رعايا لا مواطنون: السياسة الإسرائيلية تجاه العرب في القدس الشرقية 1967-2017
Residents, not Citizens: Israeli Policy toward the Arabs in East Jerusalem, 1967-2017
الملخّص
هذا النص ترجمة لملخّص كتاب أعدّه الباحث الإسرائيلي أمنون رامون ونشره معهد القدس لبحث السياسات. ويتناول مكانة الفلسطينيين في القدس، بعد قانون الضمّ الإسرائيلي، في أعقاب احتلال الجزء الشرقي منها في حرب حزيران/ يونيو 1967. ويقدّم صورةً عامةً عن مجمل النقاش الذي يدور في الكتاب، ويحمل أبعادًا تاريخية وسياسية وقانونية. تتناول القضية المركزية لهذا الكتاب كيفية تقرير وضع السكان العرب الذين يعيشون في المناطق التي ضمّتها إسرائيل، وتعرض موقف القيادة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي تجاه السكان العرب في القدس الشرقية ومناطق أخرى جرى الاستيلاء عليها في الحرب. ويركّز الكتاب على الوضعية الاجتماعية والقانونية للعرب في القدس الشرقية، والأشكال المتنوعة التي اتخذتها هذه الوضعية طوال السنوات الخمسين الماضية.
Abstract
Residents, not Citizens: Israeli Policy toward the Arabs in East Jerusalem, 1967-2017 Amnon Ramon
Amnon Ramon, Residents, not Citizens: Israeli Policy toward the Arabs in East Jerusalem, 1967-2017 (Jerusalem: Jerusalem Institute for Policy Research, 2017).
تقديم
عقدت الحكومة الإسرائيلية في 11 حزيران/ يونيو 1967 أوّل اجتمعٍ لها، بعد الانتصار الساحق في الحرب، واتخذت في هذا الاجتمع قرارًا بضمّ القدس الشرقية إلى دولة إسرائيل. وهو قرار حصل على إجمع مطلق، بعكس قضايا أخرى وعلى رأسها مستقبل الضفة الغربية. ومع ذلك، فقد اختلف الوزراء بشأن قضايا إجرائية كالتدابير القانونية المطلوبة لإرساء السيادة الإسرائيلية في القدس الشرقية؛ هل يجب إصدار قانون خاص يعلن القدس الشرقية جزءًا من دولة إسرائيل، أم ينبغي اعتمد تشريعات "ثانوية" أضيق لتفادي إثارة معارضة شديدة من جانب المجتمع الدولي؛ أي لم يكن هناك أيّ خلاف داخل الحكومة بشأن قضية "توحيد القدس" في حدّ ذاتها. ولم تولِ مناقشات الحكومة أو المداولات الأخرى مسألة وضع السكان العرب في الأراضي التي ضمّتها إسرائيل تقريبًا أيّ اهتمم؛ إذ تركّزت أغلبية النقاشات على قضية الأماكن المقدسة، ومخاوف الوزراء من عدم قبول العالَميَن المسيحي والإسلامي السيطرة اليهودية الإسرائيلية على هذه الأماكن المقدسة. تتناول القضية المركزية لهذا الكتاب كيفية تقرير وضع السكان العرب الذين يعيشون في المناطق التي ضمّتها إسرائيل، وهي أراضٍ تُقارب مساحتها 70 كيلومترًا مربعًا، ويقيم فيها نحو 70 ألف نسمة. ويكشف البحث في هذه القضية عن طبقات أعمق تعكس موقف القيادة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي تجاه السكان العرب في القدس الشرقية ومناطق أخرى جرى الاستيلاء عليها في الحرب. لقد ترك ذلك الموقف، ولا يزال، عواقب بعيدة الأثر على واقع الحياة في القدس الشرقية. ويستند تناولنا التالي للموضوع إلى وثائق في محفوظات الدولة في القدس صدرت مؤخرًا، وخصوصًا محاضر الاجتمعات الحكومية التي وُضِعَت في متناول الباحثين. إذًا، يركّز الكتاب على الوضعية الاجتمعية والقانونية للعرب في القدس الشرقية، والأشكال المتنوعة التي اتخذتها هذه الوضعية طوال السنوات الخمسين الماضية. وبمعنى أوسع، يتناول السياسة الإسرائيلية تجاه عرب المدينة. فيرصد الجزء الأول منه تاريخ الوضع القانوني للإقامة، وكذلك موقف السلطات الإسرائيلية من السكان العرب في السياق العام "لتوحيد" القدس. ويعرض الجزء الثاني مجرى الأمور الراهن فيم يتعلّق بالوضع القانوني للإقامة في السنوات الأخيرة، ويدرس الآثار بعيدة المدى لهذا الوضع الفريد في حياة العرب في القدس الشرقية. ويقدّم الجزء الثالث تحليلً مقارنًا لوضع عرب القدس الشرقية من منظور القانون الدولي بقلم البروفيسور يائيل رونين. ويتقصّ الفصل الختامي بدائل مختلفة للوضع في سياق سيناريوهات مستقبلية متنوعة للمدينة، سواء في غياب اتفاق سياسيّ أم في حالة المضيّ في اتفاق مؤقّت أو نهائيّ. وفي المجمل يوفّر الكتاب مادّةً للتفكير والتداول في قضية مركزية، أصبحت بعد خمسين عامًا من "توحيد" القدس قضيةً مهمشة.
