التكامل الإقليمي في مجال الغاز بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية: الماضي الصعب والمستقبلات الممكنة
Regional Gas Integration in the Gulf Cooperation Council Difficult Past and Possible Futures
الملخّص
ملخص: يعرض هذا البحث ديناميات التكامل الإقليمي في مجال الغاز بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ انطلاق "مشروع دولفين للطاقة" في عام 1999؛ ويقترح سيناريوهات لصادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب حتى عام 2020. فاستنادًا إلى فرضية عامة ترى أن الاعتبارات الجيوسياسية الإقليمية تُثّل المحرّك الرئيس للتكامل الإقليمي في مجال الغاز (أو لعدم وجوده بين بعض البلدان)، يقترح هذا البحث ثلاثة سيناريوهات لمستقبل تجارة الغاز عبر خطوط الأنابيب، انطلاقًا من الأحكام التعاقدية المعروفة لاتفاقات توصيل الغاز لدى شركة دولفين للطاقة المحدودة، باعتبارها مقاربة نوعية في تقويم المخاطر الجيوسياسية. كلمت مفتاحية: التكامل الطاقي الخليجي، خطوط الأنابيب، الغاز الطبيعي، قطر، الإمارات العربية المتحدة، مجلس التعاون لدول الخليج العربية. Abstract: This paper reviews the dynamics of regional gas integration among the countries of the Gulf Cooperation Council since the launch of the Dolphin Energy project in 1999 and proposes scenarii for gas pipeline exports until 2020. Based on the general assumption that the primary driver of regional gas integration (or the lack thereof, between some countries) is regional geopolitics, this paper proposes three scenarii for future gas trade via pipeline based on the known contractual provisions of the Dolphin energy gas delivery agreements and a qualitative approach of geopolitical risk assessment.
Abstract
This paper reviews the dynamics of regional gas integration among the countries of the Gulf Cooperation Council since the launch of the Dolphin Energy project in 1999 and proposes scenarii for gas pipeline exports until 2032. Based on the general assumption that the primary driver of regional gas integration (or the lack thereof, between some countries) is regional geopolitics, this paper proposes three scenario for future gas trade via pipeline based on the known contractual provisions of the Dolphin energy gas delivery agreements and a qualitative approach of geopolitical risk assessment.
- التكامل الطاقي الخليجي
- خطوط الأنابيب
- الغاز الطبيعي
- مجلس التعاون لدول الخليج العربية
- Gulf Energy Integration
- Pipeline Geopolitics
- Natural Gas
- Qatar
- UAE
- GCC
المايض الصعب والمستقبلات الممكنة Regional Gas Integration in the Gulf Cooperation Council
مقدمة
يُثّل الغاز الطبيعي في عددٍ من المملك والإمارات في منطقة الخليج العربي المادّة الأولية الأساسية المستخدمة في تحلية المياه وتوليد الكهرباء1؛ وإن كانت تلك البلدان كلها لا تنعم بموارد غازية وفيرة، وباحتياطي عالي الجودة من الغاز. ففي السعودية والكويت على سبيل المثال، حيث يرتبط الغاز الطبيعي باحتياطي النفط وعملية استخراجه أكثر تعقيدًا وتكلفة، يقتضي الطلب المتنامي دومًا على الطاقة والماء، استخدام منتوجات نفطية أيضًا، ولا سيم عند حصول نقص في إمدادات الغاز في فترة ذروة الطلب خلال فترة فصل الصيف. يستكشف هذا البحث تأثير الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية في تجارة سلعة تتنامى أهميتها في شبه الجزيرة العربية، وإن كانت في الوقت ذاته غير منتشرة في الإقليم كله. وعلى نحو أكثر تحديدًا، يدرس البحث في مبحثه الأول عملية بلورة مشروعات التكامل في مجال الغاز في دول مجلس التعاون حتى حزيران/ يونيو 2017، وهو تاريخ بدء الحصار على قطر، وهي التي تتقاسم مع إيران أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم. أمّا المبحث الثاني، فيتناول السيناريوهات المحتملة لتجارة الغاز بين دول الخليج على المديين القصير والمتوسّط.
