الانتقال الطاقي والأمن الطاقي في الجزائر: التحديات في أفق 2030
The Energy Transition and Energy Security in Algeria Challenges on the 2030 Horizon
الملخّص
تُعدّ الجزائر بلدًا ذا موارد طاقية تقليدية من المحروقات مهمة نسبيًّا، تمخّضت عنها صناعة للنفط والغاز من الطراز العالمي، وسمحت بتوافر طاقة أسهمت في تطوير عدد من القطاعات، وشكّلت ريعًا مكّن من إنجاز كلّ البنى التحتية والبرامج الاجتماعية. لكن هذا الريع لم يولّد ثروات جديدة مستدامة من شأنها أن تأخذ البَدَل على المدى البعيد. ومن هنا، يعكف عبد المجيد العطار على إبراز الحاجة الملحّة في المستقبل القريب إلى الموازنة بين هذا الريع، الذي يظلّ ضروريًا لعدة سنوات مقبلة، وتنفيذ انتقال طاقي على غرار ما يحدث في جميع أنحاء العالم، لأجل ضمان الأمن الطاقي. ويعتبر العطّار أنّ مصلحة الجزائر تقتضي إعداد استغلال المحروقات غير التقليدية التي تتوافق، في الوقت الحاضر وفي المستقبل، مع الجزء الأعظم من التجديد الممكن لموارد الطاقة.
Abstract
ملخص: تُعدّ الجزائر بلدًا ذا موارد طاقية تقليدية من المحروقات مهمة نسبيًّا، تمخّضت عنها صناعة للنفط والغاز من الطراز العالمي، وسمحت بتوافر طاقة أسهمت في تطوير عدد من القطاعات، وشكّلت ريعًا مكّن من إنجاز كلّ البنى اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ واﻟبرامج اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ. لكن هذا الريع لم يولّد ثروات جديدة مستدامة من شأنها أن تأخذ البدَل ﻋﻠﻰ المدى البعيد. ومن هنا، يعكف عبد المجيد العطار على إبراز الحاجة الملحّة في المستقبل القريب إلى الموازنة بين هذا الريع، الذي يظلّ ضروريًا لعدة سنوات مقبلة، وتنفيذ انتقال طاقي على غرار ما يحدث في جميع أنحاء العالم، لأجل ضمن الأمن الطاقي. ويعتبر العطّار أنّ مصلحة الجزائر تقتضي إعداد استغلال المحروقات غير التقليدية التي تتوافق، في الوقت الحاضر وفي المستقبل، مع الجزء الأعظم من التجديد الممكن لموارد الطاقة. كلمت مفتاحية: الانتقال الطاقي، الأمن الطاقي، المحروقات غير القابلة للتجديد، الطاقات المتجددة، الجزائر. Abstract: Algeria is a country with relatively important conventional fossil-fuel energy resources which have given birth to a world-ranking oil and gas industry and enabled a supply of energy that has helped develop a number of sectors and formed a source of rentier income that has enabled infrastructure and social programs. This rentier income, however, has not generated new sustainable wealth to form an alternative in the long term. In this paper, Abdel-Majid al-Attar highlights the pressing need in the short term for a balance between this rentier income, which remains essential for the coming years, and implementation of the energy transition on the model of what is happening around the world to ensure energy security. Al-Attar sees that the Algerian national interest demands making preparation to exploit non-conventional fuels, which, at present and in the future, are in the mainstream for potential renewal of energy resources.
- الانتقال الطاقي
- الأمن الطاقي
- المحروقات غير القابلة للتجديد
- الطاقات المتجددة
- الجزائر
- Energy transition
- Energy security
- Non-renewable fuels
- Renewable energies,
- Algeria
التحديات يف أفق 2030 The Energy Transition and Energy Security in Algeria
مقدمة
تُعد الطاقة والمياه، أو الموارد الطبيعية عمومًا، مع ما يميزها من حيث التوافر والتحكم والاستخدام والتكلفة، المعيارين الأساسيين اللذين سيتوقف عليهم بصفة حاسمة مستقبلنا القريب جدًا. فقد كان القرن العشرون قرنَ التسابق المستمر نحو الاستهلاك المحموم للموارد غير المتجددة، وحوزتها أو التحكم فيها، لضمن التنمية الاقتصادية. وتُرجم ذلك، بالتأكيد، إلى تقدمٍ اجتمعي لا يمكن إنكاره، وأضرار يتعذر في بعض الأحيان إصلاحها، بدءًا بالاستنزاف السريع للموارد غير المتجددة على حساب احتياجات الأجيال القادمة، وبالتأثيرات السلبية في النظم الإيكولوجية والبيئة عمومًا، والتي يبدو أنها تنبع، بحسب خبراء كثيرين، من طبيعة موارد الطاقة التقليدية والإفراط في استخدامها، ومن الصراعات الإقليمية التي أسهمت في إغناء بعض الشعوب وإفقار أخرى. أمّا القرن الحادي والعشرون، فسيكون موسومًا بالاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية التي تؤثر في جميع البلدان تقريبًا، وتدفعها إلى إرساء إستراتيجيات تنموية جديدة تتضمن دومًا شقًّا طاقيًا، يقوم بدوره على نحوٍ منهجي على مخطط للانتقال الطاقي، يتمثل هدفه الرئيس في ضمن الأمن الطاقي على المدى البعيد. تختلف هذه الإستراتيجيات من بلد إلى آخر، سواء كان البلد منتجًا للطاقة أو مستهلكًا لها، أو منتجًا لها ومستهلكًا في آنٍ واحد، وسواء كان البلد يمتلك الموارد الطاقية اللازمة أو يتحكم فيها، وأخيرًا سواء كان البلد يتقن الوسائل اللازمة ويتحكم فيها؛ أكانت بشرية، أم تكنولوجية، أم مالية. وتُعدّ الجزائر بلدًا ذا موارد طاقية تقليدية من المحروقات مهمة نسبيًّا. وقد تمخّضت عن هذه الموارد بالتأكيد صناعة للنفط والغاز من الطراز العالمي، كم أنها سمحت حتى الآن بتوافر طاقة ربما أسهمت في تطوير عدد من القطاعات، ولكنها شكّلت على وجه الخصوص ريعًا مكّن من إنجاز كلّ اﻟﺒﻨيات اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ واﻟبرامج اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، من دون توليد ثروات جديد مستدامة من شأنها أن تأخذ البدَل ﻋﻠﻰ المدى البعيد. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة اليوم إلى الموازنة بين هذا الريع الذي يظلّ ضروريًا لعدة سنوات قادمة، وتنفيذ انتقال طاقي على غرار ما يحدث في جميع أنحاء العالم، بهدف ضمن الأمن الطاقي على المدى البعيد. تلك هي التحديات التي ينبغي مواجهتها بالنظر إلى الثقل الهائل للريع النفطي في الاقتصاد الجزائري، وإلى استنفاد احتياطيات النفط والغاز على الأمد البعيد والانتقال نحو الموارد المتبقية ذات الطبيعة غير التقليدية، والنمو السريع جدًا لاستهلاك الطاقة الداخلي، وأخيرًا بالنظر إلى الحاجة الملحة للإسراع في تنفيذ برنامج الطاقة المتجددة.
