العودة إلى تفاصيل المؤلَّف استشراف مستقبلات الممارسة الطبية ورهاناتها في العالم العربي

استشراف مستقبلات الممارسة الطبية ورهاناتها في العالم العربي

Forecasting the Futures of Medical Practice and their Stakes in the Arab World

هيئة التحرير

الملخّص

تسلّط هذه الدراسة الضوء على أهم الجوانب المستقبلية لعمل الأطر الطبية، وتدرس آثار رقمنة الصحة في ممارسة الأطباء والعاملين في مجال الصحة. وتُبرز كيف أنّ التقدم القائم على الأتمتة، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، والبيانات الضخمة، والعلوم الذهنية، والذكاء الاصطناعي، يطرح تحديات جمّة بالنسبة إلى مستقبل العمل البشري في مجال الطب، والرعاية الصحية، سواء في طبيعته ذاتها، أو في وتيرته، أو في بيئته، وكيف أنّ هذه التأثيرات المستقبلية كلها تقود إلى خلاصة رئيسة، هي ضرورة العمل منذ اليوم على جعل أسواق العمل وأنظمة التعليم والتدريب متأقلمةً مع هذه التحولات العميقة، مع إشارةٍ إلى السياقات العربية وتوظيفها فيها.

Abstract

ملخص:  تسلّط هذه الدراسة الضوء عى أهم الجوانب المستقبلية لعمل الأطر الطبية، وتدرس آثار رقمنة الصحة في ممرسة الأطباء والعاملين في مجال الصحة. وتبُرز كيف أنّ التقدم القائم عى الأتمتة، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، والبيانات الضخمة، والعلوم الذهنية، والذكاء الاصطناعي، يطرح تحديات جمّة بالنسبة إلى مستقبل العمل البشري في مجال الطب، والرعاية الصحية، سواء في طبيعته ذاتها، أو في وتيرته، أو في بيئته، وكيف أنّ هذه التأثيرات المستقبلية كلها تقود إلى خلاصة رئيسة، هي ضرورة العمل منذ اليوم عى جعل أسواق العمل وأنظمة التعليم والتدريب متأقلمةً مع هذه التحولات العميقة، مع إشارةٍ إلى السياقات العربية وتوظيفها فيها. كلمت مفتاحية:  الطب، الممرسة الطبية، الرعاية الصحية، الأتمتة، الطب عن بُعد. Abstract:  This study sheds light on the most important future aspects of the work of medical frameworks, and examines the effects of health digitization on the practice of doctors and health workers. It highlights how advances based on automation, nanotechnology, biotechnology, big data, cognitive sciences, and artificial intelligence pose huge challenges for the future of human work in medicine and healthcare, whether in its nature, pace, or environment, and how all these future influences lead to a main conclusion, which is the need to work from today on making labor markets and education and training systems adapt to these profound transformations, with reference to Arab contexts and their employment within it.

الكلمات المفتاحية:
  • الطب
  • الممارسة الطبية
  • الرعاية الصحية
  • الأتمتة
  • الطب عن بعد
Keywords:
  • Medicine
  • Automation
  • Telemedicine
  • Medical Practice

استشراف مستقبل الممرسة الطبية ورهاناتها يف العالم العربي Forecasting the Futures of Medical Practice and their Stakes in the Arab World

مقدمة

في مجال الطب، كم هو الحال في جميع المجالات الأخرى، تخلق التكنولوجيا عالمًا جديدًا واعدًا، ولكنه يحمل أيضًا ضروبًا من عدم اليقين. يجري في هذا العالم الجديد تحويل جميع الأدوية إلى نظام رقمي، ويصبح جسم الإنسان نظامًا للبيانات، ويجري أيضًا تنظيم الدمج بين علم الأحياء والمعلومات على نحوٍ متزايد. وبفضل المعرفة المتعددة حول هذا الموضوع، وخاصة من خلال التكنولوجيا المحمولة، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والذكاء الاصطناعي، والتعلم العميق، والبيانات الضخمة، ينخرط جسم الإنسان على نحو متزايد في الواقع المعزز، وتتراكم كميات هائلة من البيانات على الجميع، لتكشف عن عالم افتراضي يتجاوز الواقع، ويصبح الطب مج لً دقيقًا، وشخصيًا، وفريدًا، وتنبُّئيًا، أكثر من أيّ وقت مضى، وتقسم الأمراض إلى أنواع فرعية لامتناهية. وتظهر تخصصات طبية جديدة، وتختفي أخرى، وكلها تتغير وتندمج في ما بينها. ومن ناحية أخرى، تصبح الأدوية محددةً، ولكنها تصبح أكثر تكلفة؛ ما يهدد التمسك الاجتمعي والعدالة المجالية. فبفضل التكنولوجيا العالية، يتزايد مجال الممكن، لكنه ليس متاحًا بالنسبة إلى الجميع. من بين السيناريوهات المستقبلية التي يمكن تصورها، يبدو أنّ أكثرها إرباكًا هو تخيّل مستقبل حيث يعطي الطبيب الأولوية للفحوصات التكميلية بدلً من الفحص السريري، وحيث تُسجَّل جميع العوامل المتغيرة الفيزيولوجية والبيولوجية والإشعاعية للمريض، مباشرة من منزله، وحيث يمكن أن يصل المريض إلى التشخيص الذاتي والعلاج الذاتي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وحيث سيكفي، على سبيل المثال، النفخ في هاتف ذكي للكشف عن سرطان الرئة، أو التحدث في الهاتف لتشخيص الاكتئاب. فهل سيظل التشخيص والقرارات العلاجية جزءًا من عمل الطبيب؟ وهل الاستمع للمريض والتعاطف معه سيظلان جزءًا لا يتجزأ من عمل الطبيب، أم أنه ستجري مساءلته من خلال مجموعات المناقشة الافتراضية على الإنترنت أو حتى من قِبل الروبوتات التي تشبه البشر (Humanoids)؟ لن تكون هذه الإسقاطات المستقبلية، على الرغم من تباعدها مع الطب كم هو معمول به حاليًا، مجرد خيال علمي، بل على العكس من ذلك، يبدو أنها تتفق مع واقع المستقبل القريب نسبيًا، الذي يصعب أحيانًا قبوله أكثر من تخيّله. ففي الواقع، تشهد التقنيات الرقمية طفرةً حقيقية تجعل مثل هذه التطورات في مجال الطب ذات صدقية. فقد بدأت بالفعل في إحداث تحولات عميقة في قطاع الصحة، في حين لا تزال العديد من الابتكارات في مراحل تطور و/ أو مراحل تجريبية، ويفترض أن تلج هذا القطاع في المستقبل القريب. ينبغي، إذًا، التفكير في مستقبل العمل في المهن الطبية من حيث درس الواقع والمستقبل فيم يتعلق بإدخال التقنيات الرقمية الجديدة في مجال الطب وتحليل ذلك، فهذه التقنيات تشغل مكانةً متزايدة الأهمية في قطاع الصحة؛ إذ بلغت قيمة سوق الصحة الرقمية العالمية 106 مليارات دولار في عام 2019،

ومن المتوقع أن تصل إلى 639 مليار دولار بحلول عام 2026. يفسر هذا النمو المتسارع لصناعة الصحة1الرقمية بالزيادة المستمرة في عدد المستخدمين، والوعي بأهمية البقاء في صحة جيدة، وبأهمية تطوير البنى التحتية الرقمية في مجال الصحة. وتُجسّد مئات الآلاف من التطبيقات الصحية للأجهزة المحمولة مث لً جيدًا على هذه الطفرة الرقمية في قطاع الطب. وهي برمجيات متنوعة جدًا، تراوح ما بين مصادر بسيطة للمعلومات، إلى أدوات أكثر تعقيدًا قادرة على جمع البيانات الطبية وتحليلها. من أجل ذلك كله، تجبرنا التكنولوجيا على إعادة التفكير في تنظيم الرعاية الصحية وتأقلمها مع التغيرات المتسارعة، وتساعد على القيام بذلك في الآن ذاته. ويدرك القائمون على مجال الطب هذه التحولات، ويطالبون بتكيف المنظومة الصحية مع متطلبات هذه التغيرات. فعلى سبيل المثال، أكّد هنريك وولف منذ ثلاثة عقود، أن "الكتب المرجعية في الطب يجب إعادة كتابتها باستمرار، ليس بسبب التطورات التكنولوجية والعلاجية فحسب، ولكن لأن الأمراض تتغير وفقًا لاحتياجات المجتمع المتغيرة"2. كم أظهر فابري وفيراري من جهتهم بجلاءٍ ضرورة تطور الطب لتلبية احتياجات السكان3. وبناء على ما سبق تبرز أهمية هذه الدراسة التي نروم من خلالها تسليط الضوء على أهم الجوانب المستقبلية لعمل الأطر الطبية، ودراسة آثار رقمنة الصحة في ممرسة الأطباء والعاملين في هذا المجال، وذلك من خلال أربعة مباحث مبيّنة على النحو التالي.