جرى التطرق للمرّة الأولى إلى وضعية عرب القدس الشرقية في اجتمع الحكومة في 11 حزيران/ يونيو.1967 وقد أثار هذا الموضوع الوزير موردخاي بنتوف ممثّل حزب العمّل الموحد "مابام"، الذي قال ردًّا على تعليقات الوزراء المطالبين بإصدار قانون خاصّ بضمّ القدس الشرقية وعلى رأسهم مناحيم بيغن: "أودّ الإشارة إلى شيء واحد. نحن دولة ديمقراطية، وإذا صدر قرار بتوسيع القدس لتشمل كلّ الأراضي الجديدة، فإنّ السكان العرب على الجانب الآخر سيصبحون عندئذٍ مواطنين في إسرائيل". فقاطعه بيغن قائلً: "ليس بالضرورة". فأدرك بنتوف مباشرةً مغزى مشروع بيغن وحذّر من خلق فئتين مختلفتين من السكان في العاصمة، مواطنين يهود لدولة ديمقراطية وسكّانٍ عرب بوضعية أدنى ويخضعون للأحكام العرفية. وأكّد قائلً: "سنمرس التمييز منذ البداية، يجب أن نتوقع ذلك". وعلّق الوزير يوسف سابير زميل بيغن في قيادة "غاحال" (ائتلاف حزب حيروت مع حزب الليبراليين): "أيًّا كانت طبيعة الحلول، لا يمكننا النظر إلى أيّ عربيّ تحت سيطرتنا اليوم كموضوع للاضطهاد أو الطرد أو التمييز". لكنّ تصريحات رئيس الوزراء ليفي أشكول تعطي الانطباع بأنّه مثل معظم الوزراء يميل إلى اعتبار عرب القدس الشرقية مواطنين مستقبليين في دولة إسرائيل. فقد قال: "[القدس] ليست كأيّ مكان آخر فيه 800 ألف أو 900 ألف عربيّ كم في الضفة الغربية. سنحافظ قطعًا على القدس مع كلّ العرب فيها. وكلّم أسرعنا في إرساء حياة طبيعية كان ذلك أفضل". يمكن في رأيي اعتبار هذا النقاش، وخصوصًا تعليق بيغن، تصوّرات أوّلية للقرارات الإسرائيلية النهائية لتحويل عرب القدس الشرقية إلى رعايا لا مواطنين في دولة إسرائيل. أجرت الحكومة في الأسبوعين اللاحقين أربع مناقشات حول "توحيد المدينة"، وتأثير ضمّ القدس الشرقية في مستقبل الضفة الغربية. وأبدى بعض الوزراء قلقهم من استخدام القرارات المتعلّقة بحدود الأراضي التي ضُمَّت وبالوضع القانوني لعرب القدس الشرقية أدلّةً على نيات إسرائيل تجاه الضفة الغربية. وكانت الحكومة في 25 حزيران/ يونيو 1967 على وشك الموافقة على اقتراح قدّمه اللواء رحبعام زئيفي (الملقب بغاندي)، وهو الشخصية الرئيسة في لجنة المسؤولين والعسكريين التي رسمت الحدود الجديدة للمدينة، ويقضي بضمّ مساحة كبيرة تبلغ 200 كيلومتر مربع فيها 22 حيًّا وقريةً، معظمها غير تابع للقدس، مع قرابة 100 ألف مقيم عربيّ (قدّم زئيفي إلى الحكومة حسابات مفصلة عن عدد السكان العرب في خياراتٍ بديلة). إلا أنّ تدخل وزير الدفاع موشي ديان في اللحظة الأخيرة قلّص مساحة الأراضي التي ضُمّت إلى 70 كيلومترًا مربعًا، يقطنها قرابة 70 ألفًا من السكان العرب. وكانت الحجتان الرئيستان لوزير الدفاع هم العامل الديموغرافي، أي تقليل عدد السكان العرب في الأراضي التي ضُمت، واعتراضه على غرس إسفينٍ بين المنطقتين الجنوبية والشملية للضفة الغربية، من شأنه أنْ يُعقّد أيّ حلٍّ سياسي في المستقبل. صرّح ديان في 25 حزيران/ يونيو أثناء اجتمع حكومي: "أعرف الشهية اليهودية [...] إنّ دمج أرض مطار (قلنديا - عطروت) وعين فارة (ينبوع وادي قلط) ليس ضمً للنصف الآخر من القدس، بل تقسيم للضفة الغربية إلى قسمين جنوبي وشملي، وأنا أعارض ذلك. فم دامت هذه الأرض في أيدينا
يمكننا استخدام المطار، لكنّني لا أؤيد [ضمّ] قلنديا أو عشر قرى أخرى يسكنها 20 ألف شخص بسبب وجوده". وفي الوقت نفسه، كان يدور نقاش حول وضع السكان العرب في المناطق التي ضُمّت، في اجتمع للّجنة الوزارية لشؤون القدس في 21 حزيران/ يونيو 1967، لمناقشة مضاعفات الفوضى المتوقعة إثر "توحيد المدينة". طرح عوزي نركيس قائد المنطقة الوسطى في الاجتمع سؤالً جوهريًا: "من سيكون المواطن في القدس الشرقية؟". فأجاب وزير العدل يعقوب شابيرا: "يجب توفير الخدمات لجميع السكان"، لكنْ "قانونًا لا تُنَح الجنسية تلقائيًا". وأوضح تسفي تيرلو الذي شغل منصب مساعد المستشار القانوني في مقرّ القيادة العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية: "لم نمنح الجنسية تلقائيًا للعرب في إسرائيل". وكانت هذه أيضًا روح تصريحات النائب العام موشيه بن زئيف ونائب وزير الداخلية يسرائيل بن مئير. نستطيع بعد تقليب الآراء هذه تخمين وجهة النظر الناشئة في وزارة العدل بعد عشرة أيام فقط من انتهاء الحرب، بأنّ عرب القدس الشرقية (على الأقلّ معظمهم) لن يحصلوا تلقائيًا على الجنسية الإسرائيلية لكنّهم، في المرحلة الأولى، يحصلون فقط على وضع قانونيّ بوصفهم رعايا. استخدم وزير العدل وموظفوه مثال عرب إسرائيل الذين لم يُسجّلوا عند نهاية حرب 1948 في السجلات الرسمية التي وُضعت ضمن حدود الدولة في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948. فقد أغفلت تلك السجلات العرب الذين كانوا يقيمون وقتذاك في النقب وأجزاء من الجليل الغربي و"المثلث" (تجمّع المدن العربية المحاذية للخط الأخضر)، فضلً عن كثيرين غيرهم ممّن كانوا غير مدركين أهمية التسجيل في دولة لم تُرسَم حدودها النهائية بعد. عاد آلاف العرب أيضًا إلى مناطق داخل حدود الدولة بعد توقيع اتفاقات الهدنة، بطريقة رسميّة عبر "لمّشمل الأسرة" أو عن طريق التسلّل إلى قراهم ومنازلهم. نتيجةً لذلك، ظهرت بعد تأسيس الدولة حالة لا يحصل فيها نحو 100 ألف شخص يقيمون فعليًّا في دولة إسرائيل، عُرفوا باسم "الغائبون الحاضرون"، على الجنسية إلا بموجب المادة الخامسة من قانون الجنسية الإسرائيلي لعام 1952، أيّ "التجنس". وهذه المادة تشترط تقديم طلب رسمي إلى وزارة الداخلية وتلبية عدد من المعايير، أحدها كان "إلمامًا بسيطًا باللغة العبرية". ومُنِحت الجنسية بحسب ما يرى وزير الداخلية حصرًا، وكان على صاحب الطلب إعلان ولائه لدولة إسرائيل. وفعلً أكد حينها عضو الكنيست رستم بستوني من حزب مبام: "لا يمكن هذا القانون أن ينكر حقوقنا [كعرب] في أن نكون مواطنين في بلدنا. لقد وُلدنا على أرضه وعشنا عليها طوال أجيال، وسنواصل العيش". لقد فُهم أنّ أحكام المواطنة لم يُقصد بها سكان البلاد الأصليون، بل الأجانب الذين يرغبون في الاستقرار فيها.