أولً: السياق العالمي
يتوافق الانتقال الطاقي الذي سنعيشه مع صيغة تحتوي عدة متغيرات بعضها مجهول. ويكفي النظر إلى ما حولنا وتحليل ما يحدث في العالم لإدراك أهميته وإلحاحه. فالاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية هي أكثر تعقيدًا مم تبدو عليه، ونحن نشهد تحولً نحو نوع من الاقتصاد العالمي ذي طابع ليبرالي، ولكن في عالم متعدد الأقطاب مع نمط اقتصادي وجغرافي سياسي سيكون فيه الفاعلون هم: الغرب (الدول المتقدمة)، مع نمو اقتصادي راكد بين 1.5 و 2 في المئة في المتوسط، واستهلاك طاقي راكد أيضًا، مع معدل نمو قدره 0.4 في المئة بالنسبة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولكن يبدو أنّ المصدر الرئيس الشاغل للغرب في مجال الطاقة هو انتقال طاقي ينبغي له إنجاحه في فترة تراوح بين 20 و 30 سنة1، بفضل التقدم التكنولوجي الذي يهدف إلى تعزيز موارد بديلة بالنسبة إلى جميع الاستخدامات. على أنّ الهدف النهائي هو التحوّل نحو نموذج للاستهلاك الطاقي يضمن استقلاليتهم الطاقية. كتلة البلدان الناشئة التي ينمو استهلاكها وطلبها الطاقي بوتيرة مطردة، ومن ثمّ فإنّ لديها الشاغل نفسه الذي لدى دول الكتلة الغربية، أي كيفية ضمن استقلالها في مجال الطاقة على المدى البعيد. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ المركز الاقتصادي العالمي هو بصدد الانتقال إلى آسيا، حول الصين والهند اللتين يبلغ نموهم الاقتصادي 6.5 و 7 في المئة، على التوالي، ويبلغ معدل نمو استهلاكهم الطاقي 1.4 و 4.4 في المئة، على التوالي أيضًا2. ومن المتوقع أن يتضاعف تقريبًا استهلاك الكهرباء في هذين البلدين بحلول عام.20353كتلة البلدان النامية التي يعتمد اقتصاد كثير منها على استغلال الموارد الطبيعية الهشة وغير المتجددة، لكنها أصبحت أكثر وعيًا بضرورة تعزيز هذه الموارد والحفاظ عليها، وهو ما يجب أن يمرّ أيضًا عبر تنفيذ انتقالٍ طاقي مشابه للانتقال الطاقي في البلدان المتقدمة، لضمن أمنهم الطاقي على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، سيكون معدل نمو استهلاك الطاقة في أفريقيا 2.6 في المئة بحلول عام 2040، بينم سيراوح في الدول الأخرى بين 1.4 و 2.5 في المئة4. يُفضي هذا التطور إلى القول إنّ النمط الجديد للنظام الاقتصادي العالمي وإستراتيجيات التنمية سيكون لهم محتوى طاقي كبير؛ لأنّ الطاقة عامل أساسي لأيّ تنمية اقتصادية، وستبقى كذلك مهم كان النموذج الخاص بكلّ بلد. وإنّ التقدم التكنولوجي، بوصفه ثمرة برامج بحثية مهمة، هو بصدد حلّ مشكلات
توافر مصادر الطاقة، والانتقال من مورد طاقي إلى آخر، ومن ثمّ الانتقال من نموذج للاستهلاك الطاقي إلى نموذج جديد مختلف تمامًا عن الماضي، وسيسهم في ذلك في المستقبل. وإنّ مقدار ثلثَي الزيادة في استهلاك الطاقة العالمي سيكون ذا طبيعة كهربائية؛ الأمر الذي لا يتطلب تنويع مصادر الطاقة فحسب، بل نماذج استهلاك هذه الطاقة أو توافرها أيضًا5. يمكننا اليوم تصنيف مصادر الطاقة إلى ثلاث فئات، لكل فئة منها مزاياها وعيوبها، ومدافعون عنها ومنتقدون لها، ووزنها الإستراتيجي: الموارد غير القابلة للتجديد (النفط والغاز والفحم في المقام الأول) التي لا تزال مكانتها غير قابلةٍ للجدل حتى أفق 2035 على الأقل؛ نظرًا إلى أهمية الاحتياطيات المتاحة، ولا سيم مع ظهور محروقات غير تقليدية. وستستمر هذه الموارد حتى هذا الأفق الزماني في توفير ما لا يقل عن 54.5 في المئة من استهلاك الطاقة العالمي للمحروقات، و 23.5 في المئة بالنسبة إلى الفحم6. بيد أنّ هذه الموارد تتميز أيضًا بعيبين رئيسين: إلحاق الضرر بالبيئة في عالم معني على نحو متزايد بتغير المناخ، خصوصًا بتوزيعها الجغرافي بالنسبة إلى المناطق المستهلكة، وهو ما يؤدي غالبًا إلى اضطرابات جيوستراتيجية تتعلق بحيازتها، أو بالسيطرة عليها، أو استغلالها. وتجدر الإشارة إلى أن 40 في المئة من احتياطيات النفط، و 41 في المئة من احتياطيات الغاز، تقع في منطقة الشرق الأوسط7. ويكفي أن نضيف ال 32 في المئة من احتياطيات الغاز الموجودة في منطقة روسيا/ رابطة الدول المستقلة؛ لتخمين المخاطر الجيوستراتيجية الناجمة عن هذا التوزيع. كم يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه على المدييَن المتوسط والبعيد، سيؤدي الغاز الطبيعي، الذي