أولً: أسئلة البحث

1. التحولات العميقة في مجال الطب

تتكاثر الابتكارات الطبية ويتكثف حشد الأفكار حولها من الباحثين في جميع أنحاء العالم. وفي حين أن التقنيات النانوية ستجعل من الممكن إحداث ثورة في كل ما يخص الأدوية وطرق إعطائها، فإن الواقع الافتراضي له أثر واضح في جراحة الأعصاب، أو حتى أنظمة التشخيص المحمولة التي أصبحت ذات تكلفة منخفضة وكفاءة عالية. ويدخل الطب نقطة تحول مهمة في تاريخه، تعدّ التكنولوجيا الجديدة إحدى ركائزها الرئيسة. وإذ إن الجميع أصبح يتحدث كثيرًا عن "الصحة الإلكترونية"، فإنها ليست سوى غيض من فيض، وهي الأيسر في ما يخص الإعداد للمستقبل؛ ذلك أن العديد من المجالات الأخرى تحرز تقدمًا

  1. Sumant Ugalmugle & Rupali Swain, Digital Health Market Industry Analysis Report: Regional Outlook, Application Potential, Price Trends, Competitive Market Share & Forecast, 2020 - 2026 (Selbyville, DE: Global Market Insights, 2020).
  2. Henrik R. Wulff, "Classification of Diseases," in: Henrik R. Wulff, Rational Diagnosis and Treatment: An Introduction to Clinical Decision-making (Oxford, UK: Blackwell Scientific Publications, 1981).
  3. Leonardo M. Fabbri & Roberto Ferrari, "Chronic Disease in the Elderly: Back to the Future of Internal Medicine," Breathe, vol. 3, no. 1 (September 2006), pp. 41-49.

كبيرًا، يمكن أن نذكر من بين أكثرها شيوعًا: الخلايا الجذعية (Cells Stem، وإعادة بناء الأنسجة)4(Reconstruction Tissue)، وتكنولوجيا النانو (Nanotechnology). وهذه الأخيرة هي من أهم معالم الطب في المستقبل ولها وجود مهم في الحاضر كذلك؛ إذ يوجد اليوم أكثر من عشرة أدوية نانوية5في السوق6، وهذا القطاع هو من أكثر القطاعات الطبية نموًا في الوقت الحالي. إن اكتساب الفاعلية العلاجية هو أحد الأهداف الرئيسة في المستقبل، ولكن هناك نقطة مهمة أخرى تكمن في تحسين التشخيص. ومع وضع هذا في الاعتبار، سنستخدم، على سبيل المثال، ما يسمى "مختبرات على الرقائق" (Labs-on-a-chip)، فمن خلال قطرة دم فقط من المريض، سيكون في الإمكان الكشف بسرعةٍ كبيرة، وبسهولةٍ أكبر، عن علامات المرض، حتى في بداية تطوره. ومن ثم، سيكون في الإمكان معالجته دونما حاجة إلى إجراء خزعة (Biopsy) يمكن أن تكون عدوانية نسبيًا. ومجالات تطبيق تكنولوجيا النانو عديدة؛ ما يجعلها أحد التخصصات الرئيسة لطب الغد، كم أنها ستكون مفيدة جدًا في التصوير الطبي، من خلال إتاحة إمكانية "إضاءة" الورم، ومن ثمّ جعله أكثر مرئية عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). كم يؤدي هذا إلى تقنية مبتكرة بوجه خاص، على الرغم من أنها لا تزال في مرحلة البحث التجريبي؛ وهي: "العلاج النانوي الدقيق" (Nano-Theranostics)، أو القدرة على الجمع داخل الجسيمت النانوية نفسها التي يجري تناولها بين الدواء والتصوير الطبي. ولذا سنكون قادرين على العلاج، مع رؤية مسار الجسيمت، ومن ثم ضمن وصولها إلى المناطق المستهدفة في الجسم. يعد استخدام البيانات الضخمة (Data Big) مثيرًا للاهتمم؛ فقد أقيمت مؤخرًا بعض الشراكات بين الجهات الفاعلة في عالم الصحة والشركات التي تقدّم قدرات حوسبة استثنائية. وكان أحد الأهداف، على سبيل المثال، هو تناول جميع الجزيئات التي تقدّم فاعلية علاجية، من أجل تحديد إلى أيّ مدى يمكن

  1. Robin L. Smith & Max Gomez, Cells are the New Cure: The Cutting-Edge Medical Breakthroughs that are Transforming our Health (Dallas, TX: BenBella Books, 2017).
  2. بخصوص الأدوية النانوية، من المهم التوضيح أنه عندما يُعط ى المريض دواء ما، لعلاج السرطان على سبيل المثال، فإنه يتوزع في جميع أنحاء الجسم، ولذا يمكن أن يسبّب التسمم في الأعضاء أو الأنسجة السليمة أيضًا من دون تمييز. وبناء عليه، يعاني المرضى المعالَجون بالعلاج الكيميائي (Chemotherapy) في بعض الأحيان آثارًا جانبية قاسية جدًا. ولذلك من شأن تكنولوجيا النانو أن تجعل من الممكن تغليف الدواء ومعالجته بطريقة انتقائية جدًا للورم المراد علاجه، بهدف التقليل من السمّية (Toxicity) في الأعضاء المستهدفة، وتحسين فاعلية الدواء، وزيادة كميات الجرعات التي يمكن تناولها؛ لأنها حينئذ تصبح أقلّ خطورة على الكائن الحي. وعلى نحو غير مباشر، نكتسب أيضًا من خلال هذا الفاعلية العلاجية؛ أي إن استخدام تكنولوجيا النانو في الأدوية (أو الأدوية النانوية) يسمح أيضًا - على نحوٍ غير مباشر - باكتساب فاعلية علاجية أفضل من الأدوية التقليدية. ينظر: Pradipta Ranjan Rauta, Yugal Kishore Mohanta & Debasis Nayak (eds.), Nanotechnology in Biology and Medicine: Research Advancements and Future Perspectives (Boca Raton, FL: CRC Press/ Taylor & Francis, 2020).
  3. Patrick Boisseau & Bertrand Loubaton, "Nanomedicine, Nanotechnology in Medicine," Comptes Rendus Physique, vol. 12, no. 7 (September 2011).

ربطها لإيجاد إمكانات نشاط علاجي جديد. ومع ذلك، فهي تقنيات لا تزال في مراحل تجريبية و/ أو أولية، ولا يزال يلزمها بعض الوقت لإثبات نجاعتها بالكامل. أصبح في الإمكان نقل الخبرة البشرية إلى الأجهزة الطبية وأنظمة التشخيص الصحية "المتنقلة" القائمة على تقنيات الموائع الدقيقة (Microfulidics). ويطبق هذا التخصص ظاهرة ميكانيكا الموائع على قطرة دم أو لعاب أو بول، ويعد اختبار الحمل أحد أشهر هذه التطبيقات، وهو مسحة من الورق مغلفة بكواشف الأجسام المضادة التي يمكنها الكشف عن الهرمون الموجود في بول المرأة الحامل. ووفقًا للمبدأ نفسه، جرى تحديد قوائم البروتينات والأجسام المضادة للكشف عن الملاريا، وعلامات احتشاء عضلة القلب (Infarction Myocardial)، وتناول بعض الأدوية، وحتى بعض المخدرات. وتتيح سمة إمكانية النقل (Portability) هذه إجراء الاختبارات في أقرب مكان ممكن للمريض، وهو أمر مثير للاهتمم خاصة بالنسبة إلى المرضى الأبعد عن الأنظمة الصحية. ومع ذلك، لا تزال هناك عدة نقاط في حاجة إلى تحسين في هذه الأنظمة القابلة للنقل في المستقبل، لا سيم في ما يتعلق بموثوقية الاختبارات، وثراء التفسيرات التي يمكن استخلاصها منها.

2. جائحة كورونا بوصفها عنصرًا مسرعًا لتحول الطب في المستقبل

في سياق جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، برزت الثورة الرقمية في عالم الطب بوصفها أحد الحلول الرئيسة لمواجهة تحديات الأزمة الصحية، وقد أدّت الثورة الرقمية دورًا أساسيًا في التعبئة العامة والعفوية لمقدمي الرعاية الصحية، عبر الشبكات الاجتمعية والتطبيقات الرقمية المختلفة. وتبنّى أطباء الطب العام بسرعة الوسائل الرقمية وأعادوا تنظيم نشاطهم من خلال تفضيل الاستشارات والممرسات عن بعد، كم أثبتت التكنولوجيا الرقمية نفسها في بناء قواعد البيانات المفيدة للبحث العلمي. مثّلت الاستشارات الطبية عن بعد أحد أبرز الأمثلة التي جسّدت على نحوٍ واضح تحولات الممرسة الطبية خلال فترة جائحة "كوفيد 19-"؛ فقد أصبحت الاستشارة الطبية عن بعد بديلً مفضلً لدى العديد من المرضى، على اعتبار أنها تسمح لهم بالاستشارة الطبية من دون مغادرة منازلهم وتعريض أنفسهم لمخاطر انتقال العدوى. ومن ثمّ، أمكن خلال فترة الجائحة والإغلاق الكامل الذي وسم أسابيعها الأولى ضمن استمرار الرعاية الصحية، مع الحد من مخاطر التعرض للعدوى سواء لدى المرضى أو مقدّمي الرعاية الصحية. ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بالمسح الذي أجري في إطار تقرير أبرز قضايا الصناعة الصحية العالمية 021 2، الذي أكد أنّ44 في المئة من الأشخاص الذين استخدموا الاستشارة الطبية عن بُعد أصبحوا يميلون إلى استخدامها في المستقبل للاستشارات الطبية الموجهة المتعلقة بجوانب الصحة النفسية7.

