العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التعداد السكاني في القدس بوصفه أداةً للسيطرة والتشظية الاستعمارية

التعداد السكاني في القدس بوصفه أداةً للسيطرة والتشظية الاستعمارية

Jerusalem Population Statistics as a Tool for Control and Colonial Fragmentation

أشرف بدر

الملخّص

ملخص:  تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التعداد السكاني في الجزء المستعمر من القدس في عام 1967؛ سواء التحليل الذي أجراه الجهاز البيروقراطي الإسرائيلي في عام 1967، أم التعدادات السكانية التي قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الأعوام 1997 و 2007 و 2017. وبُنيت هذه الدراسة استنادًا إلى ميشيل فوكو الذي افترض أنّ التعداد السكاني يُعدّ أداةً للتحكّم والضبط والسيطرة. وتسعى الدراسة أيضًا للإجابة عن سؤال مركزي مركّب، يتعلق بكيفية مساهمة التعداد السكاني في ترسيخ التقسيمت الاستعمرية (وذلك بالرجوع إلى بندكت أندرسون)، وتمثيل السلطة الحاكمة. ويتفرّع من هذا السؤال أسئلة عدة، أبرزها سؤال العلاقة ما بين التعداد السكاني والصراع الديموغرافي في القدس. وتجادل الدراسة أنّ التعداد السكاني في القدس يُعتبَ أداةً مهمةً لبسط السلطات الاستعمرية سيطرتها، إضافة إلى استخدامه أداةً للتشظية وترسيخ التقسيمت الاستعمرية، وتوظيفه في النزاع الديموغرافي القائم في فلسطين والقدس بشكل خاص. كلمت مفتاحية:  القدس، التعداد السكاني، البيروقراطية الاستعمرية، التشظية الاستعمرية، الخصوبة، النزاع الديموغرافي. Abstract:  This study analyses population statistics in the colonized part of Jerusalem in 1967, whether the analysis conducted by the bureaucratic settlement apparatus in 1967 or the population statistics collected by the Central Palestinian Statistics Agency in 1997, 2007 and 2017. It is based on Foucault's suggestion that population statistics are a tool of control. It tries to answer a complex central question on how population statistics contribute to colonial divisions (following Benedict Anderson) and representation of the governing power. This question produces several others, most importantly the connection of population statistics and demographic conflict in Jerusalem. The study argues that population statistics in Jerusalem are an important tool for extending the control of the settler authority, to fragment and consolidate colonial divisions, particularly within the demographic conflict in Jerusalem.

Abstract

This study analyses population statistics in the colonized part of Jerusalem in 1967, whether the analysis conducted by the bureaucratic settlement apparatus in 1967 or the population statistics collected by the Central Palestinian Statistics Agency in 1997, 2007 and 2017. It is based on Foucault's suggestion that population statistics are a tool of control. It tries to answer a complex central question on how population statistics contribute to colonial divisions (following Benedict Anderson) and representation of the governing power. This question produces several others, most importantly the connection of population statistics and demographic conflict in Jerusalem. The study argues that population statistics in Jerusalem are an important tool for extending the control of the settler authority, to fragment and consolidate colonial divisions, particularly within the demographic conflict in Jerusalem.

أداةً للتحكّم والضبط والسيطرة. وتسعى الدراسة أيضًا للإجابة عن سؤال مركزي مركّب، يتعلق بكيفية مساهمة التعداد السكاني في ترسيخ التقسيمت الاستعمرية (وذلك بالرجوع إلى بندكت أندرسون)، وتمثيل السلطة الحاكمة. ويتفرّع من هذا السؤال أسئلة عدة، أبرزها سؤال

العلاقة ما بين التعداد السكاني والصراع الديموغرافي في القدس. وتجادل الدراسة أنّ التعداد

السكاني في القدس يُعتبَ أداةً مهمةً لبسط السلطات الاستعمرية سيطرتها، إضافة إلى

استخدامه أداةً للتشظية وترسيخ التقسيمت الاستعمرية، وتوظيفه في النزاع الديموغرافي القائم في فلسطين والقدس بشكل خاص. كلمت مفتاحية:  القدس، التعداد السكاني، البيروقراطية الاستعمرية، التشظية الاستعمرية، الخصوبة، النزاع الديموغرافي. Abstract:  This study analyses population statistics in the colonized part of Jerusalem in 1967, whether the analysis conducted by the bureaucratic settlement apparatus in 1967 or the population statistics collected by the Central Palestinian Statistics Agency in 1997, 2007 and 2017. It is based on Foucault's suggestion that population statistics are a tool of control. It tries to answer a complex central question on how population statistics contribute to colonial divisions (following Benedict Anderson) and representation of the governing power. This question produces several others, most importantly the connection of population statistics and demographic conflict in Jerusalem. The study argues that population statistics in Jerusalem are an important tool for extending the control of the settler authority, to fragment and consolidate colonial divisions, particularly within the demographic conflict in Jerusalem.

باحث فلسطيني متخصص في الاستعمر الاستيطاني. Palestinian researcher specializing in settler colonialism.

مدخل

ارتبط إجراء التعداد السكاني منذ القِدَم بمحاولات الإمبراطوريات والدول فرْض سيطرتها وسيادتها على الأرض وجباية الضرائب، إضافة إلى ضبط الأفراد. وتمتد ظاهرة التعداد السكاني إلى ما قبل نشوء الإمبراطورية الرومانية، حيث أجري في بابل القديمة وفلسطين وبلاد فارس والصين ومصر، وكان الرومان يحصون الأفراد وممتلكاتهم كل خمسة أعوام، بهدف تحديد التزاماتهم المالية، وبشكل خاص من يجب إخضاعه للضريبة أو تجنيده. وبما أنّ كلا الأمرين (الضريبة والتجنيد) يتعارض مع مصالح الأفراد، على نحو يقود إلى عدم تقديمهم معلومات دقيقة، فإنّ تلك التعدادات كانت تفتقر إلى الدقة. من ناحية أخرى، لم تسعَ تلك التعدادات إلى إحصاء جميع الأفراد، أو حتى عيّنة ممثلة لهم، إنما انحصرت في عدّ رؤوس الأسر أو الذكور في سن التجنيد. لكن، مع بداية القرن السابع عشر (مع ظهور الدولة القومية الحديثة، بالتزامن مع ظاهرة الاستعمر)، طرأ تطورٌ على التعداد السكاني من ناحية أسلوب التعداد والهدف منه؛ فسابقًا، كان يُجرى التعداد بهدف الضبط والسيطرة على عدد محدود من الأفراد، بينم في عصر ما بعد الدولة القومية، أصبح الهدف هو ممرسة الضبط والسيطرة على مجمل السكان. في ما يخصّ التعداد السكاني لفلسطينيي القدس، هناك شحٌ في الدراسات التي تعرض الموضوع، مع توافر بعض الدراسات التي تتناول موضوع الإحصاء السكاني في فلسطين بشكل عام، وفي مقدمها دراسة إيليا زريق الصادرة في عام 2001 التي يتطرق فيها إلى كيفية تشكيل فلسطين عبر الممرسات الرقابية، وعلى رأسها إحصاء السكان والرصد المكاني، حيث يمكن اعتبار التعداد السكاني وسيلةً أساسيةً للسياسات الحيوية (البيوبوليتك) Bio-politique. أما عنات ليبلير فتنطلق في دراستها الصادرة في عام 2011 من الإطار النظري نفسه الذي استخدمه زريق، في محاولة منها لدراسة ممرسات محددة، مثل الإحصاء السكاني، لتكوين دولة إسرائيل وبنائها، على اعتبار أنّ الإحصاء السكاني من الممرسات التي يتقاطع فيها "العلم" مع السلطة السياسية. وفي المقابل، يَرى عبّاد يحيى في دراسته الصادرة في عام 2014 أنّ الإحصاء الفلسطيني حذا حذو مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي في العمل على تشظية "المجتمع الفلسطيني"، وذلك عبر الاقتصار على إحصاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث لم يرد مبرّرٌ علمي أو معرفي لعدم تعامل الإحصاء الفلسطيني مع الفلسطينيين (في فلسطين الانتدابية

Census, Encyclopaedia Britannica, 2019, at: https://bit.ly/2CjVuq6 Elia Zureik, "Constructing Palestine through Surveillance Practices," British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 28, no. 2 (November 2001), pp. 205-227. Anat E. Leibler, "You Must Know Your Stock: Census as Surveillance Practice in 1948 and 1967," in: Elia Zureik, David Lyon & Yasmeen Abu-Laban, Surveillance and Control in Israel/Palestine (New York: Routledge, 2011), pp. 239-256.

والشتات) باعتباره وحدة تحليلية واحدة. بينم يعتبر جان باس في دراسته الصادرة في عام 2015 أن الإحصاء الفلسطيني لم يأتِ من خلال عملية تطور تاريخي، إنما جاء تأسيسه من الصفر، ومن ثمّ يُكن أن نلحظ درجةً عاليةً من التكامل العالمي للإحصاء الفلسطيني، ومساهمته في بناء الدولة المرتقبة. أمّا عز الدين التميمي، فيجادل في دراسته الصادرة في عام 2017، أنّ اهتمم الاستعمر بالديموغرافيا تولّد من سعيه لصنع طائفة المستعمَرة، وهويتها وهذا ينطبق على الحالة الاستعمرية الصهيونية التي تستخدم التعداد السكاني أداةً لتحقيق هذه الغاية. تفتقر الدراسات السابقة إلى معالجة التعداد السكاني في القدس وتحليله؛ وإن تطرّقت له، بشكل عابر. ففي دراسة زريق، يُركَّز على التعداد السكاني الإسرائيلي الذي أجري في عام 1948، إضافة إلى التعداد السكاني الفلسطيني في عام 1997. في حين صبّت ليبلير اهتممها على الإحصاء الإسرائيلي من دون أن تتطرق إلى الإحصاء الفلسطيني، مع التركيز على تأثيرات تعداد عام 1948 ومفاعيله، والعلاقة بين بناء جهاز الإحصاء الإسرائيلي وبناء التوجّهات الديموغرافية لدولة إسرائيل. أمّا يحيى، فاستند في مجادلته إلى تتبع ملابسات تأسيس الإحصاء الفلسطيني، وتبنّيه التصنيفات الاستعمرية التي وضعها الإحصاء الإسرائيلي، ومن بعده مؤسسة "فافو" Fafo النرويجية التي تولّ كبير باحثيها (حسن أبو لبدة) مهمة تأسيس الإحصاء الفلسطيني وإدارته حتى عام 2005. لكن يحيى لم يُسنِد مجادلته بأيّ دلائل أو شواهد من منشورات الإحصاء الفلسطيني؛ فلا يظهر في دراسته تتبع لتفصيلات المطبوعات الصادرة عن الإحصاء الفلسطيني، أو حتى إجراء مقابلات مع العاملين فيه، وذلك لإثبات مجادلته، إنما استند إلى تأطير نظري وبعض الدراسات المنشورة المبنية على الافتراض بأنّ الإحصاء الفلسطيني أداة من أدوات الاستعمر. بينم اقتصر باس في دراسته على البحث في الإحصاء الفلسطيني من دون التطرّق إلى الإحصاء الإسرائيلي. وفي ما يتعلق بدراسة التميمي، فتدور حول تعدادَي عامي 1948 و 2008 اللذين أجريا بوساطة الإحصاء الإسرائيلي، ودورهم في صنع المواطنة. بناءً على ما سبق، وفي ضوء قلّة الدراسات المتعلقة بالتعداد السكاني في القدس، تسعى هذه الدراسة لسدّ ثغرةٍ معرفية من خلال دراسة التعداد السكاني في الجزء المستعمر من القدس في عام 1967

