رهانات القوة في العالم من منظور الجغرافيا الاقتصادية للطاقة
Challenges for the World Powers from the Perspective of the Economic Geography of Energy
الملخّص
عنوان الكتاب: الطاقة: الموارد، والتكنولوجيات، ورهانات القوة. العنوان الأصلي للكتاب: Énergie: Ressources, technologies et enjeux de pouvoir. المؤلف: Nicolas Mazzucchi. اسم ومكان دار النشر: Paris: Armand Colin. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 224.
Abstract
مراجعة كتاب الطاقة: الموارد، والتكنولوجيات، ورهانات القوة Challenges for the World Powers from the Perspective of the Economic Geography of Energy
- الجغرافيا الاقتصادية
- الطاقة
- التكنولوجيا
- the World Powers
- the Economic Geography
A Review of Energy: Resources, Technologies and Power Issues
باتت جغرافيا الطاقة محل اهتمم متجدد ينعكس من خلال تعدد الإسهامات وتجدد المناهج، لا سيم فيم يخص الجغرافيا السياسية للطاقة. ويندرج الكتاب الذي بين أيدينا ضمن هذه الدينامية؛ إذ إنّ مؤلفه، نيكولا مازوتشي، باحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، وحاصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا، ومتخصص في الاقتصاد الجغرافي للطاقة والإستراتيجية السيبرانية. يُعبر عنوان الكتاب عن اختيار المؤلف في التعامل مع قطاع الطاقة بأكمله على أنه "وحدة موحدة"؛ إذ إنه يتناول في الآن ذاته قضايا تكنولوجية واقتصادية وسياسية ذات صلة بالطاقة، بوصفها من أكثر القطاعات الإستراتيجية المؤثرة بالنسبة إلى صانعي السياسات، والتي تكمن فيها بعض أهمّ القضايا السياسية، والجيوسياسية الدولية والبينية بين البلدان. فسواءٌ تعلّق الأمر بالفحم أو بالنفط أو بالغاز أو بالطاقة النووية، فإن الطاقة تقع اليوم في صميم المجتمعات والقضايا الدولية الرئيسة. ومن الخليج العربي وحوض الشام إلى وول ستريت، مرورًا بشبكات الكهرباء الأوروبية، والمصافي الآسيوية، أو مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس COP21، تُعد الطاقة عنصرًا رئيسًا في الديناميات الدولية والتنافسات التي تكمن وراءها. يعرض الباحث في هذا الكتاب لنقاط التوتر الرئيسة على المستوى الدولي، وآليات سوق الطاقة، ومسائل العبور البرية والبحرية، ودور الدول، والشركات، ودور المجتمع المدني أيضًا. ولا يُهمل الكتاب أي صنف من أصناف الطاقة، وإن كان ذلك على نحو متفاوت، ولا الجوانب المناخية التي أصبحت تُعد ضرورية لفهم رهانات القوة والنفوذ على المستوى الدولي. ويؤكّد مازوتشي استمرارية استخدام النفط بوصفه المصدر الرئيس للطاقة، وعدم الخروج عن قريب من الثورة الصناعية الثانية. فحتى إذا كنّا نلاحظ انخفاضًا في النفط والغاز من حيث استخدام الطاقة، فإنه لا تزال هناك استخدامات أخرى للنفط، لا سيم في البتروكيمويات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جميع المنتجات والمشتقات البترولية الأخرى، ومن ثمّ تأتي أهمية التحليل الكلّ لسلسلة قيمة مصادر الطاقة؛ أي أنْ نفهم لماذا هي ليست مصادر للطاقة فحسب، بل أكثر من ذلك كثيرًا، وهو ما يقوم به مازوتشي على نحوٍ جيد في هذا الكتاب، غير غافلٍ عن تسليط الضوء على قضايا طاقية ذات صلات متعددة؛ من قبيل الصلة الوثيقة للطاقة بالتكنولوجيا والشبكات الإلكترونية. فاستخدام الإنترنت وجميع التقنيات الجديدة يتطلب استخدامًا مكثّفًا ومتزايدًا للطاقة، والفضاء السيبراني لديه احتياجات من الطاقة أصبحت تمثّل 2 في المئة من الاستهلاك العالمي للكهرباء في الوقت الحالي. ويتناول مازوتشي هذه الأبعاد الجيوسياسية في مستوياتها الدولية المتشابكة، وفي العلاقات البينية بين الدول، والتي تؤسّس لتبعية متبادلة بين الجهات الفاعلة الرئيسة في مجال الطاقة؛ فالعلاقات بين روسيا وأوروبا، وبين فرنسا والسعودية، وبين كندا والولايات المتحدة، وبين روسيا وتركيا، وبين الصين وآسيا الوسطى... إلخ، هي في جزءٍ مهم منها علاقات إستراتيجية قائمة على الطاقة.
