المؤّشرات الديموغرافية والتحوُّل الديمقراطي: أيُّ علاقة؟
Demographics and Democratic Transition: Any Relationship?
الملخّص
مراجعة كتاب الديموغرافيا والديمقراطية: التحوُلّات يف الشرق الأوسط وشمل أفريقيا Demographics and Democratic Transition: Any Relationship?
Abstract
Iranian political scientist Elhum Haghighat's book examines the problematic relationships between development, demography and democratic transitions, showing how these shaped social and political landscapes in the Middle East and North Africa.
- التحولات الديموغرافية
- التنمية
- الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- الانتقال الديمقراطي
- Democratic Transition
- Demographic Transition
- Development
- Middle East and North Africa
Demography and Democracy: Transitions in the Middle East and North Africa
مُقدّمة
يندرجُ كتاب الديموغرافيا والديمقراطية: التحوُلّات في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في إطار دراسات الديموغرافيا السياسية، التي تبحثُ أثر التغيُّات الديموغرافية في قضايا التنمية والتحوُّل الديمقراطي والمُشاركة السياسية والأمن البشري. وتجدرُ الإشارة في هذا السياق إلى بعض روّاد الحقل الذين ركّزت أعملهم على مُعالجة العلاقة بين التحوّل الديموغرافي والتحوّل الديمقراطي. فقد كان من أوائل من مهّد لظهور هذا الحقل لورانس ستون، بربطه بين التعليم والثورات السياسية1، ثُمّ تبعته ثلّة من الباحثين الذين تناولوا التحوُلّات الديموغرافية بوصفها مُهدِّدات للاستقرار الاجتمعي والسياسي، وبحثوا دور الشباب في تحقيق أو عرقلة التحوُّل الديمقراطي2، مثل ريتشارد شينكوتا الذي أكّد أنّ البلدان التي تنطوي على نسبة كبيرة من الشباب في سنّ العمل أو "تضخُّم الشباب" هي أقلّ احتملً أن تُحقِّق ديمقراطية ليبرالية مُستقرّة مقارنةً بالبلدان ذات الهيكل العُمري الأكثر نُضجًا، إلّ في حال استمرت الخصوبة في الانخفاض واستمر الهيكل العمري في النضوج3. كم تجدر الإشارة إلى تيم دايزن الذي جادل بأنّ النموّ السريع في عدد الشباب يُكن أن يُثير صُعوباتٍ تتعلّق بفُرص العمل، وهو ما يؤدي إلى قلقلة الاستقرار الاجتمعي4، وهانز فيبر الذي رأى أنّ الدول الديمقراطية التي تنطوي على نسبةٍ كبيرة من الشباب قد تستحيلُ إلى الدكتاتورية باحتملٍ أكثر من المُجتمعات التي تضمُّ نسبة أقلّ من الشباب، وافترض وجود علاقة سببية بين الديموغرافيا والديمقراطية، لأنّ الشباب يتزعّمون الأعمل السياسية العنيفة والتطرُّف السياسي؛ ما يُهدِّد الديمقراطية5.
