اتجاهات تغلغل مجتمع السوق في الجيش الإسرائيلي: مراجعة كتاب الجيش ومجتمع السوق في إسرائيل
Directions of market society penetration within the Israeli army: The army and Market Society in Israel
الملخّص
عنوان الكتاب: الجيش ومجتمع السوق في إسرائيل (بالعبرية) المؤلفون: يغيل ليفي، نير غازيت، رينات موشيه، ألونا هرنس (محررون) الناشر: فلسطين: الجامعة المفتوحة ومعهد تحليل السياسات سنة النشر: 2019 عدد الصفحات: 213.
Abstract
Directions of market society penetration within the Israeli army: The army and Market Society in Israel
مراجعة كتابالجيش ومجتمع السوق يف إسرائيل
Directions of market society penetration within the Israeli army
الجيش ومجتمع السوق في إسرائيل (بالعبرية)
يندرج هذا الكتاب في حقل دراسات الجيش والمجتمع في إسرائيل. فقد تطور هذا الحقل مؤخرًا، ولا سيم في دراسة التحولات الاجتمعية التي مرّ بها الجيش الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة، والدراسات التي تهتم بدراسة التديّن والجيش، والتغيير الذي يحدث على المبنى الاجتمعي الديموغرافي في الجيش الإسرائيلي والمؤسسة العسكرية. وما يميّز هذا الكتاب هو طرقه بابًا جديدًا في دراسة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يتمثل في مقاربة تأثير التحولات الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق في الجيش الإسرائيلي، وما يحمل ذلك من تقاطع مع التحولات الاجتمعية في الجيش، ومفهوم "جيش الشعب" الذي يطلق على الجيش الإسرائيلي. ومن ثمّ، يحاول الكتاب أن يقدم إجابة عن سؤال أساسي: ما تأثير التحولات الليبرالية الجديدة الاقتصادية ومجتمع السوق التي هيمنت على الاقتصاد الإسرائيلي منذ الثمنينيات، وأثرها في الجيش الإسرائيلي، سواء من حيث بنيته الاجتمعية، أم الدافعية إلى التجنيد، أم تحولات مفهوم النخبة العسكرية، وبنية الجيش الإسرائيلي التنظيمية ومنظومته الإدارية، وغيرها؟ ليس صدفةً، إذن، أنّ جميع محرري الكتاب جاؤوا من كليات علم الاجتمع وأقسامه في الجامعات الإسرائيلية، ومن بينهم المحرر الأول للكتاب، يغيل ليفي، الذي يعدّ من المتخصصين المهتمين بعلاقات الجيش والمجتمع في إسرائيل، وانصبّ اهتممه البحثي في السنوات الأخيرة على دراسة التدين والتديين في الجيش الإسرائيلي، وأصدر في هذا المجال عشرات الكتب والمقالات العلمية والصحفية. يعالج الكتاب مقاربات نظرية للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والجيش ومجتمع السوق (الفصل الأول، يغيل ليفي)، ثمّ يعرج إلى تناول العلاقة بين الجيش ومجتمع السوق، من خلال مقاربة تحولات المنطق المؤسساتي والإداري داخل الجيش (الفصل الثاني، ألونا هرنس)، وتحليل التحولات في الخدمة العسكرية الثابتة، وتأثيرات الليبرالية الجديدة في مفهوم "جيش الشعب" (الفصل الثالث، موطي سفراي)، ثم ينتقل الكتاب إلى معالجة مسألة انخراط المتدينين المتزمتين (الحريديم) في الجيش، وعلاقة ذلك بمفهوم جيش السوق (الفصل الرابع)، والعلاقة بين الخدمة العسكرية والحياة المهنية بعد الجيش (الفصل الخامس، كرميت فدان وايال بن اري). ليتطرق أخيرًا إلى مسألة السرديات الأمنية، وتحولات النزعة العسكرية الإسرائيلية، وارتباطها بانخراط النخبة العسكرية في الصناعات العسكرية، داخل إسرائيل وخارجها (الفصل السادس، أرئيلا غرسياني).
