العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استشراف آفاق التنويع الاقتصادي والاستدامة في الاقتصادات الخليجية في ضوء تحديات انهيار أسعار النفط

استشراف آفاق التنويع الاقتصادي والاستدامة في الاقتصادات الخليجية في ضوء تحديات انهيار أسعار النفط

Forecasting Prospects for Economic Diversification and Sustainability in the Gulf Economies, in Light of the Collapse in Oil Prices

خالد بن راشد الخاطر

الملخّص

جدّدت الظرفية الاقتصادية، الموسومة خلال الأعوام القليلة الماضية بانهيار أسعار النفط، أسئلةَ الخروج من اقتصاد الريع والتنويع الاقتصادي والاستدامة في الاقتصادات الخليجية. ويستشرف خالد الخاطر في هذه الورقة شروط الخروج من نموذج النمو القائم، لتحويل الاقتصادات الخليجية من اقتصادات ريعية تعتمد على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع إلى اقتصادات تعتمد على العمل والإنتاج، وتنويع النشاطات والصادرات، فضلًا عن تحويل الموارد الطبيعية الناضبة إلى أصول يتولّد منها نمو مستدام وتوظيف الصناديق الخليجية السيادية لبلوغ هذا المرام. ويركّز الخاطر أساسًا على بُعد التنويع الاقتصادي وشروط إنجاحه؛ من تنميةٍ لرأس المال البشري، وإصلاح للقطاعين العام والخاص، واستدامةٍ للنموذج التنموي.

Abstract

ملخص:  جدّدت الظرفية الاقتصادية، الموسومة خلال الأعوام القليلة الماضية بانهيار أسعار النفط، أسئلةَ الخروج من اقتصاد الريع والتنويع الاقتصادي والاستدامة في الاقتصادات الخليجية. ويستشرف خالد الخاطر في هذه الورقة شروط الخروج من نموذج النمو القائم، لتحويل الاقتصادات الخليجية من اقتصادات ريعية تعتمد على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع إلى اقتصادات تعتمد على العمل والإنتاج، وتنويع النشاطات والصادرات، فضلً عن تحويل الموارد الطبيعية الناضبة إلى أصول يتولّد منها نمو مستدام وتوظيف الصناديق الخليجية السيادية لبلوغ هذا المرام. ويركّز الخاطر أساسًا على بُعد التنويع الاقتصادي وشروط إنجاحه؛ من تنميةٍ لرأس المال البشري، وإصلاح للقطاعين العام والخاص، واستدامةٍ للنموذج التنموي. كلمت مفتاحية:  الريع الاقتصادي، أسعار النفط، التنويع الاقتصادي، الاستدامة، الاقتصادات الخليجية. Abstract:  The economic conditions of the past few years, which have been marked by a collapse in oil prices, have given renewed impetus to questions on departing from the rentier economy and embarking on economic diversification and sustainability for Gulf economies. In this paper, Khalid al-Khater forecasts the conditions to emerge from the existing model for growth and discusses how to transform the Gulf economies from rentier economies dependent on extraction, deduction, and distribution to economies reliant on labor, production, and diversification of activity and exports, as well as the transformation of depleted natural resources into assets generating sustainable growth and the use of the Gulf sovereign wealth funds to achieve this aim. Al-Khater focuses on economic diversification and the conditions to achieve it, from development of human capital to reform of the public and private sectors and the sustainability of the development model.

الكلمات المفتاحية:
  • الريع الاقتصادي
  • أسعار النفط
  • التنويع الاقتصادي
  • الاستدامة
  • الاقتصادات الخليجية
Keywords:
  • Economic Rents
  • Oil Prices
  • Economic Diversification
  • Sustainability
  • Gulf economies.

مقدمة

تواجه الاقتصادات الخليجية منذ بضعة عقود تحديات جمة في سعيها للخروج من اقتصاد الريع، وتحقيق التنوّع الاقتصادي والاستدامة. وجددت الظرفية الاقتصادية الموسومة خلال الأعوام القليلة الماضية بانهيار أسعار النفط، الاهتمم بهذه المسائل، وأعادت طرحها على نحو استعجالي؛ ذلك أن الانخفاض الحاد منذ أواسط عام 2014 ر على نحو ملموس في التوازنات الاقتصادية القائمة في دول أثَّ مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفي رافعات نموذج النمو السائد في هذه البلدان، وجدَّد التفكير في النمذج التنموية لاقتصاداتها. يفرض هذا الأمر استشراف شروط الخروج من نموذج النمو القائم، لتحويل الاقتصادات الخليجية من اقتصادات ريعية تعتمد على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع، إلى اقتصادات تعتمد على العمل والإنتاج، وتنويع النشاطات والصادرات، وتحويل الموارد الطبيعية الناضبة إلى أصول يتولّد منها نمو مستدام وتوظيف الصناديق الخليجية السيادية لبلوغ هذا المرام. من بين جميع هذه الأبعاد الجوهرية، سنركز في هذه الدراسة على بُعد التنويع الاقتصادي وشروط إنجاحه، من تنمية لرأس المال البشري وإصلاح للقطاعين العام والخاص واستدامة للنموذج التنموي. قبل النظر في التحديات التي يطرحها انهيار أسعار النفط، من الضروري أن نعود في البداية إلى تحديد أسباب هذا الانهيار، وآثاره في الاقتصادات الخليجية، والتحديات الجمة التي يطرحها في ما يخص النمذج التنموية الحالية. وفي مرحلة ثانية، سنعرض المعالم الأساسية للآفاق المستقبلية لإصلاح القطاع الخاص والحد من تركُّز الأسواق والثروة فيه.

أولً: حدود نموذج النمو الحالي يف الاقتصادات الخليجية

1. أسباب انهيار أسعار النفط

انخفضت أسعار النفط إلى أكثر من النصف بين أواسط عام 2014 وبداية 2015، مع تباطؤ الاقتصاد الصيني، إلى جانب بطء النمو الاقتصادي في بلدان آسيا الأخرى، وفي أوروبا1؛ إذ انخفض سعر مزيج برنت من 115 دولارًا للبرميل في حزيران/ يونيو 2014 إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل في كانون الثاني/ يناير 2015،

  1. عزا جيمس هاميلتون نحو 42 في المئة من الانخفاض الحاد في أسعار النفط في عام 2014 إلى انخفاض الطلب العالمي بسبب تباطؤ النمو في أوروبا وأجزاء من آسيا. راجع: James Hamilton, "Oil Price Collapse Down To Broader Demand Factors," Oilprice , 13/1/2015, accessed on 15/12/2017, at: https://goo.gl/zHLv5z الشكل (1) الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية وأسعار النفط الخام (1968 - 2016) ترتيب الأحداث: (1) نفاد فائض الطاقة الإنتاجية الأميركية؛ (2) الحظر النفطي العربي؛ (3) الثورة الإيرانية؛ (4) الحرب بين إيران والعراق؛ (5) تخلِّ السعودية عن دور المنتج المرجِّح؛ (6) الغزو العراقي للكويت؛ (7) الأزمة المالية الآسيوية؛ (8) خفض أوبك سقف إنتاجها المستهدف 1.7 مليون برميل يوميًا؛ (9) هجمات 11 أيلول/ سبتمبر؛ (10) انخفاض فائض الطاقة الإنتاجية؛ (11) الأزمة المالية العالمية؛ (12) خفض أوبك سقف إنتاجها 4.2 مليون برميل يوميًا. المصدر: البنك الدولي، "أسعار النفط.. إلى أين؟"، الموجز الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العدد 7 (تموز/ يوليو 2016)، ص 4، شوهد في 2018/6/11، في: https://bit.ly/2y1r8c5

وأصبح يراوح بين 50 و 60 دولارًا للبرميل حتى انفجار فقاعة الأصول في الصين في أيلول/ سبتمبر 2017، لينخفض إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل، ثم أدى رفع الحظر عن صادرات النفط الإيراني، في كانون الثاني/ يناير 2018، إلى المزيد من الانهيار في الأسعار، لتهبط إلى ما دون 40 دولارًا للبرميل في فترة وجيزة، قبل أن ترتفع وتتخطى 42 دولارًا للبرميل2.