سيظل استهلاكه مدفوعًا بتوليد الكهرباء أساسًا (47 في المئة من الاستهلاك)، دورًا رئيسًا في مزيج الطاقة العالمي mix Energy، ومن ثمّ في الأمن الطاقي الذي يوجد في قلب كل الاهتممات الإقليمية، ولا سيم أنه سيضمن تكاملً مثاليًا مع الطاقات المتجددة8. ترتبط الطاقة النووية أيضًا بمورد غير متجدد، وستزيد من 3 إلى 5.4 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة بحلول عام 2035. بيد أنها تساهم بنسبة 9 في المئة في استهلاك أوروبا وأوراسيا، و 8 في المئة في استهلاك أميركا الشملية، و 2 في المئة فقط في استهلاك آسيا9. وبوصفها مثيرةً للجدل على نحو كبير، أصبحت الطاقة النووية مثالً بيئيًّا أعلى، ولكنها تظل متواضعةً على الصعيد العالمي، وقد تشهد نموًّا كبيرًا، لا سيم في البلدان الناشئة.
تشمل الفئة الثالثة من الموارد مصادر الطاقة المتجددة، التي تتمثل ميزتها الرئيسة في الحفاظ على البيئة، في حين أنّ عيبها الأساسي ذو طبيعة اقتصادية أو بالأحرى تنافسية؛ وذلك بالنسبة إلى الاستخدامات، والأنماط، وعادات الاستهلاك التي تعتمد في الوقت الراهن على موارد للوقود الأحفوري متاحة وغير مكلّفة. بيد أنّ معدل نموها البالغ 7.4 في المئة سنويًا سيمكّنها من الوصول إلى نسبة 25 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة أو تجاوزها بحلول عام 203510. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ بعض الدول، خصوصًا في أوروبا، تخطط للوصول إلى تغطية 50 في المئة على الأقل من احتياجاتها من خلال الطاقة المتجددة بحلول عام 2050، في حين أنّ دولً أخرى تخطط للوصول إلى نسبة 100 في المئة بحلول هذا التاريخ11. ولذلك فإنّ التحدي التكنولوجي والتقدم المستقبلي من شأنهم أن يقوّضَا جميع التوقعات في العقود القادمة؛ بفضل "لا مركزية" وسائل إنتاج الكهرباء، التي سيديرها خاصةً المستهلكون أنفسهم. في ضوء كل هذه البيانات، يجب طرح سؤالين مهمين: هل هناك وفرة من موارد الطاقة التقليدية، أي المحروقات؟ أم هل أننا نتجه نحو ندرة في الأمد البعيد نسبيًّا؟ وهل الرغبة في تنويع مصادر الطاقة من خلال الانتقال الطاقي نحو نماذج استهلاك جديدة لا يعتمد أيضًا على رغبة بسيطة في خفض تكلفتها واعتمدها على الخارج؟ لا يزال هناك، بالتأكيد، كثير من عدم اليقين بشأن تطور المتغيرات الرئيسة التي سترهن المشهد العالمي للطاقة على مدى العقود المقبلة، ولكن يمكننا على الأقل أن نؤكد، جوابًا عن السؤال الأول، ومن دون الخوض في التفاصيل، وعلى أساس جميع التحليلات المتاحة حاليًا، أنه منذ عشر سنوات على الأقل، من الصعب، على نحوٍ متزايد، اكتشاف المحروقات واستغلالها، والتي لا يزال من الممكن اكتشافها أو استغلالها، والتي يقع معظمها في بيئة جيولوجية أشدّ تعقيدًا من الناحية التقنية، وأكبر تكلفة. تفيد دراسة حديثة عن احتياطيات المحروقات في العالم، أصدرتها في كانون الأول/ ديسمبر 2017 الشركة النرويجية "رايستاد للطاقة" Energy Rystad، أن 2006 كانت آخر سنة تجاوزت فيها نسبة استبدال الاحتياطي أكثر من 100 في المئة. وقد انخفض هذا المعدل على نحو مطرد ليصل إلى 50 في المئة في عام 2012 من خلال 30 مليار "مكافئ برميل النفط"14، و 11 في المئة فقط في عام 2017 من خلال 7 مليارات "مكافئ برميل النفط" مدرجة في عدد الاكتشافات الأقل منذ 70 عامًا19. وتجدر الإشارة أيضًا
إلى أنّ نسبةً كبيرة من احتياطيات المواد المضافة منذ عام 2006 تتطابق مع المحروقات غير التقليدية، وتحديدًا مع الغاز الصخري. ويمكننا تفسير هذا الاتجاه من خلال الانخفاض الكبير في استثمرات التنقيب في الفترة 2014 - 2017، ولكن ليس بالنسبة إلى الفترة 2006 - 2013 التي كان خلالها سعر البرميل مرتفعًا جدًّا، وكان من المفترض أن يسهم في نمو الاستثمرات وكذلك الاكتشافات. يتميز هذا السياق الطاقي أيضًا بمتغيرات أخرى على القدر نفسه من الأهمية، تؤثر تأثيرًا متزايدًا في نمط الاستهلاك وحجمه، ومن ثمّ في الطلب على موارد الطاقة في السوق العالمية، ومنها: استدامة الركود الاقتصادي العالمي عبر الزمن، إن لم يكن ضعف النمو في البلدان المتقدمة أو الناشئة، وهي الدول المستهلكة الكبرى للطاقة في الماضي، ولكن على نحوٍ أقلّ اليوم. عدم الاستقرار الجيوسياسي ذي الطابع الإقليمي على نحوٍ متزايد، الذي يؤدي إلى انعدام الثقة