عبّاد يحيى، "الإحصاء والبحث الاجتماعي في الأرض المحتلة 1967: الأثر الاستعماري وتشظية المجتمع الفلسطيني"، عمران، مج 2، العدد 7 (شتاء 2014)، ص.80-63 Jan Busse, "The Biopolitics of Statistics and Census in Palestine," International Political Sociology, vol. 9, no. 1 (2015), pp. 70-89. عز الدين التميمي، "التعداد الإسرائيلي وصناعة المواطنة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 28، العدد 111 (صيف 2017)، ص.68 في ما انتهى إليه البحث، وبوساطة الاستعانة بقاعدة البيانات المتوافرة في مكتبة جامعة بيرزيت، ومحرك البحث غوغل، إضافة إلى البحث في قاعدة البيانات الأكاديمية Jstor، وباستخدام كلمتي البحث: "الإحصاء الفلسطيني" وStatistics.Palestinian

وتحليله، سواء بوساطة الإحصاء الإسرائيلي أم الإحصاء الفلسطيني؛ وذلك بمنظور نقدي تحليلي، اعتمدًا على مصادر أوّلية من وثائق إسرائيلية باللغة العبرية كُشف عنها أول مرة في عام 2017، في الذكرى الخمسين لحرب 1967، تضمّ تفصيلات جلسات لجنة المدراء، وتقريرًا للمكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي بشأن تعداد عام 1967 في القدس. إضافة إلى ذلك، ستسعى الدراسة لإجراء مسح للمنشورات الصادرة عن الإحصاء الفلسطيني والمتعلقة بالقدس، مع إجراء مقابلات شخصية مع مؤسس الإحصاء الفلسطيني ورئيسه السابق حسن أبو لبدة، إضافة إلى إجراء مقابلات مع عدد من موظفيه.

أولً: التعداد: تمثيل للسلطة أم ممرسة لدورها؟

يُعدّ التعداد السكاني وسيلةً لتمثيل سلطة الدولة، وأداةً لممرسة دورها. فبحسب بيار بورديو "الدولة تبدأ مع إحصاء النفوس"، وذلك حتى يتعرّف الحاكم إلى المحكومين. لذلك من المنطقي أن يكون أول عمل تضطلع به البيروقراطية الاستعمرية هو السعي لإجراء تعداد للسكان الواقعين تحت سيطرتها. فعقب انتهاء حرب 1967 واستيلاء إسرائيل على ما بقي من فلسطين الانتدابية، تشكلت لجنة المدراء بهدف الإشراف على وضع سياسات إدارة المناطق الجديدة التي استولت عليها إسرائيل، وكان أول قرار اتخذته اللجنة في جلستها التمهيدية (رقم صفر)، في 15 حزيران/ يونيو 1967، هو إعطاء تعليمت للمكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي للاستعداد ببدء إجراء تعداد سكاني في المناطق التي جرى الاستيلاء عليها. وفي الجلسة الثامنة للجنة، أعطت تعليمتها للإحصاء الإسرائيلي بالعمل للحصول على معلومات إحصائية في الجوانب التالية: 1) خدمات الاستيراد والتصدير؛ 2) السكان؛ 3) التوظيف (العمل)؛ 4) الأسعار؛ 5) المحاصيل الزراعية والمناطق المزروعة؛ 6) البيانات المصرفية والنقدية. وبالفعل، بُدئ في تسجيل الفلسطينيين في القسم الشرقي من مدينة القدس في وزارة الداخلية الإسرائيلية، في 26 حزيران/ يونيو 1967، أمّا التعداد السكاني فأجري في 27 أيلول/ سبتمبر 1967 بالتعاون مع بلدية القدس، التي ترأسها وقتئذ الصهيوني تيدي كوليك.

أجرت السلطات الإسرائيلية تعدادًا وحيدًا في القدس في عام 1967، ومن بعده راحت تحدّث البيانات من خلال السجلات الإدارية. بيار بورديو، عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992)، ترجمة نصير مروّة (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.29 لجنة تشرف على وضع السياسات لمناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، إضافة إلى الجولان، وتضم وكلاء ومديري الوزارات الإسرائيلية كلها، إضافة إلى القيادة العسكرية للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، ويحضر اجتماعاتها مندوب عن بنك إسرائيل والمكتب المركزي للإحصاء. أرشيف دولة إسرائيل، وزارة الدفاع- لجنة المديرين، الجلسة التمهيدية رقم (0)، 1967/6/15، ص 2. (بالعبرية) 12 المرجع نفسه، الجلسة الثامنة، 1967/6/29، ص.42 أرشيف دولة إسرائيل، تعداد السكان والأبنية، ملف: ج ل- 4 / 3550، ص 3. (بالعبرية)

في المقابل، أ نشئ مركز الإحصاء الفلسطيني في القدس بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات؛ بصفته رئيس دولة فلسطين/ رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووقّعه في تونس، في 10 كانون الثاني/ يناير 1994، أي قبل تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية على أرض الواقع بأربعة شهور، حيث دخلت أولى طلائع القوات الفلسطينية إلى غزة في 10 أيار/ مايو 1994. وأُضيف إلى القرار، بخط يد عرفات، "وله فرعًا [فرعٌ] في غزة وبقية الضفة"، حيث كان الدارج في القرارات كلها القاضية بإنشاء أي من المؤسسات التابعة لمنظمة التحرير، الإشارة إلى عبارة "في القدس". وجاء إنشاء الإحصاء الفلسطيني، وبحسب حسن أبو لبدة، في سياق العمل على توفير رقم فلسطيني كي تستخدمه الكينونة الفلسطينية المُزمع إنشاؤها، كتتويج للعملية التفاوضية بين المنظمة وإسرائيل. يجادل ميشال فوكو في معرض مفهمته للسياسات الحيوية بأنّ موضوع الدولة الحديثة تحوّل من "دولة الأرض" إلى "دولة السكان"؛ إذ تتمحور السلطة الحيوية حول وضع قواعد لسلوك أفراد المجتمع. ويحاجّ فوكو بأنّ السياسة الحيوية التي تهتم بإدارة السكان بُنيت على العقلانية السياسية الأوروبية، التي سعت بدورها للتركيز على الجسد من حيث التكاثر والولادات والوفيات والمستوى الصحي ومعدّل العمر والتعمير، ومن ثمّ الاهتمم بالشروط التي يمكن أن تُغيّ هذه الظواهر، من خلال مجموعة كبرى من التدخلات والمراقبات الضابطة. و"كجزء أساسي من نمو السلطة، يتكوّن جهاز وثائقي كبير جدًا يهتم بالتفصيلات الدقيقة. وعبر هذه المراكمة الفردية بانتظام كامل، يُصبح من الممكن قياس عموم الظواهر وتوصيف الجمعات وترسيم الوقائع الجمعية وحساب الفراغات بين الأفراد وتوزيع ذلك كله على سكان معيّنين". تؤكد عناية زيدان (وكيل مساعد رئيس الإحصاء الفلسطيني للبرامج الإحصائية) أنّ الإحصاء الفلسطيني واجه مضايقات الاحتلال منذ نشأته، خصوصًا في مدينة القدس التي كان مكتب الإحصاء فيها يعمل تحت لافتة مموّهة باعتباره مركزَ أبحاث. وفي نهاية عام 1994، اضطر الإحصاء الفلسطيني

وثيقة من أرشيف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، صادرة عن دولة فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، مكتب الرئيس، رقم "يوم من الذاكرة، العاشر من أيار/ مايو"، وكالة "وفا "، 2006/5/9، شوهد في 2019/9/5، في: https://bit.ly/2T6IMAr حاولنا معرفة سبب إضافة هذه العبارة بخط اليد في أثناء إجراء المقابلات مع الأشخاص الذين عايشوا تأسيس الجهاز، ولم نعثر على تفسير. مقابلة شخصية مع حسن أبو لبدة، رام الله، في.2018/11/18 Michel Foucault, Security, Territory, Population: Lectures at the Collège de France, 1977-1978, Michel Senellart (ed.), Graham Bruchell (Trans.) (New York: Palgrave Macmillan, 2007), p. 129. ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي بغورة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2003)، ص 236. Hubert L. Dreyfus & Paul Rabinow, Michel Foucault, Beyond Structuralism and Hermeneutics, with an afterword by Michel Foucault (Chicago, IL.: University of Chicago Press, 1982), p. 59. مقابلة شخصية مع عناية زيدان، وكيل مساعد رئيس الإحصاء الفلسطيني للبرامج الإحصائية، في مقر جهاز الإحصاء الفلسطيني، رام الله، في.2018/11/14