  1. PricewaterhouseCoopers, Global Top Health Industry Issues 2021: Innovation Fuelled by Digital Capabilities (London: PwC, 2021), p. 6.

على نحوٍ عام، استجاب النظام البيئي الصحي بسرعة لصدمة الجائحة،"، من خلال الاستخدام المكثف، بين عشية وضحاها، للتقنيات الرقمية ومنصّات الاستشارات الافتراضية. وبذلك لم يضمن هذا النظام البيئي استمرارية الرعاية الصحية فحسب، بل استبق أيضًا عقدًا من الإصلاحات والتطويرات اللازمة في مجال الطب في غضون أشهر معدودة. وبدلً من العودة إلى الوضع الطبيعي بعد تلاشي حدة هذه الجائحة، تبرز اليوم إمكانية وضع الأسس لنظام رعاية صحية مُعاد اختراعه، وقد كُشِفَ عن بعض جوانبه من خلال تقرير المسح أبرز قضايا الصناعة الصحية العالمية 021 2، الذي يقدّم فهمً أفضل لقدرة السكان على التكيف مع التغيير ويفحص التحديات التي تؤثر الآن في القطاع، بالاعتمد على استطلاع آراء عشرة آلاف فاعل في قطاع الصحة، وكذلك من خلال المقابلات مع عدد من قادة الصناعة الصحية العالمية8. ستسمح لنا جائحة "كوفيد 19-" في المستقبل ببناء أنظمة صحية أكثر مرونة وديناميّة، ومنفتحة على إمكانات جديدة، وفي نهاية المطاف، أكثر كفاءة في ما يتعلق بالصحة العامة والجوانب السريرية اليومية للممرسة الطبية، بما في ذلك البحوث السريرية. ولتحقيق ذلك، يتعيّ تسريع دينامية هذه التحولات، لا سيم من خلال تخصيص موارد مالية إضافية لها. بيد أنّ هذه النجاحات التي أحرزت في غضون بضعة أشهر تظل مصحوبةًُ بعدد من التحديات؛ أولها ما يتعلق بالأمن السيبراني؛ فكلم زاد عدد المرضى الذين يستخدمون الاستشارات عن بُعد أو التطبيقات الرقمية الصحية، زادت نقاط الدخول الافتراضي للمجرمين السيبرانيين. ولذا من المهم بالنسبة إلى المؤسسات التي تقدّم هذا النوع من الحلول الرقمية في المجال الطبي أن تهتم بوجه خاص بهذا الأمر، كم ينبغي أن ندرك أنه لا يكفي تطوير أدوات رقمية، بل من الضروري أيضًا تحسين المهارات الرقمية لمتخصصي الرعاية الصحية لتحسين تجربة المريض. ولذا يتمثل أحد التحديات الرئيسة التي تواجه قطاع الصحة اليوم ومستقبلً في إيجاد التوازن بين الطب التقليدي والتطبيب عن بعد. ومن المهم في هذا الصدد التأكيد أنّ "طب المستقبل" سيكون طبًا شخصيًا وطبًا تشاركيًا، وأنّ الثورة الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي ستكون ركيزة أساسية في دعم القرار الطبي والاستراتيجية العلاجية، وستصبح أدوات مساعدة لا يمكن أن يرفضها أيّ طبيب. وعلى المنوال نفسه، نؤكد أنّ الشبكات الاجتمعية، لا سيم مواقع تبادل المعلومات والتجارب الطبية بين المرضى، ستجعل من الممكن في بعض الأحيان تحويل معارفهم إلى بيانات صحية مفيدة. صفوة القول، ترتبط رؤية الطب للمستقبل ارتباطًا وثيقًا بالتحول الرقمي للطب، وتطويراته العلمية والتقنية المتنوعة؛ مثل: معالجة البيانات الصحية وتحليلها وتخزينها أو ما يُعرف ب "البيانات الضخمة" أو "السحابة" (Cloud)، والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والجينوميات (Genomics)،

  1. Ibid. أ. أثر الواقع الافتراضي في مستقبل الطب ب. أثر الواقع المعزز في مستقبل الطب

والأشياء المتصلة بعضها ببعض أو ما يُعرف ب "إنترنت الأشياء" (IoT Things, of Internet)، والروبوتات الطبية، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز (Reality Augmented)، والطباعة الثلاثية الأبعاد، وغيرها. وهو ما سنعرضه بتفصيل في المبحث التالي.

ثانيًا: عوامل التحولات الكبرى يف مجال الطب

1. تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والبيانات الضخمة والعلوم الذهنية

يَعِدُ التقدم في مجالات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية (Biotechnology) والبيانات الضخمة والعلوم المعرفية (NBIC) بطرق جديدة للشفاء؛ من بينها الجينوميات، والعلاج المناعي (Immunotherapy)، والعلاج بالخلايا (Therapies Cell). ففي هذه التخصصات، ستتسارع وتيرة الابتكارات العلاجية؛ ما يجبر المؤسسات الطبية على اكتساب مرونةٍ أكبر من أجل متابعة هذه الابتكارات المتسارعة والولوج إلى منطق التكيف المستمر.

خلال السنوات الأخيرة، أثبت الواقع الافتراضي (Reality Virtual) نفسه بوصفه تقنيةً أساسية في قطاع ألعاب الفيديو والسينم، وأصبحت الشركات الكبرى؛ مثل: سامسونغ (Samsung)، وغوغل (Google)، وسوني (Sony)، تقدم هذه النمذج لعموم الناس. بيد أنّ هذه التكنولوجيا لا تقتصر على هذه المجالات الترفيهية، بل إنها ذات أهمية كبيرة في عالم الطب. فالواقع الافتراضي أصبح فع لً جدًا في تخفيف آثار بعض الأمراض؛ مثل الأمراض العصبية التنكسية (Diseases Neurodegenerative)؛ كمرض الزهايمر (Alzheimer) أو مرض باركنسون (Disease Parkinson's)، أو الألم المزمن في الظهر أو في أماكن أخرى، أو مرض الإجهاد المزمن (Stress.)Chronic وبالنسبة إلى الأطباء، يسمح الواقع الافتراضي بتدريب أفضل للطلاب والمتعلمين من خلال توجيههم أكثر نحو الممرسة، ومن خلال استخدام التقنيات الثلاثية الأبعاد في تعليم التشريح مثلً. كم أصبح في الإمكان تجربة العمليات الجراحية الصعبة باستخدام الواقع الافتراضي.

في عام 2014، جرى الكشف عن نظارات "غوغل غلاس" (Glass Google)، وهي نظارات قادرة على جعل الواقع الافتراضي يتداخل مع الواقع الملموس على غرار "الهولوغرام" Hologram))، من خلال جهاز مزود بشاشة عرض بصرية مثبّتة على الرأس، وتمتلك القدرة على التقاط صور الصوت والفيديو

وعرضها في الوقت الفعلي في أثناء التفاعل مع البيئة المحيطة. ومن شأن هذه المنصات المتنقلة المرنة؛ مثل نظارات "غوغل غلاس" أن تحمل إمكانات كبيرة في تعزيز تطوير الطب عن بُعد (أي التشخيص عن بُعد، وعلاج المرضى عن طريق تكنولوجيا الاتصالات السلكية واللاسلكية)9. ومن ثمّ، بدأ الاهتمم في عالم الطب العام على نحو متزايد ب "الواقع المعزز"، فبفضل هذه الأداة، من الممكن، على سبيل المثال، أن يعرف الجراح حقًا حجم الورم المراد إزالته. وتقوم العديد من المستشفيات حاليًا بتجربة هذه التقنية الثورية. وفي غضون عشر سنوات، من المحتمل أن يصبح الواقع المعزز معيارًا في عالم الطب.

يشهد قطاع الصحة الرقمية (e-Health) تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة؛ إذ توجد أجهزة الاستشعار المتصلة في السوق؛ ومنها على سبيل المثال: موازين الحرارة المتصلة (Thermometers Connected). وتتيح هذه الأدوات إمكانية تسجيل المعلومات ثم إرسالها إلى الطبيب الذي يمكن أن يرى في الوقت الحقيقي تطور الحالة الصحية للشخص، ويمكنه بعد ذلك اقتراح أفضل الإجراءات التي ينبغي اتخاذها. إضافةً إلى ذلك، أصبحت الأدوات التي نستخدمها يوميًا، كالهواتف الذكية أو الساعات الذكية، تتضمن أجهزة استشعار؛ مثل: مقياس التأكسج (Oximeter)، أو مقياس ضغط الدم (Sphygmomanometer)، أو عداد الخُطى (Pedometer)... إلخ. وباستخدام هذه المعلومات، سيكون من الأسهل التنبؤ بالأمراض. وبوصفها أدوات عملية وفعالة، من المحتمل أن يشرع الأطباء في المستقبل القريب في استخدام هذه المعلومات لتشخيص الأمراض والحمية منها بمجرد بروز بعض المؤشرات الأولية. ومن فوائد التطور الرقمي وتطور استخدام المعلوماتية في مجال الطب، خلقُ العديد من فرص الشغل في هذا المجال، وهو ما يطرح ضرورة تأقلم البرامج التعليمية مع هذه الحاجة المتزايدة لمختصّ المعلوماتية الطبية، سواء في التخصصات الطبية، أو تخصصات علوم الكمبيوتر، أو التخصصات البينية بينهم.