بالبلدان المنتجة أو المصدرة للمحروقات. توجّه البرامج الإستراتيجية نحو منح الاستقلال والأمن الطاقيين الأولويةَ من خلال مصادر الطاقة البديلة، المتاحة والمستدامة والقابلة للتجديد، وبأقل تكلفة. ارتفاع وعي الدول والشعوب بشأن المخاطر المناخية. تقدم تكنولوجي مهم جدًّا؛ ليس فقط فيم يخصّ تطوير مصادر الطاقة المتجددة، ولكن أيضًا من حيث تقليل الاستهلاك. منافسة حقيقية جارية بين مختلف مصادر الطاقة؛ وهي النفط والفحم، اللذان هم بصدد التراجع، والغاز الطبيعي الذي يحافظ على نموه بفضل توافره (احتياطيات مهمة) ودوره، بوصفه منظّم الإمدادات الطاقية المتجددة التي تعاني مشكلة التناوب، والطاقات المتجددة التي يعدّ معدل نموها الأهم على نحوٍ صريح وتكلفتها الأقل على نحوٍ متزايد، وأخيرًا الطاقة النووية المستقرة، إلا أنها تظل حاملةً مخاطر جمّة. يتجسد هذا الاتجاه بوضوح من خلال توقعات وكالة الطاقة الدولية في أفق عام 2040، التي تشير إلى أنّ نحو 80 في المئة من معدل نمو الطلب العالمي الإضافي على الطاقة بحلول هذا الأفق الزمني سوف يأتي من الطاقات المتجددة20. ومن ثمّ، هناك تحول حقيقي جارٍ في أنماط استهلاك الطاقة حول العالم، التي تظل حاليًا خاصة بكلّ منطقة في العالم أو كل بلد، ولكنها موجهة كلها من خلال مزيج طاقة متوسط الأمد نحو نموذج سيهيمن على المدى البعيد عبر مصادر الطاقة المتجدّدة، والنظيفة على نحوٍ متزايد. يمكننا، إذًا، أن نستنتج أنه توجد على المستوى العالمي احتياطيات كافية من المحروقات، لكون التقدم التكنولوجي قد غيّ ببساطة التعريف الذي كان لدينا للطابع التقني والقابل للاسترداد اقتصاديًّا.
وهذا هو ما يميّز الموارد التقليدية من الموارد غير التقليدية. فهذه الاحتياطيات ستغطي إلى حدٍّ كبير الاحتياجات في الأفق 2035 - 2050، بيد أنّ تجديدها لا يزال، مع ذلك، بعيدًا عن تحقيق معدل تجديد احتياطيات النفط والغاز في المستقبل لتغطية الاحتياجات على المدى البعيد جدًّا. وأخيرًا، يشير توزيعها الجغرافي بالنسبة إلى المناطق العالية الاستهلاك إلى وجود مشكلات جيوستراتيجية خطِرة؛ فيم يتعلق بالسيطرة عليها واستغلالها. يمكننا القول إنّ الجواب عن السؤال الثاني ينبع تمامًا من السؤال الأول، ويسمح لنا بأن نؤكد، من دون تردّد، أنّ الأمن الطاقي هو في قلب جميع الإستراتيجيات التنموية للدول، خاصةً منها الدول المستهلكة الكبرى. وتستند هذه الإستراتيجيات إلى الحفاظ على الموارد عندما كانت متوافرةً في البلاد، وبالسيطرة المباشرة أو غير المباشرة عليها في الخارج كلّم كان ذلك ممكنًا على الأقل في المدى المتوسط؛ من أجل الانتقال إلى الموارد البديلة، وأخيرًا تسريع هذا الانتقال من خلال برامج البحوث والتقدم التكنولوجي الموجهة إلى تغيير أنماط استهلاك الطاقة على نحو كامل على المدى البعيد.
ثانيًا: ماذا عن الجزائر؟
تواجه الجزائر أكثر من أيّ وقت مضى عددًا من التحديات التي يلزم مواجهتها لإنجاح الانتقال الطاقي، بدءًا بالوزن الهائل للريع النفطي في الاقتصاد الجزائري، الذي يفاقمه الانخفاض الحاد في السوق النفطية من جهة أولى، والحاجة إلى التحكيم بين الحفاظ عليها واستخدامها من جهة ثانية، والاحتياجات الطاقية المحلية أو تلبيتها بموارد جديدة من جهة ثالثة، إضافة إلى وضع احتياطيات المحروقات، أو بالأحرى استنفادها، في رأي بعضهم، وتطوّر هذه الاحتياطيات والموارد المتبقية نحو طبيعة غير تقليدية نتيجة تقادم الحقول، وحجم الحقول المتبقي اكتشافها، والتعقيد التقني والمالي من أجل تطوير المحروقات غير التقليدية وإنتاجها، والنمو السريع جدًا لاستهلاك طاقي متأتٍّ بنسبة 99 في المئة من المحروقات، والبطء في تنفيذ برنامج الطاقات المتجددة، الذي يبدو أنّ مركزيته لا يسهل تنفيذها على الإطلاق، وأخيرًا ما يحدث من حولنا من حيث التقدم التكنولوجي الذي لا يُخلّ بالتوزيع العالمي للاحتياطيات فحسب، ولكن بأنماط الاستهلاك في البلدان المستوردة أيضًا، وبالإستراتيجيات القائمة على أساس الأمن الطاقي في البلدان المستوردة خاصة. بداهةً، الإجراءات التي يجب اتخاذها لضمن الانتقال والأمن الطاقيين هي نظريًّا يسيرة جدًا، على الأقل في تقديمها: استدامة توافر الطاقة اللازمة في المقام الأول على المدى البعيد جدًّا، وليس الريع المالي الذي يجب أن تقدمه تدريجيًا ثروات أخرى.