تنطبق هذه الحالة إلى حدّ بعيد على عرب القدس الشرقية. فمن وجهة نظرهم كانوا سكانًا في المدينة منذ زمن سحيق، ثم أصبحوا أيضًا من سكان دولة إسرائيل بعد أن تم تطبيق القانون الإسرائيلي والسلطتين القضائية والإدارية الإسرائيليتين على القدس الشرقية ضدّ إرادتهم. غير أنّهم من منظور القانون الإسرائيلي، بناءً على الحكم الصادر في عام 1988 من محكمة العدل العليا (رقم القرار: 282 / 88، عنوان القضية: مبارك عوض ضدّ رئيس الحكومة إسحاق شامير)، يجب اعتبارهم حاصلين على تصريح بالإقامة الدائمة في إسرائيل، على أساس قانون دخول إسرائيل الصادر في عام 1952 (حتى لو لم يدخلوا إسرائيل، بل هي التي أتت إليهم). ويمكن بسهولة إنهاء وضع إقامتهم إذا استقروا خارج إسرائيل (حصلوا على المواطنة أو الإقامة الدائمة في بلد معيّ) أو إذا كانوا يقيمون بالخارج (بما في ذلك في الضفة الغربية) أكثر من سبع سنوات من دون زيارة إسرائيل. لا يمكن المقيم في القدس الشرقية الحصول على الجنسية الإسرائيلية إلا بالتجنّس، أي تقديم طلب إلى وزارة الداخلية وتلبية الشروط المذكورة سابقًا. وغنيّ عن القول إنّ نسبة كبيرة من السكان العرب لا يستطيعون أن يصبحوا مواطنين لأسباب مختلفة. هناك أيضًا عقبات قانونية أمام تجنيس الأزواج المقيمين خارج حدود عام 1967. وحتى يومنا هذا، اختارت أقليّة صغيرة فقط (نحو 20 ألفًا، أي 6 في المئة من عرب القدس الشرقية) التقدّم بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية والتغلّب على العقبات الموصوفة سابقًا. ما زال للقرار "المؤقّت" (الذي أصبح بمرور الوقت حالةً دائمةً)، بمنح عرب القدس الشرقية وضع المقيمين في إسرائيل بدلً من مواطنين فيها، تداعيات بعيدة المدى تؤثر في جميع جوانب الحياة في القدس الشرقية حتى يومنا هذا. وكان عرب القدس الشرقية حتى عام 1988، مثل سكّان الضفة الغربية، يحملون الجنسية الأردنية بدلا من الجنسية الإسرائيلية. وقد سُمِح لهم بالحفاظ على الجنسية الأردنية بإذن إسرائيل وحتى تشجيعها. ولذلك استطاع عرب القدس الشرقية الاحتفاظ بعلاقات بالضفة الغربية والأردن والبلدان العربية بواسطة سياسة "الجسور المفتوحة" التي وضعها ديان. بل يوجد في القدس الشرقية فرع غير رسمي لوزارة الداخلية الأردنية (في غرفة التجارة) حيث يمكن المرء تجديد جواز سفره الأردني، رغم أنّ إسرائيل تعتبر الأردن دولةً معادية [في ذلك الوقت]. كان تأثير الأردن في القدس الشرقية واضحًا في عدد من المجالات الأخرى أيضًا، ففي سبعينيات القرن الماضي بدأت جميع مدارس القدس الشرقية تدرس المنهاج الأردني بعد أن فشلت إسرائيل في تطبيق مناهجها (من الصعب الاعتقاد أنّ ذلك قد يحدث لو كان عرب القدس الشرقية يحملون الجنسية الإسرائيلية). واستمرّت في العمل في القدس الشرقية المحكمة الشرعية الأردنية التي تتعامل (وفق الشريعة الإسلامية) مع قضايا الأحوال الشخصية (زواج وطلاق وميراث وشؤون الوقف المتعلقة بالوصاية على الملكيات الإسلامية)، وواصل حراس الأوقاف في الحرم القدسي الشريف الحصول على رواتبهم من الحكومة الأردنية.