يقود الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة البحث العلمي في المجال الطبي، والابتكار العلاجي، وتحسين رعاية المرضى وتجربتهم العلاجية، ويسمحان باقتصاد الإنفاق10. بيد أنه لا يمكن إطلاق العنان لإمكاناتهم من دون الوصول إلى كميات هائلة من البيانات؛ لذلك فإن التعاون بين مختلف

  1. Brent A. Ponce, "Emerging Technology in Surgical Education: Combining Real-Time Augmented Reality and Wearable Computing Devices," Orthopedics, vol. 37, no. 11 (November 2014), pp. 751-757; ‪Mahesh B. Shenai et al., "Virtual Interactive Presence and Augmented Reality (VIPAR) for Remote Surgical Assistance," Neurosurgery, vol. 68 (2011), pp. 200-207.
  2. Brian Hilbush, In Silico Dreams: How Artificial Intelligence and Biotechnology will Create the Medicines of the Future (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2021); Lei Xing, Maryellen L. Giger & James K. Min (eds.), Artificial Intelligence in Medicine: Technical Basis and Clinical Applications (London: Elsevier, 2021).

الجهات الفاعلة أمر ضروري. ومن ثمّ، ينبغي أن يشكل الأطباء والمرضى والمستشفيات وشركات الأدوية والحكومات والصيادلة وحتى عملقة "الويب" نظامًا مشتركًا، تجري فيه مشاركة البيانات، حتى لو كان في بعض الأحيان على "السحابة" (Cloud). كم ينبغي، إلى جانب تطوير إمكانيات الوصول إلى هذه البيانات، تطوير إمكانيات معالجتها واستخدامها. وأخيرًا، تظل مسألة حميتها السيبرانية ذات أهمية قصوى، ولا سيم أنها تخص الحياة الخاصة لكل شخص. وتطبيقات الذكاء الاصطناعي متعددة، وتعتمد غالبًا على "التعلم الآلي" (Learning Machine)، وهو يعني إدخال كميات هائلة من البيانات في الخوارزميات، بحيث يمكن أن تتخذ الآلات القرارات على نحوٍ مستقل وتحت مراقبة بشرية في حدود دنيا والتعلم من أخطائها للتقدم11. وفي ما يلي بعض الأمثلة الملموسة في قطاع الصحة: الطب التنبئي (Medicine Predictive) القائم على التنبؤ بمرض و/ أو تطوره؛ والطب الدقيق (Medicine Precision) القائم على توصية العلاج الشخصية؛ ودعم القرار في مجال التشخيص والعلاج؛ والروبوتات المرافقة خاصة للمسنين أو للأشخاص في وضع حرج؛ والجراحة بمساعدة الحاسوب؛ والوقاية عمومًا بهدف توقع حدوث الأوبئة، والتيقظ الدوائي. أصبحت الخوارزميات أكثر كفاءة من أيّ وقت مضى، وأضحت اليوم قادرة على التعلم بمفردها (Deep Learning)؛ ما يفتح آفاقًا وإمكانات عديدة لعالم الطب12. فعلى سبيل المثال، بفضل البيانات الضخمة، يمكن أن يقدّم الذكاء الاصطناعي علاجًا فع لً للأمراض. وإن كان من المسلّم به أن هذا لن يحلّ محلّ تشخيص الطبيب، فإنه أداة دعم مهمة للمهنيين الصحيين. وفي المستقبل القريب، سنتمكن من رؤية البرامج الرقمية الطبية باستخدام خوارزميات محسّنة، وسنكون قادرين بعد ذلك على إجراء تشخيصات فعالة بأقل معدّل خطأ. ومن المهم الإشارة إلى أنّ البحث في الجانب الصحي قد حقق في عام 2018 قفزة كبيرة؛ فقد كشف الباحثون في جامعة توفتس بولاية ماساتشوستس الأميركية النقاب عن "ضمدة متصلة" (Bandage Smart) مخصصة لعلاج الجروح المزمنة13. وإن كان هذا الابتكار لا يزال نموذجًا أوليًا ولم يجرِ تعميمه بعد، فإنّ عرضه التقديمي كان واعدًا جدًا، ومن شأن تطويره على نطاق واسع أن يعني عمليات بتر أقل للعديد من المرضى14، لا سيم أولئك الذين يعانون جروحًا مزمنة، يصعب غالبًا التئامها بعد فترة طويلة من الزمن، ويحتاجون إلى مراقبة مستمرة؛ مثل حال مرضى السكري. فبفضل المستشعرات، تستطيع الضمدة

  1. Glen De Vries & Jeremy Blachman, The Patient Equation: The Data-Driven Future of Precision Medicine and the Business of Health Care (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, 2020).
  2. Evan Shellshear, Michael Tremeer & Cameron Bean, "Machine Learning, Deep Learning and Neural Networks," in: Manda Raz, Tam C. Nguyen & Erwin Loh (eds.), Artificial Intelligence in Medicine: Applications, Limitations and Future Directions (Singapore: Nature Springer, 2022), pp. 35-50.
  3. Pooria Mostafalu et al., "Smart Bandages: Smart Bandage for Monitoring and Treatment of Chronic Wounds," Small, vol. 14, no. 33 (August 2018).
  4. Mike Silver, "Smart Bandages Designed to Monitor and Tailor Treatment for Chronic Wounds," Tufts Now, 6/7/2018, accessed on 27/7/2022, at: https://bit.ly/3zyOMdY المصدر: Kris A. Wetterstrand, "The Cost of Sequencing a Human Genome," Fact Sheets, National Human Genome Research Institute, 1/11/2021, accessed on 21/7/2022, at: https://bit.ly/2JHdHlK

الذكية قياس درجة حرارة الجرح على نحوٍ دائم، إضافة إلى درجة الحموضة. ويمكن أن يصل الطبيب إلى كل هذه المعلومات بفضل اتصال البلوتوث المرتبط بصندوق التحكم في الضمدة.

2. علم الوراثة ومستقبل الطب

تحقَّق إنجاز تكنولوجي مهم في مطلع الألفية الجديدة عندما تجاوز الحجم العالمي للبيانات والمعلومات المخزنة رقميًا تلك المخزنة في الأنظمة التقليدية على الورق والشرائط والأقراص، وقد تبع ذلك انفجار رقمي أدى إلى زيادة هائلة في المعدل السنوي للحصول على البيانات وتخزينها (40 مرة أكبر من 10 سنوات مضت)، وتخفيض تكلفتها تخفيضًا كبيرًا. وفي عام 2003، وُضع معظم تسلسل الجينوم البشري أول مرة، وقد استغرق الأمر إحدى وثلاثين سنة، وكانت تكلفته أكثر من 18 مليار دولار15. وبحلول أواخر عام 2015، انخفضت تكلفة التحليل الجيني إلى أقل من 1500 دولار، في حين أن الأمر أصبح اليوم يستغرق ثلاثة أيام ويكلف 1000 دولار16. إن القدرة على تحليل تسلسل الجينوم الكامل للإنسان بأقل من 1000 دولار، في غضون ساعات قليلة، من شأنه أن يمهد الطريق لزيادة غير مسبوقة في المعرفة الطبية.