يف مفهومي "مجتمع السوق" و"جيش السوق"
يستعرض الفصل الأول من الكتاب البنية النظرية التحتية للعلاقة بين مجتمع السوق والجيش. وينطلق من مقولة إنّ الليبرالية الجديدة في إسرائيل، وقد أصبحت المحرك للسوق منذ منتصف الثمنينيات،
قد تغلغلت في الجيش الإسرائيلي، وتمثل تلك بدايةً في تراجع الإنفاق الحكومي على الجيش، فضلً عن صعود قيم المحاسبة والرقابة الاقتصادية على مصروفات الجيش وآليات إنفاقها، مثل مدى جدوى الإنفاق وميزانية الجيش بالنسبة إلى الخدمة الأمنية التي يوفرها للمواطنين. فدخلت قيم السوق في مفهوم نجاعة الجيش الاقتصادية، ولم يعد المجتمع مستعدًا لمنح الجيش موارد اقتصادية غير محدودة، كم كان في السابق. غير أنّ الفصل يشير إلى أنّ ثلاثة تحديات فرضها مجتمع السوق على المؤسسة العسكرية. يتعلق التحدي الأول بالعلاقة بين الجيش والدولة؛ إذ نشأ الجيش الحديث مع صعود الدولة الحديثة، بينم تتراجع مكانة الجيش في فترة العولمة وضعف الدولة المؤسساتي، مقابل المؤسسات الدولية وقوى السوق. ومع هشاشة متغير الحدود الوطنية الإقليمية للدولة في حركة التجارة والهجرة، فإنّ ذلك انعكس على مكانة الجيش الذي ارتبط، أكثر من أيّ مؤسسة أخرى داخل الدولة، بالبعد الإقليمي للدولة. ويشير التحدي الثاني إلى أنّ القومية التي باتت، بحسب الكاتب، الأساس لمفهوم التضحية عبر الجيش، قد ضعفت أمام التوجهات الفردانية، وما بعد الحداثية، التي تبدي حساسية للتضحية بالحياة. ويرتبط التحدي الثالث بهجوم الليبرالية الجديدة على الحكومات، وعلى استهلاك الجيش الموارد، داعية إلى تقليص الإنفاق العسكري، وتنجيع عمل الجيش الذي يوفر خدمة مهمة، ولكنها باهظة الثمن. يُفرق الكاتب بين "جيش المواطنين" Army Citizen، و"جيش السوق"؛ إذ يرجع جيش المواطنين تاريخيًا إلى ظهور الجيش الذي يعتمد على التجنيد الجمهيري في فرنسا الثورة، في القرن الثامن عشر، وتطور مع تراجع تدريجي لجيوش المرتزقة. ويتميز جيش المواطنين بمجموعة من المميزات، من أهمها أنّ مواطني الدولة يخدمون فيه، بوصفهم مواطنين، وللمواطن الجندي وعي مواطني. غير أنّ الخدمة العسكرية تجمّد مؤقتًا مواطنيته. ولإحداث هذا التوازن يقوم الجيش بعملية تبادلية مع المجتمع المدني، وذلك من خلال جنود الاحتياط، وهو نظام ظهر في القرن التاسع عشر. وتعتمد شخصية المواطن - الجندي على تحديد الحدود بين المجال العسكري والمجال المدني، وتنتج في النهاية ما يسمى "أمة بزيّ عسكري"؛ إذ يُتوقع من الجيش أن يكون وكيل تهيئة للمجندين الشبان، أو "مدرسة للأمة". ويكون للدولة دورٌ مركزي في تجنيد الموارد للجيش، فالسيطرة على الجيش تكون من خلال المواطنين بواسطة منتخبيهم. وينبع من دور الجيش فكرة التجنيد الشامل في صفوفه، وإنْ واجه التجنيد الشامل تجنيدًا انتقائيًا في مراحل معينة. غير أنّ فكرة التجنيد الشامل المبنية على واجب التجنيد القانوني للجيش تعتمد على المبدأ الذي يمنح الحق في حمل السلاح (في إطار جيش منظم)، بوصفه حقًا مدنيًا. ويشير الكاتب إلى أنّ هذه المميزات قد تراجعت وضعفت في أعقاب صعود جيش السوق.