إرساء هذه العملية من خلال تنفيذ الانتقال الطاقي الذي ستكون عوامل نجاحه سياسة جديدة للحفاظ على الموارد من المحروقات، وبرنامج لتوفير الطاقة المستهلكة، واللجوء المكثف إلى الطاقات المتجددة. بيد أنّ ذلك يسيرٌ قوله، عسيرٌ تنفيذه، لعدة أسباب نطرحها للمناقشة، بمعنى أنّ الأسئلة يسيرة بيد أنّ الأجوبة ليست كذلك؛ بسبب كثرة عدم اليقين والشروط المسبقة. فكثيرًا ما نسمع أنّ قطاع التعدين الجزائري لم يُستكشف بما فيه الكفاية، وأنه ينطوي على إمكانات كامنة استثنائية. وهذا ما نتمنّاه حقًّا، بيد أنّ هذا لا يعني على الإطلاق أنه ستكون هناك أي اكتشافات مهمة من شأنها تجديد احتياطيات النفط والغاز في المستقبل. السبب الأول لذلك يسير جدًا، وهو أنّ هذه الموارد غير متجدّدة، وأنه كلم اكتشفنا منها بعضها صعُب اكتشاف ما لا يزال منها، على اعتبار أنّ الجزء الأسهل والأرخص للاكتشاف والاستغلال هو ما يضمن الإنتاج الحالي، وقد سُحب منه بالفعل أكثر من 50 في المئة منذ أكثر من.50 عامًا وينبع السبب الثاني من التقييم الذي يمكن القيام به؛ انطلاقًا من تحليل الاتجاهات فيم يخصّ الكميات المكتشفة، وعدد الاكتشافات، ومتوسط حجم الاكتشافات على مدى 60 سنة. وتقدر الاحتياطيات المؤكدة المتبقية حاليًا للمحروقات التقليدية بين 1.2 و 1.5 مليار طن نفط مكافئ21 بالنسبة إلى السوائل، وبين 2500 و 4500 مليار متر مكعب بالنسبة إلى الغاز الطبيعي22. ونلاحظ مباشرةً عدم اليقين بشأن هذه الأرقام وفقًا لمصدرها؛ إذ يقدّر الإنتاج الذي يعرف انخفاضًا مطردًا منذ عام 2007 بنحو 1.1 مليون برميل نفط يوميًّا، و 95 مليار متر مكعب بالنسبة إلى الغاز الطبيعي، والتي يستهلك ما يقرب من 50 في المئة منها في السوق المحلية23. وتشير آخر الإحصاءات الصادرة عن شركة سوناطراك إلى انتعاشٍ طفيف في الإنتاج منذ عام 2015، مع إمكانية للمرور من إنتاج إجملي يقدّر ب 187 مليون طن نفط مكافئ في عام 2012 (وهو أدنى مستوى منذ 2007) إلى 247 مليون طن نفط في عام 2020. وسيجري، إذًا، لأول مرة بلوغ هذا المستوى الذي يفوق الذروة التي جرى بلوغها في عام 2007 (233 مليون طن نفط مكافئ)24. ومن بين الأسباب التي سيقت التأخرُ في تطوير الحقول الحديثة الرامية إلى التعويض عن انخفاض الإنتاج، ولكن هناك أيضًا، منذ أكثر من عقد من الزمان، معدل تجديد الاحتياطيات المؤكدة هو في المتوسط برميل واحد من النفط المكافئ بالنسبة إلى ثلاثة منتجات، على الرغم من أنّ عدد الاكتشافات
أصبح أكبر على نحوٍ متزايد، بعلاقةٍ بالتقدم التكنولوجي في مجال الاستكشاف. ولا يمكننا أيضًا أن نتجاهل حقيقة أنّ أكبر الحقول القديمة التي يزيد عمرها على 50 عامًا هي في "مرحلة الهضبة" أو "مرحلة الانخفاض". ومن المتوقع أنه بدءًا من عام 2024 سيأتي معظم إنتاج المحروقات من أحواض "حاسي مسعود" (1956)، و"المرك" (1996)، و"حاسي الرمل" (.1956)25كم يمكننا أن نلاحظ، انطلاقًا من بيانات الاحتياطيات الجزائرية، أنه إلى جانب الاكتشافات المهمة التي تمّت في حوض بركين خلال تسعينيات القرن الماضي، فإنّ أكثر من 50 في المئة من تجديد الاحتياطيات منذ السبعينيات يأتي من الزيادة في معدلات الاسترداد في الحقول الموجودة وليس في الاكتشافات الجديدة26. وأخيرًا، يمكننا ملاحظة أنّ العقد الأخير، سواء بالنسبة إلى الجزائر أو بالنسبة إلى معظم مناطق العالم التي قد تحتوي على محروقات، اتسم بظهور ما يُسمّى "المحروقات غير التقليدية"، التي هي في الواقع مجرد محروقات متبقية ظلّت مسجونةً في الصخور المصدر وليس في خزانات، والتي تسمح التقنيات وتكاليف التشغيل في الوقت الراهن بإنتاجها. وهذا يتيح لنا أن نقول إنّ الإمكانيات الكامنة المتبقية التي لا يزال يتعين اكتشافها واستغلالها في الجزائر تتكون أساسًا من محروقات غير تقليدية، مم يضع الجزائر في المرتبة الثالثة عالميًّا بالنسبة إلى الغاز الصخري في هذا المجال مباشرةً، بعد الصين والأرجنتين؛ وذلك بنحو 22 مليار متر مكعب من الغاز الصخري القابلة للاسترداد من الناحية التقنية27. إنّ الجزائر بلدٌ يستهلك أكثر مم يُنتج، مع اقتصادٍ يعتمد اعتمدًا كليًّا على المحروقات. والمتغيرات المرجعية لهذه التبعية ذات دلالة قوية، بدءًا بأسعار النفط التي انخفضت من 109 دولارات أميركية في عام 2013 إلى 91 دولارًا في عام 2014، ثم 53 دولارًا في عام 2015، و 45 دولارًا في عام 2016، وأخيرًا 55 دولارًا في عام 2017، مع قدر كبير من عدم اليقين فيم يتعلق بتطور هذه الأسعار في الفترة 2018 - 2020. أما المتغيرات الاقتصادية الأخرى، فهي أكثر مدعاةً للقلق:28الناتج المحلي الإجملي مؤمّن بنسبة 33 في المئة من الريع النفطي، و 20 في المئة من الخدمات التجارية، و 18 في المئة من الإدارة العامة، و 10 في المئة من الزراعة، و 5 في المئة فقط من الصناعة29.