الشكل:)8(تكلفة تحليل جينوم الإنسان في الفترة 2021-2001

  1. Geoffrey Boulton, "Jisc Futures: The Digital Revolution and the Future of Science," Times Higher Education, 3/7/2017, accessed on 27/7/2022, at: https://bit.ly/3zdnfNO
  2. Kris A. Wetterstrand, "The Cost of Sequencing a Human Genome," Fact Sheets, National Human Genome Research Institute, 1/11/2021, accessed on 21/7/2022, at: https://bit.ly/2JHdHlK

وقد أعلنت شركة "إلومينا" (Illumina) الأميركية في عام 2014 عن جيلها الجديد من أجهزة التسلسل الجيني لمتسلسلات (Ten X HiSeq)، مؤكدةً أنّ أربعين من هذه الآلات كانت قادرة على تسلسل عدد أكبر من الجينومات في عام واحد مم أنتجته جميع أجهزة التسلسل الأخرى حتى الآن. وفي عام 2017، أصدرت شركة إلومينا جهاز (NovaSeq)، وهو جهاز التسلسل الذي يمكنه إنتاج أكثر من 3000 بروتين.17) في جولة واحدة Guanylate Binding Protein, Gbp(ومنذ فكّ تشفير الجينوم البشري، عملت العديد من فرق البحث على فهم الروابط بين الاختلافات الموجودة بين الجينات، والتي تسمى "تعددية الأشكال" (Polymorphisms)، والأمراض الأكثر شيوعًا. كانت هناك آمال كبيرة في العثور على "تعددية الأشكال" التي تفسر مرض السكري أو ارتفاع ضغط الدم، ثم علاج المرضى وفقًا لخصائصهم الجينية، ومن شأن عدد هذه الأشكال أن يزداد مع التقنيات الجديدة. في البداية ركّز العلمء في أبحاثهم على الاختلافات الجينية الأكثر شيوعًا؛ إذ كانت محدودة تقنيًا بسبب حجم السكان الذين يمكنهم دراستهم. سيسمح هذا الجيل الجديد من أجهزة التسلسل بإحداث تقدّم حقيقي فيم يتعلق بأندر أنواع "تعددية الأشكال". وعلى نحو ذلك ثمة تطبيق واعد في "علم الوراثة الدوائية" (Pharmacogenetics) يستهدف توصيل الأدوية على نحو أفضل أو تقليل آثارها الجانبية غير السارة بناءً على ملف تعريف الحمض النووي (DNA) للمريض. إن وعود هذه التطورات في المستقبل هائلة بالنسبة إلى مستقبل الطب والعلاج، على سبيل المثال في ما يتعلق بالأمراض التي تسمّى اليوم "الأمراض النادرة" (Diseases Rare)، التي كانت تسمّى في الماضي "الأمراض اليتيمة" (Diseases Orphan)، وتشير على وجه الخصوص إلى غياب المعرفة بأسبابها وآلياتها أو ضعف هذه المعرفة. توجد اليوم ثمانية إلى تسعة آلاف مرض نادر في العالم، كلها مختلفة18، وهي تشكل، بالنسبة إلى الأطباء، أحد أكبر التحديات الطبية التي يجب التغلب عليها؛ إذ إنها مثّلت على مدى العقود الماضية لغزًا علميًا محيرًا للباحثين19.

3. الروبوتات الجراحية: ثورة مستمرة

قطعت الجراحة شوطًا طويلً منذ إجرائها أول مرة، وقد بُني هذا التاريخ الطويل على اكتشافات كبرى تتلاقى نحو المزيد من الأمان والنجاعة. ففي البداية، كانت العمليات الجراحية مفتوحة، ولم يدخل "التنظير" إلا في أواخر الثمنينيات من القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين، ازدادت شعبية تقنية الجراحة طفيفة التوغل (Technique Surgical Invasive Minimally)، ويرجع ذلك أساسًا إلى انخفاض

  1. Alice Maria Giania et al., "Long Walk to Genomics: History and Current Approaches to Genome Sequencing and Assembly," Computational and Structural Biotechnology Journal, vol. 18 (2020), pp. 9-19.
  2. Rare Disease Day," National Organization for Rare Disorders (NORD), 1/7/2019, accessed on 1/12/2022, at: https://bit.ly/3B1oT6V
  3. Hilbush, pp. 160 and following.

تكلفتها (الجراحة التنظيرية والروبوتية ما زالت عالية التكلفة، أكثر من الجراحة التقليدية) وقلة توغلها. وعلى الرغم من النجاح الكبير للتنظير الداخلي مع الجراحين، فإن لديه العديد من القيود؛ وهي: نطاقه المحدود من الحركة، ومجال رؤيته المحدود، وردود الفعل الضعيفة عن طريق اللمس.

هذه القيود تحديدًا دفعت الباحثين إلى إيجاد حلول عملية أكثر، ومن هنا ظهرت الروبوتات الجراحية. وقد أحدث ظهور روبوت دافنشي (Vinci Da) في عام 1999 ثورةً في مجال الطب عمومًا، وفي مجال الجراحة طفيفة التوغل خصوصًا. وقد طورته شركة (Surgical Intuitive)، وهي شركة أميركية تصمم الروبوتات الطبية وتنتجها، وتتيح للجراحين إجراء عمليات جراحية طفيفة من خلال شقوق صغيرة تسمح لهم بالعمل بدقة وبراعة وتحكّم أكبر من الأدوات اليدوية التقليدية. وتشهد اليوم سوق الروبوتات الطبية المتخصصة في الجراحة ازدهارًا، وتهيمن عليها شركة (Surgical Intuitive). ففي عام 2020، كان هناك أكثر من 5500 روبوت دافنشي على مستوى العالم، وهي تُستخدم في مجموعة من الإجراءات الجراحية، ولكنها أكثر في مجال طب المسالك البولية؛ إذ تحتكر سوق استئصال البروستاتا الجذري بمساعدة الروبوت (RARP Prostatectomies, Radical Assisted - Robot)، والأنسجة المحيطة لعلاج السرطان الموضعي20. بفضل الروبوتات، أصبح ممكنًا اليوم تبسيط أصعب العمليات الجراحية، وسيتضاعف ذلك في المستقبل. يسمح روبوت دافنشي باستخدام أذرعه الأربع برؤية 360 درجة لأعضاء معينة، وهذه الحرية مصحوبة

  1. Bec Crew, "Worth the Cost? A Closer Look at the da Vinci Robot's Impact on Prostate Cancer Surgery," Nature Index, 22/4/2020, accessed on 7/7/2022, at: https://go.nature.com/3z3BWCY

بدقة مليمترية. فإذا كان لدى الطبيب أيّ شك، فيمكنه الاعتمد على مساعدة الزملاء من جميع أنحاء العالم، ويمكن أن يتواصل الجراحون ويروا العمليات الجراحية على نحو مباشر. وهذا النوع من التدخل يحدّ من زمن التعافي وخطر الإصابة.

4. أجهزة الاستشعار الحيوية

"جهاز الاستشعار الحيوي" (Biosensor) هو جهاز يتكون من عنصر بيولوجي نشط (إنزيمات، وخلايا، وأجسام مضادة، وما إلى ذلك)، وجزء إلكتروني. ومبدأ تشغيله بسيط؛ إذ يتفاعل العنصر البيولوجي مع العنصر المراد تحليله، ويرتبط بنظام تحويل (مستشعر) يحوّل الاستجابة الكيميائية الحيوية إلى إشارة كهربائية. أصبحت المستشعرات الحيوية موجودةً اليوم لمتابعة/ علاج بعض الأمراض، ولتنبيه المريض أو طبيبه في حالة حدوث عدم انتظام. فبالنسبة إلى مرضى السكري مثلً، بدأ استخدام المستشعر (Glucometer) المرتبط بالهاتف الذكي لقياس تركيز نسبة السكر في الدم، فلا مزيد من الحقن اليومية للقياس، بل ينظم المريض نفسه بنفسه. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين لديهم جهاز تنظيم ضربات القلب (Pacemaker)، يُوصَّل الجسم بوحدة مركزية تراقب معدل ضربات القلب، وبمجرد حدوث تغيير في الإيقاع، تحاول الآلة تنظيم القلب. وعندما لا تفلح في حلّ المشكلة من تلقاء نفسها، يجري الاتصال بالمستشفى ونقل المريض إلى غرفة الطوارئ. هذه الابتكارات التكنولوجية هي بمنزلة حراس حقيقيين يقدّمون نوعية حياة أفضل، ومن الأكيد أنها ستشهد تطورًا في المستقبل سيقود، وفقًا لبعض السيناريوهات المتفائلة، إلى صنع "الإنسان المحسّن"، مع ما يشمله ذلك من محاسن ومخاطر؛ إذ تظل العديد من المخاطر موجودة، وينبغي مراقبتها بالنسبة إلى أجهزة الاستشعار الحيوية، بدءًا من الأخلاقيات؛ لأننا نضيف شيئًا إلى جسم/ خلق الإنسان21. كم ينبغي أن نأخذ في الاعتبار جانب الأمن السيبراني، الذي يقتضي، لدرء العديد من مخاطر القرصنة في مجال الصحة التي رأيناها في أفلام الخيال العلمي، تطوير تأمين درجة الهواتف الذكية للمرضى.

5. الخدمات الطبية عن بُعد

إلى جانب تطور الممرسة الطبية عن بُعد، لا سيم في ما يخص الاستشارات الطبية عن بُعد، والملفات الطبية، وغيرها، سيستفيد أيضًا مجال محدد في قطاع الطب من تطور البُعد "عن بعد" بوجه عام في البنى المجتمعية والاقتصادية، وهو مجال توصيل الأدوية. وتبرز أهمية هذا الجانب مثلً عند المرضى الذين يتعذر عليهم التنقل لاستلام أدويتهم، وأيضًا في المناطق النائية التي لا تتوفّر على خدمات طبية كافية عن قرب.

  1. World Health Organization, Ethics and Governance of Artificial Intelligence for Health: WHO Guidance (Geneva: World Health Organization, 2021).

وقد بدأت في الآونة الأخيرة العديد من التقنيات التجريبية تستخدم على نحو اعتيادي، مثلًاستخدام الطائرات الصغيرة من دون طيار لتوصيل الأدوية، على غرار توصيل المواد الغذائية والأغراض الأخرى.