إلى مغادرة مكتبه في القدس والانتقال إلى رام الله. وفي هذا الشأن، تفيد وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" أنّ دائرة الإحصاء الفلسطيني أُغلقت على يد الاحتلال في 10 تموز/ يوليو 1995. واللافت في الموضوع أنّ أبو لبدة (رئيس الجهاز) نفى بشكل قاطع إغلاق الاحتلال مكتب الإحصاء في القدس في عام 1995، ويؤكد أنّ الإسرائيليين حاولوا في مرحلة ما إغلاق المكتب في القدس (الشيخ جراح)، لكنه حصل على أمر احترازي بعدم الإغلاق وكُسبت القضية في المحكمة الإسرائيلية بوساطة المحامي محمد داود، لكن بُدّل في ما بعد موقع المكتب، والسبب هو "أننا كنا ندفع أجرة المكتب 6000 دولار، لكن صاحب البيت طلب 25000 دولار، دون سابق إنذار، فانتقلنا إلى مكان آخر (في القدس) من دون وضع يافطة عليه". وبقي العمل في القدس قائمًا إلى أن أجري التعداد السكاني الأول فيُ 10 كانون الأول/ ديسمبر 1997، فأصدر الكنيست الإسرائيلي في اليوم نفسه وبالقراءات الثلاث، قانونًا يُجرّم عمل الإحصاء الفلسطيني في القدس، ومن يومها أصبح العمل في القدس يجري بشكل غير مكشوف. وبالرجوع إلى أرشيف صحيفة القدسلا نجد أي خبر يتعلق بإغلاق الاحتلال مكتب الإحصاء في القدس في تموز/ يوليو 1995؛ كم أوردت وكالة "وفا"، لكننا نجد في أرشيف الصحيفة، في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1997 خبرَ إصدار الكنيست القانون الذي يمنع السلطة الفلسطينية من إجراء التعداد السكاني في القدس العربية. والأرجح، استنادًا إلى أبو لبدة وصحيفة القدس، لم يكن هناك أي قانون أو تعليمت إسرائيلية تمنع عمل الإحصاء الفلسطيني قبل تعداد عام 1997، وإلا فم الحاجة إلى أن يُصدر الكنيست مثل هذا القانون، إذا كان عمل الجهاز أصلً ممنوعًا. وبعد إصدار هذا القانون، بدأ منع موظفي الإحصاء وملاحقتهم، حتى وصل الأمر، كم تشير حليمة سعيد (مديرة العلاقات العامة في الإحصاء الفلسطيني)، إلى إغلاق المكتب في عام 2017 في منطقة الرام (التي تقع خارج نفوذ بلدية القدس بإدارتها الإسرائيلية)، على الرغم من أن الموظفين تابعون لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. انعكست العوائق التي تضعها السلطات الإسرائيلية في القدس أمام الإحصاء الفلسطيني، سلبيًا، على دقّة بياناته المتعلقة بسكان القدس الفلسطينيين. وتُصنّف العوائق التي يضعها الإسرائيليون أمام عمل الإحصاء الفلسطيني إلى شكل مباشر وغير مباشر؛ إذ يتمثل الشكل المباشر بمنع العمل في القدس، وفي الحواجز العسكرية التي تعوّق العمل، وبعدم منح التصاريح لموظفي الإحصاء للدخول إلى المناطق المحاطة بالجدار، بل وصل الأمر إلى اعتقال الشرطة الإسرائيلية في مدينة القدس، في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، مجموعة من الفلسطينيين، بتهمة أنهم يعملون لمصلحة الإحصاء الفلسطيني، وذلك بذريعة

"مؤسسات فلسطينية أغلقها الاحتلال الإسرائيلي في القدس منذ عام 1967 "، وكالة "وفا"، شوهد في 2019/9/5، في: https://bit.ly/2EZoVy7 "الكنيست تُصادق على مشروع قانون ضد التعداد الفلسطيني في القدس"، صحيفة القدس،.1997/12/11 مقابلة مع حليمة سعيد، المدير العام للعلاقات الدولية في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، رام الله،.2017/11/13

مخالفتهم القانون عبر قيامهم بإجراء تعداد سكاني للفلسطينيين في المنطقة المحتلة من القدس في عام 1967. أمّا الشكل غير المباشر من العوائق، فيتمثل بالتهديدات المستمرة التي يتعرّض لها حمَلة الهوية الزرقاء من القدس على يد السلطات الإسرائيلية، بسحب هوياتهم ومنع إقامتهم في القدس؛ ما قاد إلى انعدام التعاون مع أعمل الإحصاء الفلسطيني. وهذا ما تشير إليه حليمة سعيد في ما يتعلق بتعداد عام 2017، الذي برز فيه رفض نسبة مرتفعة من الفلسطينيين التعاون مع الإحصاء في منطقة العيزرية وكفر عقب (إلى درجة عدم فتح باب البيت لاستقبال مندوب الإحصاء)، خوفًا من تصنيفهم كفلسطينيين تابعين للسلطة الفلسطينية، ومن ثمّ تسحب هوياتهم. وهذا يُفسّ التفاوت في نتائج التعداد السكاني في عام 2017، بين ما أعلنه الإحصاء الفلسطيني (281163 نسمة)، والإحصاء الإسرائيلي 332600(نسمة)؛ وذلك في ما يتعلق بعدد السكان الفلسطينيين في القسم المستعمر من القدس في عام 1967، والتابع إداريًا إلى بلدية القدس بقيادتها الصهيونية، أو كم يُصنّف فلسطينيًا بالمنطقة ج 1، J1. وبحسب حليمة سعيد أيضًا، يمتنع كثيرون من فلسطينيي القدس من التعاون مع الإحصاء الفلسطيني، خشية أن يُسَجلوا فلسطينيين تابعين إداريًا إلى السلطة الفلسطينية، فتُسحَب منهم "الهوية الزرقاء" التي تمنحهم حق الإقامة في القدس. وهذا له علاقة مباشرة بأسلوب التعداد؛ إذ يعتمد الإحصاء الفلسطيني في بياناته على أسلوب العدّ الفعلي للسكان، بينم، في المقابل، نجد الإحصاء الإسرائيلي يعتمد على السجلات الإدارية (المواليد، والوفيات). وفي هذه الحالة، تكون نتائجه أكثر دقة من الإحصاء الفلسطيني. وإضافة إلى عدم تعاون الفلسطينيين في القدس مع الإحصاء الفلسطيني، ووجود علاقة مباشرة بين التفاوت في الإحصاءات، وأسلوب إجراء التعداد، يرتبط التعداد الإسرائيلي بتسجيل الأطفال المواليد في المستشفيات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية (وكذلك التبليغ عن الوفيات، من دون إشعار وزارة الصحة الفلسطينية)، حتى يضمنوا حصولهم على شهادة ميلاد إسرائيلية تؤهّلهم الحصول على هوية زرقاء. يبُرز لنا ما سبق السؤال الآتي: لماذا يصُرّ الإسرائيليون على منع الفلسطينيين من ممرسة أيّ عمل إحصائي فلسطيني في القدس؟ وللإجابة عن ذلك، يمكن الاستعانة بالمنهج الأنثروبولوجي الذي يركز في دراسة الدولة على جانبين أساسين من التحليل: أولهم الممرسات اليومية، وثانيهم تمثيلات الدولة؛ إذ توفّر الإجراءات البيروقراطية البسيطة دلائل مهمة لفهم السياسات المايكروسياسية لعمل الدولة، وكيف تعمل سلطة الدولة والحكومة في حياة الناس اليومية، وكيف يتصوّر السكان

Ibrahim Husseini, "Israel arrests Palestinians over population count," Aljazeera net, 23/11/2017, accessed on 5/9/2019, at: https://bit.ly/2HxIDE6 الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كتاب القدس الإحصائي السنوي 2018 رقم 20" " (رام الله: 2018)، ص.27 دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، "إعلان صحافي لمناسبة يوم القدس "2017-2015، 2018/5/9. (بالعبرية) Aradhana Sharma & Akhil Gupta (eds.), The anthropology of the State (Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2006), p. 5.

الدولة ويعيدون تصوّرها. وتساعد التقنيات التمثيلية، مثل الرسوم البيانية التنظيمية والأختام الرسمية والصور الفوتوغرافية لقادة الدولة، في تقوية المستويات المختلفة من البيروقراطية في شكل واضح ومتمسك، وتُحدّد علاقة موظفي الدولة بهذا النظام الأوسع من خلال تقَنُّع الدولة بقشرة من الاتّساق والمنهجية والسيطرة المركزية، وبهذا تتغلّب على الفوضى والتناقضات والتوترات داخل الدولة، كم تؤدي التمثيلات الإحصائية دورًا حاسمً في ترسيخ الحدود والسلطة الرأسية للدولة وفي تشكيل المقاومة للدولة. وعلى الرغم من تمييزنا بين الممرسات البيروقراطية اليومية والتمثيل الإحصائي، فإنهم في الواقع مترابطان بشكل متبادل. أما تحوّل السياسة الإسرائيلية تجاه الإحصاء الفلسطيني في القدس من غض النظر عن وجود مكتب لهم، إلى إصدار قانون يمنع عملهم، فناجم عن رفض الساسة الإسرائيليين القطعي أي ممرسة "دولاتية" للسلطة الفلسطينية في القدس. فعندما اقتصر دور مكتب الإحصاء على تمثيل السلطة الفلسطينية في القدس، لم يدفعها ذلك إلى استصدار قانون بإغلاقه وحظره؛ إذ هي، كمثلها من السلطات الاستعمرية، لا تعتبر مسألة التمثيل (أو المظاهر) قضية مصيرية إذا ضمنت حصرية ممرستها (العملية) لدور الدولة. وبما أنّ إجراء التعداد السكاني في القدس يعني ممرسةً لدور الدولة، كان قرار الكنيست بمنع عمل الإحصاء الفلسطيني في القدس. وهذا يتشابه (مع الفارق) مع ما أورده روجر أوين، في معرض تأريخه للبيروقراطية الاستعمرية البريطانية في مصر أيام اللورد كرومر، وكيف حُسم صراع السلطة الفعلية بين كرومر والخديوي عباس حلمي الثاني لمصلحة الأول، لكن على الرغم من ذلك، فإن في القاهرة كان قصران يمثلان السلطة السياسية في مصر، لا يبعد بعضهم عن بعض مئات الأمتار؛ قصر الدوبارة الذي يسكنه كرومر، وقصر عابدين الذي يسكنه الخديوي (المجرد من الحول والقوة) الذي لم يُحرم من بعض "تمثيلات" السلطة، مثل إقامة الحفلات للسياسيين والدبلوماسيين وتوزيع الأوسمة والنياشين، وحتى القيام ببعض الجولات بالعربة في داخل مصر، مع بقاء السلطة الفعلية والممرسات العملية "الدولاتية" بيد كرومر.