معدل التضخم الذي هو حاليًا 7 في المئة30. ساكنة بلغ عددها نحو 40 مليون نسمة، وقد تصل إلى 50 مليون نسمة في عام 203031. ساكنة نشيطة بنحو 12 مليون نسمة، منهم 58 في المئة في التجارة والخدمات (59 في المئة في القطاع غير الرسمي)، و 11 في المئة في الزراعة، و 17 في المئة في قطاع البناء والأشغال العامة، و 14 في المئة فقط في الصناعة32. معدل بطالة يراوح بين 10 و 11 في المئة، لكنه يتميز بهشاشة شديدة (وظائف ذات طبيعة اجتمعية ومؤقتة، وذات إنتاجية منخفضة جدًا). ويقدر هذا المعدل بنسبة 25 في المئة بين الشبان الطلاب الجامعيين33. وقد تضاعف الاستهلاك الجزائري من المحروقات خلال عشر سنوات. وتُظهر الحصيلة الطاقية الجزائرية عام 2016 إنتاجًا مسوّقًا بقيمة 166 مليون طن نفط مكافئ، منها 51 مليون طن نفط مكافئ في البترول، و 90 مليون طن نفط مكافئ في الغاز (94 مليار متر مكعب)، و 10 ملايين طن نفط مكافئ في المكثفات، و 10 ملايين طن نفط مكافئ في الغاز النفطي المُسال. وقد تمّ تصدير 111 مليون طن نفط مكافئ (بنسبة 66 في المئة) بقيمة 27.8 مليار دولار، وتمّ استهلاك 55 مليون طن نفط مكافئ (بنسبة 34 في المئة)، يجب أن تُضاف إليها 4.1 ملايين طن نفط مكافئ مستوردة34. وقد بلغ الاستهلاك الوطني من المحروقات 58.3 مليون طن نفط مكافئ في عام 2016، مع غلبة واضحة للغاز الطبيعي وللغاز النفطي الم: 67 في المئة من الغاز الطبيعي، و 33 في المئة من المنتجات سال البترولية (بما في ذلك 4 في المئة من الغاز النفطي المُسال). في حين أنّ استهلاك الطاقة وصل في نهاية المطاف في عام 2016 إلى 42.9 مليون طن نفط مكافئ من خلال 15.5 مليون طن نفط مكافئ من المنتجات البترولية (بنسبة 36.2 في المئة)، و 2.2 مليون طن نفط مكافئ من الغاز النفطي المُسال (بنسبة 5.2 في المئة)، و 14.9 مليون طن نفط مكافئ من الغاز (بنسبة 29.5 في المئة)، و 12.5 مليون طن نفط مكافئ من الكهرباء (بنسبة 29.1 في المئة). ويكتسي هذا الاستهلاك النهائي للطاقة أهميةً أكبر فيم يتعلق بقطاعات الاستهلاك من خلال 18.6 مليون طن نفط مكافئ بالنسبة إلى الأسر وغيرها (بنسبة 43.3 في المئة، منها 1 في المئة فقط بالنسبة إلى الزراعة)، و 15.1 مليون طن نفط مكافئ
بالنسبة إلى النقل (بنسبة 35.1 في المئة)، و 9.2 ملايين طن نفط مكافئ بالنسبة إلى الصناعة وقطاع البناء (بنسبة 21.6 في المئة)35. وتجدر الإشارة إلى أنّ الاستهلاك النهائي للطاقة ظلّ لأول مرة ثابتًا، عمومًا، في عام 2016 (42.9 مليون طن نفط مكافئ)، مقارنةً بعام 2015 (42.5 مليون طن نفط مكافئ)، بعد أن شهد معدل نمو سنوي كبيرًا منذ عام 2000 (27.6 مليون طن نفط مكافئ)51. جدول الاستهلاك النهائي للطاقة (2000 - 2016)
| النسبة المئوية للتغير 2)016 - 2000( | النسبة المئوية للتغير 2)016 - 2015( | 2016 | 2015 | 2000 | |
|---|---|---|---|---|---|
| +78 | +2 | 42.9 | 42.5 | 27.6 | الاستهلاك النهائي للطاقة (مليون طن نفط مكافئ) |
| +71 | -3 | 15.5 | 16 | 9 | المنتجات البترولية (مليون طن نفط مكافئ) |
| +129 | -2 | 17.4 | 17.7 | 7.6 | الغاز الطبيعي – محطات توليد الكهرباء (مليار متر مكعب) |
| +235 | +3 | 13.4 | 13 | 4 | الغاز الطبيعي الموزع (مليار متر مكعب) |
| +153 | +4 | 52.3 | 50.2 | 20.7 | الكهرباء المستهلكة (تيراوات/ ساعة) |
نلاحظ، إذًا، أنّ استهلاك الطاقة النهائي ظل للمرة الأولى مستقرًّا كثيرًا في عام 2016 مقارنةً بعام 2015، ولكنه مهم تاريخيًّا منذ عام 2000 مع زيادة بنسبة 1 في المئة بالنسبة إلى الطاقة الكلية (1.39 طن نفط مكافئ للفرد؛ أي بزيادة 40 في المئة مقارنةً بعام 2000)، ونقصانٍ بنسبة 2.8 بالنسبة إلى المنتجات البترولية (0.43 طن نفط مكافئ للفرد؛ أي بزيادة 65 في المئة مقارنةً بعام 2000)، وزيادة 3.3 في المئة بالنسبة إلى الغاز الطبيعي (543 مترًا مكعبًا للفرد؛ أي بزيادة 305 في المئة مقارنةً بعام 2000)، وزيادة 4.3 في المئة بالنسبة إلى الكهرباء (1600 كيلووات في الساعة للفرد، أي بزيادة 134 في المئة مقارنةً بعام.2000)61