يبدأ الباحث بوضع أساسٍ تركيبي لتوزيع منتجي الطاقة ومستهلكيها في عالمٍ متغيّ، إضافة إلى عرض الجغرافيا السياسية العالمية للطاقة؛ إذ "تمثل الطاقة رهانًا حقيقيًا للقوة الدولية". وينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول مواضيعية متوازنة، ويستند إلى مطوية مكوّنة من ست خرائط تعرض بالنسبة إلى كلّ منطقةٍ من مناطق العالم موارد المحروقات والبنية التحتية للنقل. يقترح الفصل الأول، "الطاقة: ميزان ينبغي موازنته"، النظرَ في السياسة الطاقية لبلد معيّ، بوصفها نتيجةً للتحكيم بين ثلاثة مخاوف: الوصول إلى الطاقة، والأمن الطاقي، ومكافحة التغيّ المناخي. ويرى مازوتشي أنّ هذه القضايا الثلاث تؤثّر في البلدان على نحوٍ مختلف وفقًا لنمط استهلاكها وإنتاجها الطاقي، وأنظمتها السياسية، وخصائصها الجيوسياسية. وهي بالتأكيد قاعدة ثلاثية متينة كان من شأن الاستفاضة فيها وتعزيزها بالأمثلة والأرقام أن تمنحنا فهمً شاملً ومتسقًا لهذه الإشكالية الطاقية، وهو ما لم يسمح به حجم الكتاب القصير. ويستمر الفصل الثاني، "من المجال إلى القوة: الجغرافيا السياسية للموارد"، في تجميع هذا المشهد من خلال تحليل تاريخ استغلال الموارد الطاقية من النفط والفحم والغاز واليورانيوم واستهلاكها، والخصائص التقنية لاستخداماتها. ويجري تخصيص الجزء الثاني من الفصل للتحليل الإقليمي لموارد الطاقة. ففي مواجهة أفريقيا بوصفها "قارة الممكنات والوضعيات المتناقضة"، تنتصب أميركا بوصفها "قارة الطاقة"؛ إذ يجري تنظيم الترابط بين البلدان المنتجة والمستهلكة، ثم آسيا بوصفها "منطقة الفحم" المدفوعة بحيويتها الاقتصادية. في حين يجري وصف الشرق الأوسط بأنه "منطقة الوفرة" حيث ينتصب التنافس بين بلدان المنطقة مثل "سيف ديموقليس"، وتبدو أوروبا بوصفها "الحلقة الضعيفة" في سلسلة الطاقة العالمية، يغذيها مجالٌ جغرافي بعد-سوفياتي غنيٌ بالموارد تتودد إليه الدول الآسيوية على نحوٍ متزايد. ويخصص مازوتشي الفصل الثالث من الكتاب، "الطرق والبحار والمضايق: رهانات العبور"، لنقل المواد الطاقية المعقّدة المضامين والرهانات. وبعد مراجعة بعض الاختناقات في النقل البحري (قناة السويس، أو مضيق هرمز، أو قناة بنم... إلخ)، يسلّط المؤلف الضوء على الضعف النسبي لشبكات الكهرباء العابرة للحدود، ثم يحلل إعادة هيكلة قطاع خطوط أنابيب الغاز في مواجهة التطويرات الجديدة لمحطات الغاز الطبيعي المسال. ويكتسي هذا الفصل أهميةً كبرى في جانب تحليل دور العديد من الشركات المتخصّصة جدًّا وبعض الدول في وضع المعايير التي تحكم نقل الطاقة وإقرارها، فضلً عن التحكّم في البنى التحتية الأساسية للنظام الطاقي. ويصف المؤلف في الفصل الرابع، "الطاقة في قلب المجتمعات الحديثة"، الأنماطَ المختلفة لاستهلاك الطاقة ورهانات تحوّل هذه الأنماط؛ بالنظر إلى بزوغ مصادر جديدة للطاقة، وتدهور الموارد التقليدية،
وتفاقم آثارها البيئية الوخيمة. ويعمد المؤلف إلى وضع هذه الإشكالية ضمن إطار الاقتصاد الجغرافي للطاقة من خلال مساءلة العديد من جوانبها، من بينها آثار هذه التغييرات في توزيع قدرات التكرير. وتتجسّد هذه المقاربة الجغرافية الاقتصادية أيضًا في الفصل الخامس "من منتجي الخليج العربي إلى أسواق وول ستريت". ففي هذا الفصل يقترح تحليل الآليات الدولية التي تقوم عليها أسواق الطاقة ورهانات القوة التي تحكمها. واستنادًا إلى حالتَي النفط والغاز، يوضح المؤلف أنّ أسواق الطاقة تعتمد على الخصائص المادية للبنية التحتية للتبادل، وعلى التنافسات الجيوسياسية بين الدول، وعلى مجموعة القواعد المعيارية التي يكون إنتاجها مجاليًا وزمانيًا؛ على نحوٍ مرتبط بالسياق الخاص الذي أنتجت فيه. وينطلق المؤلف في الفصل السادس، "ما وراء المورد: دور