29 Ibid., p. 10. 30 Ibid., p. 19. ربما يكون السبب في ذلك حداثة توقيع الاتفاقات وحرص المستوى السياسي الإسرائيلي على البدء بتطبيق اتفاق أوسلو. وفي هذا الصدد، يشير أبو لبدة، بصفته عضوًا في الوفد الفلسطيني المفاوض، بأنه لا يوجد في الاتفاقات الموقعة ما ينص على منع إقامة أي مؤسسات للسلطة في القدس. وهذا ما دفعه إلى جعل المكتب الرئيس للإحصاء في القدس. Roger Owen, Lord Cromer: Victorian Imperialist, Edwardian Proconsul (Oxford/ New York: Oxford University Press, 2005), p. 277.

ثانيًا: التعداد والتشظية الاستعمرية

استخدمت السلطة الاستعمرية الإسرائيلية (منذ نشأتها) الإحصاء والتعداد السكاني أداةً للتشظية الاستعمرية. فبعد أربعة أيام فقط من انتهاء حرب عام 1967، أي في 15 حزيران/ يونيو 1967، سعت لفصل القدس عن المناطق المستعمرة حديثًا، وذلك من خلال العمل على إجراء تعداد لسكان القدس بمعزل عن باقي المناطق المستعمرة. وهذا ما أعلنه مدير وزارة الداخلية في الجلسة الأولى للجنة المديرين بعزم وزارته على التمهيد لتنفيذ هذا القرار من خلال البدء بتسجيل السكان في 19 حزيران/ يونيو 1967. وهكذا قُسّمت هذه المناطق مُبكّرًا، من حيث التعداد أربعة أقسام: القدس، والضفة الغربية، والجولان، وقطاع غزة وسيناء. وكم أسلفنا، بُدِئ بتسجيل الفلسطينيين في القسم الشرقي من مدينة القدس في وزارة الداخلية الإسرائيلية في 26 حزيران/ يونيو 1967، أمّا التعداد السكاني فأُجري في 27 أيلول/ سبتمبر 1967، وذلك بالتعاون مع بلدية القدس، حيث جرى التعامل مع القدس بشكل منفرد واستثنائي حتى قبل صدور أي قرار من المستوى السياسي الإسرائيلي بالضم الإداري لها، الذي تجسّد في ما بعد في الجلسة السادسة للجنة المديرين، في 26 حزيران/ يونيو 1967، باتخاذ قرار بتفعيل لوائح بلدية القدس وقوانينها على القسم الشرقي من المدينة. ليتم في اليوم التالي "تقنين" الضم الإداري للقسم الشرقي لبلدية القدس من خلال قرار الكنيست الإسرائيلي، الذي نصّ على ضم القدس الشرقية إداريًا إلى بلدية القدس، وذلك تمهيدًا لضمها لاحقًا بشكلٍ فعلي، كم أعلن في عام 1980 بموجب قانون "القدس عاصمة إسرائيل". وهكذا نلاحظ كيف بُنيت السياسة الاستعمرية الإسرائيلية على فرض وقائع إدارية على الأرض، ومن ثمّ العمل على تقنينها وقولبتها سياسيًا. من الواضح، واستنادًا إلى محاضر اجتمعات لجنة المديرين (الجلسة الأولى) وترتيبات الإحصاء والتعداد السكاني، أنّ المخطط الإسرائيلي للتعامل مع القدس مبنيٌ على العمل التدرّجي لضمّها، وفصلها إداريًا عن الضفة الغربية، وذلك قبل "قوننة" ذلك من خلال تشريعات الكنيست. وتمظهر هذا الضم الإداري إحصائيًا "بترويسة" استمرة التعداد السكاني في القدس، حيث كُتب في أعلى الاستمرة المستخدمة في الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وزارة الدفاع، بينم كُتب في استمرة التعداد في القدس، بلدية القدس؛ مع أنّ محتوى الاستمرتين متطابقٌ والجهة المشرفة على إجراء التعداد واحدة، هي الإحصاء الإسرائيلي. وهكذا جرت تشظية المناطق المستعمرة إحصائيًا من خلال إجراء التعداد في

33 أرشيف دولة إسرائيل، الجلسة الأولى، 1967/6/15، ص.5 34 كان حينها قطاع غزة وسيناء يشكّلان وحدةً إدارية واحدة. أرشيف دولة إسرائيل، الجلسة السادسة، 1967/6/26، ص.36 Ian S. Lustick, "Has Israel Annexed East Jerusalem?," Middle East Policy, vol. 5, no. 1 (January 1997), p. 36. State of Israel, Central Bureau of Statics, Headquarter Israel Defense Army, Census of Population 5727 (1967), Stage A Questionnaire.

الجولان في 15 آب/ أغسطس 1967، واستغرق التعداد في قطاع غزة وسيناء ثلاثة أيام (14-12-10 أيلول/ سبتمبر 1967)؛ مع الاقتصار على إحصاء شمل سيناء من دون جنوبها، وذلك لقلة السكان وتوزّعهم على مساحة جغرافية واسعة. بينم أجري التعداد في الضفة الغربية خلال أربعة أيام (25-21-19-17 أيلول/ سبتمبر 1967)، وفُصلت القدس عن الضفة الغربية وأجري التعداد فيها بتاريخ 27 أيلول/ سبتمبر 1967. يلفت بندكت أندرسن في كتابه الجمعات المتخيلة إلى أنّ التعداد في البيروقراطيات الاستعمرية اهتم بما كان المستعمِر يتخيّله عن الشعب المستعمَر. ويبني أندرسن مجادلته على الافتراض بوجود ثلاث مؤسسات للسلطة الاستعمرية تتحرك من خلالها: التعداد والخريطة والمتحف، حيث يُربط من خلالها بين طبيعة البشر الذين تحكمهم وجغرافيتهم وشرعية أسلافهم. ويجادل أندرسن في أنّ الخريطة والتعداد يشتركان في التأسيس لتصنيفات شاملة، ويتقاطعان في عملهم من حيث تقسيم الناس؛ إذ كان هدف المستعمِرين دومًا إخضاع المكان للمراقبة، كم في التعداد الذي أُريد منه إخضاع الأشخاص للمراقبة. كم يحاجّ أندرسن بأن الاستعمر أدى دورًا في تشكيل الهويات والقوميات في البلاد المستعمرة، بالاستناد إلى تعريفه الأمة باعتبارها: "جمعة سياسية مُتخيّلة، حيث يشمل التخيّل أنها محدّدة وسيّدة أصلً". ومن ثمّ فإنّ هذه الجمعات المتخيلة "صنّفت" و"قُسّمت" من خلال الاستعمر؛ وفي ما بعد تبنّت حركات التحرر الوطني في البلاد المستعمرة هذه التعريفات والتصنيفات والتقسيمت. وبالاستناد دائمًا إلى أندرسن، سعى الاستعمر إلى صنع الطائفة والهوية للبلاد المستعمَرة، وهذا يتطابق مع الحالة الاستعمرية الصهيونية، من حيث استخدام التعداد السكاني أداةً لتحقيق هذا الهدف. هذا ما نجده أيضًا في دراسة تشارلز هيرشمن التي أجراها في مستوطنات المضائق (سنغافورة، وملقا، وبينانغ)، وتوصل بعد تحليل بيانات التعداد الاستعمري إلى أنّها تغدو أكثر عرقية وطائفية كلم طالت مدة الاستعمر. نلُاحظ ذلك عند عرض وثيقة استمرة التعداد السكاني الإسرائيلي في القدس. وتُظهر الوثيقة أنّ تصنيف الفلسطينيين بحسب الديانة تفرع إلى ستة أقسام (مسلم، (روم) كاثوليك يوناني، (روم) أرثوذكس يوناني، لاتين (كاثوليك)، مسيحيون آخرون، ديانات أخرى)، حيث "قسّم"

38 أرشيف دولة إسرائيل، "تعداد السكان والأبنية"، ص.2 بندكت أندرسن، الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.283-255 40 المرجع نفسه، ص.63 Charles Hirschman, "The meaning and measurement of ethnicity in Malaysia: An analysis of census classifications," The Journal of Asian Studies, vol. 46, no. 3 (August 1987), p. 566. State of Israel, Central Bureau of Statics, Headquarter Israel Defense Army, Census of Population 5727 (1967), Stage A Questionnaire, p. 13.

المسيحيين الفلسطينيين أربعة أقسام. وبالاستناد إلى هذه الاستمرة، نستنتج أنّ البيروقراطية الاستعمرية الإسرائيلية سعت لتشظية الهوية الفلسطينية والتأسيس للطائفية إحصائيًا، من خلال التقسيم الديني والطائفي للفلسطينيين في القدس وباقي المناطق المستعمرة منذ عام 1967؛ فحتى أبناء الديانة نفسها (المسيحيون)، قُسّموا أقسامًا عدة بهدف ترسيخ الفوارق بين أبناء الديانة المسيحية. هناك دلالة سياسية للتقسيمت والتعريفات والمصطلحات الإحصائية التي يستخدمها الإسرائيليون، لذلك من غير المنطقي الأخذ بهذه التقسيمت والمصطلحات من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية، من دون التدقيق فيها ومراجعتها. والمزعج في الموضوع أنّ الإحصاء الفلسطيني يعتمد بعض المصطلحات التي وضعها الإسرائيليون، من دون أن يكون واضحًا الحاجة العلمية إلى الاستناد إليها. فعلى سبيل المثال، أخذت خمسة مصطلحات تصنيفية من منظمة "بيتسليم" الإسرائيلية: قطاع التلال الغربية للضفة الغربية، والقطاع الجبلي للضفة الغربية، والقطاع الشرقي للضفة الغربية، وقطاع القدس الكبرى. وتكمن الخطورة في استخدام هذه المصطلحات من الإحصاء الفلسطيني في أنها استبطان للمعرفة الاستعمرية، حيث يُعتمد مصطلح القدس الكبرى (الذي يُعتبر استعمريًا بامتياز)، ضمن معجم المصطلحات الإحصائية المستخدمة في الجهاز، من دون أن يكون واضحًا لماذا يؤخذ به أو يُعتمد. وبحسب "بيتسليم"، يمتد قطاع القدس الكبرى "ضمن مدى واسع حول القدس الغربية، بالرغم من وقوع معظم هذا القطاع – بالمعنى الجغرافي – ضمن القطاع الجبلي، إلا أنه يمتلك خصائص فريدة تحتاج إلى معالجة مستقلة". وهنا ينبغي الأخذ في الاعتبار أنّ مصطلح "القدس الكبرى" برز بعد عام 1967، عندما قرّرَت السلطات الإسرائيلية توسيع منطقة صلاحيات بلدية القدس من 38 ألف دونم إلى نحو 110 آلاف دونم، وهذا يعني أنّ مساحة منطقة الصلاحية الجديدة تُعادل 14 في المئة من مساحة الضفة الغربية البالغة 550 ألف دونم، مع الأخذ في الحسبان أيضًا أنّ هذه المنطقة تضم أضخم المستوطنات في الضفة الغربية، مثل معاليه أدوميم. يُقسّم الإحصاء الفلسطيني محافظة القدس منطقتين: ج 1 وج 2 (J1;J2)؛ يشمل القسم المنضوي تحت منطقةج 1 (J1) أجزاء من القدس التي ضمّتها إسرائيل من جانب واحد في عام 1967، والخاضعة لسيطرة بلدية القدس بقيادتها الصهيونية، بينم تشمل منطقة ج 2 (J2) المناطق الباقية من محافظة