وهكذا، تضافرت عوامل عدة أدت إلى الانخفاض الذي نشهده في أسعار النفط؛ وهي عوامل على جانب العرض، وعوامل على جانب الطلب، وعوامل توقعات مستقبلية ونفسية، وعوامل جيوسياسية أيضًا؛ فبعد نحو عقد ونصف العقد من انهيار الأسعار منذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين، بدأت الأسعار بالارتفاع منذ عام 2002؛ بسبب صعود الصين والهند ودول شرق آسيا (الشكل 1)، وبقيت مرتفعة خلال معظم العقد الماضي (أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد منذ عام 2010)؛ وذلك لسببين أساسيين: ارتفاع الطلب في دول مثل الصين، ونقص الإمدادات من دول كانت مضطربة سياسيًّا في الشرق الأوسط، مثل العراق وليبيا.

  1. Nasdaq, "Crude Oil Brent," accessed on 15/12/2017, at: https://goo.gl/XZBiFe

ونظرًا إلى تأخر استجابة العرض للطلب حينئذ، أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، كانت هناك متغيرات تجري بسرعة تحت السطح في الوقت نفسه؛ إذ أدّى ارتفاع الأسعار خلال العقد الماضي إلى حَفْز الاستثمرات لاستخراج النفط من مكامن كان يصعب استخراجه منها من قبل بسبب ارتفاع التكلفة، ونعني بذلك، تحديدًا، النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية، والنفط الرملي في كندا3. وفي الوقت نفسه، بدأ الطلب العالمي للنفط يتراجع بسبب الركود الاقتصادي في منطقة اليورو، والتباطؤ في الصين وآسيا، والتحسُّن في تطبيق معايير الكفاءة في استهلاك الوقود في دولة متقدمة مثل الولايات المتحدة، إضافة إلى معاودة الإنتاج والإمدادات من العراق وليبيا. وفي أواسط عام 2014، بدأت الزيادة في العرض تظهر في الأسواق، وأخذ العرض العالمي يتزايد على نحو أكبر من الطلب4. وفي أيلول/ سبتمبر بدأت الأسعار بالانزلاق، وكانت الأسواق تتوقع أن تخفِّض "أوبك" OPEC (تنتج 40 في المئة من الإنتاج العالمي) إنتاجها لتُعادِل العرض العالمي والطلب، لكنها لم تفعل شيئًا في اجتمعها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وامتنعت المملكة العربية السعودية (المنتج المرجِّح في الأسواق) عن التخلي عن حصتها في الأسواق، وأبقت أوبك على سقف إنتاجها عند 30 مليون برميل يوميًّا، وكان ذلك مفاجئًا للأسواق؛ فأدَّى الأمر إلى تهاوي الأسعار، ليواصل نفط برنت انهياره من 80 إلى 60 دولارًا للبرميل الواحد في أواسط كانون الأول/ ديسمبر 2014، ليصل إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل في كانون الثاني/ يناير 2015...إلخ5. ويعرض الشكل (2) التغير في حساب العرض والطلب خلال الفترة (2009 -.)2015 وهكذا، يبدو أن حالة عدم الاستقرار التي اكتنفت منطقة الشرق الأوسط منذ انفجار ثورات الربيع العربي أبقت الأسعار مرتفعة فترة أطول مم ينبغي بموجب حقائق قوى العرض والطلب على أرض الواقع، ولمّا استقرت إمدادات النفط نسبيًّا من المناطق المضطربة سياسيًّا في الشرق الأوسط، بدَت الزيادة في المعروض من النفط في الأسواق مفاجئة؛ فأدى ذلك إلى هبوط حادٍّ في الأسعار. إضافة إلى عاملَ العرض والطلب، كانت هناك قناة التوقعات المستقبلية بشأن الوضع العام للسياسة النقدية في الولايات المتحدة، وتأثير هذا الوضع في أسعار النفط والمعادن؛ فخلال العقد الماضي، تنامى استخدام النفط بوصفه سلعة مالية للمتاجرة والمضاربة به في أسواق المال. وفي ظل التوقعات بقرب رفع أسعار الفائدة (من منطقة الصفر) في الولايات المتحدة والخروج من السياسة النقدية التوسعية غير التقليدية التي اتبعها الاحتياطي الفدرالي الأميركي منذ انفجار الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مع بقاء أسعار الفائدة منخفضة في مناطق رئيسة من العالم، مثل منطقة اليورو واليابان، فإن ذلك

  1. Brad Plumer, "The US hasn't produced this much oil since 1986," Vox , 17/11/2014, accessed on 9/2/2017, at: http:// bit.ly/1uEtKTG
  2. International Energy Agency, Oil Market Report (December 2015).
  3. Ibid. الشكل (2) حساب العرض والطلب (2009 - 2015) المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية.)2015(

قد يؤدِّي إلى أمرين: أحدهم حرْف رؤوس الأموال والمَحافظ الاستثمرية وتوجيهها نحو الاستثمر في الأصول المالية، مثل أذونات الخزينة وسنداتها6؛ والآخر ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي، الأمر الذي يضعف الطلب في مناطق مستهلكة رئيسة، مثل منطقة اليورو واليابان. ويمكن إجمل عوامل انخفاض أسعار النفط المتعلقة بالعرض في: إنتاج الولايات المتحدة (وحدها فحسب) للنفط الصخري الذي أدى إلى زيادة مقدارها 4 ملايين برميل يوميًّا من النفط منذ عام 2008؛ ومعاودة الإنتاج في بعض7المناطق المضطربة سياسيًّا في الشرق الأوسط (العراق وليبيا)؛ وأخيرًا، حدوث تغير في إستراتيجية أوبك نحو الاحتفاظ بالحصص بدلً من استهداف الأسعار، وهذا ما جعل الأسعار أقرب إلى الأسعار التنافسية.

أما العوامل المتعلقة بالطلب، فيرجع الانخفاض في أسعار النفط، بحسب وكالة الطاقة الدولية (من 20 إلى 35 في المئة)، ما بين حزيران/ يونيو وكانون الأول/ ديسمبر 2014، إلى انخفاض الطلب بالنظر إلى الركود في أوروبا، والتراجع الحاصل في الصين بعد فترة من الأداء القوي، ثم انفجار فقاعة الأصول في أيلول/ سبتمبر 2015، والركود في الطلب في مناطق أخرى من العالم، وارتفاع تطبيقات معايير الكفاءة

  1. Jeffrey Frankel, "Why Are Commodity Prices Falling?" Project Syndicate , 15/12/2014, accessed on 9/2/2017, at: http://bit.ly/1LeF6YG
  2. Plumer.

في استهلاك الوقود في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة، وأخيرًا ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي، وهذا ما يساهم في ضعف الطلب في دول أخرى (مثل أوروبا واليابان)8. وإذا ما استمر وجود فائض في العرض (الزيادة في العرض والضعف في الطلب)، فإن الأسعار لن تعاود الارتفاع فترة طويلة من الزمن. وتعتمد استمرارية العرض على عاملين9:مدى استعداد أوبك، والمملكة العربية السعودية خصوصًا، لخفض الإنتاج في المستقبل، ومدى استجابة الاستثمرات والإنتاج لانخفاض الأسعار.