أولً: بروز الغاز الطبيعي والاعتبارات الجيوسياسية لخطوط الأنابيب يف شبه الجزيرة العربية
تتّسم شبه الجزيرة العربية بمناخ جاف وقاحل، في حين أنّ موارد المياه العذبة في جميع بلدان مجلس التعاون محدودة جدًا، الأمر الذي كبح طويلً إمكانات التنمية الاقتصادية في هذه المنطقة من العالم2. وأسفر اكتشاف المحروقات وتصديرها لاحقًا بكميات كبيرة عن تسارع وتيرة التنمية في المنطقة منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ويمثّل توليد الكهرباء وتحلية المياه عنصريْن مهميّن
يتيحان الحفاظ على مستويات المعيشة المرتفعة لسكان الخليج. وغالبًا ما تجري هاتان العمليتان معًا في شبه الجزيرة العربية باستخدام وقود هيدروكربوني في عملية صناعية تدعى "التوليد المشترك" Co-generation. والمفارقة أنه على الرغم من أن كميات المياه العذبة المتوافرة محدودة جدًا، فإنّ الطلب عليها للفرد مرتفع، ويتزايد باستمرار بمعدل سريع لافت، حيث يبلغ 5 و 10 في المئة سنويًا. ويعود ذلك أساسًا إلى تدفّقات الهجرة الكثيفة وارتفاع المعدلات الديموغرافية3. ومن جهته، شهد الطلب على الكهرباء تزايدًا بمعدلات أعلى سنويًا. واستجابت حكومات دول الخليج لتنامي الطلب المشترك من خلال تعزيز قدرات التوليد المشترك للطاقة وتحلية المياه. ويقارب الاعتمد على تحلية المياه اليوم نسبةً تقارب أو تساوي 100 في المئة من شبكة المياه البلدية في عواصم البحرين والكويت وقطر والإمارات. وعلى الرغم من الزيادات المتكرّرة على التعريفات المفروضة على المرافق في الأعوام الأخيرة4، تحتاج هذه البلدان إلى كميات متزايدة من الغاز الطبيعي للحفاظ على هذه الإستراتيجية5. تعتمد محطات التوليد المشترك في قطر والإمارات العربية المتحدة على الغاز الطبيعي، أمّا في السعودية والكويت، فيتوافر فيهم الغاز الطبيعي عمومًا مع احتياطي النفط (وهو ما يُدعى "الغاز المصاحب" Gas Associated)، وتكون عملية استثمره أشدّ تعقيدًا وتكلفة من عملية استثمره في قطر. ويستدعي الطلب المتنامي باطّراد على الطاقة والماء استخدام المنتوجات النفطية أيضًا لهذا الغرض، خصوصًا في فصل الصيف؛ أي فترة الذروة في الطلب على الكهرباء من أجل تكييف الهواء. وطوال العقد المنصرم، بدأت دول مجلس التعاون تواجه شحًّا بنيويًا في الغاز، باستثناء قطر؛ بسبب زيادة الطلب سنويًا على الغاز الطبيعي فيها بنسبة 5 - 10 في المئة6.
1. مبرّرات التكامل الإقليمي في مجال الطاقة
تهدف برامج التكامل الإقليمي في مجال الطاقة إلى تحقيق الاستخدام الأمثل لموارد الطاقة ومضاعفة المزيات النسبية لبلد أو أكثر في منطقة معينة، من أجل إحراز نتائج اقتصادية أفضل بالمعنى الواسع.