قبل عرض مميزات جيش السوق، يشير الكتاب إلى أنّ الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الإسرائيلي في أوائل الثمنينيات (ولا سيم التضخم المالي)، وتبنّي خطة "الاستقرار الاقتصادي" عام 1985، كانت بداية المسار لتقليص الإنفاق الحكومي على الجيش، بما في ذلك ميزانية الأمن عامةً. وجاء الانسحاب الأول للجيش الإسرائيلي، أوائل الثمنينيات، من لبنان فرصة لاستمرار تقليص الإنفاق على الأمن، الأمر الذي أدخل الجيش إلى دائرة ملائمة للتغييرات المتمثلة في تقلص الميزانيات الممنوحة له، والحاجة إلى إدارة موارده، بعدّه شركة اقتصادية، لنجاعة استعمل هذه الميزانيات، وتوفير خدمات الأمن للمواطنين. في الفترة 2005-1985 تراجعت نسبة الاستهلاك الأمني من الناتج المحلي، من 19 في المئة إلى نحو 5.5 في المئة، أي بتراجعٍ معدله 70 في المئة، مقابل ارتفاع الناتج المحلي ثلاثة أضعاف، بالمفهوم المعياري. ويشير الكاتب إلى النقاش العام الجاري حول شأن الموارد الأمنية، فالعالم يمرّ بعملية خصخصة في الخدمات الأمنية، وتتعلق الخصخصة بمفهوم فقدان مورد الأمن، بما هو مورد جمهيري نقي، فبحسب سملوسون، إنّ تعريف المورد الجمهيري النقيّ هو ذلك المورد الذي إذا استهلكه فرد فإنه لا يمسّ العرض المتوافر للآخرين، ولا يمكن منع أيّ فردٍ من التمتع به، سواء دفع ثمنًا لقاءه، أم لم يدفع. ويُعدّ مورد الأمن المثال التقليدي لمورد جمهيري نقيّ، فقد ظهرت خصخصة مورد الأمن في السياق الإسرائيلي، على سبيل المثال، في انسحاب الدولة من تحصين تجمعات سكنيّة من التهديدات الصاروخية، وتركت هذا الجانب لقوى السوق الخاصة. وقد ظهر النقاش حول الجدوى المالية للخدمات العسكرية في أعقاب ثلاثة متغيرات: أولها أنّ معظم جيوش الغرب تحوّل، في النصف الثاني من القرن العشرين، من جيوش عاملين إلى جيوش أموال (أو ممتلكات)، مع إلغاء التجنيد الإجباري، وتعزيز استعمل التكنولوجيا، وهو ما رفع من تكلفة موارد الجيش؛ لذلك، ازداد الاهتمم الجمهيري بتكلفة الأمن الذي يوفره الجيش. أما المتغير الثاني، فهو أنّ الحروب تحولت إلى حروب من الصعب تسويغها؛ لما يرافقها من أثمان عالية، الأمر الذي زاد من الرقابة الجمهيرية على موارد الجيش. ويخصّ المتغير الثالث تحوّل السلاح إلى منتج للصناعة والتصدير، له سوقه العالمية، وهذا ما أسهم في ازدياد النقاش حولها. إضافة إلى ما يرافق جيش السوق من نقاش واهتمم جمهيري بالجدوى المالية لمورد الأمن، يتميّز جيش السوق بنزع الصفة السياسية عنه، فالخطاب حول الجيش في سياق الليبرالية الجديدة يحاول قطع العلاقة بين موارد الجيش والمنطق السياسي الذي كان يوجه مهمته وتجهيزاته في مواجهة التهديدات؛ إذ إنّ الخطاب غير المسيّس يسعى لفرض مبادئ السوق التي تتمثل بتحضير الجيش للاستعداد لمواجهة التهديدات، من خلال الموارد المحدّدة له، بتنجيع العمل التنظيمي الإداري داخله. وفضلً عن ذلك، تتحدّد مساحة العمل المتوافرة لجيش السوق بواسطة الموارد المالية والبشرية المتوافرة له. وتتعلق إحدى المميزات المهمة لجيش السوق بالعلاقة بين الدافعيّة للتجنيد واحتياجات السوق، فالتحول الذي
حدث في اعتبارية (مرموقية) الوحدات العسكرية، مثلً، يتعلق باحتياجات السوق؛ إذ تشهد الجيوش صعودًا في عدد الراغبين في التجنّد في الوحدات التكنولوجية؛ لما تحمل من فرص عمل أكبر في سوق العمل العامة. وهذا التغير هو الذي وصفه عالم الاجتمع العسكري، شارلس موسكوس، بالتحول من فكرة التجنّد، بوصفها رسالة، إلى فكرة التجنّد، بوصفها مهنة.
