العودة إلى تفاصيل المؤلَّف كيف نتخيّل المستحيل: الدور المتحول للفكر الطوباوي في التخطيط المدني والخيال العلمي ودراسات المستقبل

كيف نتخيّل المستحيل: الدور المتحول للفكر الطوباوي في التخطيط المدني والخيال العلمي ودراسات المستقبل

Imagining the Impossible: The Shifting Role of Utopian Thought in Civic Planning, Science Fiction, and Future Studies

عومرية سلطاني

Abstract

The Shifting Role of Utopian Thought in Civic Planning, Science Fiction, and Future Studies

الكلمات المفتاحية:
  • الخيال العلمي
  • الدراسات المستقبلية
  • التخطيط المدني
  • الفكر الطوباوي
Keywords:
  • Science Fiction
  • Future Studies
  • Civic Planning
  • Utopian Thought

الدور المتحول للفكر الطوباوي يف التخطيط المدني والخيال العلمي ودراسات المستقبل** Imagining the Impossible

The Shifting Role of Utopian Thought in Civic Planning, Science Fiction,

and Future Studies

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/DNAM3887

مقدمة

بحسب تواريخ المستقبليات و/ أو الدراسات المستقبلية، فإنّ هذا الحقل يعود بأصوله الأولى إلى بَردايم "أبحاث العمليات" الذي ظهر في منتصف القرن العشرين، المنبثق بدوره مم عُرف لاحقًا/ راند)RAND(. والتفكير في بناء المستقبليات على هذا النحو يعني تجاهل العديد من التخصصات الأخرى التي ركزت بدورها على تطوير المستقبلَات المتخيَّلة ووصفها وتحليلها؛ إذ يقصُ هذا التاريخ، المرتبط حصرًا بمؤسسة راند، المستقبلياتِ "الحقيقيةَ" في بَردايم علمي في الغالب (بل علموي Scientistic في كثير من الأحيان)، ووضعيٍّ وكميٍّ وعقلاني، مستبعِدًا الإنتاج النوعي في العلوم السياسية وعلم الاجتمع والنظرية الاجتمعية والهندسة المعمرية والتخطيط الحضري، إضافة إلى الممرسات ذات الطابع المستقبلي القريبة من مجالات التأمل والخيال التي نعثر عليها لدى الفنانين والأدباء. أعتقد أن تجاهل هذا التاريخ يعني تجاهل بعض الدروس المهمة عم يمكن للمستقبليات أن تحققه بشأن تصوراتنا عن المستقبل المعياري أو "المفضل".

مترجمة جزائريةAlgerian researcher and translator.* **Paul Graham, "Imagining the Impossible: The Shifting Role of Utopian Thought in Civic Planning, Science Fiction, and Futures Studies," Journal of Futures Studies, vol. 20, no. 2 (December 2015), pp. 113–122.

1 للاطلاع على مثال مطابق، ينظر على سبيل المثال: Wendell Bell, Foundations of Futures Studies: Human Science for a New Era (New Brunswick, NJ: Transaction, 1996). لأغراض الترجمة، سنستخدم هنا كلمة مستقبلَات (Futures) جمعًا للمفرد مستقبل (Future)، وذلك بدلً من أشكال المستقبل على

سبيل المثال، ومن دون الدخول في نقاشات تتعلق بمشروعيةٍ معيارية لصيغة الجمع في هذه الحالة؛ فالمقصود هنا هو الأشكال أو التصورات البديلة والمحتملة للمجتمع التي تجري مفهمتها في ضوء الاتجاهات السياسية والاقتصادية والبيئية والتطورات التكنولوجية المستمرة والممتدة في الزمن، بل حتى دور اللغة ومستقبلها في هذه الاحتمالات. في المقابل، سنعتمد مصطلح مستقبليات ترجمةً للمصطلح الإنكليزي (Futurism)، الدال على الحركة. أما العلم أو الحقل الذي يدرس المستقبلَات فهو (Futurology). وتجدر الإشارة كذلك إلى أن مصطلح

(Futures) يستخدم أيضًا في الأكاديميا الغربية للإحالة اختصارًا على الدراسات المستقبلية (Studies Futures). (المترجمة)

تصنيف اليوتوبيات

يعدّ التراث الأدبي المتمحور حول اليوتوبيا هو سلف المستقبليات الأول، ويبدأ فعليًا مع كتاب يوتوبيا الذي ألَّفه توماس مور. وهو كتاب مشهور، لكنه لم يُقرأ على نطاق واسع، ويعدّ عملً ينتمي إلى مجال الخيال والبدايات الأولى لعلم السياسة. في القسم الأول، يوضح مور ما يراه إشكالياتٍ سياسية في عصره. ويروي في القسم الثاني قصةً تدور أحداثُها في جزيرة خيالية نائية، حيث جرى تجاوز المشكلات المذكورة في القسم الأول بفضل نظام سوسيوسياسي جديد. أولت الدراساتُ الخاصة بالخيال العلمي النمطَ الطوباوي اهتممًا كبيرًا. وحتى نكون واضحين هنا، ليس كل خيال علمي طوباويًا، وليست كل يوتوبيا خيالً علميًا. لكنّ النوعين يشتركان في العديد من الاستعارات المتعلقة بتمثُّل الأنظمة السوسيوتكنولوجية المتخيَّلة، ويعتمدان على الجهاز السردي نفسه؛ أي الانتقال في المكان و/ أو الزمان بالقدر الذي يكفي لشرعنة (أو على الأقل التمويه على) احتمل تحقُّق المجتمع المتصوَّر على أرض الواقع. ويُحدد إدوارد جيمس تصنيفًا ثلاثيًا للأنماط الأدبية الطوباوية التي يتوحَّد من خلالها هذان النوعان في تراث تاريخي واحد، ويتتبع تطور شكلها من اليوتوبيا الكلاسيكية، مرورًا باليوتوبيا التكنولوجية، وصولً إلى اليوتوبيا النقدية. كانت اليوتوبيا الكلاسيكية الشكل السائد حتى بداية القرن العشرين تقريبًا، وتنحدر أساسًا من نص مور الأصلي، وتتميز بمحاولتها وصفَ مجتمع مثالي حُلَّت فيه كل المشكلات بصورة نهائية. ومثلم هي الحال دائمًا مع التصنيفات الأدبية، فإن حدودها ضبابية، وقد يُظهر أيّ نص منها خصائصَ تنتمي إلى أكثر من نمط واحد، لا سيم خلال فترات الانتقال؛ إذ أفسحت اليوتوبيا الكلاسيكية المجالَ بالتدريج للنمط التكنولوجي، الذي تزايد تأثيره شيئًا فشيئًا مع تغلغل التقدم التكنولوجي في الحضارة الغربية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ويمكن العثور على أحد تعبيرات اليوتوبيا التكنولوجية بامتياز في القصص القصيرة التي نشرها المحرر الشهير جون كامبل، وفيها يفصح عن رغبته في "عالم أفضل" (بحسب عبارة كامبل التي يستشهد بها إدوارد جيمس). يقول جيمس: "ما مِن تناقض في هذه العبارة؛ فعبارة 'عالم أفضل' تختلف عن عبارة 'عالم مثالي'". وهو تغيير يتحقق عن طريق الأدب التعليمي في المقام الأول، "وأيضًا عبر عرضٍ للاحتملات البديلة"؛ بيد أنّ "الجزء الأكبر من هذه الاحتملات البديلة إنما يتعلق بالثورة التكنولوجية لا بالثورة السياسية؛ فبناءُ الدساتير والترتيبات السياسية، وهي العنصر الأساسي في اليوتوبيا الكلاسيكية، لا تحظى