وتتوقع وزارة الطاقة في الفترة 2016 - 2030 زيادةً من 17 إلى 30 مليون طن بالنسبة إلى الوقود، كم تتوقع أن تكون احتياجات الغاز الطبيعي ما بين 42 مليار متر مكعب (كحدٍّ أدنى) و 55 مليار متر مكعب (كحدٍّ أقصى) في عام 2019. وتتوقع الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (سونلغاز) من جهتها 47 مليار متر مكعب في عام 2023، و 75 مليار متر مكعب في عام.2030 وقد ازداد استهلاك الغاز الطبيعي من محطات توليد الطاقة الكهربائية بنسبة 12.5 في المئة في عام 17.71(2015 مليار متر مكعب)، مقارنةً بعام 2014 (15.75 مليار متر مكعب). وازدادت قدرة توليد الطاقة الكهربائية من 5900 ميغاواط في عام 2000 إلى 17 ألف ميغاواط في عام 2016. ومن المتوقع أن ترتفع إلى 60 ألف ميغاواط بحلول عام 2030 (بما فيها 37 في المئة طاقة متجدّدة). وقد ارتفع إنتاج الكهرباء من 25 تيراوات/ ساعة في عام 2000 إلى 70.6 تيراوات/ ساعة في عام 2016، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج، على الأقل، إلى 150 تيراوات/ ساعة بحلول عام.2030
ثالثًا: أي آفاق مستقبلية؟
ننطلق من استنتاجين رئيسين لإرساء العناصر الأساسية لمستقبل الطاقة في الجزائر: الاستنتاج الأول: في حالة عدم وجود اكتشافات جديدة مهمة، وهو ما لم تعد عليه الحال منذ أكثر من عقد من الزمن مع برميل واحد من المكافئ النفطي تم اكتشافه لثلاثة منتجات، من المتوقع أن ينخفض الإنتاج الإجملي، ما لم يجرِ القيام باستثمر مهم جدًا على المدييَن القصير والمتوسط لتحسين معدلات الاسترداد في الحقول القديمة، ثم على المدييَن المتوسط والبعيد لمحاولة استغلال المحروقات غير التقليدية. الاستنتاج الثاني: توضح هذه الأرقام أنّ المحددات الرئيسة الثلاثة لمدى قابلية التأثر في الجزائر تتعلّق بالفعل بمعدل نمو استهلاكها الطاقي، مقارنةً بمعدل نمو احتياطياتها وقدرتها على الإنتاج في المدى البعيد، وبطبيعة الممرسات من حيث القيمة المضافة. ومن ثمّ، فمن أجل تغطية الاحتياجات الوطنية من الكهرباء، ينبغي للشركة الوطنية للكهرباء والغاز في المستقبل أن تقوم، على الأقل، بتشغيل محطة لتوليد الطاقة الكهربائية من 400 ميغاواط كلّ عام. إنّ هذا الجهد ضروري حتى لو تحقق برنامج 22 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة، بسبب تقطّع هذا النوع من الطاقة الذي لم تحلّ بعدُ مشكلته في تخزين الكهرباء على مدار فترات طويلة (على الأقلّ حاليًا). وهذا ما يثير بدوره تساؤلً: فبأيّ موارد طاقية ومالية إذا كان يمكنها أن تفعل ذلك؟
إذا اعتمدنا على ما هو موجود وما يمكن أن يوجد من الناحية النظرية، يمكننا القول إنّ صناعة المحروقات في الجزائر هي اليوم على ما يرام؛ لأنها تستطيع تزويد البلاد بريع جيد بنسبة 98 في المئة من عائدات التصدير، و 70 في المئة من ميزانية الدولة، و 33 في المئة من الناتج المحلي الإجملي، وبنسبة إنتاج طاقي/ استهلاك طاقي تلبّي الاحتياجات الوطنية. ولذلك قد لا يوجد أيّ داعٍ للقلق لفترة طويلة حتى بعد 2030 أو.2040 لكن دعونا نتخيل لحظةً أنّ الأمور لن تسير على هذا النحو؛ لأنّ الإمكانيات الكامنة المستقبلية تتضمن قدرًا كبيرًا من التخمين كي يمكننا البناء عليها إستراتيجيةً للتنمية الاقتصادية؛ وذلك لسببين، هم: درجة عدم اليقين الكبرى، سواء فيم تعلق باحتياطيات المحروقات التقليدية القابلة للاسترداد المتبقية، أو باحتملات الاكتشافات، أو حتى بالاستغلال المحتمل للمحروقات غير التقليدية التي من شأنها تجديد احتياطيات النفط والغاز الحالي أو الضروري على المدييَن المتوسط والبعيد. وتيرة نمو استهلاك الطاقة المحلية، ومن ثمّ المحروقات، والتي ستقلّل على نحو كبير وسريع من الريع النفطي الذي يعتمد عليه الاقتصاد الجزائري حاليًا. لا يمكن للجزائر الاستغناء عن المحروقات وعن ريعها على المدى المتوسط أو البعيد أيضًا، حتى لو كان ذلك من وجهة نظر الأمن الطاقي فحسب. ومن الملحّ اتخاذ قرار بشأن التحكيم على المدى المتوسط بين الاحتياجات التي من شأنها أن تضمن الاستهلاك الوطني للطاقة، والاستثمر للانتقال التدريجي إلى نموذج الاستهلاك المختلط (غير المتجدد والمتجدد)، ودعم الاستثمرات، العامة أو الخاصة، التي تهدف إلى ضمن هذا الانتقال الذي ليس طاقيًا فحسب، بل إنه اقتصادي أيضًا، فضلً عن أيّ استثمر آخر مُولّد للوظائف وللثروات فيم عدا المحروقات.