2. آثار انهيار أسعار النفط في الاقتصادات الخليجية

يشير بعض الدراسات إلى أن كل ركود اقتصادي عالمي منذ السبعينيات كان يسبقه ارتفاع في أسعار النفط إلى الضِّعف، وإلى أنه في كل مرة انخفضت فيها الأسعار إلى النصف وبقيت كذلك ستة أشهر أو أكثر من ذلك، أدَّى ذلك إلى حَفْز النمو. ولذلك، من المتوقع أن يكون تأثير انخفاض أسعار النفط الحالي إيجابيًّا في الاقتصاد العالمي عمومًا، وإن كان هذا التأثير موسومًا بالتباين في ما بين الدول المصدرة والدول المستوردة، خلال هذه الفترة التي يعاني فيها الاقتصاد العالمي ركودًا منذ انفجار الأزمة المالية العالمية في عام.2008 من جهة الدول المستوردة، سيكون تأثير انخفاض أسعار النفط في الدول المورِّدة له، في أغلب الحالات، إيجابيًّا بالنسبة إلى الدول المستوردة المتقدمة (الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو)، والدول المتحولة (الصين والهند وإندونيسيا... وغيرها)، وذلك من خلال ارتفاع دخل القطاع العائلي بزيادة حقيقية في الدخول على الاستهلاك10، من خلال التوفير في فاتورة الوقود في المواصلات، وغير ذلك من استهلاكات القطاع العائلي، وانخفاض تكاليف مدخلات الإنتاج من الطاقة في قطاعات عدة (المواصلات والزراعة والصناعة، وغيرها)، وكذلك السلع النهائية التي يدخل النفط في إنتاجها؛ مثل البتروكيمويات والألمونيوم والورق11؛ وانخفاض في معدلات التضخم العام والجوهري12. أمّا من جهة الدول المصدرة، فسيكون تأثير انخفاض أسعار النفط سلبيًّا عمومًا، وهذا أمر يعكس ما يحدث في الدول المستوردة (مع أن التركُّز عادة يكون في الصادرات أكثر منه في الواردات؛ أي إن الدول المصدرة أكثر اعتمدًا على النفط، وأكثر تأثرًا به)، لكن ذلك سيكون بدرجات متفاوتة،

  1. International Energy Agency, Oil Market Report (September 2014).
  2. Rabah Arezki & Olivier Blanchard, "How the oil and gas boom is changing America," Vox , 2/10/2014, accessed on 9/2/2017, at: http://bit.ly/1QGG1U0
  3. Ibid.
  4. Deborah Gordon, "Understanding Unconventional Oil," Energy and Climate (May 2012), p. 4, accessed on 5/7/2018, at: https://goo.gl/cbor7i

بحسب نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجملي، وفي مداخيل الميزانيات الحكومية في هذه الدول.

وعمومًا، ستنخفض مداخيل الدول المصدرة، وستكون ميزانياتها وحساباتها الجارية تحت ضغوط ("عجوزات")، وكذلك أسعار الصرف في بعض هذه الدول (روسيا وفنزويلا ونيجيريا). وهناك مخاطر على الاستقرار المالي، لكنها محدودة حتى الآن (بسبب الانكشاف والتداخل المالي والتحول في وجهات تدفقات رؤوس الأموال). وفي حال بقاء أسعار النفط فترة طويلة عند 60 دولارًا للبرميل، يشير بعض الاقتصاديين إلى احتملات انهيار في روسيا، واضطرابات في فنزويلا، وتحديات كبيرة في إيران، وحتى في المملكة العربية السعودية. من ثم، سيكون أثر انهيار أسعار النفط قويًّا في الاقتصادات الخليجية التي لم تزلْ تعتمد على النفط اعتمدًا كبيرًا. وشكَّل هذا الاعتمد في عام 2014 ما نسبته 69 في المئة من مجموع صادراتها، و 84 في المئة

من مداخيل ميزانياتها، و 33  في المئة من ناتجها المحلي الإجملي13. صحيح أن نسبة إسهام القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجملي لدول مجلس التعاون سجلت ارتفاعًا في الأعوام القليلة الماضية، لكن نمو هذا القطاع وتوسّعه ما زالا مرتبطين، بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، بالقطاع النفطي ودورة أسعار النفط، من خلال آلية الإنفاق الحكومي، إضافة إلى نِسَب التركُّز التي لم تزل عالية في الصادرات، وفي مداخيل الدول من النفط كم يوضحه الجدول.)1(الجدول (1) مدى انكشاف دول المجلس بفعل انخفاض أسعار النفط

صناديق الثروة
السيادية
(مليار دولار)
سنوات احتياطات
النفط عند معدلات
الإنتاج الحالية
سعر النفط
التوازني
للميزانية
نسبة القطاع
الهيدروكربوني
إلى الصادرات
نسبة القطاع
الهيدروكربوني إلى
اىلناتج
البلدان الأكثر
انكشاف ًا
10.5111277326البحرين
1921896650عمان
762.566848645السعودية
54891529463الكويت
256106599254قطر
1,078.581813139الإمارات

يمكن أن تتأثر دول مجلس التعاون بانخفاض أسعار النفط من خلال ثلاث قنوات رئيسة. أما القناة الأولى فهي قناة الدخل والإنفاق التي تُعَد قناة التأثير التقليدية والمباشرة؛ وإذا بقي سعر برميل النفط 60 دولارًا فترة زمنية طويلة (المدى المتوسط فالأطول)، فستتأثر دول مجلس التعاون تأثرًا سلبيًّا بدرجات متفاوتة، وذلك بحسب درجة الاعتمد على النفط في الناتج المحلي الإجملي وفي إيرادات المالية الحكومية، وسعر النفط التعادلي للميزانيات الحكومية، وقيمة الاحتياطيات المتاحة لهذه الدول. وأمّا القناة الثانية فهي قناة تَفارُق الدورات الاقتصادية؛ إذ إنه من تبعات استمرار انخفاض الأسعار وإنتاج الوقود الصخري في الولايات المتحدة أن دول مجلس التعاون ربما تصبح على الجانب المنحدر من الدورة الاقتصادية؛ أي سيؤدي إلى تباطؤ نسبي في دول مجلس التعاون، في مقابل رواج نسبي في الولايات المتحدة. وإذا ما حدث هذا الأمر، فسيؤجج وضع الدورة الاقتصادية بين الطرفين (أي توسيع الهُوَّة)، وربما يؤدي إلى تَفارُق جديد في الدورات الاقتصادية بينهم، لكنه هذه المرة سيكون في عكس اتجاه التفارق الذي شهدناه في الدورة النفطية

  1. Institute of International Finance, "GCC: Strong Diversified Growth, Limited Risks," 4/5/2014, accessed on 9/2/2017, at: http://bit.ly/2l56kIL

السابقة. وأمّا القناة الثالثة فهي قناة سعر الصرف؛ فعند التثبيت الجامد لسعر الصرف أمام الدولار الأميركي، يصبح تأثير الصدمات الخارجية، سواء أكانت ناتجة من تقلبات أسعار النفط أم من تقلبات سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى، يُرَّر بالكامل إلى الاقتصادات المحلية، حيث لا يمكن استخدام سعر الصرف أداةً لتصحيح اقتصادي من أجل امتصاص الصدمات أو التخفيف من حدَّتها؛ فهذا يعني انخفاضًا موازيًا في مداخيل النفط بالعملة المحلية. أمّا في حال مرونة سعر الصرف، فإن انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي، أو خفضها، يعني ارتفاعًا نسبيًّا في مداخيل النفط بالعملة المحلية في مقابل الدولار الأميركي، وهذا يخفف من حدة أثر انخفاض مداخيل النفط في الميزانيات الحكومية، ويتيح سقفًا أعلى للإنفاق الحكومي، وهذا ما من شأنه أن يدعم النشاط الاقتصادي المحلي.

3. حدود نموذج النمو الحالي في الاقتصادات الخليجية

تؤدي المستويات العالية من التركيز الاقتصادي (انظر الشكل 3) إلى تعريض الاقتصادات الخليجية للأحداث الخارجية، مثل التغيرات في أسعار النفط. وهذا ما يجعلها عرضة لتقلبات اقتصادية، يمكن التخفيف منها من خلال تنمية الصادرات ذات القيمة المضافة العالية وتنويعها. كذلك، تسمح زﻳﺎدة اﻟﺘﻨﻮع اﻻﻗﺘﺼﺎدي بالتقليل من تأثير هذه اﻟﺘﻘﻠﺒﺎت إﻟﻰ حدود دنيا، وﺗﺤﺴﻴﻦ أداء النشاطات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية. بيد أن دول مجلس التعاون لم تتخذ الخطوات اللازمة من السياسات السليمة في أوقات الطفرات، للتحول من اقتصادات ريعية تعتمد على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع، إلى اقتصادات تعتمد على العمل والإنتاج وتنويع النشاطات والصادرات، وتحويل الموارد الطبيعية الناضبة إلى أصول يتولّد منها نمو قابل للاستمرار في المدى البعيد، وأهمها رأس المال البشري. والواقع أن نموذج النمو السائد في دول المجلس ما زال يعتمد في الأساس على مداخيل النفط التي يعاد توزيعها في الاقتصاد من خلال آلية الإنفاق الحكومي. وجزء من هذا الإنفاق استهلاكي متعلق بأجور المواطنين ورواتبهم في القطاع العام، وجزء آخر منه متعلق بإنفاق رأسملي في مشروعات التنمية والبنى التحتية والخدمات الاجتمعية. ويشكِّل هذا النوع من الإنفاق تعاقدات القطاع الخاص وأرباحه، بينم يبقى نشاط هذا القطاع، بعد أربعة عقود من تصدير النفط، يتركز في ثلاثة مجالات رئيسة: المقاولات والخدمات وتجارة الاستيراد والترويج للمنتَج الأجنبي من خلال نظام الوكالة التجارية. وهو يستفيد في ذلك من عاملين أساسيين: أولهم الإنفاق الحكومي الضخم في أوقات الطفرات النفطية، والثاني رخص عوامل الإنتاج وكثافتها، من رأس مال ومدخلات طاقة رخيصة وعملة أجنبية قليلة المهارة يشكِّل دخلها تسرّبًا من رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج، فضلً عن أنها تُحدِث تحورًا خطرًا في التركيبة السكانية للمجتمع. وبينم يسعى القطاع الخاص لتحقيق الأرباح السريعة من الطفرات النفطية وفَوْرات الإنفاق العام المصاحبة لها، ويُعزِّز ذلك بتوظيف عملة أجنبية قليلة المهارة ومتدنية الأجر، نجد أن معظم المواطنين