Thomas More, Utopia: A New Translation, Backgrounds, Criticism, Robert Martin Adams (trans.) (New York: W. W. Norton, 1975). Edward James, "Utopias and Anti-utopias," in: Edward James & Farah Mendlesohn (eds.), The Cambridge Companion to Science Fiction (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 219-229. 5 Ibid.

إلا بقدر ضئيل من الجاذبية لدى قسم كبير من الكتاب [في هذا النمط"]. تركز اليوتوبيا التكنولوجية، إذًا، على تحسين المجتمع عبر التدخل العلمي التكنولوجي، وترى أن العملَ السياسي عفا عليه الزمن وبات عائقًا أمام التغيير الجذري، بدلً من اعتباره عنصرًا حاسمً لا مفر منه. اعتمد جيمس على أعمل توم مويلان (Moylan Tom) ليصف النمط الثالث بأنه يوتوبيا نقدية، مثلم تبُرزه كلاسيكيات الخيال العلمي المتعارف عليها في حركة "النيو ويف" [الموجة الجديدة] التي انتشرت خلال السبعينيات. فكان المؤلفون في نمط اليوتوبيا النقدية، مثلم فعلوا في أعقاب يوتوبيات الثقافة المضادة الفاشلة في الستينيات، "مدركين لمخاطر تقديم مخطط طوباوي، واستخدموا رواياتهم لانتقاد المجتمع الذي كتبوا عنه، بل البدائل الطوباوية الممكنة". واليوتوبيا النقدية سياسيةٌ حتمً (وفق المعنى ما بعد النسوي عن أن "الشخصي - سياسي" في الغالب، وإنْ ليس حصرًا)، لا تنتقد الوضع القائم الذي يكتب المؤلف انطلاقًا منه فحسب، بل أيضًا البديلَ الطوباوي الخاص الذي يقدمه، وكذلك فكرة اليوتوبيا القابلة للتحقق نفسِها. يتجذر التصنيف الذي يقدمه جيمس فيم نسميه الغرض (Telos)؛ وهو الهدف الخطابي الذي ينتمي إليه السرد الطوباوي، وذلك على الرغم من أن هذه الأنماط الثلاثة تستخدم أمكنة و/ أو أزمنة خيالية في صورة صندوق اختبارات يمكن من خلاله تجربةُ الأفكار الجديدة، حيث لا مخاطرَ فيه تشبه تلك التي ينطوي عليها بناءُ المجتمعات التجريبية الفعلية في العالم الحقيقي. لكن الحديث عن الغرض يثير شبحًا مزعجًا؛ فالعودة مؤقتًا إلى كتاب مور تجعلنا نتساءل: هل يمكننا الركون إلى اليقين من أنه كان يقصد طوباويته الخاصة بوصفها تصوّرًا عن مجتمع مثالي وكامل؟ ألا يكون الأمر هجاءً متقنًا ومحايدًا للمثُل الطوباوية التي كانت تتعارض تعارضًا مباشرًا مع العقيدة السائدة في الكنيسة التي احتل فيها مور منزلة مهمة؟ إن هذه التفسيرات المزدوجة هي في الواقع ضمنيةٌ في عنوان الكتاب، فقد صاغ مور مصطلح يوتوبيا عن اللغة اليونانية من عبارة (ος π τό οὐ)، والتي تتُرجم حرفيًا إلى "لا مكان"، لكن اليوتوبيا في اللغة الإنكليزية تترادف مع كلمة (ος π τό εὖ eutopia–) التي تُحيل ترجمتها الحرفية إلى "مكان جيد". أقصد مور تأكيد فضيلة دولته الخيالية (كم رآها)، أم خيالية دولته الفاضلة أم ربما تُراه تعمَّد الخلط بين المعنيين؟ والشبح هو قصد المؤلف؛ إذ يخبرنا رولان بارت (Barthes Roland) أن المؤلف ميّتٌ، وليس لدينا منفذ خاص نصل منه إلى المعنى الذي صاغ به عمله، وهو الأمر الذي يتضاعف بالنسبة إلى مؤلف مثل مور يفصلنا عنه زمن سحيق إضافة إلى التغير الاجتمعي المصاحب. وحتى لو افترضنا أن مور حاول بالفعل تصوُّر مجتمع مثالي، فإن مفهومه عن الكمل مسبوغ بلون الرؤية الكونية في عصره أو "رؤية العالم" (Weltanshaüng). وعلى الرغم من أنه يحوي عناصرَ قد يعتبرها القراء المعاصرون تقدمية، فإنه يتميز