التكنولوجيا"، من الافتراض المسبق للفصل بين موارد الطاقة وإنتاجها، بفضل الطاقة النووية والمصادر المتجددة للطاقة، ثم يظهر أنّ أنظمة الطاقة - على عكس هذا الافتراض المسبق - تعزّز هذه الاعتمد على الموارد الطاقية الإستراتيجية التقليدية، وتعزّز بصفة خاصة دور الشركات ذات التجربة الخاصة والخبرة التكنولوجية في هذا المجال. ومن خلال تقديم العديد من الأمثلة التي تدعم هذا الطرح، يمثّل هذا الافتراض أحد العناصر القوية في الكتاب، ويمنحنا المؤلف لمحةً عامة عن الشركات النشطة في سلسلة القيمة للأنظمة الطاقية حاليًا في العالم. يقترح الفصل ما قبل الأخير، "الدولة والشركات والمجتمع المدني: أداء الجهات الفاعلة"، تحليلَ العلاقات بين الجهات الفاعلة الثلاث التي تعدّ راجحةً في وضع السياسات الطاقية: الشركات، والدولة، والمجتمع المدني. وتتمّ دراسة العلاقات بين هذه الأقطاب الثلاثة، وهي تتميّز بمحاولات التأثير المتبادل، وأحيانًا بالتعاون فيم بينها، من منظور تبادل المعلومات، أو تتصف - على العكس من ذلك - بالتكتمّ عليها وحجبها، في محاولة للاستفادة من "عدم تماثل المعلومات" Asymmetries.Information ويخصص الفصل الأخير من الكتاب، "المناخ: رهان القرن الحادي والعشرين؟"، لدراسة التنافس على السلطة في وضع سياسات مكافحة التغير المناخي، فضلً عن مراجعة نقدية للمنظمت الدولية التي تسهر على وضعها وتنفيذها. وتظل مساهمة المؤلف في هذا الموضوع محدودةً؛ بالنظر إلى أهمية الموضوع القصوى وفيض الأعمل التي نشُرت فيه طيلة العقود الثلاثة الماضية؛ أي منذ "قمة الأرض" التي عُقدت في ريو دي جانيرو حول المناخ في عام 1992، والتي شهدت ميلاد الوعي عالميًا بمخاطر التغير المناخي والاحتباس الحراري، لا سيم من خلال تسليط القمة الضوء على مشكلة استنفاد طبقة الأوزون. وفي الحصيلة، يمكن عَدّ كتاب نيكولا مازوتشي ملخصًا مفيدًا للقضايا الجيوسياسية الرئيسة لنظام الطاقة العالمي المتغير، ولتغيراتها المستقبلية. ومن المؤسف أنّ الصيغة الصغيرة لهذا الكتاب لا تسمح للمؤلف بتطوير مزيد من الإثباتات بأمثلة أكثر واقعية، خاصة على المستوى المحلي. ومن المؤسف، أيضًا، عدم اعتمد مازوتشي على جزء مهم من البيبليوغرافيا الواسعة المكرسة للطاقة في الجغرافيا الطاقية. إضافة
إلى ذلك، يتناول الكتاب الإشكالات الطاقية على المستويات الوطنية والدولية فحسب، ويترك جانبًا الديناميات المحلية. وأخيرًا، إذا كانت خرائط الكتاب ممتعةً من حيث القراءة، فمن المؤسف، كذلك، أنها تفتقر إلى الإشكالية، إضافةً إلى أنه تنقصها معلومات عن الطاقة النووية والطاقات المتجددة. وتظل إحدى أهمّ الخلاصات المتعلقة بهذا الكتاب متمثلة بأنّ الاقتصاد الجغرافي للطاقة لا يقتصر على الموارد، لأنها ليست سوى جزء من المشكلة. ففي الأساس، ثمّة نفط، وغاز، وفحم، ويورانيوم، في مناطق عديدة من كوكب الأرض، ولكنْ ثمّة القليل من الشركات والبلدان التي تتقن التقنيات الرئيسة لتخصيب اليورانيوم، وتكرير النفط، أو نقل الغاز الطبيعي وتسييله. فهناك الرهانات الجيوسياسية الطاقية المعروفة مثلً بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا، أو الرهانات المتعلقة بالمكانة المتزايدة للصين في المشهد الطاقي الدولي، أو بالنفط الصخري والغاز الصخري، أو بالاكتشافات الغازية الجديدة في حوض الشام1، أو بإيران واتفاق لوزان النووي، أو غيرها. ومن جهة أخرى هناك رهانات جيوسياسية أخرى مهمة. فعلى سبيل المثال، تقع كوريا الجنوبية في صميم رهانات الغاز العالمية - وقد أصبحت الصين تنافسها في ذلك – لأنها ببساطة في وضعٍ شبه احتكاري لأحدث جيلٍ من ناقلات الغاز الطبيعي المُسالCarriers LNG. وهي من بين الأمور "المحجوبة" المهمة التي يسلّط عليها الباحث الضوء في هذا الكتاب.