موظف لدى الدولة في قطاع عام مترهل، قليل الكفاءة والإنتاجية، ويتقاضى رواتب ينفق جلَّها في طلب استهلاكي من مخرجات القطاع الخاص. وهكذا يستفيد هذا القطاع من الإنفاق الحكومي بشقَّيه، بصفة مباشرة من الإنفاق الرأسملي وبصفة غير مباشرة من الإنفاق الجاري في صورة رواتب وأجور للقطاع العام، تشكِّل لاحقًا طلبًا استهلاكيًّا على منتوجات القطاع الخاص. ومع الطفرات النفطية وارتفاع الإنفاق الرأسملي، يذهب جزء كبير من رؤوس الأموال والاستثمرات المتولّدة من هذه الطفرات النفطية إلى قطاع السلع غير المُتاجَر بها دوليًّا؛ نحو أسواق المال والأسهم والعقار، والتوسع في بناء الأبراج والمدن التََّفية، والبذخ أحيانًا، حتى في إنشاء البنى التحتية والمرافق العامة، وغير ذلك من أوجه الإنفاق التي تؤدي إلى مزاحمة قطاع السلع المتاجَر بها دوليًّا، ولا تساهم في تنويع الصادرات، ولا يتولد منها قيم مضافة عالية للإنتاج، ولا نمو قابل للاستمرار بعد انفجار الفقاعات وانقضاء الطفرات. يتَّضح لنا، إذًا، أن نموذج النمو المذكور منحاز بطبيعته إلى التركُّز في قطاع السلع غير المتاجَر بها دوليًّا؛ لتحقيق الأرباح السريعة من الطفرات النفطية والإنفاق الحكومي، من خلال استثمر رخيص التكلفة ومعلوم الربحية، يعتمد على عملة أجنبية متدنية الأجر في أسواق محلية شبه احتكارية، عوضًا عن مخاطرة الدخول في سوق صادرات أجنبية تنافسية تتطلب مهارات فنية وإدارية عالية وابتكارًا وتطويرًا للبقاء في دائرة المنافسة. ونلاحظ أن هذا النموذج يؤدي إلى المزيد من التركُّز في الاقتصادات مع الطفرات، وإلى انخفاض الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، كم تشير إليه دلائل كثيرة15.

ثانيًا: استشراف آفاق التنويع الاقتصادي والنمو المستدام يف الاقتصادات الخليجية

بناءً على ما أوضحناه آنفًا، يُعَد التنويع الاقتصادي أمرًا أساسيًّا للاقتصادات الخليجية من أجل تعزيز تنميتها الاقتصادية، وإيجاد فرص عمل لقوة عاملة محلية سريعة النمو، وكذلك لخفض مخاطر التركيز الاقتصادي التي تجعل الاقتصاد عرضة للأحداث الخارجية، ولا سيم التغيرات الحادة في أسعار النفط؛ وذلك بفضل تعزيز تنويع الإنتاج ذي القيمة المضافة العالية، وزيادة صادرات الخدمات والسلع ذات الجودة العالية. وبينم ترتكز التنمية على بناء رأس المال البشري والابتكار والتطور التكنولوجي، نجد أن نموذج النمو السائد في دول مجلس التعاون يعتمد على تعاضد عامليَن أساسيين: قوَّة الإنفاق الحكومي وكثافة

  1. انظر على سبيل المثال: وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية، استراتيجية التنمية الوطنية 016 - 2011 2؛ وانظر أيضًا: Steffen Hertog, "The Private Sector and Reform in the Gulf Cooperation Council," Kuwait Programme on Development, Governance, and Globalisation in the Gulf States, Rsearch paper no. 30 (July 2013), accessed on 9/2/2017, at: https://bit.ly/2Lz2SQM; Tim Callen et al., "Economic Diversification in the GCC: Past, Present, and Future," International Monetary Fund, 23/12/2014, accessed on 9/2/2017, at: http://bit.ly/1WKDW83

عوامل الإنتاج، خصوصًا العملة الأجنبية الرخيصة. لذا، فإن جل مخرجات هذا النمو طفرة عقارية تصحبها زيادة غير مبررة في عدد السكان بسبب الهجرة المفتوحة للعملة الأجنبية، ولا يتولّد منها تراكم لرأس المال البشري الوطني، ولا تطور تكنولوجي، ولا تحوُّل صناعي، ولا مساهمة في بناء اقتصاد معرفي، ولا تنويع في الصادرات. وربما ينتهي الأمر بفقاعة يتبعها ركودٌ فترة طويلة حتى تعاود أسعار النفط ارتفاعها.

1. استشراف معالم نموذج النمو المستدام في الاقتصادات الخليجية

يُعَد القطاع العام مصدرًا رئيسًا للتوظيف في البلدان الخليجية. وعلاوةً على ذلك، يجري تمويل نسبة كبيرة من التوظيف من خلال عائدات النفط الموسومة بطبيعتها بالتقلب والتعثر في كثير من الاقتصادات العربية المصدرة للنفط. وبما أن النفط مورد قابل للاستنفاد، فسوف تتضاءل عائدات النفط في نهاية المطاف؛ لذا، لا يمكن أن يكون القطاع العام مصدرًا مستدامًا للوظائف لاستيعاب القوى العاملة المتنامية. وفي المقابل، من شأن القطاع الخاص التنافسي أن يوفر مصدرًا أكثر استدامة للنمو والتوظيف؛ ففي معظم الاقتصادات في العالم، تقود الخدمات في القطاع الخاص إيجاد فرص العمل، تليها الصناعات التحويلية، مع انخفاض حصة الزراعة في العادة. وداخل القطاع الخاص، تُعَد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم SMEs المصدر الأساس لإيجاد فرص العمل. ومن شأن التنوّع الاقتصادي الأكبر أن يحمي الاقتصادات الخليجية من تقلّبات سوق النفط العالمية، وأن يدعم النمو الاقتصادي حينم تنضب موارد النفط. نجحت دول مجلس التعاون إلى حد معيَّ، مقارنة بتجارب الانخفاضات السابقة في أسعار النفط، في جانب واحد؛ هو بناء صناديق التحوُّط، وإن لم يكن نجاحها بالقدر الأمثل؛ إذ كان من الممكن أن تكون القيمة المالية لهذه الصناديق أكبر مم هي عليه الآن، ولا سيم إذا أخذنا في الحسبان المداخيل الضخمة التي تحقَّقت لدول المجلس بالعملة الأجنبية في أثناء ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة السابقة (انظر الجدول.)1

2. التنويع الاقتصادي وتجاوز الدولة الريعية

حققت دول مجلس التعاون نجاحات لا بأس بها عمومًا من حيث التنويع، لكنها نجاحات في مجال القطاع النفطي والصناعات المصاحبة له وحسب؛ أي ما يُعرف ب"التنويع الرأسي"، من دون أن تمتد نجاحاتها إلى مجالات أخرى ضمن ما يُعرف ب"التنويع الأفقي"، ولا سيَّم في ما يتعلق بقطاع تصنيع مُوجَّه إلى الصادرات. وهذا القطاع هو الذي يُبقي الاقتصادات في دائرة المنافسة العالمية. وهكذا، فإن اقتصادات دول المجلس ما زالت منكشفة أمام صدمات أسواق الطاقة العالمية. وفشلت هذه الدول عمومًا، حتى الآن، في الوصول بالاقتصادات إلى الحد الأدنى المطلوب من التنويع وتقليص الاعتمد على

النفط ومداخيله، والحد من الترك ز في الصادرات والانكشاف أمام تقلبات الأسعار. لذا، هناك حاجة إلى إجراء إصلاحات جذرية من أجل تنويع الاقتصادات الخليجية في المدى البعيد.