خلاصة
في ضوء ما تقدم، يمكننا استخلاص عدة استنتاجات فيم يتعلق بالأمن الطاقي والانتقال الطاقي للجزائر في أفق عام:2030 يمرّ الأمن الطاقي للجزائر بعد عام 2030 عبر تحوّل نموذج استهلاكها الطاقي بنموذج جديد، قائم على نحوٍ متزايد على الجهد الكبير لتوفير الطاقة على وجه الخصوص، واللجوء إلى الطاقات المتجددة. يأتي الخطر المتوقع فيم يخصّ الأمن الطاقي من كون الجزائر تواجه حاليًا تحدي الريع النفطي - المالي بعد عام 2030، وستواجه مستقبلً هذا التحدي على نحوٍ أكبر كثيرًا، إذا لم يُستبدل هذا الريع بثروات أخرى في هذا الأفق الزمني.
برنامج الانتقال الطاقي هو أكثر من إستراتيجي، ويجب أن يتضمن فضلً عن ذلك 22 ألف ميغاواط من الطاقة المتجددة، وهو برنامج أكثر جرأة فيم يخصّ توفير الطاقة71. وعلى الرغم من التنبؤات باقتصاد ب 300 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي و 93 مليون طن نفط مكافئ من المحروقات السائلة متوقعٍ في أفق عام 2030، سنكون مع ذلك قد استهلكنا حينئذ في هذا الأفق الزمني ما بين 700 و 800 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي81. الإقرار بأنه يجب مواصلة تصدير النفط والغاز خلال هذه الفترة الانتقالية من أجل دعم التنمية الاقتصادية؛ لأنّ الاعتمد على الريع النفطي لن يختفي بين عشية وضحاها، فهذا يعني أننا سوف نستهلك في أفق عام 2030 ما يعادل كلّ الاحتياطيات المتبقية من حقل "حاسي الرمل"، إضافة إلى حقل أو حقلين آخرين من حقول الغاز الطبيعي. إنّ من مصلحة الجزائر إعداد استغلال المحروقات غير التقليدية التي تتوافق في الوقت الحاضر وفي المستقبل مع الجزء الأعظم من التجديد الممكن لموارد الطاقة على المدى البعيد. وتقدّر الاحتياطيات القابلة للاسترداد من الناحية التقنية بنحو 22 ألف مليار متر مكعب. فهي تقع عمومًا في مناطق جغرافية تُنتج بالفعل المحروقات التقليدية؛ ومن ثمّ فهي قريبة من المرافق الحالية لإنتاج المحروقات. وهذا يعني تحقيق وفرات كبيرة جدًا في الاستثمر تضمن ربحيةً مستقبلية عندما سنحتاج على وجه التأكيد إلى هذا الغاز غير التقليدي بعد عام 2030. وفي هذا الأفق، يمكننا أن نفترض أيضًا أنّ التقدم التكنولوجي السريع جدًا حاليًا لا يمكنه ضمن ربحية هذا النوع من المصادر الطاقية فحسب، وإنما أيضًا مواجهة المخاطر البيئية، التي هي على أي حال ممثلة للمخاطر المرتبطة باستغلال المحروقات التقليدية. لا يزال أمام المحروقات في الجزائر مستقبل مشرق، وعدد من التحديات التي يجب مواجهتها فيم يخصّ الابتكار أيضًا، سواء على مستوى التكنولوجيا أو الإدارة أو الشراكة؛ لأنّ العالم قيد التغير بسرعة عالية جدًّا. والتحدي الرئيس، فيم يخص الأمن الطاقي، ليس حكرًا على قطاع الطاقة؛ لأنه قبل كل شيء تحدٍّ بشري فيم يتعلق بمستوى الخبرة؛ ومن ثمّ التدريب، وهو تحدٍّ تكنولوجي لأنه يتطلب وجود قطاع بحثي منتج للتقدم والأدوات والابتكارات. وتجدر الإشارة، أيضًا، إلى أنّ هذا التحدي سيكون اجتمعيًا؛ لأنه يتطلب انضواء مستهلكي الطاقة اليوم وغدًا، وهم الذين ينبغي لهم أن يكونوا "في قلب العملية الانتقالية". وأخيرًا، يرتبط الجانب المالي بالحاجة إلى ضمن الأمن الطاقي بكل الموارد المتاحة، وإرساء بيئة مواتية لإقامة شراكة رابح.- رابح
المراجع
References
العربية
وكالة الطاقة الدنماركية."سيناريوهات الطاقة للأعوام 2020 و 2035 و 2050". ترجمة هيئة التحرير. استشراف. العدد الأول).2016(
الأجنبية