6 Ibid. 7 Ibid.

أيضًا بعناصر تبدو أقرب إلى الديستوبيا (مثل عقوبة الإعدام في حالة الزنا على سبيل المثال). وفي غياب أي منفذ يقود إلى قصد المؤلف، يصير تفسيرُ النص الطوباوي ذاتيًّا تمامًا، وهو ما يكشف عن مفارقة: فكيف قد تكون المدينة الطوباوية طوباويةً حقًا إذا لم تستوعب أن لكلٍّ فكرته الخاصة عن الكمل؟ حاول المؤلف والناقد في الخيال العلمي، صموئيل ديلاني، معالجة إشكالية التفسير في الخيال العلمي، فقدّم مفهوم "بروتوكول القراءة". ويفترض ديلاني أن القارئ يحلل القصة باستخدام بروتوكول يسائل النصَّ بالإحالة على مجموعة من الاصطلاحات التفسيرية التي يتشكل منها "الخطاب العلمي الخيالي"، وذلك بدلً من تصنيف النص على أنه خيال علمي حين يعثر فيه على المجازات والأساليب والأنماط المتعارف عليها؛ ما يعني أن القارئ قد لا يدرك تمامًا كيف يتعرَّف إلى الخيال العلمي، بل يدركه حالما يصادفه، وهو إدراك يستند إلى ما صادفه سابقًا من أمثلة مشابهة. وتؤدي إزاحة "سمة الخيال العلمي" (Science-fictionality) من النص، ونقلها إلى مجال قراءة ذلك النص أو تفسيرِه، إلى توليد "قراءات" ذات سمة خيالية لنصوص لم يقصد مؤلفوها بالضرورة أن تكون خيالً علميًا. والجانب الآخر المقابل هاهنا هو أن القارئ الذي لا تتطابق بروتوكولاته مع المؤلف قد لا يتعرف إلى القصد من وراء النص الذي يُراد له أن يُقرأ وفق منظار الخيال العلمي. ولا يبدو هنا أن الكثير قد أُنجز في افتراض أن آلية ممثلة قد تساعد في تفسير اليوتوبيا؛ إذ إننا لسنا متأكدين من ماهية اليوتوبيا، لكننا على يقين تام من أننا سنعرفها حالما نصادف نصوصها. أسهم مفهوم ميشيل فوكو عن الهيتروتوبيا)Heterotopia( في التصدي لهذا الغموض بصورة أفضل. وهو مفهوم واسع ومعقد يخضع لتفسيرات متعددة؛ ما يعني أن فكرة الهيتروتوبيا نفسها [بإحالتها على التباين واللاتجانس المكاني] تخضع للتباين أيضًا؛ إذ هي مكان ذو معنى متعدد، ومتنازع عليه (والأهم من ذلك هو أنه) معلَّق. وربما كانت الهيتروتوبيا مكانًا "حقيقيًا"، لكنها مفهوم يمكن تطبيقه أيضًا على الفضاءات النصية أو المفهومية/ النظرية، وبذلك فهي تتداخل على نحو معين مع مفهوم ديلاني عن بروتوكول القراءة في الخيال العلمي. فنص الخيال العلمي – وكل النصوص في واقع الأمر – هو فضاء ذو معانٍ متعددة، ويعتمد على البروتوكولات الخاصة التي يحملها إليه قراء معينون؛

يمكن التقاط هذه المفارقة بدقة في القصة القصيرة الشهيرة والمؤلمة لمؤلفتها أورسولا لو جين والمعنونة ب (Walk who Ones The.)away from Omela Samuel R. Delany, Starboard Wine: More Notes on the Language of Science-Fiction (Pleasantville, NY: Dragon. 1984). 10 Ibid. الهيتروتوبيا عند فوكو مفهوم له علاقة بالمكان أو الجغرافيا البشرية؛ يحيل عامة على الفضاءات المعزولة عن هيمنة محيطها بحيث تحكمها نقاط خروج ودخول مثل المكتبات العامة والمقابر والملاجئ والمستشفيات على سبيل المثال، بحيث تجمع شرائح وفئات مجتمعية متباينة تأتي إليها لأغراض محددة. ولذلك، فالميزة هنا هي أنها فضاءات مكانية، لكنها تقوم على مكونات مادية وغير مادية/ عقلية تعكسها اللحظة، كأن يجمع الفضاء المكاني ممثلً في القطار فلسطينيًا وإسرائيليةً في قصة حب تنعكس فيها أنماط ثقافية متباينة مقارنة بواقع الصراع على الأرض. 12 Michel Foucault, "Of other Spaces," Jay Miskowiec (trans.), Diacritics, vol. 16, no.1(1986), pp. 22-27.

فتكون اليوتوبيا في قراءة هذا هي الديستوبيا في قراءة ذاك، وهذا يعني أن جميع اليوتوبيات ذات الصلة هي في واقع الأمر هيتروتوبيات عند النظر إليها ضمن السياق. وتشبه الهيتروتوبيا فكرة بيتر لامبورن ويلسون عن "يوتوبيا القراصنة" (Utopia Pirate). ويتكهن ويلسون، بناءً على الأدلة التاريخية القليلة المتوافرة، بأن قراصنة الساحل البربري في القرنين السادس عشر والثامن عشر ربما أسسوا ما يمكن اعتباره فعليًا دولً أناركية بدائية صغيرة ومعزولة، وجيوبًا تقع خارج النطاق السياسي أو العسكري للقوى العظمى وقتها، وكانت من ثمّ قادرةً على إنشاء أنظمة سوسيوسياسية مستقلة جذريًا عن المذاهب السائدة في عصرها. ويقر ويلسون أن ثمة القليل من الأدلة أو لا أدلة إطلاقًا على صحة تخميناته هذه، لكنه يجادل بإمكانية وجودها الواضحة؛ ليكسر بذلك التمييز ما بين تاريخ اليوتوبيا والتاريخ الطوباوي، وهو التمييز الذي يشكل الوجه الآخر في المفارقة الطوباوية. ثم كتب ويلسون تحت اسم مستعار، هو حكيم باي، ليطور يوتوبيا القراصنة إلى مفهوم المنطقة المستقلة مؤقتًا (Zone Autonomous Temporary)، وهي أجزاء من الزمكان يجري فيها تعليق النظام السوسيوسياسي السائد، ولكن لفترة وجيزة، بحيث يسمح ذلك بتسيُّد أشكال راديكالية من العلاقات الاجتمعية غير الهرمية. تتوافر أمثلةٌ عن يوتوبيا القراصنة/ المنطقة المستقلة مؤقتًا الموجودة راهنًا (أو التي وُجدت راهنًا لنكون دقيقين)، مثل قلعة "كولون وولد سيتي" المسوَّرة والقديمة في هونغ كونغ على سبيل المثال، أو المهرجانات غير المرخصة والتلقائية التي شهدتها أواخر الثمنينيات من القرن العشرين، وثقافة الهذيان (Culture Rave) في إنكلترا أوائل التسعينيات. وجوهر الفكرة هنا هو اعتبار يوتوبيا القراصنة حالةَ استثناءٍ مؤقتة من بعض قواعد المجتمع الأوسع الذي تنتمي إليه أو كلها. ومع أنه قد تكون يوتوبيا القراصنة عادةً غير قانونية إلى حد ما، فإن السلطات قد تتسامح معها، سواء بسبب الصعوبة التي ينطوي عليها إنهاؤها، أو الفائدة التي تمثلها بوصفها نوعًا من "صمم الأمان" على المستوى الاجتمعي. على هذا النحو، تجدر الإشارة إلى أن الاختلاف الوحيد بين القرصان (Pirate) والقائم بأعمل القرصنة (Privateer) هو أن الأخير يحصل على تصريح مجاني لسلوكه الإجرامي ما دام في خدمة الدولة