ويمكن النظر إلى الموارد الإقليمية بصفتها خزّانًا إقليميًا يتعينّ استغلاله على نحو متبادل لتحقيق مصلحة مشتركة، وإن كانت متفاوتة. فعلى سبيل المثال، بدلا من حرق الغاز الطبيعي المصاحب لاحتياطي النفط (وهو إجراء دام قرنًا من الزمن في شتى أرجاء المعمورة جراء التكاليف الناجمة عن تسويق الغاز المصاحب)، قد تطلق دول نامية، مثل أذربيجان والعراق ونيجيريا، مشروعات إقليمية مشتركة مع دول مجاورة تفتقر إلى الطاقة من أجل إيجاد سوق جديدة لما يَفيض عنها من موارد الطاقة. زوّدت الكويت جنوب العراق بالغاز الطبيعي في ثمانينيات القرن الماضي عبر خطوط الأنابيب، على خلفية الحرب الإيرانية-العراقية التي دعمت فيها الإمارة الصغيرة جارتها العربية دبلوماسيًا ولوجستيًا واقتصاديًا. لكن في الثاني من آب/ أغسطس 1990، أقدم الحليف العراقي السابق على غزو الكويت واحتلالها عسكريًا ونهبها وضمّها إليه بصفتها المحافظة العراقية التاسعة عشرة. وبعد مرور سبعة أشهر، انسحبت القوات العراقية إلى شمل الحدود الكويتية، بعد أن دمرت عددًا كبيرًا من البنى التحتية الأساسية للكويت ورموزها الرئيسة (أكثر من 600 بئر نفطية والبنية التحتية للمياه والمتاحف... وغيرها). وبذلك، انتهى العصر الذهبي للكويت، تمامًا، كم انتهى خط أنابيب الغاز العربي الخليجي الأول. وحتى بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، لم تبادر الكويت إلى إعادة فتح خط الأنابيب شبه المطمور في الرمال بين البلدين، ليس بسبب استمرار السخط الكويتي الحادّ على العراقيين بسبب الغزو والاحتلال فحسب، بل لأن الكويت ما عادت قادرة على تزويد العراق بفائض الغاز. ومن المفارقات أن شركة البترول الوطنية الكويتية (KOC Company, Oil Kuwait) خفّفت من حرقها الغاز لدى استخراجها النفط7، إلا أن حاجاتها في التوليد المشترك للكهرباء وتحلية المياه ازداد على نحو ملحوظ؛ إذ ما عاد إنتاجها الخاص من الغاز يكفيها لتلبية حاجتها السنوية في فترات الذروة. وأعربت الشركة عن نيتها خفض عملية حرق الغاز المصاحب إلى أقلّ من واحد في المئة، علمً أن نسبة الحرق لديها هي من بين أدنى المعدلات في العالم؛ لكن الشركة لم تعلن بعد عن تكلفة هذه التكنولوجيا المعقّدة. ولا يزال الإنتاج في مشروعات غاز معقّدة كهذه، أو من موارد الغاز الصخري غير التقليدية، قيد الدراسة أو قيد التطوير في أبوظبي والكويت وسلطنة عُمن والسعودية؛ وقد تتراوح تكلفتها عمومًا بين 3 و 4 دولارات لكلّ مليون وحدة حرارية بريطانية Btu M M، وقد ترتفع إلى 8 دولارات8. ومن شأن ذلك، على أيّ حال، أن يكون أغلى بأضعاف من استيراد الغاز من احتياطيات قطر البحرية من الغاز. وفي عام 2011، شك لت دول مجلس التعاون، باستثناء قطر، منطقةً مستوردة صافية، تنتج مجتمعةً 193 مليار متر مكعب، وتستهلك كميات أكثر بقليل بلغت 198 مليار متر مكعب9.