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، معجم المصطلحات الإحصائية المستخدمة في الجهاز -2017 (رام الله: 2017)، ص.150 خالد عايد، "القدس الكبرى في إسار الأمر الواقع الصهيوني"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 4، العدد 15 (صيف 1993)، ص.104 تضم: ك فْر عقَب، بِيت حَنِينا، مُخيَّمْ شُعْفَاط، شُعْفَاط، العِيسَوِيَّة، شَيْخ جرَّاح، وادي الجَوْز، بابْ السَاهِرَة، الصُوَّانَة، الطُورْ (جبَل

الزَيْتُون)، القُدْس (بِيت المَقْدِس)، الشيَّاح، راس العَامُود، سِلْوان، الثَوْرِي، جبَلْ المُكَبِّ، السَواحِرَة الغَرْبِيَّة، بِيت صفَافا، شفَات، صُورْ بَاهِر، أمُّ

طُوبا. تضم: الشيخ سعد، السواحرة الشرقية، أبو ديس، عرب الجهالين، العيزرية، الزعيم، تجمع الكعابنة، عناتا، حزما، جبع، الرام وضاحية البريد، مخماس، رافات، قلنديا ومخيمها، الخديرة، بيرنبالا، بيت حنينا البلد، بيت إكسا، النبي صموئيل، الجيب، بيت إجزا، بدو، بيت سوريك، القبيبة، بيت دقو، بيت عنان، خرائب أم اللحم، قطنة.

القدس. وبحسب حليمة سعيد، فإنّ هذا التقسيم "عبارة عن تقسيم إداري لا علاقة له بالتقسيمت السياسية". هذا يذكرنا بمجادلة ماكس فيبر في أنّ الدولة عبارة عن مجموعة من المؤسسات التي تؤدي وظائف محددة ذات صلة بالحوكمة والأمن، بنى فيبر هذا التصور عن المفاهيم الهيكلية والوظيفية للدولة؛ على مقولته الشهيرة إنّ الدولة هي التي تمتلك احتكارًا للعنف في بقعة جغرافية معيّنة. نتيجة ذلك، ظهر من يدعي أنّ الإجراءات البيروقراطية تعتبر "غير سياسية". وناقض جيمس سكوت هذا الادّعاء بمحاجّته أنّ الممرسات التقنية هي التي تشكل المهمت السياسية للدولة والحكم، وتجعل ممرسة السلطة قابلةً للتحقيق. ويشير سكوت إلى أنّ ممرسات مثل رسم الخرائط والمسح السكاني، تعمل باعتبارها أجزاء مهمةً من جهاز القابلية للتحكم والسيطرة؛ حيث يصوغان ما تراه الدول، وكيف يحكمون، وكيف ينظر السكان بدورهم إلى الدول. لذلك يحق لنا التساؤل: ألا يعتبر التقسيم الإداري مبنيًا على اعتبارات سياسية؟ وكيف يمكننا الأخذ بهذا التقسيم الذي يستبطن القبول بالتقسيم الاستعمري الإسرائيلي للقدس؟ ومن هنا أيضًا يُكننا الادّعاء أنّ تضمين الإحصاء الفلسطيني في بياناته التقسيمت الاستعمرية في القدس، هو بمنزلة تماهٍ مع هذا التقسيم.

ثالثًا: التعداد والنزاع الديموغرايف في القدس

وظّفت الحركة الصهيونية الإحصاء والتعداد السكاني (حتى الإعلان عن قيام دولة إسرائيل) لخدمة روايتها بشأن مدينة القدس، حتى أصبح منتشرًا في الكتابات الأكاديمية الادّعاء الصهيوني بوجود غالبية يهودية في مدينة القدس من أوائل القرن التاسع عشر، وذلك بهدف إيجاد الانطباع أنّ هناك وجودًا يهوديًا متواصلً في القدس منذ ثلاثة آلاف عام. وهكذا نجد كثيرًا من الكتّاب يعتمد في الإحصاءات المتعلقة بالقدس على كتّابٍ صهاينة، من دون الرجوع إلى المصدر الأساس، وهو كتاب النفوس الصادر عن الدولة العثمنية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يستند ألكزاندر شولش في ما يتعلق بتعداد أهل القدس، في كتابه القيم تحولات جذرية في فلسطين 1882-1856، على إحصاءات الصهيوني بن أريه الذي بحسب تعليق مترجم كتاب شولش، بالغ في عدد اليهود في فلسطين. وظهر ذلك بوضوح في الجدول الذي أورده شولش ويعرض فيه التطور السكاني في مدينة القدس، ويظهر فيه اليهود بصفتهم غالبية عددية، والمسلمون والمسيحيون أقلية؛ إذ نجد أن عدد سكان القدس في عام 1890 وصل إلى 42 ألف نسمة، منهم 25 ألف يهودي، و 9 آلاف مسلم، و 8 آلاف مسيحي. وفنّد رشيد الخالدي الادّعاء بوجود غالبية

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كتاب القدس الإحصائي، ص.25 James C. Scott, Cities, People, and Language, In Aradhana Sharma and Akhil Gupta, The anthropology of the State (Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2006), pp. 247-269. ألكزاندر شولش، تحولات جذرية في فلسطين 1882-1856، ترجمة كامل العسلي (عمان: الجامعة الأردنية، 1993)، ص.150

يهودية في القدس منذ أواسط القرن التاسع عشر، واعتبره من ضمن الأساطير التي تُروّج في ثنايا الكتب، مؤكدًا أنّ عدد اليهود في عام 1895 وبحسب المصادر العثمنية لا يمكن أن يتجاوز في أحسن الأحوال 14 ألف و 500 نسمة. وكان باستطاعة شولش تجنّب مبالغات بن أريه (التي من الواضح أنها نابعة من أجندة سياسية) من خلال الرجوع إلى المصادر العثمنية الأولية. استخدمت البيروقراطية الاستعمرية الإسرائيلية جهاز الإحصاء (التعداد) أداةً لوضع سياسات تواجه ما تعتبره خطرًا ديموغرافيًا، والمتمثل في نسبة الخصوبة الفلسطينية العالية. وهذا يفسر اهتمم الإحصاء الإسرائيلي

بالتعداد الذي أجرته بشأن نسبة الخصوبة لدى العائلات الفلسطينية، حيث أفردت أسئلة عدة عن نسبة الخصوبة في استمرة التعداد. وبنيت الاستراتيجية الصهيونية في مجال النزاع الديموغرافي في القدس على ثلاث ركائز: أولها، التهجير القسري، أو كم يؤطّره باتريك وولف نظريًا بالمحو والإزالة. واستند وولف في تحليله إلى منطق الاستعمر الاستيطاني القائم على فكرة إزالة السكان، وذلك لتفكيك ممرسات الاستعمر الإسرائيلي وتحليلها، المتمثلة في التهجير القسري للسكان الفلسطينيين. وتجسّد ذلك في الأيام الأولى من الاستيلاء على شرق القدس في عام 1967، عبر تهجير سكان ثلاث قرى في اللطرون (يالو، عمواس، بيت نوبا) التي يُقدّر عدد سكانها بنحو 10 آلاف فلسطيني، بعد أن هَجّرت سابقًا من الجزء المستعمر في القدس في عام 1948 "القدس الغربية"، ما يقدر ب 98 ألف فلسطيني؛ إضافة إلى سحب الهويات "الزرقاء" وحرمان الفلسطينيين من الإقامة في القدس عبر النفي والإبعاد. أمّا الركيزة الثانية، فتقوم على تشجيع الهجرة اليهودية والاستيطان في القدس، عبر تقديم تسهيلات للراغبين في ذلك من المستوطنين اليهود. وتقوم الركيزة الثالثة على رفع نسبة الخصوبة في أوساط المستوطنين اليهود، من خلال تقديم حوافز مادية للعائلات كثيرة العدد؛ فكلم زاد عدد المواليد في العائلة اليهودية، زاد مقدار المخصصات المالية التي توفّرها "الدولة" لها. ومنذ عام 1962، وفي عهد رئيس الوزراء دافيد بن غوريون، شُكّلت لجنة لمعالجة مشكلة تدني نسبة المواليد، ترأسها روبرتو باتشي (مؤسس جهاز الإحصاء الإسرائيلي ومديره حتى عام 1971) الذي اقترح تقديم حوافز مالية إلى العائلات اليهودية بهدف رفع نسبة الخصوبة. وبقيت هذه السياسة متّبعةً منذ ذلك الوقت حتى يومنا الحاضر. ويلقي الجدولان ((12) و) مزيدًا من الضوء على طبيعة هذه السياسة.

رشيد الخالدي، "حول منهجية الكتابة في تاريخ القدس، في: سليم تماري وعصام نصار، مدينة الحجاج والأعيان والمحاشي: دراسات في تاريخ القدس الاجتماعي والثقافي (القدس: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2005)، ص.18 State of Israel, Central Bureau of Statics, Headquarter Israel Defense Army, Census of Population 5727 (1967), Stage A Questionnaire. Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2006), pp. 226-252. John Reynolds, "Where Villages Stood: Israel's Continuing Violations of International Law in Occupied Larton, 1967-2007," Al-Haq (December 2007). الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كتاب القدس، ص.21 Alon Tal, The Land is Full: Addressing Overpopulation in Israel (New Haven/ London: Yale University Press, 2016), p. 85.