Peter Lamborn Wilson, Pirate Utopias: Moorish Corsairs & European Renegadoes (New York: Autonomedia, 2003). 14 Hakim Bey, TAZ: The Temporary Autonomous Zone, Ontological Anarchy, Poetic Terrorism (New York: Autonomedia, 2003). مدينة بنَتها الصين في عهد حكومة تشينغ في هونغ كونغ بعد احتلال البريطانيين لها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم استولى عليها البريطانيون وصارت ملاذًا للعسكريين. ظلت هذه مدينة لسنوات طويلة ما يسميها كاتب المقال منطقة مستقلة مؤقتًا، بمعنى أنها ظلت خارجة عن ظروف محيطها المباشر سواء الصيني أو البريطاني، ثم حظيت بحرية نسبية وأصبحت ملاذًا للهاربين من الثورة الثقافية الصينية على سبيل المثال وللعصابات المتنوعة والممارسات المختلفة. بل بقيت من دون حكومة تنتمي إليها حتى عام 1987، لذلك، وبعد سنوات طويلة من الوجود تحولت تقريبًا إلى نمط من اليوتوبيا. (المترجمة) أشهر مظاهر ثقافة الهذيان هي الحفلات غير المرخصة التي تُعزَف فيها الموسيقى الإلكترونية الصاخبة، ويجري فيها تناول الممنوعات وخرق القواعد المرعية. ولا يقتصر سياقها الزمني على تسعينيات القرن العشرين فحسب، إذ اشتهرت بريطانيا بهذه الحفلات خلال الحجر الصحي في سياق جائحة كورونا، لذلك كان أهم التعبيرات فيها هو خرق إجراءات التباعد الاجتماعي باعتباره نوعًا من الاحتجاج على قيود الإغلاق. (المترجمة)

(ومن ثمّ تحت حميتها). وحتى في حالة أكثر أشكال الهيمنة صرامة (وإن لم يكن فيها على نحو خاص)، فإن ليوتوبيا القراصنة فائدةً أو دورًا تؤديه في دعم نظام الدولة المهيمنة وتبريره، حتى مع كونها تجسد مثالً بارزًا عن شرور فكرة الاستثناء. عدَّدتُ حتى الآن تصنيف جيمس للأنماط الطوباوية في الأدبيات السائدة: اليوتوبيا الكلاسيكية التي تصور نظامًا اجتمعيًا كاملً، واليوتوبيا التكنولوجية التي تصور عالما يجعله التدخل التكنولوجي أفضل، واليوتوبيا النقدية التي تصور المشروع الطوباوي وهو يواجه فشله المحتوم؛ إذ يقوض النمط النقدي مفهوم اليوتوبيا بوصفها مشروعًا قابلً للتنفيذ، لكنه على الرغم من ذلك يثمِّن النمط الذي تقدمه بوصفه فضاءً تجريبيًا يسمح باستكشاف مآلاتها وحالات فشلها. كم قدمتُ أيضًا للمفاهيم ذات الصلة عن الهيتروتوبيا و"يوتوبيا القراصنة"؛ وهي تعكس ما يحدث حين نحاول حمل اليوتوبيا إلى الوجود في العالم الحقيقي: فتحقُّقها جزئي على الدوام، ومخترق، وغير مستقر، وسريع الزوال، ويعتمد على إقصاء القوى السياقية التي من شأنها أن تقضي عليها.

المختبر بوصفه فضاءً طوباويًا

بعد أن ناقشتُ وظيفة المفاهيم الطوباوية، أود أن أحاجّ بأن المنهج العلمي يعتمد على إنشاء فضاءات طوباوية تُعرف باسم "المختبرات". فالطريقة العلمية الإمبريقية تعتمد على اختبار الفرضيات التي تقوم على ملاحظة الواقع. بيد أنَّ الواقع يُعدُّ مشكلة بالنسبة إلى التجريبيين؛ إذ يحتوي على عدد كبير جدًا من الأجزاء المتحركة، والتي قد يكون العديد منها غير ذي صلة أو عائقًا أمام ملاحظة الظواهر التي تشغل العالِم، ويقتضي التأكدُ من صحة الاستنتاجات السببية التخلصَ من أكبر عدد ممكن من المتغيرات الخارجة عن التجربة. فالمختبر إذًا، بوصفه فضاءً ماديًا ومفهوميًا، هو صفحة بيضاء وواقع مبسط استُبعدت منه العوامل الخارجية وغير الملائمة، و"منطقة مستقلة مؤقتًا" يستطيع التجريبي اتخاذ القرارات فيها. يجادل إجناز ستريبل وجين إم جاكوبس في حجاجهم عن مختبرات البحث والتطوير في مجال الإسكان بأن: "في فضاء المختبر، يحدث الانسحاب من العالم برمته. فهو يخلق فضاءً من الخصوصية النسبية التي تسمح بأن تحدث أنواع معينة من التجارب، ومنها تلك المرتبطة بالابتكارات التكنولوجية، بطريقة مسيطَر عليها وبتأثير محدود على العالم 'الحقيقي' الموجود خارج المختبر ". أو، لاستخدام مصطلح يفضله عالم الأحياء الميداني الشهير روبرت كوهلر، يمكن اعتبار المختبرات "أماكن بلا مكان"... أي لا أماكن؛ ومن ثمَّ فهي يوتوبيات. فالانسحاب من العالم مثلم يصفه ستريبل وجاكوبس هو، وكم وضحنا آنفًا، استراتيجيةٌ تشترك فيها جميع أنماط السرد الطوباوية، وتحويل الفضاء السردي إلى