ذكرنا آنفًا وجود عوامل مباشرة للفشل في تنويع الاقتصادات. ومن ناحية نظرية، يمكن القول إن التنويع ضد طبيعة الدول الريعية، ما لم تكن دولً ديمقراطية؛ وسبب ذلك أن التنويع يسلب الدولة الريعية أهم مقوِّمات بقائها واستمرارها؛ أي آلية توزيع الريع. فالريع يركِّز الدخل في يد النخبة السياسية؛ ومن ثم الثروة والقوة، والتوزيع الذي يُعَد أداة سياسية لتعزيز الأوضاع القائمة وتعظيم فرص البقاء في السلطة17.

  1. State and Development: Production or Predation," in: Khalid R. Alkhater, "The Rentier Predatory State Hypothesis: An Empirical Explanation of the Resource Curse," Unpublished Ph.D. Dissertation, University of California, Irvine- California, 2009. توصلنا إلى نتيجة مفادها أن "لعنة الموارد" المذكورة في الأدبيات الاقتصادية (وهي عدم نمو اقتصادات الموارد الطبيعية في المدى البعيد)، هي بسبب تفاعل بين النظام السياسي وكثافة الموارد الطبيعية، واللعنة في هذا السياق مرتبطة إيجابيًّا بدرجة القهر السياسي repression Political؛ كما بيَّنَّا أن ذلك يُعزى إلى تضارب في المصالح بين الحاكم والمحكوم في الأنظمة الأوتوقراطية التوريثية، وهذا التضارب في المصالح غير موجود في الديمقراطيات الناضجة؛ كالنرويج التي تقدِّم مثالً دالًّ على نعمة الموارد بدلً من لعنتها. انظر في ذلك مثلً: فاروق القاسم، النموذج النرويجي: إدارة المصادر البترولية، سلسلة عالم المعرفة 373 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2010)؛ مراد دياني، حرية، مساواة، كرامة إنسانية: طوباوية العدالة من منظور النموذج الليبرالي الاسكندنافي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016

أما التنويع، فمن المفترض أن يحد من التركز في النشاطات الاقتصادية والدخل، وهذا يتطلب مشاركة شريحة أكبر من المجتمع في العمل والإنتاج، وهو يعني نموًّا ذاتيًّا مستقلًّ عن الريع، وعن آلية الاستقطاع والتوزيع السلطوية. وفي المقابل، من المفترض أن يؤدي التنويع إلى آلية تعتمد على العمل والاكتساب من تنوّع النشاطات الإنتاجية؛ مثل التصنيع والخدمات والزراعة، وغير ذلك من الحِرَف. وقد يؤدي هذا الأمر، مع مرور الوقت، إلى تكوُّن مجموعات ضغط تُدافع عن مصالحها في أسواق العمل والحِرَف المختلفة وقطاع الأعمل، وإلى تطورات ومطالب سياسية، وهذا ما جرى تاريخيًّا في أوروبا على الأقل19. نحن، إذًا، إزاء نموذجين: نموذج قائم على الاستخراج والاستقطاع وإعادة التوزيع، في مقابل نموذج يعتمد على العمل والاكتساب. والإشكالية الموروثة في نماذج نمو الاقتصادات الريعية هي أن قلة تشارك في الإنتاج، وقلة أخرى تقتسم الريع أيضًا. وفي ظل غياب التصنيع والتنويع، أصبح الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على طريقة توزيع الريع من خلال الدولة المرتبطة بالنظام السياسي والعقد الاجتمعي فيها؛ فالنمو في الاقتصادات الريعية يعتمد على استخراج الموارد الطبيعية وبيعها في الخارج بأقل معالجة إنتاجية ممكنة، حيث لا تتميز عملية استخراج الموارد الطبيعية بكثافة العمل، بل بكثافة استخدام رأس المال والتكنولوجيا، والتكنولوجيا مستوردة وليست موطَّنة. ومن ثم، فإن قنوات التبادل بين هذا القطاع وباقي القطاعات الاقتصادية، تبقى ضعيفة20، ويبقى هذا القطاع شبه مستقل عن باقي الاقتصاد، ولا يتأثر كثيرًا بمستوى التنمية فيه. لتحقيق عملية تنويع ناجحة، لا بد من إصلاح الإطار العام لإدارة الاقتصاد الكلي، خصوصًا إطار تعزيز الاستقرار في الاقتصاد الكلي المرتكز على الربط بالدولار. ويتكون هذا الإطار من مجموعة السياسات الاقتصادية الكلية الرئيسة الثلاث المستخدَمة لإدارة الطلب الكلي: السياسة المالية والسياسة النقدية وسياسة سعر الصرف. ولا بد من مراجعة نظام الربط الجامد لعملات دول المجلس بالدولار الأميركي من منظور المكسب في مقابل التكلفة؛ فعند ربط العملة، تُستبعَد من هذا الإطار السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف، ولا يمكن استخدامهم أداتين لإدارة الاقتصاد الكلي وتعزيز الاستقرار فيه؛ حيث يُثبَّت سعر الصرف عند قيمة معيَّنة وتُسخَّر السياسة النقدية لتحقيق ذلك الهدف ولا يمكن استخدام أي منهم لأي غرض آخر. بهذه الطريقة، يصبح عندنا إطار لإدارة الاقتصاد الكلي بسياسة واحدة فقط؛ هي السياسة المالية. وفي سائر دول مجلس التعاون، يُستخدَم شِق واحد فقط من هذه السياسة؛ هو سياسة الإنفاق الحكومي،

  1. A. Gelb & associates, Oil Windfalls: Blessing or Curse? (New York: Oxford University Press, 1988).
  2. من أجل مراجعة تاريخية لهذا الموضوع، انظر مثل: D. Acemoglu & J. Robinson, Economic Origin of Dictatorship and Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 2006); D. North & R. Thomas, The Rise of the Western World: A New Economic History (Cambridge: Cambridge University Press, 1973); R. Auty & A. Gelb, "Political Economy of the Resource-Abundant States," in: M. Richard Auty (ed.), Resource Abundance and Economic Development (Oxford: Oxford University Press, 2001).

ولا تُستخدم السياسة الضريبية. وفي هذه الحالة، يصبح عندنا إطار لإدارة الاقتصاد الكلي بشِق سياسة الإنفاق الحكومي فحسب. والمطلوب هو تصميم مزيج مرن من هذه السياسات الاقتصادية الكلية الثلاث: المالية والنقدية والسعر صرفية؛ لإدارة الدورة الاقتصادية بكفاءة، وحتى يتم التفاعل مع كل دورة بحسب أوضاعها، بالزيادة أو النقصان في كل سياسة، بناءً على المعطيات والمتغيرات الاقتصادية على أرض الواقع.