يبحثُ كتاب الديموغرافيا والديمقراطية: التحوُلّات في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا أثر التحوُلّات الديموغرافية في "التاءات الثلاثة" (التنمية، التغيير الديموغرافي، والتحوُّل الديمقراطي)، وكيفية تشكيلها للمشهد الاجتمعي والسياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا (أو اختصارًا، "مينا" MENA)، سعيًا إلى وضعِ التغيُّات الديموغرافية الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا ضمن سياقاتها الاجتمعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وذلك بالانطلاق من رفض المنظور الغربي الذي يُحتّم الوصول إلى العلمنة عن طريق التحديث، وذلك لأنّ الدين يُثّل مُكوّنًا مهمًّ للمُجتمعات الشرق أوسطية، ولأنّ المؤسّسات الدينية توفّر للمواطنين حاضنة للإصلاح وتعزيز الديمقراطية وتنمية الشعور بالهوية الاجتمعية والسياسية. ومنهجيًّا، يتبنّى الكتاب إطارًا نظريًا مُتداخل التخصُّصات، من أجل تحليل مُتعدِّد الم -ُستويات (ماكرو – ميسو ميكرو) للتغيُّات والتحوُلّات الاجتمعية المُعاصرة في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، من خلال نماذج مُختارة تُثّل حالات الدراسة، استعانةً ببيانات اجتمعية واقتصادية وديموغرافية تاريخية وجندرية وسياسية. ومن ثمّ، يُجيب الكتاب عن سؤالٍ رئيس: متى وتحت أيّ ظروف تؤدّي التنمية الاجتمعية والاقتصادية إلى التحوُّل الديمقراطي والتنمية السياسية؟ (ص.)xi-2 يقع الكتاب في خمسة فصول، إضافة إلى مُقدّمة وخاتمة. يبحثُ الفصل الأوّل نظريًا التأثير المُعقّد والمُتضارب للعولمة والتنمية والتصنيع والتحديث في عملية التحوُّل الديمقراطي، والعلاقة السببية بين التنمية والديمقراطية، مع التطرُّق إلى خصوصية منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. أمّا الفصل الثاني، فيدرس الديناميّات المُعقّدة للتنمية والتغيُّات الديموغرافية والتحوُلّات الديمقراطية. ويتناول الفصل الثالث عواقب التنمية الاقتصادية والتغيُّ الديموغرافي في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، مع اهتممٍ خاص بالعلاقة بين الثروة النفطية في منطقة الخليج وهجرة اليد العاملة إليها. ويُركّز الفصل الرابع على التحوُلّات السياسية الناشئة عن التغيُّات الديموغرافية والتطوُّرات المُتعلّقة بالنوع الاجتمعي والجنسانية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. وأخيرًا، يبحثُ الفصل الخامس الديناميّات التاريخية والاجتمعية والاقتصادية، وأبعاد السياسة والمُجتمع في حالات الدراسة الأربع: اليمن وقطر وتونس وإيران، لإبراز الأبعاد المُتشابهة وإظهارِ الأنماط والتحدّيات وأوجُه الاختلاف.
أولً: التحول الديموغرايف والتنمية والديمقراطية
درست إلهام هاجيجات في هذا الكتاب العلاقة بين التنمية والديمقراطية، وتعتقد أنّها مُعقّدة. فمن أجل بقاء أيّ نظام ديمقراطي وازدهاره، يجبُ أن يوفّر الشرعية لمواطنيه، التي تتحقّق عادةً من خلال التنمية الاقتصادية المُستمرّة والفاعلية والمُساءلة. وإن كانت التنمية السياسية عملية، فإنّ التغيير والاستمرارية هُم مُفتاح هذه العملية. وتُجادل المؤلّفة بأنّ التنمية الاقتصادية والتحديث يُسهلّان عملية الدمقرطة
والتنمية السياسية. فتقدُّم الم جتمعات الحديثة اقتصاديًّا وصناعيًّا يجعلها أكثر عُرضة لحقوق الإنسان والحُرّيات، ومع توسُّع المُجتمع المدني، تُصبح الحقوق والامتيازات المُتساوية محطّ تركيز، ويُشارك المواطنون بنشاطٍ في تحسين حياتهم ومُجتمعاتهم (ص. 25) وتعدّ هاجيجات الولادة والوفاة وصافي الهجرة (الهجرة إلى مكانٍ ما مطروحًا منها الهجرة من مكانٍ آخر) ثلاثة مُتغيّات أساسية للتحوُّل الديموغرافي (ص 41، 45 - 46). وتشيرُ إلى أنّ الاختلاف بين التحوُّل الديموغرافي في العالم الغربي عن مثيله في البلدان