17 Ignaz Strebel & Jane M. Jacobs, "Houses of Experiment: Modern Housing and the will to Laboratorization," International Journal of Urban and Regional Research, vol. 38, no. 2 (2014). pp. 450-470. 18 Robert E Kohler, "Place and Practice in Field Biology," History of Science, vol. 40, no. 2 (2002), pp. 189-210.

مختبر على هذا النحو هو بالضبط ما يحدد الشكلَ الطوباوي. وعلى هذا النحو، يتراكب ها هنا المعنيان المحتملان عند مور؛ إذ اليوتوبيا هي اللامكانوالمكان الجيد في الوقت نفسه. وهكذا يكون المجتمع المثالي غير قابل للتحقق بحكم التعريف، على النحو الذي فهمه الكتّاب الطوباويون النقديون بالخبرة.

العمران الطوباوي

بعد أن حددتُ تصنيفًا للأنماط الطوباوية، وحاججتُ بأنه يمكن اعتبار المختبر فضاءً مفهوميًا طوباويًا، أنتقل الآن إلى التخطيط الحضري وتقاليد تخطيط المدن، التي لطالما كانت الأنماط الطوباوية للمستقبل مركزيةً فيها، فقد ظهر تخطيط المدن بوصفه ردَّ فعلٍ على الكوارث الحضرية التي عرفها العصر الفيكتوري، حين صار التغاضي عن العواقب الجغرافية التي خلَّفتها الثورة الصناعية مستحيلً. وقد جادل الناقد المعمري جوناثان ميدز (Meades Jonathan) بأن العمرة هي شكلٌ فنيٌّ يفتقر إلى موضوع؛ فالعمران والتخطيط المكاني لا يستطيعان تصوير الواقع، ولذلك فهم يحاولان تجسيد النظريات والأيديولوجيات الاجتمعية في شكل ملموس (إذا جاز لنا استخدام هذه التورية). كان المخططون الحضريون الأوائل مثاليين وإصلاحيين، ونادرًا ما كانوا من المهندسين المعمريين؛ فكانت ممرستهم مدفوعة ومحفزة بالرغبة في بناء مجتمعات جديدة لا بناء مبانٍ جديدة. يقول بيتر هول كان دور إبنيزر هوارد (Howard Ebeneezer) مركزيًا في تأسيس ما نعتبره اليوم تخطيط المدن والعمران، وكان هوارد في قلب حركة "مدن الحدائق" (Cities Garden) المؤثرة التي افترضت أن بناء نظام اجتمعي جديد لا يمكن تحقيقه داخل النظام المعمري الحالي للحاضرة الفيكتورية؛ فاقترح بناء مجتمعات جديدة هي التي نعرفها اليوم باسم "الحزام الأخضر" (Belt Green)، وهنا يتكشَّف توجهه الطوباوي بجلاء، ليس فقط في مطالبته الصريحة بصفحة بيضاء يمكن البناء عليها، بل في فكرة البرنامج الاجتمعي المصحوب بالخطط. وهكذا أعاد المشروع إنتاج سذاجة اليوتوبيا الكلاسيكية نفسها حين جرى اعتبارها مخططًا؛ إذ بُني عدد من مدن الحدائق، لكن معالمَها الطوباويةَ تعرضت للتقويض بسبب الوقائع الاقتصادية والسوسيوسياسية في ذلك الوقت. ومع مطلع القرن العشرين، حادت مثالية الحداثة المعمرية والعمرانية – مثلم تتجلى في مشروعات لو كوربوزييه (Corbusier Le) الحالمة – عن اندفاعاتها التكنولوجية الطوباوية في اتجاه تبسيط

19 Peter Hall, Cities of Tomorrow: An Intellectual History of Urban Planning and Design in the Twentieth Century (Oxford: Blackwell,1988), pp. 87-135. أو شارل إدوار جانريه-غري Jeanneret-Gris) (Charles-Édouard (1965-1887)، المعماري والنحات والرسام الفرنسي من أصل سويسري الذي يُعتبر رائد العمارة الحديثة، ويُعزى إليه ابتكار الوحدة السكنية أو المجمعات السكنية التي كان لها أنْ تواجه أزمة السكن عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. كما أن إنجازاته العمرانية وإنشاءاته في مجال التخطيط العمراني لا تزال قائمة في فرنسا إلى اليوم بوصفها تراثًا يُحتفى به. (المترجمة)