2. شبكة دولفين للغاز
أعربت الكويت في تسعينيات القرن الماضي عن رغبتها في التزوّد بالغاز الطبيعي من قطر، عبر خط أنابيب كان من المقرر أن يزوّد المدن الرئيسة في شرق شبه الجزيرة العربية من أقصى شمل الكويت وحتى مسقط جنوبًا. إلا أن مشروع مجلس التعاون هذا الذي طرحته رسميًا الدوحة في قمة المجلس في عام 1989 لم يرَ النور قط، على الرغم من أهميته الاقتصادية وقابلية إنجازه التقنية10. فأولً، أفضى غزو الكويت في عام 1990، ثم الحرب ضد العراق في العام التالي، إلى وقف أي مشروع تعاون مدني عربي في الشؤون الإستراتيجية، وذلك لمدّة بضعة أعوام. وبعدئذ، ومنذ حدوث تغيير في السلطة القطرية في عام 1995، عادت التوترات بين القيادتين السعودية والقطرية لتطفو على السطح؛ إذ حاولت الرياض إطاحة نظام الدوحة الجديد الذي كان يحتاج إلى استثمرات في قطاع الغاز الناشئ فيها، واعترض السعوديون على المشروع. لكن في جنوب الخليج، رحّبت الإمارات وسلطنة عُمن بالفكرة وعملتا على مدّ خط أنابيب تحت مياه البحر، بشكل يتخطّى أراضي السعودية. في عام 1999، أعلنت حكومة إمارة أبوظبي (وهي إحدى الإمارات السبع في دولة الإمارات) عن "مشروع غاز دولفين"، وباشرت بأعمل البنية التحتية في الأعوام التالية. وبحلول عام 2007، شرعت شركة دولفين للطاقة المحدودة في إنتاج الغاز البحري في قطر، وبدأت بإيصاله إلى الإمارات. وبلغت الكميات التي جرى إمدادها في العام التالي الحجم المتوقع، وهو مليارا قدم مربّعة يوميًا، وبدأت سلطنة عُمن باستلام حصة من الغاز الطبيعي الذي يجري تزويده من قطر عبر أراضي الإمارات. ولأسباب مختلفة، تُعد شركة دولفين للطاقة المحدودة أكثر من مجرد خط أنابيب عابر الحدود بالنسبة إلى دول مجلس التعاون. فمن ناحية قانونية، شكَّلت الشركة شراكة دولية رائدة بين القطاعين العام والخاص PPP في قطاع صناعة الغاز في دول مجلس التعاون. وهي على وجه التحديد، شركة دولية مشتركة أسّست في آذار/ مارسُ 1999 بين صندوق "مبادلة للاستثمر" المملوك لحكومة أبوظبي (تبلغ حصته في المشروع 51 في المئة)، وشركتي نفط دوليتين هم توتال Total (فرنسا)، وأوكسيدنتال بتروليوم Petroleum Occidental (الولايات المتحدة الأميركية)، وتمتلك كل منهم 24.5 في المئة منه. على المستوى التقني، تُعدّ شركة دولفين للطاقة المحدودة متميّزة تمامًا؛ لأنها تشارك تقريبًا في كل مرحلة من مراحل سلسلة قيمة الغاز. ويشمل ذلك استخراج الغاز الخام من حقل غاز الشمل في قطر11،
وحتى توزيعه للمستهلكين في الإمارات المتحدة وسلطنة عُمن. وتتضمّن تلك العملية أيضًا محط ات معالجة في القرب من الشاطئ، ثم نقل الغاز المكرّر في أنابيب تحت سطح البحر (أي الذي يُستخدم خصوصًا وقودًا لمحطات التوليد المشترك وصناعات أخرى) إلى شبكة شركة دولفين في الإمارات، كم هو مبيّ في الخريطة (1)، وذلك لمدة.25 عامًا أمّا على الصعيد الجيوسياسي، فاستقدمت قطر مشروعًا مشتركًا دوليًّا أجنبيًا (شركة "دولفين للطاقة المحدودة" Limited Energy Dolphin) من أجل استثمر آبار عدة من أكبر حقول الغاز لديها، ولإدارة بنيتها التحتية. ومن ناحية أخرى، يمثل أيضًا الإمداد بالغاز عبر خطوط أنابيب شركة دولفين نصف إمدادات الغاز لأبوظبي التي تحتاجها الإمارة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. ولذلك تشكّل خطوط أنابيب شركة دولفين خط إمدادٍ إستراتيجيًا جدًا، جرت الاستعانة به بمصادر خارجية، وخُصخص جزئيًا (بصفته شراكة بين القطاعين العام والخاص PPP)، مع مساهمين اثنين أجنبيين من القطاع الخاص هم "توتال" و"أوكسيدنتال بتروليوم". وبالطبع، وعلى الرغم من الأهمية الحيوية لتحلية المياه لدى حكومات دول مجلس التعاون، كم هو مبيّ سابقًا في هذه الدراسة، لم يذكر موقع شركة دولفين، ولا أيٌّ من المواقع الإلكترونية للمساهمين، عمليةَ خصخصة إمدادات الوقود المستخدمة في صناعة تحلية المياه. وأخيرًا، تحققت رسميًا شبكة الغاز لدول مجلس التعاون بغية "إنشاء ثروة اقتصادية طويلة الأمد وإتاحة فرص تجارية جديدة لمواطني دول مجلس التعاون"، من خلال دعم "النمو الصناعي طويل الأجل" في الإمارات وسلطنة عُمن14. لكن هذا الطموح يتناقض مع كميات الغاز المورّدة (مليارا قدم مكعبة قياسية في اليوم) التي قد تبدو كبيرة في المطلق، لكنها في الواقع بعيدة كل البعد من أن تروي تعطّش الإمارات وسلطنة عُمن المتنامي للغاز الطبيعي. فبعد بضعة أعوام من تدشين خط الأنابيب هذا في عام 2007، طلبت الإمارات زيادة إمدادات الغاز الطبيعي للوصول إلى الطاقة القصوى لإمدادات الخط، أي 3.2 مليارات قدم مكعبة قياسية في اليوم. لكن السلطات القَطرية اعتذرت عن أي زيادة في إنتاج الغاز وتصديره عبر خط أنابيب شركة دولفين حتى عام 2015، بدعوى ضرورة إجراء دراسات تتناول المقاومة الجيولوجية لخزان الغاز لضمن صلاحية المشروع. ورأى آخرون جرت مقابلتهم في المنطقة أنّ الدوحة وجدت الأسعار التي ستدفعها أبوظبي للحصول على مزيد من الغاز متدنّية جدًا، في الوقت الذي كان سعر الغاز في السوق الدولية أعلى بكثير (انظر الشكل.)1 يتوزع المستهلكون العالميون الأساسيون للغاز الطبيعي المُسال الذي تصدّره قطر على أماكن بعيدة جدًا عن منطقة الشرق الأوسط، حيث الأسعار أعلى؛ إذ تتركّز صادرات قطر في المقام الأول في آسيا (تستهلك اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان 42 في المئة من إجملي إنتاج قطر)، فيم تستهلك أوروبا 30 في المئة منه15.
وتُعدّ الأسواق الأوروبية والآسيوية، خصوصًا السوق اليابانية، أهم بكثير من أسواق دول مجلس التعاون وفق إستراتيجية قطر للطاقة، وذلك بسبب الفروق الكبرى في الأسعار بين تلك الأسواق. وهذا هو السبب في أن 95 في المئة من اتفاقات توريد الغاز الطبيعي المُسال في قطر هي عقود طويلة الأجل، خصوصًا مع عملاء من اليابان وشرق آسيا، وستُجدّد غالبيتها بين عامي 2017 و 2022. وفي ظل حالة عالمية من التنافس الشديد على أسواق16الغاز الطبيعي المُسال، مع ظهور منتجين جدد مثل أستراليا والولايات المتحدة الأميركية، يتحتّم من الآن فصاعدًا على قطر تجديد عقود الغاز الطويلة الأجل السخيّة مع عملائها الأساسيين. تفسّ الفجوة الواسعة بين الأسعار في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال (أو "السوق الفورية" Spot market) والأسعار المنخفضة للغاز الذي تبيعه شركة دولفين وفق قواعد العقد الأولي وأحكامه، رغبة الإمارات في تلقّي شحنات إضافية، كم توضّح تفضيل قطر على الدوام تأجيل زيادة الغاز المصدَّر عبر شركة دولفين. في عام 2016، وبعد إصرار قوي من الإمارات، أعلن الطرفان في إثر عملية تفاوض عن انفراج وعن زيادة مرتقبة في كميات الغاز الواردة إلى الإمارتين الشمليتين: الشارقة ورأس الخيمة، لكن لم يُعلن عن رقمٍ محدّد، ولا عن أيّ جدول زمني. وبعد عام، أي في 4 حزيران/ يونيو 2017، وهو العام الذي احتفلت فيه شركة دولفين بالذكرى السنوية العاشرة لشحنها الغاز القطري، أعلنت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر عن حصارها البري والجوي ضد قطر وإغلاق مياهها الإقليمية وموانئها في وجه القوارب التي تحمل العلم القطري. وعلى نحو مفاجئ لكثير من المراقبين، واصلت قطر تزويد الإمارات بالغاز الطبيعي حتى الآن، على الرغم من استمرار الحصار17. وفي تصريحٍ صحافي في آذار/ مارس 2018، على هامش توقيع اتفاقية شراكة سريّة في حقل نفطي مشترك مع الإمارات يقع على الحدود بين البلدين، صرح سعد الكعبي رئيس شركة قطر للبترول عن التزام الشركة بعقودها لما لها من سمعة دولية كشركة بترول وطنية جديرة بالثقة وكمزوّد موثوق للطاقة في جميع الأوقات و"تحت جميع الظروف"18.
ثانيًا: ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لتجارة الغاز يف الخليج
على الرغم من دعم المجتمع الدولي لتقاربٍ دبلوماسي بين قطر وجيرانها، فإنه لم يتضح أيّ شيءٍ بعدُ، ولم تُنشر أيّ دراسة عن السيناريوهات المحتملة لتجارة الغاز بين قطر وجيرانها منذ بداية الحصار في حزيران/ يونيو.2017
يعرض هذا المبحث ثلاثة سيناريوهات متفاوتة الاحتملات، لكنها تغط ي النتائج الرئيسة المحتملة للأزمة الراهنة على صعيد تجارة الغاز حتى عام 2032، موعد انتهاء مدة اتفاقية التوريد، وهي.25 عامًا
1. السيناريو الأول: استمرار الوضع الراهن، واحتمل حدوثه متوسّط (وارد) إلى راجح
في هذا السيناريو تبقى التوترات الإقليمية بين قطر وجيرانها من دول مجلس التعاون من دون حل (سواء رُفع الحصار أم لم يرفع)، وتستمر صادرات الغاز من قطر عبر خط أنابيب شركة دولفين بالمستوى نفسه (مليارَا قدم مكعبة قياسية في اليوم) حتى عام 2032. وعلى الرغم من استمرار حدِّة التوترات بين أبوظبي والرياض والدوحة، يمثّل تزايد ضغوط المجتمع الدولي وارتفاع التكاليف التي تتكبدها أبوظبي من جراء عدم تزوّدها بشحنات غاز إضافية (قدرها 1.2 مليار قدم مكعبة قياسية في اليوم) حافزًا قويًا لأبوظبي على الأقل، لاستئناف المباحثات الجانبية مع الدوحة بهدف تنفيذ اتفاقية عام 2016 (للحصول على شحنات إجملية تبلغ 3.2 مليارات قدم مكعبة قياسية في اليوم). وتدفع الإمارات حاليًا، في ظلّ الأسعار العالمية الراهنة نحو ضعف سعر الكمية الزائدة
(1.2 مليار قدم مكعبة قياسية في اليوم)، لتلبية حاجتها لأنها تشتريها من أسواق عالمية بدلا من شبكة أنابيب دولفين. ومع الارتفاع المتوقع في أسعار النفط والغاز21، يُرجح أن تزداد هذه التكلفة في الأشهر المقبلة.
2. السيناريو الثاني: زيادة الشحنات نتيجةً لذوبان الجليد في العلاقات، واحتمل وقوعه متوسّط (وارد)
في هذا السيناريو يفضي ذوبان الجليد في العلاقات بين الإمارات والسعودية وقطر إلى (وقد يتطلّب في الغالب أيضًا) تحقيق زيادةٍ طال انتظارها في تصدير الغاز عبر أنابيب دولفين، من ملياريْ قدم مكعبة قياسية في اليوم حاليًا إلى مستويات أعلى تصل في النهاية إلى طاقتها التجارية القصوى المقرّرة، وهي 3.2 مليارات قدم مكعبة قياسية في اليوم. ويبدو هذا السيناريو أكثر السيناريوهات المرغوبة دبلوماسيًا للأعوام المقبلة، حيث يضغط المجتمع الدولي، بشكل متزايدة على قادة دول مجلس التعاون لإنهاء هذا الحصار المستمر منذ عام، الذي أضعف مجموعة المملك والإمارات المسلمة السنّية المؤيدة للغرب، وأفاد إيران على ما يبدو إفادةً عظيمة؛ إذ استفادت هذه الأخيرة دبلوماسيًا واقتصاديًا من تحسّن علاقاتها الثنائية بقطر المعزولة ومضاعفة إمداداتها التجارية الغذائية لها. لكن قطر ستكسب الكثير إذا تراجعت حدَّة التوترات مع جيرانها العرب ورُفع الحصار عنها. وتحقيقًا لهذه الغاية، لا بدّ من حدوث تعاون ملموس، كزيادة شحنات الغاز مثلً. ويُرجّح أن تكون تكلفة هذه الفرصة لقطر أدنى بكثير من تكاليف استمرار الحصار31.