ثالثًا: تحولات الخدمات الطبية يف المستقبل

1. مستقبل مهنة الطبيب

في حين يخضع المجال الطبي لتغييرات كبرى، تُطرح بشأن مهنة الطبيب وممرسته الطبية العديد من الأسئلة؛ فكيف يتصور جيل الأطباء الشباب المستقبل؟ وكيف السبيل إلى تحسين تدريبهم وتأهيلهم؟ وما تطلعات طلاب الطب وكيف يتصورون حياتهم المهنية؟ وكيف ستبدو مهنة الطبيب في المستقبل؟ من الصعب في الزمن الحالي الإجابة عن هذه الأسئلة بدقة؛ إذ إنّ التحديات عديدة والإجابات كذلك. يواجه الأطباء حاليًا العديد من التحديات ذات الصلة بممرستهم المهنية، وعلاقتها بمجموعةٍ من المتغيرات؛ منها الطفرات التكنولوجية والبيوتكنولوجية التي سلطنا عليها الضوء سابقًا، ومنها تغير التركيبة السكانية والشيخوخة المتزايدة للسكان، وطرق مجابهة مجموعة من "الأمراض الناشئة"؛ مثل الأمراض المرتبطة بتطوير عوامل جرثومية جديدة، وبالنشاط البشري، وباستخدام المبيدات الحشرية ومضادات الغدد الصمء... إلخ. غير أن نظام الرعاية الصحية اليوم ليس منظمً للتعامل مع هذه التغيرات؛ فهو لا يزال قائمًا على العلاج أكثر منه على المنع والوقاية، وقد أظهرت جائحة "كوفيد 19-" أننا لم نكن مستعدين لمواجهة وباء بهذا الحجم. ولذا يتعيّ على الأطباء والممرضات في الغد أن يكونوا قادرين، ضمن تنظيم جديد للنظام الصحي، على الاستجابة لهذه التحديات، ويتضمن ذلك تعزيز البحث والابتكار لتزويدهم بالأدوات المناسبة، وأيضًا تدريبهم تدريبًا مختلفًا22. وفي هذا الصدد، من المهم في المستقبل أن نهدف إلى تجنيد الشباب من خلفيات مختلفة، وتقديم برنامج تدريبي طبي وعلمي بالأساس، يكون منفتحًا على العلوم الإنسانية والاجتمعية أيضًا. ومن المهم أن تتغير طرق التدريس نفسها؛ لذا نجد أن العديد من كليات الطب قد أنشأت مراكز محاكاة (Centers Simulation) صحية لتدريب الطلاب على استخدام الأدوات الرقمية. في المستقبل أيضًا، ينبغي أن يتحمل الطبيب المسؤولية الاجتمعية باعتباره الفاعل الرئيس في النظام الصحي؛ فالطبيب له مكانة مركزية؛ لكونه المحاور الرسمي للمريض، وهو الذي يربط بين المعرفة العلمية والممرسة الطبية.

  1. Mary K. Wakefield et al., The Future of Nursing 2020-2030: Charting a Path to Achieve Health Equity (Washington, DC: The National Academies Press, 2021).

من بين الرافعات الرقمية لتحويل مهنة الطبيب، تجدر الإشارة إلى تطوير الاستشارات عن بُعد، والخبرة عن بُعد للأمراض المزمنة، والمتابعة بعد الجراحة، والاستشفاء في المنزل، ونشر الروبوتات للجراحة والفحوصات، إلى جانب دمج الصور الطبية (الروبوتات، والذكاء الاصطناعي)، أو إرساء روبوتات الدردشة (Chatbots) للرد على أسئلة المرضى المتكررة أو متابعتها في المنزل بعد إجراء العيادة الخارجية. يتعلق الأمر بالنسبة إلى الطبيب في المستقبل بوجه خاص بالعناصر التالية: أتمتة إدخال بيانات المريض باستخدام بعض الأدوات؛ مثل "أتمتة العمليات الآلية" (Robotic Automation Process)، لا سيم في أثناء الاستشارات. تطوير برامج التعرف إلى الصوت (Recognition Speech) المستندة إلى الذكاء الاصطناعي لإنتاج تقارير أكثر كفاءة، وفي الإمكان تقديمها للمرضى، ونقلها إلى مقدمي الرعاية الآخرين. إدارة أفضل لأجندات الاستشارات بفضل برامج إدارة المواعيد المستندة إلى الذكاء الاصطناعي. تطوير إنترنت الأشياء لتحسين مراقبة المريض عن بُعد (من يرتدون منظم ضربات القلب، ومرضى السكري، ومن على شاكلتهم). إنشاء ملف طبي مشترك يحتوي على كل البيانات الطبية للمريض. كم ينبغي أن يحصل الأطباء في المستقبل على مساعدة متزايدة في أداء الأعمل الطبية والجراحية بوساطة الروبوتات اليدوية، أو شبه المستقلة، أو المستقلة؛ ما يسمح لهم بتعزيز كفاءتهم وزيادة عدد المرضى المعالَجين. فالجراحون، على سبيل المثال، قد يعتمدون على الأيدي الآلية لاكتساب الدقة اليدوية، أو يمكن توجيههم بفضل رؤية "الواقع المعزز" أو "الواقع المختلط" التي توفرها هذه الأدوات الرقمية. وعلى المدى المتوسط​، يمكن أن يركز الطبيب على وظيفته في الرعاية الصحية والتدخل على نحو أكثر وقائية، بناءً على الكشف المبكر بوساطة أدوات الذكاء الاصطناعي عن احتملات حدوث أمراض عند المريض، وعلى زيادة استخدام الأدوات الرقمية، ومعرفة المريض معرفة أفضل. كم أن الطبيب سيكون لديه ملء تلقائي مسبق لملفات المريض؛ ما يسهّل إدخال البيانات الإدارية والطبية. كم أن برامج الدردشة الطبية ستعفي الطبيب من الإجابة عن جميع الأسئلة المتكررة لمرضاه والتمساتهم البسيطة، مثل حجز موعد على سبيل مثال؛ ما يسمح له بتركيز انتباهه ووقته على الحالات الأكثر تعقيدًا. وهو ما يعني أن يكتسب مستخدمو هذه الأدوات الجديدة مهارة مزدوجة؛ فإضافة إلى المعرفة البيولوجية والطبية، ينبغي أن يتقنوا أيضًا استخدام الأدوات والتقنيات المتقدمة التي تتطلب مهارات ممثلة لمهندس متخصص في علوم الكمبيوتر أو الإلكترونيات أو الميكانيكا. لا ينبغي أن تفاجئنا هذه السيناريوهات المستقبلية، فبفضل التطبيب عن بُعد، لن يحتاج الطبيب مستقبلً إلى ملاقاة مرضاه جسديًا لضمن متابعتهم ومراقبة أمراضهم على نحو فعال؛ وذلك بفضل انتشار الأدوات المحمولة المتصلة (هواتف ذكية، وساعات ذكية... إلخ) التي تسمح بأخذ البيانات

الطبية على مدار الساعة (النبض، ومستويات الكوليسترول، والسكر... إلخ)، وأخذ الصور الطبية، ونقلها بسلاسة. ومع ذلك، فإن رؤية طبيب الغد هذه تستلزم تجاوز العديد من القيود، بدءًا بالقيود المادية وقيود البنية التحتية المناسبة؛ ذلك أن تجهيز المستشفيات بالتكنولوجيا الفائقة يتطلب استثمرات كبيرة. يضاف إلى ذلك أن هذه الأدوات الرقمية يجب أن يقبلها الفريق الطبي إجملً؛ ما يعني بالنسبة إليهم تغيير الممرسات لدمج هذه الأدوات الجديدة في ممرسة مهمتهم.