الجدول (1) الميزانية المخصصة للأطفال المولودين حتى 31 أيار/ مايو 2003

ترتيب الطفل في العائلةمقدار الدعم المالي (بالشيكل)
الطفل الأول152
الطفل الثاني191
الطفل الثالث191
الطفل الرابع340
الطفل الخامس فما فوق359

المصدر: مؤسسة التأمين الوطني، "ميزانية المواليد"، 2019/1/1 (بالعبرية)، شوهد في 2019/8/25، في: https://bit.ly/2HkKRaw

الجدول (2) الميزانية المخصصة للأطفال المولودين بعد 31 أيار/ مايو 2003 وبداية عام 2019

ترتيب الطفل في العائلةمقدار الدعم المالي (بالشيكل)
الطفل الأول152
الطفل الثاني191
الطفل الثالث191
الطفل الرابع191
الطفل الخامس فما فوق152

المصدر: المرجع نفسه

نستنتج من الجدول (1) كيف بُنيت السياسة الإسرائيلية قبل منتصف عام 2003 على تشجيع الخصوبة، من خلال زيادة المخصصات الشهرية، مع ازدياد عدد مواليد العائلة؛ إذ تزداد الميزانية المخصصة بشكل تصاعدي لتبلغ ذروتها عند الطفل الخامس ومَن بعده، ولتصل إلى 359 شيكل (102 دولار أميركي)، في حين يُخصص للطفل الأول 152 شيكل (43 دولارًا أميركيًا) فقط. بينم يُظهر الجدول (2) المتعلق بفترة ما بعد منتصف عام 2003 أنّ الطفل الخامس ومَن بعده، يحصل على ميزانية مشابهة للطفل الأول، وهي 152 شيكلً. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ القادة الإسرائيليين لمسوا أنّ المستفيد الأساسي من سياسة ما قبل منتصف عام 2003 هو شريحة المتدينين اليهود، فنتج من ذلك ارتفاع نسبة المتدينين اليهود في المجتمع الإسرائيلي. وحتى لا يختل الميزان الديموغرافي في داخل المجتمع الإسرائيلي لمصلحة المتدينين، عدّلت الحكومة الإسرائيلية "ذات التوجه العلمني" سياستها، حيث لا يزداد الدعم بعد الطفل الخامس. لكن، على الرغم من ذلك، فإن العائلات اليهودية المتدينة لم تتأثر كثيرًا بتغيير السياسة الحكومية، لأنّ

الجمعيات الخيرية والأحزاب الدينية عوّضت الفارق في الدعم الذي تقدمه الحكومة، وذلك بهدف زيادة نسبة الخصوبة في أوساط المتدينين. ومن ثمّ، ضربت عصفورين بحجر واحد: مواجهة "الخطر الديموغرافي" الفلسطيني، وزيادة عدد المصوّتين المحتملين للأحزاب الدينية في الانتخابات الإسرائيلية. في المقابل، أجرى الإحصاء الفلسطيني أول مسح ديموغرافي في الضفة الغربية (بما فيها شرق القدس) وقطاع غزة في عام 1995، بالتعاون مع مؤسسة "فافو"، وهي مؤسسة بحثية نرويجية، تدير معهد العلوم الاجتمعية التطبيقية الذي أدّى دورًا مركزيًا في المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، التي تُوّجت باتفاق أوسلو (1993)؛ إذ هناك من يُرجع أصل هذا الاتفاق إلى مشروع بحثي بدأه معهد فافو في الأراضي الفلسطينية. وتشير عناية (التي كانت نائبة مدير مشروع المسح وقتئذ) إلى أنّ دور فافو تمحور حول تطوير استمرة المسح، والموضوعات التي يجب أن تكون فيها. وبحسب أبو لبدة، اقتصر دور فافو على تمويل المسح وتقديم بعض "النصائح" حول صوغ استمرة المسح بعد مراجعتها، لكن تصميم الاستمرة من الألف إلى الياء كان بيدٍ فلسطينية، اعتمدًا على المعايير الدولية، والهدف السياسي غير المكتوب لإشراك فافو هو أنّ "صدور دراسة عن طريق مؤسسة دولية سيكون له وزن أكبر"، فكانت الاستعانة بهذا الاسم الدولي المعروف بصدقيته بمنزلة أداة للتدليل على صدقية بيانات الإحصاء الفلسطيني. ويُحيلنا تفسير أبو لبدة إلى الاستعانة بفافو والإصرار على استخدام المعايير الدولية إلى ثنائية فوكو (المعرفة والسلطة) التي يجادل فيها بأنّ الخطاب العلمي ليس نتاج دراسة موضوعية لظاهرة ما، إنما نتاج منظومات من علاقات القوة التي تعمل على إيجاد مجالات معرفية داخل مجتمع ما. ويمكننا الادّعاء، استنادًا إلى تحليل استمرة المسح، أنّ علاقات القوة انعكست انعكاسًا غير مباشر على أعمل الإحصاء الفلسطيني. اعتبر مشروع المسح بمنزلة تحدٍ للإحصاء الفلسطيني، كونه الأول من نوعه من حيث حجم العيّنة التي وصلت إلى 15 ألف عائلة فلسطينية؛ وبسبب عدم وجود "ميراث" إحصائي فلسطيني أو خبرات عملية سابقة يمكن البناء عليها. ومن ثمّ، كان على الإحصاء الفلسطيني التأسيس لكل شيء من أصغر الأمور إلى أكبرها. وتحتوي استمرة المسح الديموغرافي على بيانات تعريفية (الاسم، الجنس، العمر، مكان الولادة، تاريخ الولادة، التحصيل الأكاديمي، نوع آخر مكان للدراسة "مدرسة/ معهد/ جامعة"، الحالة الاجتمعية،

Jane Corbin, Gaza first: The Secret Norway Channel to Peace between Israel and the PLO (London: Bloomsbury Pub., 1994). ميشال فوكو، المعرفة والسلطة، ترجمة عبد العزيز العيادي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.)1994 وثيقة تم الحصول عليها من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، معنونة ب "استمارة المسح الديموغرافي للضفة الغربية وقطاع غزة 1995". تتكوّن الوثيقة من 22 صفحة.

عدد الزيجات، اللاجئين "مسجل/ة كلاجئ/ة أم أنك لاجئ/ة غير مسجل/ة"، العمل "المهنة"، رقم الهوية، الوفيات، ظروف السكن، الأقارب خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، توجهات الإنجاب). اللافت هو تركيز الاستمرة على التوجهات الإنجابية (التنبؤات السكانية) للعائلة الفلسطينية، التي فتحت قسم "بيانات حول طريقة الاختية والتكاثر" الموجود في الاستمرة، وجرى توجيه 33 سؤالً، من أبرزها الموجّه إلى النساء المتزوجات (على سبيل المثال: -S26" أنت بتحبي أنك تجيبي أطفال آخرين؟"، -S27" حسب توقعك، قديش عدد الأطفال الآخرين إلي بدك اتجيبيهم"، -S28" قديش عدد الذكور (الأولاد) إلي بتحبي إنك اتجيبيهم في المستقبل، بالإضافة إلى الأطفال الذين ولّدتيهم في السابق؟"، -S29" قديش عدد الإناث (البنات) إلي بتحبي إنك اتجيبيهن في المستقبل، بالإضافة إلى الأطفال الذين ولدتيهم في السابق؟"، -S30" بدك اتجيبي طفل آخر في هذه الأيام، ولّ عايزة تأجلي ذلك للسنة القادمة أو إلى السنة إلي بعدها؟"، -S31" حسب اعتقادك، زوجك بدو نفس عدد الأطفال إلي أنت بدك إياه ولا أقل ولا أكثر؟"، -S32" في السابق ناقشتي زوجك في عدد الأطفال إلي بتحبي إنك تخلّفيهم؟"). بحسب أبو لبدة، جاءت هذه الأسئلة ضمن سياق تزويد الوزارات الفلسطينية، وعلى رأسها وزارة الصحة، ببياناتٍ إحصائية تساعدها في بناء خططها المستقبلية. لكن يحق لنا التساؤل عن أولوية الاهتمم بهذا الجانب. صحيحٌ أنّ الديموغرافيا تُعدّ العامل الرئيس الذي يؤثر في الوضع الصحي، والذي يشتمل على مؤشرات عدة، من ضمنها التنبؤات السكانية، لكن هل يُعتبر الاهتمم بفحص "التنبؤات السكانية" من الأولويات لدى الإحصاء الفلسطيني؟ الإجابة عن هذا السؤال موجودة في منشورات الإحصاء الفلسطيني نفسها؛ فبحسب تقرير الوضع الراهن (رقم 4)، المتعلق بالشأن الصحي والصادر عن الإحصاء الفلسطيني، لا تُدرج "التنبؤات السكانية" ضمن الحقول الأساسية من المعلومات التي لا بد من أخذها في الحسبان، أو من الأولويات الواجب البدء بها في مرحلة إعداد نظام صحي فاعل وبنائه. من المرجّح أن يكون السبب في الاهتمم بالتنبؤات السكانية والتوجّهات الإنجابية هو وقوعه في دائرة اهتممات مؤسسة فافو التي أجرت دراسة عن الخصوبة الفلسطينية في عام 1992 قبل تأسيس الإحصاء الفلسطيني، بوساطة باحثين عدة، على رأسهم أبو لبدة. فبحسب الإحصائي شتاينار تمسفوس الذي شارك في عمل مسوحات ميدانية في عامي 1992-1991 في الضفة وقطاع غزة لمصلحة فافو، فإنّ المعضلة

دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، الإحصاءات الصحية في الضفة الغربية وقطاع غزة، سلسلة تقارير الوضع الراهن (رقم 4) (رام الله: 1995)، ص.17 60 المرجع نفسه، ص.18 H. Abu Libdeh, G. Ovensen & H. Burnborg, "Population Characteristics and Trends," in: M. Heiberg, & G. Ovensen (eds.), Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem; A Survey of Living Condition, Report 151 (Oslo: FAFO, 1993), pp. 35-97.

