حروب الطاقة في القرن الحادي والعشرين
Energy Wars in the Twenty-First Century
الملخّص
عنوان الكتاب: حروب الطاقة الجديدة. تأليف: (Jean-Marie Chevalier & Patrice Geoffron (Sous la dir. العنوان الأصلي للكتاب: Les nouvelles guerres de l'énergie. اسم ومكان دار النشر: Paris: Eyrolles. تاريخ النشر: 2017.
Abstract
Energy Wars in the Twenty-First Century A review of The New Wars of Energy (Paris: Eyrolles, 2017)
- الطاقة الجديدة
- حروب الطاقة
- الانتقال الطاقي
- Energy Wars
- the Twenty-First Century
- The New Wars of Energy
مراجعة كتاب حروب الطاقة الجديدة Energy Wars in the Twenty-First Century
A review of The New Wars of Energy
يوحي عنوان الكتاب حروب الطاقة للوهلة الأولى، بأنه ينتمي إلى عصرٍ غابر، عصر القرن العشرين والصدمات النفطية التي وسمته، وعصر توظيف الطاقة بوصفها سلاحًا في قلب الصراعات الجيوسياسية. ويبدو الأمر مفارقًا في الوقت الذي بدأ يبرز فيه اتجاه لإظهار حسن النيات وعقد المؤتمرات حول الانتقال الطاقي المنخفض الكربون والحفاظ على البيئة وتطوير قطاعات الطاقة المتجددة والمتشابكة، لا سيم مع عقد مؤتمرات الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس في عام 2015 COP21 مع "اتفاق باريس للمناخ" الذي تمخض عنه، وفي مراكش في عام 2016 COP22، وفي بون في عام 2017 COP23. ففي الآن الذي تتعدد فيه الاتفاقيات الدولية والخطط الوطنية للانتقال الطاقي المنخفض الكربون في آفاق منظورة أو بعيدة، يتصلب السياق الجيوسياسي الدولي على نحوٍ متزايد، وتتزايد التوترات داخل الدول وفيم بينها، إذ إن سعر برميل النفط يشهد تقلبات حادة منذ عام 2014، ودونالد ترامب يُشهر تهديداته بالانسحاب من اتفاق باريس. تمثّل هذه المخططات الدولية الجديدة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي خلفية هذا الكتاب، وهي التي تقوم على منطق أنّ نواةً صلبة من الجهات الفاعلة المصممة (أوروبا والصين، في غياب الولايات المتحدة الأميركية منذ انتخاب ترامب) من شأنها أن تسارع في نشر الحلول "المنخفضة الكربون" عبر العالم خلال العقد المقبل. بيد أنّ المشهد الطاقي العالمي قد هيمن عليه في السنوات الأخيرة منطق المواجهة والفوضى، المرتبط بتخبّط أسواق النفط (على نحو أعم أسواق الوقود الأحفوري). ويأتي في هذا الإطار الانخفاض الحاد لسعر برميل النفط في عام 2014، ثم جهود منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا لإعادة توليد القدرة التنظيمية والسيطرة على السوق في عام 2016، أملً في أن يتم تحقيق ارتفاع ملموس ومستدام في أسعار النفط. وفقًا لمؤلفي كتاب حروب الطاقة الجديدة، ليس هذا المشهد العالمي للطاقة نتاج مجموعة من الظروف العابرة؛ فالعوامل الاقتصادية والجيوسياسية تفضي بنا إلى قناعة مفادها أننا قد دخلنا "نظامًا" جديدًا ستكون فيه جهود الانتقال الطاقي على المدى البعيد خاضعةً دائمًا ل "طغيان" الصدمات القصيرة المدى. ويبرز هذا الطغيان على المستوى الاقتصادي الجزئي Micro، من حيث عدم استقرار أسعار الطاقة (بما في ذلك أسعار الكهرباء)؛ ما يجعل خطط الاستثمر التي تمتد في الغالب عقودًا أكثر تعقيدًا، على المستوى الاقتصادي الكلي Macro؛ لأنّ صدمات أسعار المحروقات هي عوامل للأزمات من شأنها أن تؤثر بشدة في بعض البلدان المنتجة، بطريقة غير مباشرة، في المستهلكين. وقد زاد الأمر تعقيدًا في عام 2016، مع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، ما ألقى بظلال من الشك على الالتزام الأميركي في الحرب ضد ظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وعلى ﺳﻴﺎﺳﺘﻬﺎ في مجال الطاقة؛ وهو ما عمّق عدم اليقين الذي يلقي بثقله على النمو العالمي (ومن ثمّ على الطلب على الطاقة).