2. مستقبل العلاقة بين الطبيب ومقدمي الرعاية الطبية والمريض

كم أشرنا إلى ذلك سابقًا، للثورة الرقمية والتكنولوجية تأثيرات هائلة في مجال الطب، وستتزايد هذه التأثيرات في المستقبل القريب. ففي عام 2018، بلغ حجم إنترنت الأشياء في العالم في سوق الرعاية الصحية 147 مليار دولار أميركي، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب بنسبة 20 في المئة حتى عام 2025، وأن يصل الإنفاق العالمي على تكنولوجيا إنترنت الأشياء للرعاية الصحية إلى 1.2 تريليون دولار أميركي في السنوات الثلاث المقبلة، مدفوعًا بإنفاق المستهلكين، والتأمين، ومقدمي الرعاية الصحية23. إحدى أهم عواقب هذه الثورة الرقمية والتكنولوجية ستكون الصحة الإلكترونية والطب عن بُعد الذي سيسمح بالوصول إلى الرعاية "من أيّ مكان وفي أيّ وقت". وتغطي الصحة الإلكترونية جميع الاستخدامات الرقمية في خدمة الوقاية وتقديم الرعاية، وتشمل توافر تطبيقات الهواتف الذكية لعامة الناس، وإجراءات التطبيب عن بُعد، وتوصيل الأدوية عن بُعد، واستخدام الجهات الصحية لنظم المعلومات. وستصبح الاستشارات المرئية البوابة الرئيسة لمسارات الرعاية. في ضوء هذه التغيرات البنيوية، هل ستتغير علاقة الطبيب بمرضاه في المستقبل؟ بالتأكيد؛ ذلك أن الطب هو أولً علاقة إنسانية بين مقدم الرعاية والمريض، يجري التعبير عنها من خلال ممرسات طبية يدوية تضرب تقاليدها في أعمق التاريخ. فم العلاقة المتبادلة بين الطبيب والمريض في غياب الاتصال الجسدي المباشر؟ وما طبيعتها؟ وهل المريض "المتصل بالشبكة" الذي يمكن أن يكون "محشوًا" في المستقبل بأجهزة استشعار في حياته الخاصة هو الذي سيتحكم فيها؟ أو سيجري التحكم فيها عن بُعد؟ وأيّ حدود ستكون بين حياته الخاصة والحياة العامة؟ ذلك أنه ستُستخدم مئات الملايين من البيانات التي أُنشئت بوساطة "عملقة الإنترنت" (أمازونAmazon، وميتا Meta، وغوغل، وآبل Apple، ولينكدإن LinkedIn، وميكروسوفMicrosoft، ونيتفليكس Netflix، وتويتر Twitter، وأوبر Uber، وياهو Yahoo، وإير بي إن بي Airbnb، وعلي بابا Alibaba، وبوكينغ Booking،

  1. Lenny George, "Is IoT in Healthcare Worth the Hype?" Linkedin, 24/9/2019, accessed on 14/7/2022, at: https:// bit.ly/3Bnntok

وغيرها) لدراسة سلوكياتنا "غير الآمنة"، للتنبؤ بحدوث هذا المرض أو ذاك، ولتزويدنا بنصائح وقائية أولية إذا تأكّد الخطر الجيني من خلال تحليل الجينوم الخاص بنا على سبيل المثال، ولتزويدنا بالمعلومات الصحيحة عن العلاجات إذا حدث هذا المرض أو ذاك. أما بالنسبة إلى الروبوتات الطبية، فلن تكون هناك حدود: الجراح الآلي، والطبيب الآلي، والممرضة الروبوتية، ورفيق حياة الإنسان الآلي، والكلب الآلي... إلخ. إن هذه الثورة الرقمية والتكنولوجية ستكون لها بالتأكيد عواقب مباشرة قوية على علاقة الطبيب بالمريض، ولذا من المهم أكثر من أيّ وقت مضى العودة إلى مبادئ أبقراط التي بموجبها ينصح الأطباء بمراقبة الإنسان في بيئته لمساعدته، وتقديم الرعاية الطبية له، واستعادته صحته. ومن ثم، سيكون السؤال الرئيس في السنوات القادمة حول طب الرعاية الأولية، وهو الذي يظل الأقرب إلى المرضى، والأكثر فاعلية في منع الوفاة المبكرة24.

رابعًا: مستقبل العمل في مجال الطب يف الوطن العربي

يتباين وضع الرعاية الصحية في الوطن العربي، ما بين بلدان تتبوأ صدارة تصنيفات التنمية البشرية، وأخرى في وسطها، وأخرى ترزح في أدناها. فوفقًا ل "مؤشر الأمن الصحي العالمي" لعام 2021، من بين البلدان ال 195 التي يشملها التصنيف، تصنّف بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إضافة إلى الأردن، فحسب، ضمن فئة المئة الأولى في العالم (على التوالي: قطر في المرتبة 49، السعودية في المرتبة 61، الأردن في المرتبة 66، الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 80، عُمن في المرتبة 81، الكويت في المرتبة 88، البحرين في المرتبة 92)، في حين أن بقية البلدان العربية تحتلّ جميعها مراتب متدنّية أو متدنية جدًا في هذا التصنيف (على التوالي: المغرب في المرتبة 108، لبنان في المرتبة 111، تونس في المرتبة 123، السودان في المرتبة 152، مصر في المرتبة 153، الجزائر وموريتانيا في المرتبة 163، ليبيا في المرتبة 172، جيبوتي في المرتبة 173، جزر القمر في المرتبة 175، العراق في المرتبة 177، سورية في المرتبة 192، اليمن في المرتبة 193، الصومال في المرتبة.195)25

  1. ينظر في ذلك مثلًالدراسات الوبائية المرجعية لطبيبة الأطفال الأميركية باربرا ستارفيلد، التي كانت من بين أهم دعاة تعميم الرعاية الصحية الأولية في جميع أرجاء العالم: Barbara Starfield, Concept, Evaluation and Policy (New York: Oxford University Press, 1992); Barbara Starfield, Primary Care: Balancing Health Needs, Services, and Technology (New York: Oxford University Press, 1998); Luis Rajmil & Barbara Starfield, "Inequalities in Child Health," in: Moving Forward Equity in Health: Monitoring Social Determinants of Health and the Reduction of Health Inequalities (Madrid: Ministry of Health and Social Policy of Spain, 2010), pp. 32-36.
  2. Jessica A. Bell & Jennifer B. Nuzzo, Global Health Security Index: Advancing Collective Action and Accountability Amid Global Crisis (Washington, DC: Nuclear Threat Initiative, 2021), pp. 22-23.

وإذا كان المستقبل الذي يَعد به الطب عن بُعد والاستخدامات الطبية لأدوات الثورة الرقمية والتكنولوجية يبدو واعدًا جدًا بالنسبة إلى البلدان العربية، فإنه مع ذلك يخاطر بتعزيز بعض التفاوتات أو حتى خلق تفاوتات جديدة في الوصول إلى الرعاية الصحية. فإذا كان 87 في المئة من الناس في البلدان المتقدمة متصلين رقميًا، فإنهم لا يمثلون سوى 19 في المئة في أقل البلدان نموًا؛ بمعنى أن 3.6 مليارات شخص – أي ما يقرب من نصف سكان العالم – لا يمكنهم الوصول إلى أيٍّ من الخدمات عن بُعد26. ومن ثمّ، فإن نصف سكان العالم، بما في ذلك الغالبية العظمى من ساكنة الدول العربية، لن يحصلوا في المستقبل القريب على خدمات الرعاية الصحية عن بُعد. إنّ هذه حقيقة يجب أن تأخذها المنظمت الصحية والحكومات في الاعتبار عند التفكير في هذه التحولات، وإلا ستزداد بعض الفوارق سوءًا. في ضوء مستقبل الممرسات الطبية التي رسمنا أهم معالمه سابقًا، تكتسي السياسات العامة في البلدان العربية في مجال الطب أهميةً قصوى. وإذا كانت جائحة "كوفيد 19-" قد أدت إلى زيادة الوعي بأهمية السياسات العامة في مجال الطب في المستقبل، فلا يزال هناك طريق طويل ينبغي قطعه في هذا الاتجاه؛ إذ لا يتعلق الأمر بالتمويل فحسب، بل يتعلق أيضًا بسياسات التعليم الطبي وإعادة هيكلته27، وسياسة البحث والتطوير في مجال الطب. فعلى سبيل المثال، يكتسي الاستثمر في البحث العلمي في الدواء وصناعته عمومًا، واللقاحات خصوصًا، أهميةً قصوى سلّط عليها الضوء أسامة أبو الرب في السياق العربي، مبرزًا أنّ الجائحة، على قتامة الوضع الذي أدت إليه، تشكّل في الآن ذاته سانحةً لتعزيز البحث العلمي الطبي العربي المتعلق بلقاحات كورونا وعلاجه، وتوجيهه في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتكنولوجيا النانو، وعلم الجينوم، ولإنجاز منظومة مراقبة وتحكم للتنبؤ بالجوائح القادمة28. من ناحية أخرى، إذا كانت العديد من الدول العربية لا تزال تتميز بانفصال العديد من المناطق النائية عن البنية التحتية والوصول إلى الخدمات الطبية، فإن التكنولوجيا المحمولة تحمل آم لً كبيرة لجلب الخدمات الطبية إليها. ومن الضروري منح أهمية لمسألة تنظيم طب المستقبل وتقنينه عربيًا. فعلى الصعيد الدولي، هناك تجارب في هذا المجال يمكن أن تستلهم الدول العربية منها. على سبيل المثال، اقترحت المنظمت الأميركية المنسقة للرعاية السلوكية (Care Behavioral Coordinated) والجمعية الأميركية للطب النفسي (American

  1. The United Nations, "High-Level Thematic Debate on Digital Cooperation and Connectivity: Whole-of- Society Responses to End the Digital Divide," Summary of the President of the General Assembly, 27/4/2021, accessed on 27/7/2022, at: https://bit.ly/3PX6pJF
  2. Nomy Dickman & Barbara Schuster (eds.), Active Education for Future Doctors (Cham, Switzerland: Springer Nature, 2020).
  3. أسامة أبو الرب، "مستقبل العالم والمنطقة العربية: قراءة في واقع سياسات البحث العلمي الدولية والعربية في مجال اللقاحات ومستقبلاتها"، في: استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي السادس: استشراف تحولات العلوم والتكنولوجيا: بوابة العرب إلى المستقبل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.159-132