النامية يتمثّلُ في نقطتين: أوّلً، يحدثُ بوتيرةٍ أبطأ بكثير، بحيث استغرق فارق الزمن بين انخفاض الخصوبة وانخفاض مُعدّل الوفيّات أكثر من 100 عام في المُجتمعات الأوروبية، بينم استغرق هذا الانتقال في أجزاءٍ أخرى من العالم أقلّ منُ 20 عامًا؛ ثانيًّا، جرى انخفاض مُعدلّات الخصوبة في العالم المُتقدّم من دون تدخُّل مُباشر من الدولة أو الجهات الدولية، بينم حدث في العالم النامي عن طريق التدخُّل المُباشر أو غير المُباشر لبرامج تنظيم الأسرة؛ وقد أثّر هذان الاختلافان تأثيرًا مُباشرًا في التنمية والتحوُّل الديمقراطي (ص 50 - 51)، حيث توفّر مُعظم دول الشرق الأوسط وشمل أفريقيا إمكانيةَ الوصول المُباشر إلى خدمات تنظيم الأسرة، والتي نجح مُعظمها في خفض مُعدلّات الخصوبة على مدى العُقود الماضية، إلّ أنّ تداعيات الخصوبة المُرتفعة وانخفاض مُعدّل الوفيات ما زالت مُتمثلة في انفجارٍ سكّاني يتجلّ في تضخُّم الشباب (ص).74 تحتلُ منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا أعلى مُعدّل بطالة في العالم للرجال والنساء، وذلك نتيجة ضعف القطاع الاقتصادي الذي لا يدعم "تضخُّم الشباب" وحاجتهم إلى العمل. ولمّا كان من المُفترض أن تؤدّي التنمية الاقتصادية إلى تحسين حياة المواطنين وإمكانية وصولهم إلى الموارد المُجتمعية، مثل التعليم والتوظيف وخدمات الإنجاب الصحّية، فإنّ الاستثمر الكبير في التعليم بمنطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا لم يؤتِ ثماره. فباستثناء حالات قليلة، لم يساهم التعليم في النموّ الاقتصادي في المنطقة (ص 72 - 73). وتُراوح أعمر 90 في المئة من المُتعلّمين في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين؛ مع وجود فجوة بين الذكور والإناث لصالح الذكور (ص 60 - 61). وكذلك الأمر بالنسبة إلى مُعدلّات التوظيف والبطالة، التي تأتي لصالح الذكور أيضًا (ص. 66). وفي جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، نجدُ تحسُّنًا في متوسّط العُمر المُتوقّع للذكور والإناث على حدٍ سواء (ص).84 وتُجادل هاجيجات بأنّ التنمية الاقتصادية والتحديث يُسهلّان عملية الدمقرطة والتنمية السياسية (ص. 25)، مع نفي التطابق بين الحداثة و"الغربنة"، كون عملية التحديث في الغرب اتّبعت سياقًا مُختلفًا عمّ اختبره (وما زال) العالم غير الغربي. فمثلً، يُشكّل الدينُ السياسة إلى حدٍ بعيد في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، ما يتطلب تناول عملية التحديث على أنّها تعملُ بالتنسيق مع الدين، لا ضدّه (ص 15، 18). فقد جاءت حركات الإحياء الديني في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بوصفها ردَّ فعلٍ على التغريب؛ وهي حركات إصلاحية غير متطرفة تعمل في إطار مؤسّسات المُجتمع المدني غالبًا، وتُساهم في
الأعمل الخيرية وبرامج محو الأمّية وخدمات الرعاية الصحّية، ما يُحقِّق توازنًا مُقابل الهياكل الاقتصاديةُ والاجتمعية والسياسية القمعية والفاسدة في مُجتمعات المنطقة. كم أنّ حركات الإحياء الديني توفّر مساحةً لمُشاركة النساء الفاعلة في التغيير من خلِال انخراطهن في العمل الاجتمعي، وذلك ضمن بنية أبوية وذكورية مُهيمنة (ص 21، 27 -.)29 وبالنسبة إلى التنوُّع الإثني واللُّغوي في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، ترى المؤلفة أنّ الهويات الإثنية غير المُتجانسة قوّضت جانبًا مهمًّ للديمقراطية، وهو الشعور بالوحدة والاندماج، ما أضعف المؤسّسات السياسية والاجتمعية في الدول التي تُعاني صراعاتٍ إثنية (ص. 31). وعلى العكس من ذلك، تنفي بعض الدراسات تأثير عدم التجانُس الاجتمعي في الديمقراطية6؛ بمعنى أنّ الصراعات تُثّل عائقًا بالضرورة أمام مسار الدمقرطة، وإنّا تترسّخ الديمقراطيات في حالاتٍ كثيرة من دون وجود تجانُس هوياتي/ اجتمعي.