من جهةٍ أخرى، ترى الوكالة الدولية للطاقة أنه يلزم توجيه نحو 48 ألف مليار دولار من الاستثمرات بحلول عام 2050 نحو أنظمة طاقية على المدى البعيد؛ للحدّ من الاحتباس الحراري العالمي في حدود درجتين مئويتين وتطوير طاقات "نظيفة"، والحدّ من الاضطرابات المناخية1. ومن ثمّ، ينبغي للسياسات العامة والشركات العاملة في قطاعات الطاقة أن تفهم أنه سيكون من الضروري أن تفلح في الاستثمر بكثافة في ظلّ عدم اليقين وعدم الاستقرار الاقتصادي، مع عدم معرفتها المسبقة بالطلب على نحوٍ دقيق، وعلاوةً على ذلك من دون معرفة مؤكّدة بخصوص السعر النهائي الذي سيتم به بيع الطاقة المنتجة و/ أو المسلّمة. يأتي هذا الكتاب الجمعي الذي أشرف عليه الاقتصاديان جون ماري شوفالييه وباتريس جيوفرون، وأسهم فيه العديد من الخبراء والاقتصاديين الاختصاصيين في مجال الطاقة، ليقدم تحليلات ترسم الخطوط العريضة لهذا المشهد الطاقي العالمي التي هي قيد التشكّل، وللمعارك الطاقية التي يجب كسبها في السنوات المقبلة. يذكّر مؤلفو هذا الكتاب الجمعي بأنّ القرارات السياسية والإستراتيجية في قطاع الطاقة تجري دائمًا في سياق دائم من العنف وعدم اليقين، وهو ما يمثّل أحد التحديات الرئيسة المتعلقة باستدامته. ويستهل المساهمون في الجزء الأول من الكتاب "الطاقة والمناخ: الحرب والسلام؟" باستعراض الطريق الطويلة التي لا يزال مطلوبًا اتباعها؛ من أجل تحقيق توافق بيئي عالمي، على الرغم من التقدم الملحوظ الذي جرى تحقيقه في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس عام 2015، وعلى الرغم من الثورة "الثلاثية" الحالية في عالم الطاقة (الثورة التكنولوجية، والثورة الرقمية، والثورة الاجتمعية). كم يجري تقديم بعض الطرق والإستراتيجيات للدفع بالطاقات الجديدة من دون معارضتها بالضرورة بالطاقات التقليدية؛ أي سبل تجنّب "حرب الطاقات" فيم بينها. في حين يطرح الجزء الثاني، "مشهد التوترات الجديدة"، السؤالَ الاقتصادي للنمو العالمي الذي يواجه اضطرابات الطاقة التي تفقد العالم نحو نقطتين من النمو سنويًا. ويجري أيضًا وضع تصور للقدرة التنافسية البيئية بوصفها عاملً جيوسياسيًا جديدًا، خاصة في ظل الوضع الدولي الجديد الناجم عن انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية. ويركّز الجزء الثالث من الكتاب على نماذج الطاقة الجديدة بالنسبة إلى "الشركات في مرحلة الانتقال: بحثًا عن نماذج طاقية جديدة"، عبر نقاش التوترات المالية المرتبطة بمرحلة الانتقال الطاقي للشركات الذي لا يزال في مراحله المبكّرة، والذي يتطلب تغيرات جوهرية في البيئة التنظيمية والثقافية