المزعج منها وتكميمه واستبعاده: واقتضى ذلك استخدام تقنيات العلم والتكنولوجيا لفرض نظام صارم وميكانيكي على الواقع الفوضوي لبقايا المدن، ولو تطلَّب ذلك هدم هكتارات من عمران النظام القديم وتسويته بالأرض والبدء من جديد؛ فليكن! يروي الناقد المعمري أوين هاثرلي، عن جارفيس كوكر (Cocker Jarvis)، قائد فرقة البوب التي تتخذ من شيفيلد مقرًا لها، شعور الفرقة بأن أعضاءها ترعرعوا وسط أطلال يوتوبيا فاشلة تمثلها "أنصاف المدن المستقبلية سابقًا التي صارت كومة من القممة"، بعد أنْ كانت الرؤى المتعلقة بها ذروة الحداثة البريطانية. ويرى هاثرلي أن ذلك يجسد "الرثاء الذي يحمله جميع من آمنوا بالحداثة بشدة، واعتبروا الحاضر مسؤولً عن الفشل في خلق مستقبل قابل للحياة، والرؤية السليبة عن الإمكانية التي غُرست لاحقًا في أولئك الذين وُلدوا بعد هذا المستقبل". ولا يرثي هاثلي الحداثة نفسها إذًا، بل فشل الحداثة في اعتبار أن طوباويتها غير الانعكاسية قد تكون السبب الجذري لفشل مشروعها. لأن الواقع، مثلم أشرنا آنفًا، لا يمكن استبعاده تمامًا من أي فضاء طوباوي؛ إذ كلم كان المكان أكثر طوباوية وأشبه بالمختبر، زاد ضغط الواقع الفوضوي في الخارج. فقد افترض العمران الحداثي، مثله مثل اليوتوبيا التكنولوجية، أن اليوتوبيا ستكون حلً تكنولوجيًا ناجحًا، ومشروعًا لا عمليةً. وتشهد الحالة الراهنة المتدنية للنمذج الحداثية في تخطيط المدن عن هذا القصِر في النظر، وعن رمزيتها الجملية أيضًا، بعد أنْ تعرضت لانتقاد شديد. ربما بدا أن الحداثة قد ولَّت، لكن الحقيقة هي أن طوباويتها التكنولوجية تكيفت ببساطة مع أيديولوجيّة العصر (وتكنولوجيته). ويتجلى ذلك فيم يشير إليه عالم الهندسة المعمرية كيلر إيسترلينغ باسم "البرمجيات المكانية" (Softwares Spatial) الخاصة بمناطق التجارة الحرة و"مجمَّعات التكنولوجيا العالمية" وغيرها من مدن التجارة العالمية، والتي صُممت بوصفها نظامًا سوسيوتكنولوجيًا يمنح علاقات رأس المال الحرة وغير المقيَّدة الأولويةَ. وتتداخل مناطق التجارة الحرة مع أكبر نمط طوباوي تكنولوجي متكرر ومعروف باسم "المدينة الذكية". ويشير آدم غرينفيلد إلى أن هذه اليوتوبيا التايلورية [نسبة إلى جورج تايلور] الصريحة، عن مدينةٍ خاضعةٍ للأتمتة الكاملة وتديرها الخوارزميات، هي أحدث سردية تسويقية يمكن فيها لتكتلات البناء العالمية وشركات الخدمات اللوجستية الشبكية أن تشحن بضاعتها وتبيعها. ولنلاحظ أيضًا أن مناطق التجارة الحرة والمدينة الذكية هم خياران مفضلان، وعلى نحو متزايد، للتدخل في المناطق الخالية أو المهجورة في الدول النامية؛ إذ تبدو كصفحات بيضاء أو أقرب إلى ذلك في عالم لم يتبقَّ فيه مناطق جديدة "للاستكشاف" (أي الاستعمر).

21 Owen Hatherley, Uncommon: An Essay on Pulp (Winchester, UK: Zero Books, 2011). 22 Ibid. 23 Keller Easterling, Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space (London: Verso, 2014). 24 Adam Greenfield, Against the Smart City (New York: Do Projects, 2013).

إذًا، منطقة التجارة الحرة – مثلها مثل قريبتها المدينة السيبرانية أو المدينة الذكية – هي يوتوبيا طموحة للقائم بالقرصنة (Privateer)، وحالةُ استثناءٍ بُنيت على نحو متعمَّد وتخلصت من القيود التنظيمية ليس داخل الدولة المضيفة فحسب، بل غالبًا من الهيمنة الغربية أيضًا، سواء بحكم القانون أو بحكم الأمر الواقع. وهي تشكِّل فانتازيات مالية ومحاولات لإعادة خلق ظواهر اقتصادية نظرية في عالم حقيقي فوضوي وغير كامل. ولا شك في أن الذين يعايشون هذه اليوتوبيا التكنولوجية ويجري تحسينها من أجلهم يعتبرونها طوباوية، لكنها تبدو بالنسبة إلى من تُنظَّم/ يعاد تنظيم أرضهم وشغلُها مثل معاقل للقراصنة إلى حد ما؛ ذلك أن إنكار اليوتوبيا التكنولوجية للسياسة ليس قائمًا إلا لدى من صُمم النظام السياسي لأجل منفعتهم. تحدثنا عن الأثر الذي أحدثته الأنماط الطوباوية الكلاسيكية والتكنولوجية – ولا تزال – في العمران والعمرة، فضلً عن أوجه القصور الحتمية التي تحدُث عندما يجري تطبيق الأفكار المطورة في المختبر الطوباوي (أو إستوديو التصميم) في العالم الحقيقي بصورة غير انعكاسية. وقد شهدت السنوات الأخيرة صعود ما يشبه نمطًا طوباويًا نقديًا ناشئًا في العمران والعمرة: وهي مقاربة تتخيل مدنًا جديدةً لا تقوم على افتراض المدينة القابلة للكمل، ولا على قدرة العلم التكنولوجي على صُنع مدينة أفضل، بل تستخدم مدنَ الغد المتخيَّلة لانتقاد مدن الحاضر في الوقت نفسه الذي تنتقد إمكانية وجود مدينة طوباوية حضرية قابلة للتحقق. (قد تشمل القائمة غير الشاملة لمثل هذه اليوتوبيات الحضرية النقدية مشروعَي "مارسنري كيوبليستس" (Cubiclists Mercenary) و"نيو مومباي" (Mumbai New) للمصمم توبياس ريفيل، و"پاور أوف آيت" 8 of Power لأناب جاين وسوبر فلوكس، و"سلايف سيتي" (City Slave) لأتيلير فان لايشوت، و"تومورو سكاي" (Sky Tomorrow's) لشركة ليام يونغ المتعددة للتعاون). ويتعلق الأمر هنا بممرسة تجريبية وتخمينية صريحة لا تفترض أن تجاربها المحدودة قد تتحقق خارج مختبر السرد الطوباوي، بل هي تستغل قصدًا حالة الاستثناء التي توفرها "الصفحة البيضاء" المشيَّدة في المختبر الطوباوي، لإجراء تجارب متطرفة يمكن أن يقدم فشلُها دروسًا مفيدة. أي إن اليوتوبيا الحضرية النقدية ليست تصميمت لمستقبل ينبغي الوصول إليه، بل إنشاءات تخص مستقبلَات، وإن كانت تبدو طوباوية من بعيد، فإنها حبلى حتمً بمزالق وعواقب لم يجرِ فحصها.