ثانيًا: الثروة النفطية والهجرة
ارتفعَ مُعدل الخصوبة بين مواطني بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع ارتفاع مُستوى المعيشة لديهم، ونتج من ذلك نشوء جيل صغير السن. ومن ناحيةٍ أخرى، أدّت الموارد البترولية الهائلة إلى تسريع الانتقال من المُجتمعات الأقلّ نموًّا إلى المُجتمعات الأكثر تقدُّمًا خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا. وكذلك، كانت زيادة مُتوسّط العُمر المُتوقّع، وانخفاض مُعدلّات الوفيات والخصوبة، وتحسين نظُم الرعاية الإنجابية والصحّية، وتحسين التعليم على جميع المُستويات، وانخفاض مُعدلّات البطالة، عمومًا، نتائجَ إيجابية (ص 108 -.)109 وتُجادل هاجيجات هنا بأنّ الهجرة بين الدول العربية هي النمط السائد في العُقود الأخيرة بمنطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا اليوم؛ إذ تظهر الهجرة المؤقّتة إلى دول مجلس التعاون ثابتةً تقريبًا، بسبب العلاقة بين التحديث السريع والثروة النفطية الهائلة والحاجة غير العادية إلى العملة المُهاجرة المؤقّتة (ص. 98). فقد غيّت الثروة البترولية المشهد السياسي والاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا بخلقها اقتصادًا سياسيًّا ريعيًّا في المنطقة. كم أدّت إلى ظهور أنماط جديدة للهجرة من المنطقة وإليها، أصبح بموجبها المُهاجرون جُزءًا مهمًّ من المشهد الاقتصادي لدول الخليج العربية، بعد أن كانوا مُجرّد مجموعات صغيرة من العُمّل المُهاجرين؛ الأميركيين والأوروبيين والباكستانيين والسودانيين والمصريين والفلسطينيين (ص 100 -.)103
وينحدر غالبية العُمّل المُهاجرين اليوم في بلدان الخليج العربية من دول جنوب وشرق آسيا، ثم من دول أفريقية أخرى؛ وذلك بسبب اتّباع سياسات "أُسْيَنةَ" (Asian-ization) العُمّل على حساب العرب، لاعتبار العُمّل المُهاجرين الآسيويين والأفارقة أكثر انصياعًا، إضافةً إلى أنّها استراتيجية سياسية تمنع أيّ مُطالبات بالتجنيس والاستيعاب من قِبَلِ المُهاجرين العرب كالفلسطينيين7. وما زال العُمّل المُهاجرون يتعرّضون للتهميش في المجالات الاقتصادية والاجتمعية والسياسية، ويُشار إليهم من قِبَلِ الحُكومات والمواطنين في دول الخليج على أنّهم "قوّة بشرية مُغتربة" أو "عُمّل وافدون"، لتعزيز وضعهم المؤقّت، إضافةً إلى نظام الكفالة الذي يزيد تعقيد وضع المُهاجرين. ومن ناحيةٍ أخرى، ساهم وجود العملة المُهاجرة في غياب طبقة عاملة محلّية قوية ومُتمكّنة في دول الخليج (ص 104 - 106). كم أنّ تدفُّق الموارد البترولية تسبّبَ بإشكاليات اجتمعية وثقافية عميقة: (أ) خلقت الاستراتيجية السياسية المُتمثّلة في "الأسْيَنة" مُجتمعاتٍ شديدة الانقسام والاغتراب والتفرقة بين المواطنين وغير المواطنين؛ (ب) على الرغم من أنّ مُعدلّات البطالة مُنخفضة نسبيًّا، فإنّ مُستويات البطالة المُرتفعة بين المواطنين8 خلقت بعض الاحتكاكات مع غير المواطنين، على الرغم من أنّ المواطنين أقلّ استعدادًا لتأدية الأعمل التي يؤدّيها المُهاجرون؛ (ج) أدّى التحوُّل السريع في الاقتصاد العالمي إثر الطفرة النفطية إلى علاقةٍ مُفكّكة بين الدولة ومواطنيها من حيث الدين والهياكل القبلية والأسرية والأبوية. فبينم التنمية الاقتصادية فعّالة، إلّ أنّ صعوبة بناء المؤسّسات بيّنَت أن التنمية السياسية مُتعسّة؛ (د) زادت انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاتجار بالبشر، فيم يتعلّق بطريقة دخول المُهاجرين إلى دول مجلس التعاون، وظروف معيشتهم وعملهم وتجاربهم (ص 110،.)113
ثالثًا: الفاعلية والعلائقية: النوع الاجتمعي والجنسانية
كم أنّ بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا تسيرُ في مسارٍ فريد نحو التحديث، فإنّ النسوية فيها تختلفُ بطبيعتها كذلك. ولا يعني عدم توافق النسوية الغربية مع الإسلام والشريعة عدمَ وجود نسويات في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا (ص. 114)، إلّ أنّ الإدماج السياسي للمرأة لا يزال
مُتأخِّرًا في المنطقة؛ إذ تُعدُّ فاعلية المرأة ومُشاركتها في القوى العاملة مُنخفضة، على الرغم من أنّ العديد من بلدان المنطقة مرّت بعملية تحديث وتطوير، إلّ أنّهن بتنَ يضعن استراتيجيات نحو التمكين والإصلاح والتغيير في مُجتمعاتهن (ص. 117) ولفهم العلاقة بين السُلطة والموارد والعلاقات في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، تقترحُ هاجيجات تناول مفهوم الفاعلية التي تعني "قدرة الفرد على اتّخاذ خيارات فعّالة، وتحويل تلك الاختيارات إلى نتائج مرجوّة"، كون جوهر عدم المُساواة بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا يتمثّل في عدم المُساواة في القدرة على مُمرسة الفاعلية. وترى هاجيجات أنّ ثمّة روابط وثيقة بين الفاعلية بوصفها عملية، والعلائقية التي تنظر إلى الفرد بوصفه كيانًا يعملُ وسط أشخاصٍ يعيشُ بينهم. وعليه، فإنّ القرارات ليست قائمة على أساس فردي، وإنّا علائقي. ولا يعتمد صُنع القرار للرجال والنساء على كيانهم الفردي ومصلحتهم الذاتية، بل يرتبطُ بوصفه قرارًا سياقيًا بالعلاقات الأسرية وعلاقات القرابة؛ ولا شكّ في أنّ ديناميّة الأسرة في مُجتمعات الشرق الأوسط وشمل أفريقيا أبوية وعلائقية (صُ).132 - 131 وتتفاقم السيطرة على الهويات الجنسية والتحكُّم في أجساد النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، حسبم ترى المؤلفة، بسبب صعود الأصولية الإسلامية، التي فرضت السيطرة من خلال إعادة تفسير وفرض القِيَم الأخلاقية، والتي غالبًا ما تكون موجّهة نحو تنظيم السلوك الجنسي على النحو الذي حدّده الأصوليون. ومن ثمّ، لم تعُد الحُقوق الجنسية مسألةً خاصّة، بل قضية مشحونة سياسيًّا ومُرتبطة بالمؤسّسات السياسية والأبوية. وعليه، أصبحت قضايا النوع الاجتمعي والحقوق الجنسية تتحدّى على نحو أساسي النظام الأبوي المؤسسّي على المُستوى الكُلّ. وعوضًا عن ذلك، فإنّ السبب الجذري للظُلم ليس الإسلام، وإنّا طريقة التلاعُب بالإسلام من أجل القمع، وتصوير الإسلام على أنّه مُعادٍ للديمقراطية، يضرُّ بالمُقاومة والحركات الإصلاحية السياسية الموجودة في المنطقة (ص 136 - 138). فقد أعيد تفسير الإسلام والشريعة الإسلامية واستخدامهم أداةً من قِبَلِ النخبة للحفاظ على التقاليد غير الغربية في مكانها (ص 141 -.)142