الأساسية التي تواجه الإحصائيين هي الحصول على "ثقة" المستجيبين. فبمجرد رؤية الفلسطينيين أشخاصًا يحملون خرائط أو نماذج، فإنهم يُحجمون عن التعامل معهم، ويتوجّسون منهم ريبة، خشية من أن يكونوا من طرف الضريبة "الإسرائيلية"، أو جاءوا لإجراء مسح بهدف التمهيد لهدم بيوتهم. من هنا، يمكننا استنتاج صعوبة طرح مثل هذه الأسئلة في بحث تشُرف عليه مؤسسة "أجنبية" أو إسرائيلية، بينم يمكن تحقيق ذلك من خلال مؤسسة فلسطينية، سبق عملها على الأرض حملةٌ إعلاميةٌ فلسطينية ترويجية، هدفها كسب "ثقة" الجمهور الفلسطيني والتوعية بأهمية الإحصاء الفلسطيني ودوره في بناء الدولة المنشودة. من الصعب تجاهل دلالة الأسئلة الواردة في استمرة المسح في ضوء الصراع الديموغرافي مع الكيان الصهيوني الذي يتلبّسه هاجس "القنبلة الديموغرافية". وعلى الرغم من إصرار أبو لبدة على استقلالية الإحصاء الفلسطيني وعدم تدخّل الجهات المانحة في أعمله، فإنّ السؤال يبقى قائمًا بشأن مدى تأثير مؤسسة فافو في صوغ أسئلة هذه الاستمرة التي قدمت "بعض النصائح" بشأن طريقة صوغها. في الأحوال كلها، من الصعب فصل إحصاءات معدلّات الخصوبة والتوجهات الإنجابية عن الخطاب التنموي العالمي السائد الذي يتمحور حول خفض معدّل الخصوبة بهدف رفع مستوى معيشة الأفراد، حيث تخصص ميزانيات من الدول المانحة تحت بند "الصحة الإنجابية"، هدفها التوعية بمخاطر الزواج المبكر والحثّ على تقليل الإنجاب؛ وذلك بالاستناد إلى نظرية السكان لتوماس مالتوس الذي ينطلق في نظريته من أربع "حقائق": أولها أنّ العلاقة بين الجنسين هي أمر فطري ثابت؛ وثانيها أنّ التزاوج المبكر سيؤدي إلى نمو سكاني سريع؛ أمّا الحقيقة الثالثة، فهي أنّ الموارد الاقتصادية لا تستطيع مواكبة هذا النمو؛ بينم تنصّ الرابعة على أنّ هناك ميلً إلى أن يستوعب أيّ نمو في الموارد بسرعة السكان المتصاعدين. ومن شأن ارتفاع مستوى الثراء أن يخفض معدل الوفيات وأن يُتيح أيضًا للأشخاص التعبير بحرية عن "العاطفة بين الجنسين". وسوف يرتفع عدد السكان بسرعة. ومن ثمّ، سيصبح لا مفرَّ من الضوابط الإيجابية، وهي "البؤس"، أو بالتحديد الموت بسبب الحرب والمجاعة والمرض. ويدّعي مالتوس أنّ الموارد الاقتصادية، ولا سيم إنتاج الأغذية، لا تستطيع مواكبة النمو السكاني في اقتصاد زراعي يعتمد أساسًا، وإلى حدٍّ بعيد، على العمل البشري؛ ويرجع ذلك إلى قانون تناقص العائدات الهامشية. وفي حين قد تكون هناك فترات ترتفع فيها معدلات النمو في الزراعة إلى ثلاثة أو أربعة في المئة سنويًا، وهو ما يعادل

Palestinian Bureau of Statistics, Success against All Odds-International Expert Discussion of the Master Plan for Palestinian Official (Rammallah: 1995), p. 171.

مضاعفة الغذاء في جيل واحد، فإنّ هذه الفترات لا يمكن أن تستمر أكثر من بضعة عقود. وكانت نتيجة هذه الحقائق اتجاهًا قويًا للسكان لتجاوز الموارد. تتجسّد إحدى نقاط الضعف الرئيسة في نظرية مالتوس في إهمله جانب القوى العاملة في النمو السكاني، حيث أعلن تشاؤمه وخوفه من الزيادة في عدد السكان، ونسي كم يقول كانان، أنّ "الطفل يأتي إلى العالم ليس بالفم والمعدة فحسب، لكن أيضًا مع زوج من الأيدي". وهذا يعني أنّ الزيادة في عدد السكان تعني زيادة في القوى العاملة، التي قد تميل إلى الزيادة ليس في الإنتاج الزراعي فحسب، لكن أيضًا الصناعي، ومن ثمّ تجعل البلاد غنية بالتوزيع العادل للثروة والدخل. من هنا انتقد سمير أمين في معرض تحليله مشكلة التنمية، الأسسَ التي بنيت عليها النظرية المالتوسية، من قبيل "قانون الإيرادات المتناقصة" (أو قانون تناقص العائدات الهامشية) الذي يتغافل عن الوقائع التاريخية بالادّعاء أنّ الديموغرافيا تفسر التخلف. فالوقائع التاريخية تشير إلى نموّ بريطانيا وألمانيا في الفترة 1910-1870، على الرغم من الزيادة السكانية التي وصلت إلى 58 في المئة. في المقابل، نجد أنّ الهند في الفترة الزمنية نفسها، والتي زاد فيها السكان بنسبة 19 في المئة، بقيت متخلفة. ومن ثمّ، فإنّ مشكلة البلدان المتخلفة لا تكمن في ضعف الفائض، إنما في استعمله بشكل غير منتج. ومن ثم يدافع أمين عن أنّ أشكال الفائض وطرائق استعمله، تتوقف على تشكيلات الأطراف وعلى أواليات انخراطها في المنظومة الرأسملية العالمية. إضافة إلى ذلك، وفي أيامنا المعاصرة، وعلى الرغم من تضاعف عدد السكان مقارنة بالوقت الذي وضع فيه مالتوس نظريته، فإننا نجد أنّ متوسط دخل الفرد الواحد أعلى، وذلك بسبب التطور التكنولوجي المستمر الذي يوجِد مواردَ جديدة. على الرغم مم سبق، فإن الإحصاء الفلسطيني لا يتحمل مسؤولية كيفية استخدام الأرقام والإحصاءات التي ينشرها، حيث لها أوجه متعددة للاستخدام؛ إذ قد تُستخدم من الوزارات لوضع خطط مستقبلية هدفها رفع مستوى الخدمات المقدمة، وربما يستخدمها بعض الجهات "المانحة" لتحقيق أجندة سياسية. وهنا يجدر الالتفات إلى الإحصاءات المنشورة بوساطة الإحصاء الفلسطيني، التي تشير إلى انخفاض معدل الخصوبة في الضفة الغربية (بما فيها شرق القدس) وقطاع غزة في الفترة 2013-1997 بنسبة

Alan Macfarlane, Thomas Malthus and the Making of the Modern World (South Carolina: Amazon CreateSpace, 2013), p. 46. V. C. Sinha & Easo Zacharia, Elelment of Demography (New Delhi: Allied Puplisher, 2009), p. 233. سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف (بيروت: دار ابن خلدون، 1978)، ص.33 Abhijit V. Banerjee & Esther Duflo, Poor Economics: A Radical Rethink of the Way to Fight Global Poverty (New York: Public Affairs, 2011).

الثلث تقريبًا (من 6 إلى 4.1 في المئة). فبمذا يمكننا تفسير هذا الانخفاض؟ توجد علاقة مباشرة بين انخفاض معدل الخصوبة والسياسات التنموية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية. فمن بين الأهداف التنموية التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية بشكل رسمي بعد عام 2006؛ خفض النمو السكاني ومعدلات الخصوبة، وذلك بهدف تحقيق انتعاش اقتصادي ينعكس إيجابيًا على نوعية الخدمات التي تقدم إلى الأفراد. وبرز ذلك بشكل واضح ومباشر في الدراسة الصادرة في عام 2016 بعنوان: فلسطين 2030 - التغير الديموغرافي: فرص للتنمية التي ساهم الإحصاء الفلسطيني في إعدادها مع اللجنة الوطنية للسكان؛ والمتشكلة بموجب قرار من رئاسة الوزراء الفلسطينية في عام 2006، وبحسب المادة الخامسة من القرار: "تشكل لجنة فنية بحيث تضم مجموعة من المتخصصين من الوزارات المشاركة في أعمل اللجنة الوطنية للسكان، بالإضافة إلى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وذلك بهدف تقديم المساندة الفنية لوزارة التخطيط". وسعت الدراسة لتحليل أثر التغير السكاني الديموغرافي في فلسطين في جهود التنمية في القطاعات الرئيسة، مثل الصحة والتعليم وسوق العمل. كم قدّم معدّو الدراسة توصياتهم في ما يتعلق بالفرص والتحديات التي تحملها التغيرات الديموغرافية، حيث يمكن تضمينها في خطط التنمية الفلسطينية. واعتبرت الدراسة أنّ معدلات الخصوبة والنمو السكاني في فلسطين ما زالت مرتفعة، وأنّ انخفاض معدلات الخصوبة الحاصل في العقود الأخيرة غير كافٍ، ويجب العمل على تقليل معدل الخصوبة. كم توصي الدراسة في الفصل الثالث "وضع الصحة الجنسية والإنجابية"، بالتركيز على تقليل ظاهرة الزواج المبكر، وحثّ النساء على استخدام موانع الحمل، والتثقيف الصحي بشأن الصحة الإنجابية، إضافة إلى الاهتمم بتعليم الفتيات والتحاقهن بسوق العمل، ما يتيح للمرأة حرية القرار بشأن توقيت الإنجاب وعدد مرات الحمل. وذلك بهدف تحقيق التوقعات المأمولة بانخفاض معدلّات الخصوبة إلى 2.9 في عام 2030، وإلى 2.17 في عام.2050

"السيدة عوض، تستعرض أوضاع الفلسطينيين في نهاية عام 2015"، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2015، شوهد في 2019/9/5، ف:ي https://bit.ly/2O36oFi يوسف كرباج وبسام أبو حمد وعادل الزاغة، فلسطين 2030 / التغير الديموغرافي: فرص للتنمية، شارمن سير (محرر)، مراجعة الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومجدي مالكي ومايكل هيرمن، ترجمة مالك قطينة (رام الله: مكتب رئيس الوزراء - اللجنة الوطنية للسكان/ صندوق الأمم المتحدة للسكان،.)2016 "قرار مجلس الوزراء رقم (22) لسنة 2006 بتشكيل اللجنة الوطنية للسكان"، المقتفى/ معهد الحقوق بجامعة بيرزيت، رام الله، 2006/10/20، شوهد في 2019/9/5، في: https://bit.ly/2Y2bsyz