Association Psychiatric) نموذجًا لتقييم الحلول الرقمية التي من شأنها أن تجعل من الممكن، وفقًا لتقدّم منهجي على مستويات متتالية مختلفة، تحديد فاعلية الأدوات الرقمية والأمان والأهمية29. من جهةٍ أخرى، أصبحت شبكة الإنترنت موردًا أساسيًا للمعلومات في جميع المجالات الحياتية، من بينها وأهمها المجال الطبي. فالجميع أصبح يعتمد على شبكة الإنترنت في البحث عن معلومات تخص الأمراض وأعراضها وتشخيصها، وطريقة استخدام الأدوية، والعادات الصحية، وما يتعلق بها من ممرسة رياضية ونظام غذائي. وجاءت الجائحة لتعزز هذا التوجه البعيد الأمد، سواء في ما يخص تقديم الخدمات الطبية عن بُعد، أو تقديم المعلومات الطبية. وبهذا تزايد الاهتمم بالمواقع الإلكترونية الطبية، سواء منها الرسمية أو غير الرسمية، والربحية أو غير الربحية. وفي البلاد العربية، إن كانت المواقع الرسمية التي تقدّم خدمات طبية عن بُعد، أو تقود المستخدم لاستكمل جزء من الإجراءات عن بعد، قد شهدت تطورًا ملموسًا، فإن المواقع الطبية الإلكترونية التي تُعنى بتقديم معلومات طبية موثوقة وبلُغة مبسطة باللغة العربية لا تزال محدودة، مقارنةً بنظيراتها باللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، أو حتى باللغات التركية والفارسية والصينية. وهو ما يعكس ضعف الإعلام الطبي باللغة العربية من جهة، ويعكس ضعف وجود اللغة العربية في حد ذاتها على شبكة الإنترنت عمومًا.

خاتمة

في السنوات العشر أو العشرين القادمة، سيشهد عالم الطب الكثير من الاضطرابات؛ إذ يمكن مستقبلً عمل كل شيء تقريبًا عن بُعد، وسيساعد الطبيب ذكاءٌ اصطناعيٌ مُحسَّن، كم سيستفيد المختصّون في هذا المجال من الأدوات الحديثة والمبتكرة للتغلب على الأمراض المختلفة. وتضع هذه التحولات الكبرى تحديات هائلة أمام المؤسسات الصحية وواضعي السياسات الصحية في العالم العربي، تتعلق برصدها ومتابعتها، والاستفادة من أفضل الممرسات فيها، سواء في مجال الممرسة الطبية، من تشخيص وعلاج ووقاية، أو في مجالات الإدارة الصحية والتعليم الصحي. ومن هذه التحديات: ضرورة رصد ميزانيات أكبر للمجال الصحي في المستقبل، وهو ما بدأت أزمة جائحة "كوفيد 19-" في تعزيز الوعي به. وضرورة تعزيز ربط الممرسة الطبية بالبحث العلمي الطبي، لكي لا يظل العالم العربي مجرد تابع في مجال الابتكارات الطبية، بل يصير مساهمً فيها أيضًا.

  1. Philip Henson et al., "Deriving a Practical Framework for the Evaluation of Health Apps," Lancet Digit Health, vol. 1, no. 2 (2019), pp. 52-54. المستويات الخمسة لهذا الدليل التقييمي؛ هي: 1. المعلومات الأساسية، 2. السرية والأمان، 3. الفائدة الطبية، 4. سهولة الاستخدام، 5. تكامل البيانات.

المراجع

العربية

استشراف للدراسات المستقبلية، الكتاب السنوي السادس: استشراف تحولات العلوم والتكنولوجيا: بوابة العرب إلى المستقبل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

الأجنبية

Bell, Jessica A. & Jennifer B. Nuzzo. Global Health Security Index: Advancing

Collective Action and Accountability Amid Global Crisis. Washington, DC:

Nuclear Threat Initiative, 2021.

Boisseau, Patrick & Bertrand Loubaton. "Nanomedicine, Nanotechnology in

Medicine." Comptes Rendus Physique. vol. 12, no. 7 (September 2011).

Boulton, Geoffrey. "Jisc Futures: The Digital Revolution and the Future of Science."

Times Higher Education. 3/7/2017. at: https://bit.ly/3zdnfNO

Crew, Bec. "Worth the Cost? A Closer Look at the da Vinci Robot's Impact on

Prostate Cancer Surgery." Nature Index. 22/4/2020. at: https://go.nature.

com/3z3BWCY

De Vries, Glen & Jeremy Blachman. The Patient Equation: The Data-Driven

Future of Precision Medicine and the Business of Health Care. Hoboken,

NJ: John Wiley & Sons, 2020.

Dickman, Nomy & Barbara Schuster (eds.). Active Education for Future Doctors.

Cham, Switzerland: Springer Nature, 2020.

Fabbri, Leonardo M. & Roberto Ferrari. "Chronic Disease in the Elderly: Back to

the Future of Internal Medicine." Breathe. vol. 3, no. 1 (September 2006).

George, Lenny. "Is IoT in Healthcare Worth the Hype?" Linkedin. 24/9/2019.

at: https://bit.ly/3Bnntok

Giania, Alice Maria et al. "Long Walk to Genomics: History and Current

Approaches to Genome Sequencing and Assembly." Computational and

Structural Biotechnology Journal. vol. 18 (2020).

Henson, Philip et al. "Deriving a Practical Framework for the Evaluation of Health

Apps." Lancet Digit Health. vol. 1, no. 2 (2019).

Hilbush, Brian. In Silico Dreams: How Artificial Intelligence and Biotechnology

Will Create the Medicines of the Future. Hoboken, NJ: John Wiley & Sons,

Mostafalu, Pooria et al. "Smart Bandages: Smart Bandage for Monitoring and

Treatment of Chronic Wounds." Small. vol. 14, no. 33 (August 2018).

Moving Forward Equity in Health: Monitoring Social Determinants of Health and

the Reduction of Health Inequalities. Madrid: Ministry of Health and Social

Policy of Spain, 2010.

Ponce, Brent A. "Emerging Technology in Surgical Education: Combining Real-

Time Augmented Reality and Wearable Computing Devices." Orthopedics. vol.

37. no. 11 (November 2014).

PricewaterhouseCoopers. Global Top Health Industry Issues 2021: Innovation

Fuelled by Digital Capabilities. London: PwC, 2021.

"Rare Disease Day." National Organization for Rare Disorders (NORD). 1/7/2019.

at: https://bit.ly/3B1oT6V

Rauta, Pradipta Ranjan, Yugal Kishore Mohanta & Debasis Nayak (eds.).

Nanotechnology in Biology and Medicine: Research Advancements and Future

Perspectives. Boca Raton, FL: CRC Press/ Taylor & Francis, 2020.

Raz, Manda, Tam C. Nguyen & Erwin Loh (eds.). Artificial Intelligence in

Medicine: Applications, Limitations and Future Directions. Singapore: Nature

Springer, 2022.

Shenai, Mahesh B. et al. "Virtual Interactive Presence and Augmented Reality

(VIPAR) for Remote Surgical Assistance." Neurosurgery. vol. 68 (2011).

Silver, Mike. "Smart Bandages Designed to Monitor and Tailor Treatment for

Chronic Wounds." Tufts Now. 6/7/2018. at: https://bit.ly/3zyOMdY

Smith, Robin L. & Max Gomez. Cells are the New Cure: The Cutting-Edge Medical

Breakthroughs that are Transforming our Health. Dallas, TX: BenBella Books,

Starfield, Barbara. Concept, Evaluation and Policy. New York: Oxford University

Press, 1992.

Starfield, Barbara. Primary Care: Balancing Health Needs, Services, and Technology.

New York: Oxford University Press, 1998.

The United Nations. "High-Level Thematic Debate on Digital Cooperation

and Connectivity: Whole-of-Society Responses to End the Digital Divide."

Summary of the President of the General Assembly. 27/4/2021. at: https://bit.

ly/3PX6pJF

Ugalmugle, Sumant & Rupali Swain. Digital Health Market Industry Analysis

Report: Regional Outlook, Application Potential, Price Trends, Competitive

Market Share & Forecast, 2020 - 2026. Selbyville, DE: Global Market Insights,

Wakefield, Mary K. et al. The Future of Nursing 2020-2030: Charting a Path to

Achieve Health Equity. Washington, DC: The National Academies Press, 2021.

Wetterstrand, Kris A. "The Cost of Sequencing a Human Genome." Fact Sheets.

National Human Genome Research Institute. 1/11/2021. at: https://bit.ly/2JHdHlK

World Health Organization. Ethics and Governance of Artificial Intelligence for

Health: WHO Guidance. Geneva: World Health Organization, 2021.

Wulff, Henrik R. Rational Diagnosis and Treatment: An Introduction to Clinical

Decision-making. Oxford, UK: Blackwell Scientific Publications, 1981.

Xing, Lei, Maryellen L. Giger & James K. Min (eds.). Artificial Intelligence in

Medicine: Technical Basis and Clinical Applications. London: Elsevier, 2021.