كان الحل "المؤقت" للإقامة الإسرائيلية والجنسية الأردنية مناسبًا لجميع الأطراف. فلقد أراد معظم سكان القدس الشرقية الحفاظ على جنسيتهم الأردنية وكانوا غير قادرين أو غير راغبين في اتخاذ خطوة استباقية بطلب الجنسية الإسرائيلية. يطمح الأردن إلى الاحتفاظ بعلاقته بالقدس الشرقية، على أمل أن يتمكّن من استعادة السيطرة بعد انسحاب إسرائيل. لم يعترف المجتمع الدولي، ولا سيم الولايات المتحدة الأميركية، بضمّ إسرائيل وأيّدت الإبقاء على الوضع الراهن. أمّا من جانب إسرائيل، فمن الواضح أنّ الحكومة ليس لديها مصلحة في فرض الجنسية الإسرائيلية وزيادة عدد المواطنين العرب في القدس وفي إسرائيل ككلّ. أدى اندلاع الانتفاضة الأولى أواخر عام 1987، التي عزّزت الهوية الفلسطينية لعرب القدس الشرقية، والقرار الأردني بفكّ الارتباط مع الضفة الغربية في صيف 1988 إلى وضع جديد؛ حيث فقد معظم سكان القدس الشرقية فيه تدريجًا الجنسية الأردنية الكاملة. ويحمل الغالبية اليوم جوازات سفر أردنية مؤقتة هي في الواقع نوع من جوازات مرور. وليس لدى الغالبية العظمى من عرب القدس الشرقية - ويشكلون 40 في المئة من سكان عاصمة إسرائيل - جنسية كاملة إسرائيلية أو أردنية. مثّلت عملية أوسلو، وإنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994، ومَنْح عرب القدس الشرقية حقّ التصويت في انتخابات مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، وتطبيق منهاج فلسطينيّ في مدارس القدس الشرقية، عواملَ فاقمت تعقيد وضع عرب القدس الشرقية الممزقين بين هويتهم بصفتهم مقيمين في إسرائيل وحاملين لجوازات سفر أردنية مؤقتة وفي الوقت نفسه يَعتبرون أنفسهم جزءًا من الشعب الفلسطيني. ونتيجةً لهذه التطورات، لا تنطبق القوانين الإسرائيلية والسلطتان القضائية والإدارية الإسرائيليتان فعليًا على العديد من جوانب حياة عرب القدس الشرقية. ويمكن القول إنّ قرار ضمّها "أجوف" إلى حدّ بعيد، ويتعلّق أولً وقبل كلّ شيء بالأرض وليس بالبشر المقيمين عليها. أمّا المجتمع الدولي، فهو يشكّك دائمًا في ضم إسرائيل. ويؤدّي عدم المساواة الجوهرية بين السكان اليهود والعرب إلى مفاقمة تعقيد تشكيل منتديات اجتمعية واقتصادية وثقافية للتعاون. وفي الواقع تتجاهل نسبة كبيرة من السكان اليهود في القدس تمامًا جيرانهم الفلسطينيين، ولا تعتبرهم شركاء متساوين في إدارة القدس بالتأكيد. وبالمثل، فإنّ القيادة الإسرائيلية نادرًا ما تُعير اهتممًا لحاجات عرب القدس الشرقية الذين لا يشاركون في الانتخابات البلدية والوطنية ولا يُثّلون في المؤسسات السياسية للمدينة أو الدولة. تعدّ هوية عرب القدس الشرقية معقّدةً ومتعدّدة الأوجه، كم يوضح الدكتور طارق أبو حامد، أحد سكان قرية صور باهر، والذي تولى منصبًا كبيرًا في وزارة العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية. ففي حديث مع الصحافي والكاتب الإسرائيلي إليعازر ياري، قال أبو حامد: "أودّ أنْ أقول بضع كلمت عن فصام الشخصية عندي. لدى عرب القدس الشرقية ميزات عديدة. يستطيع المرء السفر في أنحاء العالم بجواز سفر أردنيّ يتيح دخول الدول العربية أو أيّ بلد في العالم من دون مشكلة. ويستطيع أيضًا استخدام وثيقة سفر إسرائيلية تتيح السفر في أنحاء العالم. قضية جوازات السفر تعكس حالةً عامّةً من الفصام؛ نحن لا نريد إسرائيل ونريدها بشدّة".
E. Yaari, Beyond the Mountains of Darkness (Herzelia: 2015), pp. 55-54 (in Hebrew).