تجليات مجتمع السوق يف الجيش الإسرائيلي
يشير التمثل الأول إلى مجتمع السوق في الجيش الإسرائيلي، في المنظومة الإدارية في الجيش، وفي تغيير اعتبارية الوحدات العسكرية، ونمط الدافعية لدخول هذه الوحدات؛ فقد واجه الجيش الإسرائيلي تحدييَن نبعا من مجتمع السوق، أولهم مواجهة الضغوط البنيوية النابعة من صعود قوة قطاع التكنولوجيا العليا ("الهايتك" Hi-tech) في الاقتصاد الإسرائيلي، وفي الاعتبارية الاجتمعية والاقتصادية التي رافقت هذا الصعود، لمن يعمل في هذا القطاع. وواجه الجيش هذا التحدي من خلال اتباع سياسة "الأولوية" Prioritization للوحدات التكنولوجية، والسايبر، والاستخبارات التكنولوجية التي تمثلها "الوحدة 8200" المشهورة في الجيش الإسرائيلي، ويتخرج فيها مهندسون وخبراء في هذا المجال للقطاع المدني. وهكذا تبيّ أنّ أبطال المجتمع الإسرائيلي في عهد الليبرالية الجديدة ليسوا أبطال الحرب، وإنما فئة الشباب التي تعمل في مجال الهايتك، وكسبت أموالها من خلال اختراع، أو براءة تكنولوجية ناجحة. وفي هذا الصدد، نتج نوع من العلاقة التبادلية بين الجيش والسوق؛ إذ إنّ وحدات الاستخبارات في الجيش تحولت إلى "العش" الذي تنمو فيه فئة الشباب الناجحة تلك، من جهة، وتحولت هذه الوحدات إلى قوة جذب لفئة الشباب الإسرائيلي التي تفضل الانخراط في هذه الوحدات؛ لأجل التأهل للانخراط والنجاح في مجتمع السوق بعدئذ، من جهة أخرى. وهذا ما يفسر صعود شرائح اجتمعية من الصهيونية الدينية في الوحدات القتالية، على حساب الشرائح العلمنية الأشكنازية التي تفضل الانخراط في الوحدات التكنولوجية. أما التحدي الثاني الذي فرضه مجتمع السوق على الجيش الإسرائيلي، فهو الضغوط على الجيش لتبنّي خطاب المؤسسات الربحية وسياساتها الاقتصادية. وقد واجه الجيش هذا التحدي (الضغوط) من خلال تبني سياسات الدمج. فمع تبنّي سياسة الاستقرار الاقتصادي عام 1985، دخلت إلى الجيش منظومتان إداريتان. وفي بداية التسعينيات، جرى تبنّي منظومة "إدارة الجودة الشاملة" التي كانت مشهورةً ومنتشرة، في ذلك الوقت، في المؤسسات الربحية، وتهدف إلى ضمن بقاء المؤسسة منافسًا في السوق. ولا تزال هذه المنظومة فاعلةً في بعض وحدات الجيش الإسرائيلي، ولا سيم في سلاح البر وشعبة التكنولوجيا واللوجستيات التي تعزز جودة العمل وتقلص الموارد. ومع تراجع هذه المنظومة في أواخر
التسعينيات تبنّى الجيش الإسرائيلي منظومة سوق جديدة، سُمّيت "التخطيط الاستراتيجي" التي ظهرت من خلال التشديد على التعليم الأكاديمي للضباط والجنود، واستيعاب كبير لخبراء إداريين، ومستشارين تنظيميين، واقتصاديين ومهندسين من مجال الإدارة والصناعة، وبرزت في عملية توزيع القوة بين الأذرع المختلفة للجيش، وتوزيع الصلاحيات في إدارة الموارد داخل الجيش. وفي الفصل الرابع، يناقش الكاتب مسألة تجنيد المتدينين المتزمتين (الحريديم) في الجيش، ويستعرض الصراع حول هذه المسألة، ومعارضة الأحزاب الدينية للخطط التشريعية لتجنيد المتدينين بعدد كبير، ودورها في إلغاء قانون التجنيد عام 2014 الذي فرض عليهم عقوبات مالية وجنائية في حال تخلّفوا عن التجنيد. ويدّعي الكاتب أنّ هناك موافقة خفيّة على تجنيد عدد كبير؛ لأسباب اقتصادية وليس مبدئية، على الرغم من معارضة الأحزاب الدينية الشديدة لتجنيد المتدينين. لذلك، فقد بلور المُشرّع الإسرائيلي منظومة تجنيد للمتدينين، تعتمد على إعطاء امتيازات اقتصادية. وأضافت عملية تجنيد المتدينين مرحلة جديدة في دمج قيم مجتمع السوق وسياساته في الجيش. وقد ظهرت هذه الامتيازات في إعلانات الجيش؛ لتشجيع المتدينين على التجنّد في الجيش، ومنها