اليوتوبيات والمستقبلَات

"تكمن اليوتوبيا في الأفق. تتراجع خطوتين كلم دنوتُ منها خطوتين. فإذا ما تقدمتُ نحوها بعشرٍ للأمام، خطت هي عشرًا قدُمًا. فم الهدف من اليوتوبيا إذًا ما دمتُ لا أبلغها أبدًا مهم قطعتُ نحوها من مسافة؟ إنها تجعلنا نتقدم إلى الأمام".

25 Easterling. 26 Maria Alex Lopez, Invisible Women: The Experience of Undocumented Mexican Mother Living in the U.S. (Bloomington, IN: Pallibrio LLC, 2013), p. 36.

أتصور أننا يمكن أن نلحظ الأنماط الطوباوية المذكورة آنفًا في الممرسة المعاصرة المتعلقة بالمستقبلَات. ولحسن الحظ، انتقل الكثير من العمل المتخصص إلى ما وراء النمط الكلاسيكي منها وتجاوزَه. ومع ذلك، يصعب تجنُّب الهيمنة التي يمارسها النمط الطوباوي التكنولوجي في كثير من التبصُّات، إنْ في المجالات الأكاديمية أو المهنية. (وربما ليس ذلك مفاجئًا إذا نظرنا إلى الانتشار الواسع لأشكال الخيال العلمي الكلاسيكية في الثقافة الشعبية، وعلاقتها المتبادلة وإنْ كانت غير خطية، بدورة الابتكار). ما أود تأكيده هو أن الأنماط الطوباوية الكلاسيكية والتكنولوجية في دراسة المستقبليات (Futurism) استنفدت، منذ زمن، فائدتَها في عالم معقد وشديد الترابط. فتصوُّر المستقبل المعياري أو الوضعي هو أمر حتمي، لكنه مستحيل التحقق، مثله مثل المجتمع المثالي في اليوتوبيا الكلاسيكية؛ لأنه لا يستطيع بأي حال تكرار الفوضى العشوائية الموجودة في العالم الحقيقي. وبالمثل، يعجّ التاريخ بالمشروعات الطوباوية التي فشلت في الوصول إلى تحسين المجتمع بالوسائل التكنولوجية وحدها، سواء أتمثل ذلك في مشروع "سايبردين")Cyber dyne( للمنظِّر ستافورد بير (Beer Stafford)، أم المدن الذكية غير المأهولة ونصف المبنية، أم الوفرة الهائلة في نماذج شركات الأعمل القادمة من وادي السيليكون، المهووسة بنزعة الحلول لكل شيء. ولا يعني الأمر استبعاد التفكير الطوباوي، أو أن بناء التمثلات عن المجتمع المثالي (أو المحسَّن ببساطة) هو أمر سلبي بالماهية. على العكس من ذلك، أرى أنّ ألفًا من اليوتوبيات قد تتفتق، لأسباب ليس أقلها هو تكشُّف الطبيعة التعددية والذاتية ل "المثُل" المجتمعية، وهو ما يسمح لنا بالتركيز على إيجاد أرضية مشتركة بينها بدلً من التركيز على الاختلافات على النحو القائم اليوم. لكني أعتقد أنه من المهم الاعتراف بأن المثُل غير قابلة للتحقق بحكم التعريف، فهي الأشياء التي نطمح إليها، والاتجاهات الأخلاقية أو المعيارية التي نرغب في الارتحال إليها. وقد نقول إن الاختلاف بين المُثل والأهداف يشبه إلى حدٍ ما الاختلافَ بين الاستراتيجية والتكتيك؛ فالأولى تؤثر في الثانية وتشكِّلها، لكن الخبرة المتأتية من الثانية يجب أن تفيد أيضًا من التغيرات التكرارية في الأولى. فالجنرال الذي لا يعدل استراتيجيته في ضوء الهزيمة التكتيكية المتكررة أحمق، وهذا هو المعنى الذي أجادل من خلاله ضد النموذج ذي الطابع المعياري الكامن في "اليوتوبيا المخطط لها"؛ ذلك أن المخطط هو مواصفات يخطها مهندس أو مهندس معمري، فهو خطة صارمة ومكممة بعناية، وإذا ما جرى اتباعها على نحو صحيح ستؤدي إلى منتج يعرض معايير التصميم المرسومة. فالمخططات تشبه الدليل المرشد الذي يقوم على تجميع مواد غير مهمة في تشكيلات مفيدة، وهو ما يجعلها مطلوبة وقيِّمة. ولكن حين يتعلق الأمر بالأنساق التي يمتلك فيها عدد كبير من المكونات إرادة حرة، أو تكون جزءًا من العوامل الخارجية

27 Caroline Bassett, Ed Steinmueller & Georgia Voss, "Better Made Up: The Mutual Influence of Science fiction and Innovation," NESTA Working Paper. no. 13/07 (2013), accessed on 13/1/2022, at: https://bit.ly/31W0elV مشروع "سايبردين" (Cyberdyne) أو "سايبرسين" (Cybersyn) مشروع تشيلي خلال الفترة 1973-1970 (في ظل حكومة الرئيس سلفادور أليندي) لإنشاء اقتصاد مخطط يتحكم فيه نظام الوقت الفعلي. وكان المشروع في الأساس شبكة تلكس تربط الشركات بجهاز كمبيوتر مركزي يقع في العاصمة سانتياغو، ويجري التحكم فيه وفقًا لمبادئ علم التحكم الآلي. كان المهندس الرئيس لهذا النظام العالم البريطاني أنتوني ستافورد بير. (المترجمة)