ثالثًا: استشراف شروط إنجاح التنويع الاقتصادي يف الاقتصادات الخليجية

ترتكز التنمية على بناء رأس المال البشري والابتكار والتطور التكنولوجي، بينم يعتمد نموذج النمو في دول مجلس التعاون على تعاضد عامليَن أساسيَيّن: قوة الإنفاق الحكومي وكثافة عوامل الإنتاج (خصوصًا العملة الأجنبية الرخيصة). وعلى دول المجلس عمومًا، تبنِّي نموذج يقوم على تنويع الصادرات وقيادة قطاع تصنيعي مُوجَّه إلى الصادرات، من خلال البدء بإيجاد الحوافز لتركيم رأس المال البشري الوطني وتحقيق التطور التكنولوجي والصناعي وتبنِّي برامج دعم وحمية للصناعات الوليدة والحد من النمو المرتكز على كثافة عوامل الإنتاج، من عملة أجنبية قليلة المهارة ورؤوس أموال، وهو النموذج المنحاز إلى التوسع المفرط في قطاع الأصول على حساب قطاع التصدير. بالتوازي مع إصلاح الإطار العام لتعزيز الاستقرار في الاقتصاد الكلي، لا بد من إجراء إصلاحات في جانب العرض أيضًا؛ ولا بد من تنويع القاعدة الإنتاجية ومصادر الدخل بعيدًا من القطاع الهيدروكربوني والصناعات المصاحبة له وريعه. ولا شك في أن تنويع هياكل الإنتاج هو تحدٍّ بعيد المدى يتطلب، في إيجاز، ثلاثة عناصر: تنمية رأس المال البشري وإصلاح القطاع العام وإصلاح القطاع الخاص والحد من تركزات الأسواق والثروة فيه.

1. تنمية رأس المال البشري

إن تراكم رأس المال البشري هو العنصر الأهم والتحدي الأكبر في عملية التنمية وتنوّع الاقتصادات؛ لأن التنمية وحدها لا تكفي؛ ففي كثير من دول العالم الثالث، لا يوجد نقص من الجامعات، ولا من المتخرِّجين فيها، ولا من المرافق التعليمية والمختبرات... ونحو ذلك. وفي المقابل، يوجد قدر مقبول نسبيًّا من تنمية رأس المال البشري، لكنه لا يصل إلى الحد الأدنى أو الزخم المطلوب لتكوين قاعدة تنطلق منها عملية تنويع ناجحة؛ أي لا يصل هذا القدر إلى الكتلة الحرجة من تركيم رأس المال البشري التي تضع الاقتصاد على مسار التنمية الذاتية المرتفع. وسبب ذلك حدوث انحرافات تعرقل تركيم رأس

المال البشري؛ من جرَّاء عوامل جلُّها مرتبط بإضعاف الحافز للإقبال على جودة التعليم وطلب المعرفة واكتساب المهارات وبناء القدرات، إضافة إلى عدم التمكين الذي يرجع إلى تقلُّص الفرص في الاقتصاد وضعف دور القطاع الخاص في التنمية وفي توظيف المواطنين عمومًا، كم يرجع إلى كبر حجم القطاع العام وترهله والبطالة المقنَّعة فيه، وطلب الريع والصراع عليه، وصراع مجموعات المصالح، والفساد والمحسوبيات والولاءات وسوء الإدارة وضعف الحوكمة والرقابة... وغير ذلك من علل الاقتصاد الريعي. إن التركيز على جانب العرض لا يكفي لبناء رأس المال البشري؛ ففي دول العالم الثالث، كثيرًا ما يكون مصدر الانسداد من جانب الطلب؛ إذ ينخفض الطلب على التعليم الجيد وبناء القدرات إذا كان العائد المتوقَّع عليهم منخفضًا؛ لذلك، فإن تركيز دول مجلس التعاون، الملحوظ حاليًّا، على جانب العرض في عملية تنمية رأس المال البشري مصيره الفشل إذا استمر إهمل جانب الطلب في عملية تركيم رأس المال البشري22. وإن لم يكن الأمر كذلك، فأين يذهب المتخرِّجون في الجامعات الوطنية والمتخرِّجون في الجامعات الأجنبية الرفيعة التي استُحضِت إلى دولنا؟ أيذهبون إلى قطاع عام ريعي، مترهل، كبير العدد، قليل الكفاءة والإنتاجية، تعدَّى مرحلة التشبُّع في بعض الدول، أم إلى قطاع خاص احتكاري مُوصَد في وجه العملة الوطنية؟ إذا كانت مصادر الطلب على رأس المال البشري تتمثل بالقطاعين العام والخاص، فالمطلوب، إذًا، هو إصلاح هذين المصدرين.

2. إصلاح القطاع العام

يمثّل القطاع العام أكبر مصدر لتوفير الوظائف للقوة العامة الوطنية في دول مجلس التعاون، ويُعد توظيف المواطنين في القطاع العام الآلية الأساسية والأعم لإعادة توزيع الريع بين مواطني هذه الدول؛ فبموجب العقد الاجتمعي الخليجي تلتزم الدولة بتوفير وظائف للمواطنين، لكن القطاع العام وصل إلى مرحلة التشبُّع (خصوصًا في الدول الأكثر كثافة سكانية)، وأصبح كبير العدد، وتدنَّت كفاءته وإنتاجيته؛ ولذلك أصبح من المطلوب رفع كفاءته وإنتاجيته وتعزيز الحوكمة فيه؛ من أجل إيجاد حافز كافٍ لدى الشباب وتنمية قدراتهم والتمكين لهم. وأوَّل شروط إصلاح القطاع العام هو أن يبدأ من رأس المؤسسة؛ وذلك من خلال توافر النزاهة والكفاءة والملاءمة أو والأهلية في رئيس المؤسسة، وربط الثواب والعقاب بالإنتاجية.

  1. من أمثلة ذلك: التنافس في بناء الجامعات والمؤسسات التعليمية واستحضارها، واستيراد الأبحاث معها والباحثين والمعلمين والمختبرات، وعقْد المؤتمرات التي قد تغلب عليها السمة الاحتفالية، وقد لا تكون فيها مساهمات علمية تُذكَر بالنسبة إلى المواطنين؛ ذلك أن المعرفة والتكنولوجيا لا تُستَوْرَدان، ولكنهما تُستَنبَتان وتُنمَّيان.

يتطلب تحديث إطار الإدارة في القطاع العام مزيدًا من التوفيق بين القدرات والاختصاص والكفاءة، ومتطلّبات الإدارة في مؤسسات القطاع العام وطبيعة عملها. وهذا الأمر نفسه يتطلب دفْع الكفاءات الوطنية المتخصصة من المتخرجين في الجامعات في جميع المستويات نحو المواقع القيادية في القطاع العام، والتمكين لها، وإلا فلن تكون هناك جدوى لاستحضار الجامعات والمؤسسات التعليمية الأجنبية الرفيعة وإنفاق مليارات الدولارات في هذا الشأن؛ لأن عدم تمكين الشباب المؤهل والكفاءات يرسل رسالة خاطئة إلى الشباب والأجيال الناشئة. في السياق نفسه، هناك حاجة إلى تطبيقٍ أكبر لمعايير السوق في بيئة العمل، وهذا أمر مهم في جذب القدرات الوطنية الشابة وتنميتها، وفي تركيم الخبرات الوطنية في المستوى الأعلى، وإيجاد تدفّقات إيجابية بالنسبة إلى سائر الاقتصاد. أما إذا كانت قيادة المؤسسة ركيكة، مرتبكة، ضعيفة، غير متمكّنة، فإنها تُفسد المؤسسة كلها وتعرقل تكوُّن رأس المال البشري، خصوصًا بناء القدرات الوطنية، وتوجد سقفًا يَحدُّ من تكوُّن القادة والكفاءات الوطنية لا يمكنها تجاوزه؛ لأنها ترى أن الكفاءات الوطنية قد تُشكِّل تهديدًا لاستمرارها وبقائها في المنصب وبقاء من يخلفها، وربما كانت لا تنسجم مع طبيعتها وتحقيق أهدافها، فيترتَّب عن ذلك منع تكوُّن رأس المال البشري وإعاقة تراكم الخبرات الوطنية وحرْف الجهد والموارد البشرية عن النشاطات الإنتاجية إلى النشاطات الاستحواذية وطلب الريع41.