والتكنولوجية. ثم تجري مناقشة شروط نجاح إرساء هذه القاعدة الثلاثية: "اللامركزية - نزع الكربون - الرقمنة" Decentralization-Decarbonization-Digitization. وأخيرًا، يناقش هذا الجزء التحديات الطاقية بالنسبة إلى الشركات ضمن النموذج الناشئ "للمدن الذكية". ويعود الجزء الرابع (الأخير) "ما وراء اضطرابات العقد الحالي"، إلى الشروط المسبقة من أجل "الفوز" ب "الحروب الجديدة للطاقة" من حيث ضريبة الكربون، وتعبئة السلطات المحلية والمواطنين، من دون نسيان ربط ذلك بمستويات دولية تتعلق على وجه الخصوص بالدور المركزي للصين في نجاح الانتقال الطاقي المنخفض الكربون على الصعيد العالمي في المستقبل. في الحصيلة، يُستفاد من الكتاب أنّ النظام الطاقي العالمي دخل حقبةً جديدة. بيد أنه لا يزال يواجه فوضى أسعار النفط منذ عام 2014، وفوضى انتخاب دونالد ترامب، وغيرها من التحديات، وهو ما يُظهر أنّ الطريق التي ينبغي اتباعها للفوز ب "حروب الطاقة" لا تزال طويلةً جدًا ومحفوفة بالاضطرابات والمخاطر. وفي هذا السياق المتوتر، تظلّ مجموعة من التوترات القوية قائمةً، من شأنها أن تفضيَ إلى انحرافات ومواجهات جديدة يمكنها أن تأخذ شكل حروب طاقية حقيقية؛ لذا يركز المؤلفون، من خلال تحليلاتهم المتقاطعة، على تقديم مقترحات من شأنها أن تحدد معالم العالم الطاقي الجديد، وتجنّب العالم ويلات هذه المآلات التصادمية. يبقى أنّ التطورات الجيوسياسية، لا سيم مع الصين التي تسعى لتولّ الريادة العالمية في بعض التكنولوجيات المخفضة الكربون، وجعْل القطاعات المتجددة محور إعادة تعريف نموذجها الإنتاجي، مع ميل النموذج الأميركي نحو التراجع عن بعض أنواع الوقود الأحفوري، تمثّل تهديدات جمّة للتوازنات العالمية القائمة. وقد يجد المتفائلون في هذه المواجهة فرصةً لاستعادة تأثير ملموس لأوروبا وتحقيق نوعٍ من التوازن الجيوسياسي العالمي من جديد. ومع ذلك، فإنّ التاريخ الطاقي قد كُتب على ظهر مخاوف القرن الماضي؛ فبدلً من التعامل مع ندرة الوقود الأحفوري خلال القرن العشرين، أصبح التحدي هو مواجهة فيضه خلال القرن الحادي والعشرين. وينبغي تقريب هذا التحول في النموذج الطاقي من اعتبارين آخرين؛ أحدهم أنّ أكثر الدول دينامية (الصين والهند) يخلق الثروة، وفقًا للمنطق الطاقي نفسه السائد في البلدان الناشئة في القرن التاسع عشر عبر استخدام الفحم بكثافة، أما الآخر فهو متمثل بأن 70 في المئة من الاستثمرات المتخذة للحد من التغير المناخي لا تزال تأتي من القطاع الخاص. وهكذا، فإنه يتعيّ على السلطات العامة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن تضع الإطار اللازم لضمن أن تصبّ مبادرات جميع الفاعلين في مجال الانتقال الطاقي في بوتقة واحدة وتحقّق نجاحًا حقيقيًا. وهذه هي المعارك التي يجب كسبها في السنوات المقبلة.