خلاصة واستنتاجات

عُدّ التعداد السكاني منذ القدم وسيلةً لتمثيل سلطة الدولة وأداةً لممرسة دورها؛ ومن ثمّ حرصت البيروقراطية الاستعمرية الإسرائيلية على إجراء التعداد السكاني في القدس منذ الأيام الأولى لسيطرتها عليها، بهدف تحقيق هدف مزدوج، فمن ناحية يتمّ إيصال رسالة إلى مجموع السكان الفلسطينيين بقدوم سلطة جديدة، وانتهاء عهد سيطرة السلطة القديمة (التي تتمثل بالسلطة الأردنية)، حيث يمثل الإحصاء السلطة الجديدة ويمارس مهمت الدولة ووظائفها بالدخول إلى كل بيت؛ ومن ثمّ يمسّ التعداد الجميع بلا استثناء، ويوصل الرسالة على أتم وجه. ومن ناحية أخرى، يتمّ تجميع المعلومات والبيانات اللازمة للسيطرة على السكان ووضع الخطط المناسبة لخدمة المشروع الصهيوني. في المقابل حرصت منظمة التحرير الفلسطينية على تأسيس جهاز الإحصاء حتى قبل قدومها من الخارج بأربعة شهور، كم حرصت على أن يكون المركز الرئيس لمؤسسات السلطة الفلسطينية في القدس، في تمثيل للوجود الفلسطيني، وكتعبير عن الكينونة الفلسطينية. وتغاضت السلطة الاستعمرية الإسرائيلية (على مضض) عن وجود مؤسسات تمثيلية للفلسطينيين في القدس، لكن وبمجرد تحوّل بعض المؤسسات من حالة التمثيل إلى حالة ممرسة أدوار الدولة، كم حدث في حالة التعداد السكاني الأول في عام 1997، استنفرت المؤسسة الإسرائيلية واستصدرت قانونًا يحظر عمل هذه المؤسسة في القدس، وذلك بهدف إيصال رسالة سياسية واضحة، مفادها أنّ السيطرة على القدس ستبقى إسرائيلية، ولن يسمح للفلسطينيين بممرسة أي دور ينتقص من فكرة "القدس الموحدة" تحت السيادة الإسرائيلية. استخدمت السلطة الاستعمرية الإسرائيلية منذ نشأتها الإحصاء والتعداد السكاني أداةً للتشظية الاستعمرية، سواء عبر التصنيفات الإدارية أم التقسيمت الإثنية والدينية، وهذا ما نلمسه في التعداد الذي أجري في القدس في عامُ 1967، حيث عُمل على إجراء تعداد لسكان القدس بمعزل عن باقي المناطق المستعمرة في عام 1967. كم قُسّم، في استمرة التعداد، الفلسطينيون على أساس ديني (مسلم/ مسيحي)، إضافة إلى تقسيم المسيحيين الفلسطينيين أربعة أقسام، في سعي مكشوف لتشظية الهوية الفلسطينية والتأسيس للطائفية، من خلال التقسيم الديني والطائفي للفلسطينيين في القدس. لا خلاف على وجود دلالات سياسية للتقسيمت والتعريفات والمصطلحات الإحصائية التي يستخدمها الإسرائيليون، لذلك يعتبر الأخذ بهذه التقسيمت والمصطلحات من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية، من دون التدقيق فيها، خطأ يجب تداركه، كم هي الحال في أخذ الإحصاء الفلسطيني بمصطلح "القدس الكبرى". وظّفت الحركة الصهيونية (حتى قبل الإعلان عن قيام دولة إسرائيل) جهودها "العلمية" في ما يتعلق بالإحصاء والتعداد لخدمة روايتها بشأن مدينة القدس، وذلك بهدف إيجاد الانطباع بأنّ هنالك وجودًا يهوديًا متواصلً في القدس منذ ثلاثة آلاف عام. إضافة إلى ذلك، استخدمت البيروقراطية الاستعمرية

الإسرائيلية جهاز الإحصاء أداةً لوضع سياسات لمواجهة ما تعتبره خطرًا ديموغرافيًا، تمثل ذلك بوضع رئيس الإحصاء روبرتو باتشي سياسة دعم المواليد، وذلك لرفع نسبة الخصوبة في أوساط اليهود. بينم، في المقابل، يساهم الإحصاء الفلسطيني (من خلال اللجنة الوطنية للسكان) بوضع سياسات تهدف إلى خفض معدل الخصوبة، وذلك بهدف تحقيق انتعاش اقتصادي ينعكس إيجابيًا على نوعية الخدمات التي تُقدّم إلى الأفراد، بدلً من الاهتمم بوضع سياسات تنموية تهتم بتشغيل الأيدي العاملة والتوزيع العادل للثروة، وكأنّ السلطة الفلسطينية تعيش حالة طبيعية، وكأنه لا يوجد شيء اسمه الصراع الديموغرافي، وكأنّ السلطة ليست في مواجهة مع استعمر استيطاني همه الأساس الاستيلاء على الأرض والتخلّص من السكان.

المراجع

العربية

عزمي بشارة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

العدد 111 (صيف.)2017

رام الله:.2017 ________. كتاب القدس الإحصائي السنوي 2018 رقم 20" ". رام الله.2018:

والثقافي. القدس: مؤسسة الدراسات المقدسية،.2005

تقارير الوضع الراهن (رقم 4). رام الله:.1995

الفلسطيني، 2015:. في https://bit.ly/2O36oFi

الأردنية،.1993

العدد 15 (صيف.)1993

والنشر والتوزيع،.1994

للطباعة والنشر،.2003

References

أمين، سمير. التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف. بيروت: دار ابن خلدون،.1978 أندرسن، بندكت. الجمعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم

بورديو، بيار. عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992). ترجمة نصير مروة.

التميمي، عز الدين. "التعداد الإسرائيلي وصناعة المواطنة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج. 28

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. معجم المصطلحات الإحصائية المستخدمة في الجهاز -2017.

تماري، سليم وعصام نصار. مدينة الحجاج والأعيان والمحاشي: دراسات في تاريخ القدس الاجتمعي

دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية. الإحصاءات الصحية في الضفة الغربية وقطاع غزة. سلسلة

"السيدة عوض، تستعرض أوضاع الفلسطينيين في نهاية عام 2015". الجهاز المركزي للإحصاء

شولش، ألكزاندر. تحولات جذرية في فلسطين 1882-1856. ترجمة كامل العسلي. عمّن: الجامعة

عايد، خالد. "القدس الكبرى في إسار الأمر الواقع الصهيوني". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج. 4

فوكو، ميشال. المعرفة والسلطة. ترجمة عبد العزيز العيادي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات

________. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة

كرباج، يوسف وبسام أبو حمد وعادل الزاغة. فلسطين 2030/ التغير الديموغرافي: فرص للتنمية. شارمن سير (محرر). مراجعة الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومجدي مالكي ومايكل هيرمن. ترجمة مالك قطينة. رام الله: مكتب رئيس الوزراء - اللجنة الوطنية للسكان وصندوق الأمم المتحدة للسكان،.2016 "مؤسسات فلسطينية أغلقها الاحتلال الإسرائيلي في القدس منذ عام 1967 "، وكالة "وفا". في: https://bit.ly/2EZoVy7 يحيى، عبّاد. "الإحصاء والبحث الاجتمعي في الأرض المحتلة 1967: الأثر الاستعمري وتشظية المجتمع الفلسطيني". عمران. مج 2. العدد 7 (شتاء.)2014 "يوم من الذاكرة، العاشر من أيار/ مايو". وكالة "وفا ". 2006/5/9:. في https://bit.ly/2T6IMAr

العبرية

أرشيف دولة إسرائيل. تعداد السكان والأبنية. ملف: ج ل- 4 /.3550 ________. وزارة الدفاع - لجنة المديرين. الجلسة التمهيدية رقم.)0(.1967/6/15 دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية. "إعلان صحافي لمناسبة يوم القدس."2017-2015.2018/5/9

الأجنبية

Banerjee, Abhijit V. & Esther Duflo. Poor Economics: A Radical Rethink of the Way to Fight Global Poverty. New York: Public Affairs, 2011. Busse, Jan. "The Biopolitics of Statistics and Census in Palestine." International Political Sociology. vol. 9, no. 1 (2015). Corbin, Jane. Gaza first: The Secret Norway Channel to Peace between Israel and the PLO. London: Bloomsbury Pub., 1994. Dreyfus, Hubert L. & Paul Rabinow. Michel Foucault, Beyond Structuralism and Hermeneutics. with an afterword by Michel Foucault. Chicago, IL.: University of Chicago Press, 1982. Foucault, Michel. Security, Territory, Population: Lectures at the Collège de France, 1977-1978. Michel Senellart (ed.). Graham Bruchell (Trans.). New York: Palgrave Macmillan, 2007. Heiberg, M. & G. Ovensen (eds.). Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem; A Survey of Living Condition. Oslo: FAFO, 1993.

Hirschman, Charles. "The Meaning and Measurement of Ethnicity in Malaysia: An Analysis of Census Classifications." The Journal of Asian Studies. vol. 46, no. 3 (August 1987). Husseini, Ibrahim. "Israel Arrests Palestinians over Population Count." Aljazeera net. 23/11/2017. at: https://bit.ly/2HxIDE6 Lustick, Ian S. "Has Israel Annexed East Jerusalem?." Middle East Policy. vol. 5, no. 1 (January 1997). Macfarlane, Alan. Thomas Malthus and the Making of the Modern World. South Carolina: Amazon CreateSpace, 2013. Owen, Roger. Lord Cromer: Victorian Imperialist, Edwardian Proconsul. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2005. Palestinian Bureau of Statistics. Success Against All Odds-International Expert Discussion of the Master Plan for Palestinian Official. Rammallah: 1995. Reynolds, John. "Where Villages Stood: Israel's Continuing Violations of International Law in Occupied Larton, 1967-2007." Al-Haq (December 2007). Scott, James C. Cities, People, and Language, in Aradhana Sharma and Akhil Gupta, the Anthropology of the State. Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2006. Sharma, Aradhana & Akhil Gupta (eds.). The Anthropology of the State. Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 2006. Sinha, V. C. & Easo Zacharia. Elelment of Demography. New Delhi: Allied Puplisher, 2009. State of Israel. Central Bureau of Statics. Headquarter Israel Defense Army. Census of Population 5727 (1967). Tal, Alon. The Land is Full: Addressing Overpopulation in Israel. New Haven/ London: Yale University Press, 2016. Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2006). Zureik, Elia. "Constructing Palestine through Surveillance Practices." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 28, no. 2 (November 2001). Zureik, Elia. David Lyon & Yasmeen Abu-Laban. Surveillance and Control in Israel/Palestine. New York: Routledge, 2011.