3. إصلاح القطاع الخاص والحد من تركُّز الأسواق والثروة فيه

إذا كانت اقتصادات دول المجلس تعاني التركزات في الموارد الطبيعية وقلة التنويع، فللقطاع الخاص الخليجي دور كبير في ذلك؛ لكونه مصابًا بالتركز وقلة التنويع في نشاطه أيضًا. وانعكس ذلك بقدر من التركزات والتشوّهات على الأسواق، وتكوينات لبنىًاحتكارية فيها؛ فبعد عقود من الاستفادة من تصدير النفط، ما زال نشاط القطاع الخاص يتركَّز في ثلاثة مجالات رئيسة (المقاولات وتجارة الاستيراد والترويج للمنتوج الأجنبي من خلال نظام الوكالة التجارية والخدمات). وفي أثناء عقود من التوسع غير المنظم واللامحدود، عبر النشاطات الاقتصادية والقطاعات المختلفة وتجارة الاستيراد والترويج، تكوَّنت تركزات اقتصادية ورأسملية عبر شرائح ضيقة من الأفراد والعائلات في المجتمع، بعضها على ارتباط وثيق بالنخب السياسية، تمكنت من تركيم ثروات ورؤوس أموال طائلة، ومن تكوين شبكات مصالح واسعة ومتداخلة مع النخب السياسية، وأصبحت تُشكِّل موانع دخول لكثير من النشاطات أمام المستثمرين الجُدد، وتغذِّي تكوينات احتكارية وإمبراطوريات لرجال أعمل تَصعُب منافستها. والواقع أن نمو القطاع

  1. Jonathan Isham et al., "The Varieties of Resource Experience: Natural Resource Export Structures and the Political Economy of Economic Growth," The World Bank Economic Review , vol. 19, no. 2 (2005), pp. 141 - 174; James A. Robinson et al., "Political Foundations of the Resource Curse," Journal of Development Economics , vol. 79, no. 2 (2006), pp. 447 - 468.

الخاص يعتمد الآن، أكثر من أي وقت مضى، على الدولة، وعلى آلية الإنفاق الحكومي خصوصًا، وما تجود به الحكومات من عقود ومشروعات على قطاع الأعمل. ويبدو أن هذه العلاقة الكينونية - التطفّلية من قطاع الأعمل المعتمد على الدولة، تزداد قوَّة مع الرواج وخلال فترات الطفرات النفطية؛ فمعظم طفرات القطاع الخاص الأخيرة كان بسبب الإنفاق الحكومي في القطاع غير النفطي والاستهلاك الحكومي النهائي، كم أن جزءًا كبيرًا جدًّا من إنفاق القطاع العائلي الاستهلاكي يُوَّل من خلال الأجور التي تدفعها الدولة. وفي هذا السياق، يقول هرتوغ إن الحكومات الخليجية كانت دائمًا تتخذ سياسات مُحابية للرأسمليين وطبقة التجار، ولم تشهد المنطقة تأميمت كم حدث في الجمهوريات العربية61. وهكذا، يمكن أن تعتمد الاقتصادات الخليجية سياسات صناعية ضمن إطار شامل لإصلاح القطاع الخاص؛ فالسياسة الصناعية هي، في نهاية المطاف، سياسة اقتصادية سليمة. ومن متطلّبات هذه السياسة الموجّهة إلى القطاع الخاص الحد من تركزات الأسواق والثروة، وذلك من خلال سَنِّ قوانين مكافحة الاحتكار وتنفيذها، على أسس تضمن كفاءة الأسواق وحقوق المستهلك وتكافؤ فرص المستثمرين ودعم التنافسية محليًّا وخارجيًّا. وهذا كله يدفع نحو التنويع. أمّا الاحتكار، فيكرس التركز والأوضاع القائمة. المطلوب، إذا، قطاع خاص تنافسي دينامي يساهم في التطور التكنولوجي، وفي تنويع الاقتصاد وإيجاد فرص عمل للمواطنين، أو دفع ضريبة. ومن الضروري أيضًا التحوّل من نمو يعتمد على كثافة عوامل الإنتاج، إلى التركيز على الابتكار والتكنولوجيا وتطويرها، وبناء رأس المال البشري؛ فتوظيف المواطنين يستدعي ذلك. ويشير هرتوغ إلى أن توظيف المواطنين سوف يحد من أرباح القطاع الخاص في المدى القريب، لكنه سوف يقوِّيه في المدى البعيد، وسوف يقوِّي قدرته التفاوضية للحفاظ على مصالحه. أمّا في الوقت الراهن، فسيبقى القطاع الخاص خاضعًا لتهديد سياسات توزيعٍ مجتمعية، وسيكون هو أوَّل ضحاياها في الأزمات. يظل تقييد الدعم الموجّه إلى القطاع الخاص، عمومًا، أمرًا أساسيًّا؛ بوضع برامج لتطوير تقنيات الإنتاج وتحقيق اختراقات في أسواق التصدير والتنويع وتوظيف المواطنين. كم أن التصنيع مهم من أجل التنويع، وفي هذا السياق نذكر إستراتيجيتين لدعم التصنيع والتنويع: الأولى هي اتباع سياسة صناعية قوية موجّهة نحو صادرات مستجدَّة، والثانية هي اتّباع سياسة سعر صرفية داعمة للإنتاج في قطاع السلع المتاجَر بها دوليًّا في الاقتصاد عمومًا؛ فمن دون سعر صرف تنافسي ومستقر، لا يمكن عمليًّا تحريك الاستثمرات والكفاءات الإدارية الخلّقة في قطاع السلع المتاجَر بها؛ ومن دون سياسة صناعية موجّهة نحو الصادرات، لن تكفي سياسة سعر الصرف لتحقيق التنويع. ومع التقدم في عملية تنويع الصادرات، ينبغي توخِّي سياسات سعر صرفية أكثر مرونة، من أجل حَفْز الصادرات ودعم التنافسية؛ فالعملة

  1. Hertog.

الوطنية الرخيصة في إمكانها مساعدة قطاع الصادرات التقليدي وغير التقليدي، وسرُّ نجاح الاقتصادات ذات النمو المرتفع هو المزج بين هاتين السياستين.

خاتمة

تتميز أسعار النفط بشدة تقلُّبها مقارنة بباقي السلع الأولية، ولا سيَّم أن النفط كثيرًا ما يُستخدَم – أكثر من السلع الأولية الأخرى – لأغراض الاستثمر المالي والتحوُّط والمضاربة81. وستكون أرضية الأسعار في المستقبل هي سعر نفط أوبك، وسيكون السقف هو سعر النفط الصخري، من 70 إلى 80 دولارًا؛ إذ من المتوقَّع أن تستقر الأسعار عند هذا المستوى في المدى المتوسط حتى عام 2019. ومع أخذ مسار أسعار العقود الآجلة للنفط ومتوسط التنبؤات في الحسبان، تتوقَّع مؤسسات دولية عدة أن السوق لن تستعيد توازنها حتى عام 2020 على أقل تقدير. وحينم تفعل ذلك، سيكون سعر التوازن في نطاق بين 53 و 60 دولارًا للبرميل. ولو بقيت أسعار النفط عند 60 دولارًا للبرميل لفترة طويلة (في المدى المتوسط أو البعيد) فستتأثر دول مجلس التعاون، ويمكن أن يكون ذلك من خلال ثلاث قنوات رئيسة: قناة الدخل والإنفاق، وقناة السياسات، مُعبًَّا عنها بتفارق الدورات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وقناة سعر الصرف. ومن المُتوقَّع أن تكون هناك عجوزات في الميزانيات عند مستويات الإنفاق الحالية في حال بقاء الأسعار تحت السعر التعادلي للميزانيات، وسيشكِّل ذلك تحديًا لاستمرارية الإنفاق الحكومي، وربما يفرض ضغوطًا على برامج الإنفاق الاجتمعي التي تبنَّتها دول مجلس التعاون بعد انفجار ثورات الربيع العربي. لكن دول المجلس ذات الكفاءة الإنتاجية العالية يمكنها التأقلم مع هذه الأوضاع وتحمُّل انخفاض أسعار النفط. من أجل ذلك، من المهم للاقتصادات الخليجية عدم خفض الإنتاج لمحاولة التأثير في الأسعار. ولعل انخفاض أسعار النفط يأتي بنتائج ظلَّت منتظَرة؛ من قبيل ضبط الإنفاق العام والحد من الإسراف والتبذير، بل الفساد أحيانًا، ودفع دول المجلس نحو التنويع بالضرورة، وإجراء الإصلاحات المطلوبة في المجال الاقتصادي وفي المجالات الأخرى المختلفة أيضًا. ومن تبعات استمرار انخفاض الأسعار أنه ربما يؤدي إلى تباطؤ نسبي في دول مجلس التعاون في مقابل رواج نسبي في الولايات المتحدة، وربما يؤدي ذلك إلى تَفارُق جديد في الدورات الاقتصادية بينهم. ويأتي رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، في وقت غير ملائم لدول مجلس التعاون المقبلة على تباطؤ، وهي ليست في حاجة إلى رفع أسعار الفائدة الآن. لكن البنوك المركزية الخليجية سوف تتَّبع خطوات الاحتياطي الفدرالي الأميركي على أي حال

  1. البنك الدولي، "أسعار النفط.. إلى أين؟"، ص.3
  2. المقصود: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والإدارة الأميركية لمعلومات الطاقة، ووحدة معلومات الإيكونوميست.