رابعًا: سؤالُ التنمية: اليمن وقطر وتونس وإيران
تعكسُ حالات الدراسة المُختارة، بوصفها محاولةً لتغطية التبايُنات في دول الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، مُستوياتٍ مُختلفةً من التحوُلّات الديموغرافية والديمقراطية، وعمليات مُختلفة للتحديث الاقتصادي والسياسي. ويُعدُّ اليمن الدولة الأقلّ نموًّا في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، ولا يُحرِزُ مُستوى جيّدًا في أيٍّ من الأبعاد الديموغرافية والتنموية، مثل مُعدّل الوفيات، والخصوبة، ومُتوسّط العُمر المُتوقّع، والتعليم،
والتوظيف. كم أنّ اليمن دولة هشّة وتتخلّله أزمة شرعية كبيرة، إذ تستحوذ الدولة على جزءٍ من السلطة، بينم تؤدّي الشبكات الرسمية وغير الرسمية لزُعمء القبائل والنخب دورًا رئيسًا على المُستوى دون الوطني. علاوةً على ذلك، فإنّ وجود فجوة واسعة بين النخبة والطبقة الوسطى – إضافةً إلى انتشار الفقر – أوجد زخمً للتغيير السياسي رُغم بطئه الشديد، ليتمثّلَ أخيرًا في اندلاع انتفاضة عام 2011، التي جاءت لرفضِ عُقودٍ من قمع النخبة الحاكمة (ص 145 -.)146 وبالانتقال إلى قطر، تُثبت المؤشّات الديموغرافية والاقتصادية للتنمية أنّ قطر تُثّل قصّة نجاح على مُستويي الشرق الأوسط وشمل أفريقيا والمُجتمع الدولي، من حيث ارتفاع مُستوى التعليم والتوظيف، وانخفاض مُعدّل الوفيات والخصوبة والبطالة. فقد استُثمرت الثروة الريعية في قطر لتطوير وتنويع اقتصادها ومُجتمعها، كم أنّ مُستويات المعيشة والوصول إلى الموارد مُرتفعة للمواطنين القطريين. وقد نما عدد السكّان نموًا كبيرًا خلِال العُقود الماضية بسبب الهجرة الجمعية، والانخفاض التدريجي للخصوبة، والانخفاض الحاد في مُعدّل الوفيات بين المواطنين (ص. 173). وبينم عانت بعض البلدان الصراعَ بين القِيَم التقليدية والتحوُّل الحديث، فإنّ قطر تمكّنت من الحفاظ على العديد من تقاليدها مع إدخال التحديث إلى اقتصادها والمُشاركة السياسية على المُستوى الدولي (ص 177 - 178). وقد أجرت قطر تحسينات عديدة على نظام الكفالة. أمّا تونس، فإنّها تسيرُ على طريق مُجتمع أكثر ديمقراطية، بوجود طبقة وسطى حضرية ومُتعلّمة واسعة، وحركات وأحزاب سياسية علمنية ومُعتدلة، ونقابات عُمّلية ومُنظّمت مُجتمع مدني قوية، تساهم جميعها في التحديث السياسي لتونس؛ مع الإشارة إلى أنّ النشاط السياسي كان جُزءًا من الثقافة قبل انتفاضة عام 2011، وما زال. وترى هاجيجات أنّه يُكن تطبيق منظور الحداثة المُتعدِّدة على حالة تونس، حيث يُثّل الدين جُزءًا مُهمًّ من هوية الناس ونظام