المعقدة (أو كليهم)، يصير المخطط بلا جدوى لأنه لا يمكنه أن ينحني وينثني استجابةً للتحديات غير المتوقعة على طول طريقه نحو التحقق البعيد. وفي عالم سريع التغير مثل عالمنا، يجب أن نكون على بيِّنة من مخاطر اليوتوبيا المخطَّط لها: فلننظر منذ عقد مضى كم من مشروعات سياسية – في أي طرف كان ومن أي طيف سياسي نختاره – فكرت، ولو من بعيد، في التحديات المطروحة على الأرض في اللحظة الحالية؟ وهذا هو بطبيعة الحال سبب التجدد المتكرر في المانيفستو السياسي، فهو العنصر التكتيكي في المشروع السياسي؛ ويكون العنصر الاستراتيجي إذًا هو مركَّب المثُل والقيم التي تهدف تكتيكات المانيفستو العام إلى التقدم نحوها، وإذا ما كان المشروع سيستمر، سيجري تعديله وإعادة تقييمه في ضوء تلك التحديات التكتيكية. وبهذا المعنى لليوتوبيا – بوصفها مفهمةً تقترب من المجتمع الأفضل لكنها غير ثابتة ودائمة التغير خاصةً – أعتبرها ذات قيمة؛ أي لا باعتبارها وجهة ثابتة، بل اتجاهًا للسفر قدمًا. إن أسهل طريقة لتجنب الإخفاقات هي استبعاد الفاعلين والأحداث التي لا يمكن التنبؤ بها والسيطرة عليها. ويمكن علمء المختبرات الوصول إلى نتائج يكاد يكون من المستحيل التحقق منها أو إعادة إنتاجها "خارج المختبر"؛ لأن فضاءه المفهومي على وجه التحديد إنما صُمم لاستبعاد كل السلوكيات بخلاف تلك التي ينشغل بها العالِم. وبالمثل، فإن السرديات الطوباوية مثالية بطبيعتها؛ لأن أي سرد ​هو بالضرورة أقل تفصيلً وتعقيدًا (بكثير) من العالم الذي يدَّعي تمثيله، لذلك فالسرد الطوباوي غير النقدي، طوعًا أو كرهًا، يستبعد بالضرورة الأحداث والفاعلين الذين من شأنهم تقويض المجتمع الذي يعتزمون تصويره. وعلى النقيض من ذلك، لا تكتفي اليوتوبيا النقدية بإدراك هذا التناقض الداخلي وإبرازه فحسب، بل تستمد قوتها الخطابية منه أيضًا؛ فهي تلقي الضوء على مشروعٍ طوباويٍ ما يعاني الانهيار أو يتعرض للتقويض، لتقحم بذلك المثُل المجتمعية في حوار مع فوضى الواقع البشري، وتفتح فضاءً يمكن فيه اختبار ما إذا كانت السرديات الكبرى ستصمد أمام التدمير، ذاك المرتبط بوجود أو غياب بعض العواقب التي يسهم بها العالم الواقعي في فشل المشروعات الاجتمعية الواسعة النطاق. ليست اليوتوبيا النقدية استراتيجيةً لعالم أفضل، بل استراتيجية للاستراتيجيات الأفضل، ومضاد ضروري لحُمى نزعة الحلول يقوم عليه التفكُّر في اليوتوبيا برمّته (بما في ذلك التفكير الطوباوي ذاته). وتدرك اليوتوبيا النقدية كذلك أن اليوتوبيا ذاتيةٌ على الدوام؛ أي إن الحياة الجيدة، ومن ثمَّ المجتمعَ الجيد متعدد، ومتنازع بشأنه، وفي تدفق دائم، وأنها أفق مثلم يصفها إدواردو غاليانو وليست وجهة. وعلى هذا النحو، يكمن في عرض اليوتوبيات المتعددة والمتنوعة وتحليلها ومقارنتها على وجه التحديد، انبلاجُ المنفعة الحقيقية للنمط، وهي تحويل التركيز النقدي بعيدًا عن ماهية المجتمع في اتجاه ما يطمح إليه المجتمع؛ فتُفتح بذلك فضاءات آمنة لاختبار/ التنازع على تلك المثُل العظيمة، سواء أكانت اجتمعية أم تكنولوجية أم غيرها. لذلك دعونا نترك جانبًا ترويج المستقبلَات المعيارية للمسوقين والسياسيين، ولْنستمع إلى دروس الفشل، ففيها الكثير لنتعلمه في نهاية المطاف.

29 Lopez.

المراجع

References

Bassett, Caroline, Ed Steinmueller & Georgia Voss. "Better Made Up: The Mutual Influence of Science fiction and Innovation." NESTA Working Paper. no. 13/07 (March 2013). at: https://bit.ly/31W0elV Bell, Wendell. Foundations of Futures Studies: Human Science for a New Era. New Brunswick, NJ: Transaction, 1996. Bey, Hakim. TAZ: The Temporary Autonomous Zone, Ontological Anarchy, Poetic Terrorism. New York: Autonomedia, 2003. Delany, Samuel R. Starboard Wine: More Notes on the Language of Science-Fiction. Pleasantville, NY: Dragon. 1984. Easterling, Keller. Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space. London: Verso, 2014. Foucault, Michel. "Of other Spaces." Jay Miskowiec (trans.). Diacritics. vol. 16, no. 1 (1986). Graham, Paul. "Imagining the Impossible: The Shifting Role of Utopian Thought in Civic Planning, Science Fiction, and Futures Studies." Journal of Futures Studies. vol. 20, no. 2 (December 2015). Greenfield, Adam. Against the Smart City. New York: Do Projects, 2013. Hall, Peter. Cities of Tomorrow: An Intellectual History of Urban Planning and Design in the Twentieth Century. Oxford: Blackwell,1988. Hatherley, Owen. Uncommon: An Essay on Pulp. Winchester, UK: Zero Books, 2011. James, Edward & Farah Mendlesohn (eds.). The Cambridge Companion to Science Fiction. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Kohler, Robert E. "Place and Practice in Field Biology." History of Science. vol. 40, no. 2 (2002). Lopez, Maria Alex. Invisible Women: The Experience of Undocumented Mexican Mother Living in the U.S. Bloomington, IN: Pallibrio LLC, 2013.

More, Thomas. Utopia: A New Translation, Backgrounds, Criticism. Robert Martin Adams (trans.). New York: W. W. Norton, 1975. Strebel, Ignaz & Jane M. Jacobs. "Houses of Experiment: Modern Housing and the will to Laboratorization." International Journal of Urban and Regional Research. vol. 38, no. 2 (2014). Wilson, Peter Lamborn. Pirate Utopias: Moorish Corsairs & European Renegadoes. New York: Autonomedia, 2003