وفي الأوضاع كلها، كم عمدت إلى ذلك تاريخيًّا، سواء أكان ذلك ملائمًا لأوضاع اقتصاداتها المحلية أم لم يكن ملائمًا لها. وعند التثبيت الجامد لسعر الصرف أمام الدولار الأميركي، يُرَّر تأثير الصدمات الخارجية كاملً إلى الاقتصادات المحلية. وإنْ حصل انخفاض في مداخيل النفط من الدولار الأميركي، في هذه الحالة، فإنه يعني انخفاضًا موازيًا في مداخيل النفط بالعملات المحلية لدول مجلس التعاون. أمّا إنْ كانت أسعار الصرف مرنة، فإن انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي أو خفضها (يمكن أن يكون ذلك من خلال الربط بأسعار النفط) سيعني ارتفاعًا نسبيًّا في مداخيل النفط بالعملات المحلية في مقابل الدولار الأميركي؛ أي توافر المزيد من الأموال للإنفاق في الاقتصادات بالعملة المحلية، وهو ما يخفِّف من حدَّة تأثير انخفاض مداخيل النفط في الميزانيات، وفي النشاط والنمو الاقتصاديَّيْ بوجه عام. أمّا من حيث التنويع، فنجحت دول المجلس إلى حد معيَّ، مقارنة بتجارب الانخفاضات السابقة في أسعار النفط، في جانب واحد؛ هو بناء صناديق التحوط، لكنها فشلت في ما عدا ذلك عمومًا؛ فشلت في الوصول بالاقتصادات إلى الحد الأدنى المطلوب من التنويع، وفي تقليص الاعتمد على النفط ومداخيله، وفي الحد من التركُّز في الصادرات، وفي تجنُّب الانكشاف أمام تقلبات الأسعار. ويبقى تراكم رأس المال البشري هو العنصر الأهم والتحدي الأكبر في عملية التنمية وتنويع الاقتصادات؛ ذلك أن التركيز على جانب العرض لا يكفي لبناء رأس المال البشري؛ ففي دول العالم الثالث، كثيرًا ما يكون مصدر الانسداد في جانب الطلب؛ إذ إن الطلب على التعليم الجيد وبناء القدرات واكتساب المهارات، ينخفض إذا كان العائد المتوقَّع عليها منخفضًا. وهكذا، يكون المطلوب إصلاح مصدرَي جانب الطلب، وهم القطاعان العام والخاص: إصلاح القطاع العام الكبير الحجم الذي وصل إلى مرحلة التشبّع، لرفع كفاءته وإنتاجيته من أجل إيجاد حافز كافٍ لدى الأجيال الناشئة لتنمية قدراتهم والتمكين لهم؛ وإصلاح القطاع الخاص للحدِّ من تركُّز الأسواق والثروة فيه، وإيجاد قطاع خاص تنافسي متنوّع يساهم في تنويع الصادرات والدخل والتحول التكنولوجي، وإيجاد فرص عمل للمواطنين. وأخيرًا، تظل سبل الاقتصاد القائم على المعرفة أيضًا من أبرز سبل تنويع الاقتصادات الخليجية، بما يعنيه ذلك من استثمر في الأصول اللامرئية، من تعليم وتكوين وبحث علمي وابتكار... إلخ؛ فمن شأن الابتكار أن يسمح للاقتصادات الخليجية بإيجاد قيمة اقتصادية ضمن سلاسل قيمة أو صناعات أو قطاعات جديدة، بوصفها عوامل محرِّكة للنمو الاقتصادي. وهكذا، يبقى مهمًّ جدًّا أن تنجح الاقتصادات الخليجية في المستقبل في الانتقال نحو توليد الإنتاج القائم على الابتكار؛ وهذا يعني أنه يجب البدء في إعداد الأرضية وتحديد المتطلبات الأساسية والأسس التي يقوم عليها اقتصاد الابتكار، ضمن مسار شامل ومتكامل للتحول الاقتصادي. ومن شأن هذا الأمر تعزيز عملية تنويع الاقتصادات الخليجية في المستقبل؛ إذ يكمن بُعد آخر مهم لاقتصاد المعرفة في كون المعرفة لا تُنتَج فحسب، لكنها تُصدَّر أيضًا. وأصبح تصدير المعرفة والخدمات من السمت الأساسية للتجارة العالمية، سواء في ما يخص حقوق المؤلِّف أو العلامات التجارية أو الخدمات المهنية والتقنية للشركات أو تصميم المنتوجات أو تنظيم العملية الإنتاجية... وغيرها.

المراجع

العربية

أفريقيا. العدد 7. تموز/ يوليو.2016

الاسكندنافي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2010

وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية. استراتيجية التنمية الوطنية  - 2011 16 0 2.

الأجنبية

References

البنك الدولي. "أسعار النفط.. إلى أين؟". الموجز الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمل دياني، مراد. حرية، مساواة، كرامة إنسانية: طوباوية العدالة من منظور النموذج الليبرالي القاسم، فاروق. النموذج النرويجي: إدارة المصادر البترولية. سلسلة عالم المعرفة 373. الكويت:

Acemoglu, D. & J. Robinson. Economic Origin of Dictatorship and Democracy.

Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

Alkhater, Khalid R. "The Rentier Predatory State Hypothesis: An Empirical

Explanation of the Resource Curse." Unpublished Ph.D. Dissertation, University

of California. Irvine-California, 2009.

Arezki, Rabah & Olivier Blanchard. "How the oil and gas boom is changing

America." Vox. 2/10/2014, at: http://bit.ly/1QGG1U0

Auty, M. Richard (ed.). Resource Abundance and Economic Development. Oxford:

Oxford University Press, 2001.

Callen, Tim et al., "Economic Diversification in the GCC: Past, Present, and

Future," International Monetary Fund, 23/12/2014, at: http://bit.ly/1WKDW83

Frankel, Jeffrey. "Why Are Commodity Prices Falling?" Project Syndicate.

15/12/2014, at: http://bit.ly/1LeF6YG

Gordon, Deborah. "Understanding Unconventional Oil." Energy and Climate

(May 2012). at: https://goo.gl/cbor7i

Gelb, A. & associates. Oil Windfalls: Blessing or Curse?. New York: Oxford

University Press, 1988.

Hamilton, James. "Oil Price Collapse Down To Broader Demand Factors."

Oilprice. 13/1/2015, at: https://goo.gl/zHLv5z

Hertog, Steffen. "The Private Sector and Reform in the Gulf Cooperation

Council." Kuwait Programme on Development, Governance, and Globalisation

in the Gulf States. Rsearch paper no. 30. July 2013, at https://bit.ly/2Lz2SQM

Institute of International Finance. "GCC: Strong Diversified Growth, Limited

Risks." 4/5/2014, at: http://bit.ly/2l56kIL

International Energy Agency, Oil Market Report.September 2014.

________. Oil Market Report. December 2015.

International Monetary Fund. "Economic Diversification in Oil-Exporting Arab

Countries." Annual Meeting of Arab Ministers of Finance. Manama, April 2016.

Isham, Jonathan et al. "The Varieties of Resource Experience: Natural Resource

Export Structures and the Political Economy of Economic Growth." The World

Bank Economic Review. vol. 19. no. 2 (2005).

North, D. & R. Thomas. The Rise of the Western World: A New Economic History.

Cambridge: Cambridge University Press, 1973.

Plumer, Brad. "The US hasn't produced this much oil since 1986." Vox.

17/11/2014, at: http://bit.ly/1uEtKTG

Robinson, James A. et al., "Political Foundations of the Resource Curse." Journal

of Development Economics. vol. 79. no. 2 (2006).

Shediac, Richard et al. "Economic Diversification: The Road to Sustainable

Development." Booz & Company white paper. February 2008, at: https://goo.

gl/MMjffd