إعلان وتسويق مكثف في الإنترنت حول الفوائد الاقتصادية للمجتمع المتديّن من جراء الخدمة العسكرية، واستعمل جمعيات تعمل في الدفع بتشغيل متدينين خدموا في الجيش، وتشجيع فئة الشباب المتدين على التجنّد، وتقديم المساعدة المالية من الجيش لاستكمل التعليم والتأهيل المهنيّ للمتدينين، ومنحهم رواتب مرتفعة، وشروط خدمة مريحة، وتوفير توجيه مهني للّذين أنهوا خدمتهم. إضافة إلى ذلك، يحلّل الفصل الخامس تغلغل أنماط الإدارة، وبناء "المسار المهني" Career داخل الجيش، من خلال سياسات وخطاب يميز، بالأساس، مجتمع السوق. ويؤكد الفصل من خلال لقاءات أجراها الكاتب مع ضباط في الجيش، شاركوا في عمليات عسكرية، أنهم عملوا للتقدم في التراتبية في الجيش، والدفع بمسيرتهم المهنية داخله، من خلال تبني أنماط إدارة وخطاب مأخوذة من مجتمع السوق، من دون الاكتفاء بتلك الأنماط المعروفة في الجيش، أي: التوجه المؤسساتي التقليدي؛ إذ يدمج الضباط البعد المؤسساتي (التقليدي في الجيش)، والبعد التشغيلي (من مجتمع السوق)، في إدارة تقدمهم في الجيش. ويرتبط ذلك بالجهد الذي تحلّله الكاتبة في الفصل الأخير من الكتاب، ويتعلق بالسرديات الأمنية للضباط الإسرائيليين، واندماجهم في السوق بعد الخدمة العسكرية؛ إذ تظهر سرديات أمنية جديدة، هدفها اندماج الضباط في سوق العمل الدولية، ولا سيّم في الصناعات العسكرية والخدمات الأمنية العالمية. وفي الماضي، ارتبطت "النزعة العسكرية" Militarism الإسرائيلية بالعلاقة بين الجيش والمجتمع المدني، بينم تمثل السرديات الأمنية الراهنة بوضوح عملية التسليع والتدويل للنزعة العسكرية الإسرائيلية؛ إذ يستغل ضباط من المجالين العسكري والأمني المهارات العسكرية والأمنية التي اكتسبوها من خدمتهم العسكرية (الخبرة، والمعلومات، والتجربة)؛ لأجل تطوير مكانتهم في السوق الإسرائيلية
والسوق الدولية، وموضعة تلك المكانة، فيدفعون بفكرة أنّ إسرائيل هي المكان الصحيح لصناعة الأمن الدولية. ولفهم هذا التحول في النزعة العسكرية، تحلّل الكاتبة السرديات الأمنية والعسكرية لإسرائيليين يموضعون أنفسهم ودولة إسرائيل في سوق السلاح والأمن الدوليتين، فيستعملون مبادئ الليبرالية الجديدة والتجارية، ويدمجونها في السردية الوطنية الجمعية؛ لتحقيق أهدافهم الشخصية على صعيد هذه التجارة المحلية والدولية.
خلاصات
يقدم هذا الكتاب قراءات لجوانب جديدة من تغلغل مجتمع السوق في المؤسسة العسكرية والجيش في إسرائيل؛ محاولً إضافة طبقة أخرى من الدراسات والأبحاث في هذا المجال. وقد ركّزت الدراسات والتقارير على جانب واحد من تغلغل مجتمع السوق في الجيش، يتعلق بنجاعة استخدام الموارد المالية والبشرية في تنفيذ الجيش مهمته الوطنية، فضلً عن دراسة موضوع الخصخصة في الجيش والخدمات الأمنية. ويكشف عن مساحات جديدة، مثل التجنيد، والسرديات الأمنية، والإدارة والتنظيم، وغيرها. وعلى الرغم من أنّ الكتاب يتعرّض لها تعرضًا أوليًا عبر فصوله، فهي إضافة معرفية مهمة في فهم التحولات التي تجري داخل المؤسسة العسكرية والجيش، في سياق اقتصاد الليبرالية الجديدة في إسرائيل منذ الثمنينيات. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أنّ تغلغل مجتمع السوق في الجيش الإسرائيلي، والسرديات الأمنية، لم يؤدِّ بعدُ إلى تصدع عميق في فكرة الجيش الإسرائيلي، بصفته صهيونيًا جيش الشعب، على الرغم من أنّ هنالك حاجة إلى دراسات وأبحاث تحلّل تحولً مهمً في الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، ويتعلق بتغلغل البعد "الميليشيوي" للجيش، وهو بلا شك بُعد ظهر أيضًا نتيجة تغلغل مجتمع السوق في الجيش.