القِيَم، ولا يتلاشى مع التحديث. ففي الواقع، أصبحَ الدين أكثر أهميةً في مُجتمعهم وسياساتهم المُعاصرة (ص. 184)؛ وما زال التحديث الاقتصادي والسياسي يمضي إلى الأمام جنبًا إلى جنب مع التحوُلّات الديموغرافية في تونس (ص. 195) وبخصوص إيران، فقد تحقّقت تحسينات هائلة في مؤشّاتها الديموغرافية، مثل مُتوسّط العُمر المُتوقّع، والوفيات وانخفاض الخصوبة، ومُستوى معرفة القراءة والكتابة والتحصيل التعليمي لجميع مواطنيها، إلّ أنّها تشهدُ ارتفاعًا في مُعدّل البطالة لكُلٍّ من النساء والشباب. وفيم يتعلّق بالهوية، فإنّ إيران اليوم وهويتها السياسية ليستا مُجرّد نتاج للإسلام، بل نتاج قرون عديدة من التحوُلّات الجيوسياسية والاجتمعية والديموغرافية والثقافية المُعقّدة، فنظامها هجين، وهو مزيج من إرادة الله المُنفّذة من خلال المُرشد الأعلى، والمؤسّسات السياسية والاجتمعية الحديثة التي تُشبه نظامًا ديمقراطيًّا، لكنّها أقربُ إلى الحُكم المُطلق. وهنُاك طرُق يستطيع المواطنون من خلِالها التعبير عن مظالمهم ودفع الإصلاح الاجتمعي، لكنّ القرارات النهائية بشأن الإصلاحات الاجتمعية والقانونية تقع في يد المُرشد الأعلى
(ص. 195). وفي جميع الأحوال، كان أحد مجالات التركيز الم همّة يتمثلُ في توفير الرعاية الصحّية والتعليم وتطوير البنية التحتية في المدُن الصغيرة والمناطق الريفية، وليس فقط في المناطق الحضرية (ص).209
خاتمة: التحوُّل الديمقراطي والتحوُّل الديموغرايف: أيّ علاقة؟
يأتي كتاب هاجيجات ليتّخذ مسارًا مُغايرًا عن غالبية الدراسات الكلاسيكية في حقل الديموغرافيا السياسية، التي بحثت دور التحوُلّات الديموغرافية في عرقلة التحوُّل الديمقراطي. وفي الآن نفسه، لا يُكن الإقرار بأنّ كتاب هاجيجات جاء بجديدٍ في حقل الديموغرافيا السياسية، إذ نجده يُقدّم مجموعةً ثرية من الإحصاءات، لكنّه لا يتجاوز الاستعراض الوصفي، مع الافتقار إلى التحليل. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الأفكار الرئيسة التي نوقِشت اعتمدت اعتمدًا كبيرًا على أفكارٍ طُرحت سابقًا، مثلً في الربط بين الديموغرافيا والديمقراطية. ويبدو واضحًا أنّها كرّرت على نحو كبير ما خَلُص إليه عمل يوسف كرباج، خاصّة فيم يتعلق بالتطبيقات على منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا9. في الواقع، وعلى الرغم من استعراض المؤلفة للكثيرِ من المُتغيّات في العلاقة بين التحوُلّات الديموغرافية وتعزيز الديمقراطية، فإنها لم تُناقش العلاقة بين الديموغرافيا والديمقراطية مُباشرةً، بل عَرضت الأبعاد المُختلفة التي تنطوي عليها. وفي هذا الصدد، يبدو أنّ المؤلفة فقدت بوصلتها في كثيرٍ من المواضع، وتفرّعت بالحديث إلى الحدِّ الذي تناولت فيه بعض النظريات أو المفاهيم من دون أن تُضمّنها في التحليل، مثل نظرية النظُم العالمية. ومن ناحيةٍ منهجية، وعلى الرغم من تطرُّق الكتاب إلى زوايا مُختلفة، فإنّ كثرة الاستعانة بحقول معرفية