقدرة المؤسسة لتقرر بحرية مهمتها وأهدافها، ومصادرها، وهي أربعة محددات: الشخصية القانونية، والسيادة التنظيمية، ونوع الرقابة، وقدرة صنع القرار الإستراتيجي. وقد قام فيتر، في عقب ذلك، بتطبيق النموذج على سبعة هياكل قانونية مختلفة (ص. 119-133)، وعقَد مقارنةً بين القطاعين باستخدام النموذج الثالث، وسرد العوامل المختلفة في سياق الاستشراف الإستراتيجي. وفي ما يتعلّق بنتائج استخدام الأساليب وفرضياتها، ناقش المؤلِّف هذا الجانب في الفصل السابع؛ وذلك من خلال ربطها ببعض المفاهيم كالاستقلالية مثلً. ثمّ عرض الأطوار الأربعة لتنفيذ الاستشراف الإستراتيجي وتطبيقه في مؤسسات ألمانيا العامة؛ وهي التحضير، والتخطيط، والتنفيذ، والمعالجة البعدية، وربطها ببعض العوامل المختلفة؛ كالدعم العالي المستوى، والعمل المبني على الدليل، وشفافية الأنشطة، والتواصل، وأخذ السياق المؤسسي في الحسبان... إلخ (ص. 171). وبما أنّ لكل عملية نتائج، فإنّ النتائج ينبغي تقييمها، ونقدها أحيانًا. ومن ثمّ، تابع المؤلِّف هذا النقد لمنهجية عملية الاستشراف ونتائجها في الفصل الثامن، مُنوِّهًا بأنّ التحليل يتضمن هدفين، أولهم؛ تحليل مواصفات القطاع العامّ، وثانيهم؛ اختبار توصيات تطبيق الاستشراف الموجهة نحو ممرسات القطاع الخاصّ. وفي سياق هذين الهدفين، نجده يقدّم نقدًا لكل أسلوب من أساليب الاستشراف. يختتم توبياس فيتر كتابه بملخص لما سبق، موجزًا الحديث عن الفرضيات والأساليب الثلاثة، مبينًا أنّ حاجة القطاع الخاص إلى عملية الاستشراف هي أكبر من حاجة القطاع العامّ؛ لأنّ القطاع الخاص يتحمّل عبء تكييف أعمله بحسب ظروف السوق الراهنة. لذا، فهو مهدد بخطر الوجود، وعرضة لتغيير عملياته تبعًا لتغيرات السوق، في حين أنّ القطاع العامّ ليس ملزمًا بذلك. وبناءً على هذه الاختلافات، يقدّم للقطاع العامّ المتصف بالاستقرار خمس توصيات لإنجاح عملية الاستشراف (ص. 182). وأخيرًا يتعرض لآفاق عملية استشراف المستقبل عمومًا، وفي ألمانيا خصوصًا، وفي مؤسساتها العامة على وجه أخصّ. وبعد الحديث عن نُهج الاستشراف وأساليبه والتفصيل فيه في المؤسسات الألمانية، نخلص إلى أنّ الاستشراف الإستراتيجي هو، أيضًا، ضرورة عربية لتوطينه وتبيئته عمليًا، باستخدامه في القطاعين العامّ والخاصّ. وإن كان قد بدأ استخدام الاستشراف عربيًا من قِبل المؤسسات العامة القُط - وإن لم ينفتح رية القطاع الخاص عليه بعد - من خلال بعض الرؤى المستقبلية القُطْرية، كرؤية قطر 2030، والسعودية 2030، والمغرب 2030، ومشروع الأردن 2025، ومشروع مصر 2020، فإنّ الحاجة تظلّ ماسةً إلى تعزيز هذا التوطين والتبني عربيًا، ولا سيم بالنظر إلى المشاريع الاستشرافية الدولية والإقليمية تجاه الشرق
الأوسط عامةً، والمنطقة العربية خاصةً. ومن أمثلة هذه المشاريع مشروع القرن الأميركي الجديد عام 2002 المعنيّ بالريادة الأميركية العالمية، وقد تطرّق إلى الشرق الأوسط بإعادة رسم خريطته الإقليمية، وقيام نظام إقليمي بدلً من نظام عربي، وكذلك تقارير مؤسسة (Heritage)، ومؤسسة (American Enterprise) بشأن إعادة هيكلة الشرق الأوسط، وبشأن التفاعل مع المشاريع الإسرائيلية الاستشرافية مثل مشروع إسرائيل.2025