3 ي. السيناريو الثالث: تصعيد جيوسياس وتعليق شحنات الغاز، احتمل وقوعه منخفض
في هذا السيناريو، تتصاعد حدَّة التوترات الجيوسياسية إلى مستوى تُعلِّق فيه الدوحة شحنات الغاز موقتًا أو نهائيًا. لكن تقلّ احتملات حدوث سيناريو القطيعة مقارنةً بالسيناريوين السابقين، بسبب المصالح الاقتصادية للإمارات العربية وسلطنة عُمن (وهي حليف للدوحة في أثناء الحصار) في مواصلة استلام الغاز الطبيعي من قطر ذي التكلفة المنخفضة والجودة العالية، إضافةً إلى حاجة الدوحة إلى حمية سمعتها بصفتها مورّدًا دوليًا للطاقة موثوقًا. وسيكون لهذا السيناريو عواقب سلبية كبرى على الإمارات وسلطنة عُمن، وعلى قطر على نحو غير مباشر؛ إذ ستتضرر سمعتها على نحو دائم. وتمثل الفترة بين عامي 2017 و 2022 فترةً حرجة لقطر؛ لأنها تحاول تجديد زهاء 95 في المئة من عقود شحنات الغاز
الطبيعي المُسال الطويلة الأجل، ويبدو من المستبعد أن تُقْدم على مخاطرة كهذه قد يكون لها تبعات سلبية على اقتصادها، لأنّ صادرات الغاز الطبيعي تشكّل العمود الفقري لاقتصادها.
خاتمة
كان من الممكن، وربما من الضروري، لدول مجلس التعاون أن تُطوّر منذ مطلع الألفية الثالثة شبكتها الإقليمية للغاز لتحسين استفادتها من موارد قطر الهائلة في مجال الغاز عالي الجودة الذي تشتد حاجة جيرانها إليه. وأسفرت قضية تسعير الغاز المبيع عبر مشروع دولفين عن حدوث تضاربٍ، عوضًا من توافق، في مصالح الدولة المصدِّرة وعملائها. ولم يغيّ الحصار الراهن هذه الحال، واستمرت شحنات دولفين من الغاز طوال سنة الحصار الماضية. إنّ السيناريو المستقبلي الذي يتوقع تصعيدًا جيوسياسيًا وإيقاف الشحنات هو الأقل احتملً لأن يتحقّق بين السيناريوهات الثلاثة المعروضة في البحث؛ لأنه سيكبّد دول الخليج خسائر باهظة اقتصاديًا ودبلوماسيًا تجاه دول الجوار والحلفاء الغربيين. لكن يمكن شبكة دولفين أن تكون أداةً فاعلة للدبلوماسية الاقتصادية. وفي السيناريو الثاني الذي يبدو أنه احتمل وارد، ستساهم زيادة شحنات الغاز الطبيعي في إذابة الجليد في العلاقات، وهذا ما تحتاج إليه الإمارات والسعودية وقطر لطمأنة حلفائها الغربيين بشأن تعاونها في مواجهة إيران، وطمأنة قطر بإيقاف التكاليف الإضافية للحصار. أمّا في السيناريو الثالث، وهو راجح جدًا، فإن خطوط أنابيب دولفين ستواصل تصدير الغاز الطبيعي بالكميات نفسها (مليارا قدم مكعبة قياسية في اليوم) لأعوام عدة، وربما حتى نهاية ال 25 عامًا في عام 2032، وهي مدة التوريد في الاتفاقية. وتكاليف هذا السيناريو على قطر والإمارات وسلطنة عُمن من الناحية الاقتصادية أكبر بكثير من تكاليف السيناريو الثاني، لكن كم يوضح المبحث الأول من هذه الدراسة، لا تدور سياسات خطوط أنابيب الغاز في منطقة الخليج حول تحسين الاقتصاد، بقدر ما هي نتاج تحوّل في التحالفات والتوتّرات الإقليمية.