ونظرية أثّرت في جودة التحليل. أيضًا، قدّمت المؤلفة – أثناء دراسة الحالات الأربع – استعراضًا تاريخيًّا غير مُفيد في سياق البحث، إذ لم يكُن مُرتبطًا بأيٍّ من التحوُلّات الديموغرافية أو الانتقال الديمقراطي. فبينم تحتوي كل دراسة حالة على معلومات قيّمة حول البلدان الأربعة من حيث التاريخ السياسي والجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، إلّ أنّ هاجيجات لم توضّح كيف يؤثّر التحوُّل الديموغرافي في دراسات الحالة في التحوُّل الديمقراطي؛ إذ لم تُقدّم أدلة إمبريقية كافية على الآليات السببية للإجابة عن سؤال: كيف تؤدّي التنمية والديموغرافيا إلى التحُّول الديمقراطي؟ واكتفت بشرح كيف يحدث التحوُّل الديموغرافي والاجتمعي والاقتصادي، من خلال زيادة مُعدلّات الإلمام بالقراءة والكتابة، وانخفاض مُعدلّات الخصوبة، وبروز المرأة في عملية التحوُّل الديمقراطي. ومن ثمّ، فهي تقوم بشرح التحوُّل الديمقراطي في مؤشّات لم تحدُث ولم تتحقّق بعد. ولربما
تتحسّن المقاييس الاجتمعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا في المُستقبل، لكن هذه التحوُلّات قد لا تؤدّي بالضرورة إلى الديمقراطية. وبينم جادلت المؤلّفة بأنّها تُجري دراسات حالة لأغراضٍ مُقارنة، إلّ أنّ الكتاب يُناقش الحالات الأربع نقاشًا مُنفصلً ولا يُقدّم فصلً ختاميًّا للمُقارنة. ومن جانب آخر، تختلف الحالات الدراسية اختلافًا كبيرًا، إلّ أنّ الكاتبة لم تُقرِّر معايير المُقارنة التي اختارت على أساسها هذه الحالات، بل اكتفت بالنظر إلى المُخرجات السياسية والتنموية، وبناء افتراضات تاريخية إثر ذلك. وقد وقعت المؤلفة في فخِّ التعميم على نحو كبير على طول الكتاب، وبالتحديد في الفصول التي كانت تتحدّث فيها عن المؤشّات الديموغرافية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، إذ لم تُحدِّد خصوصية كل دولة في هذه المنطقة، واختلاف مؤشّاتها، وما يستتبع ذلك من اختلاف في المُخرجات السياسية. وعلى الرغم من أنّ المؤلفة تناولت وعاءً بنائيًّا في تطبيق النظريات، كأن تقول إنّ الحداثة في العالم الغربي تختلف عن الحداثة في سياقات أخرى، أي ثمُّة حداثات لا حداثة واحدة، فإنّها اتّخذت هذه النظرية كم أتت في السياق الغربي، ودرستها بعينٍ غربية بدلً من تبيئتها في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا.
المراجع
العربية
كرباج، يوسف. "هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟". عمران. مج 1، العدد 3.)2013(
كرباج، يوسف وحلا نوفل. الفلسطينيون في العالم: دراسة ديموغرافية. الدوحة/ بيروت: المركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
المومني، بسمة. فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي. ترجمة فادي ملحم. الدوحة/ بيروت:
المركز العربي للابحاث ودراسة السياساتٔ،.2016
الأجنبية
Cincotta, Richard P. "How Democracies Grow Up." Foreign Policy. no. 165 (2008).