العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مستقبل العمل في ضوء ثورة الذكاء الاصطناعي

مستقبل العمل في ضوء ثورة الذكاء الاصطناعي

The Future of Work Considering the Artificial Intelligence Revolution

هيئة التحرير

الملخّص

مع سيادة الأتمتة والذكاء الاصطناعي على نحوٍ متزايد في مجالات العمل، قد يبدو مستقبل العمل مختلفًا تمامًا عما هو عليه اليوم، فالذكاء الاصطناعي يتمتع بإمكانات كبيرة لتحويل العمل في المستقبل على نحوٍ جذري، وقد أضحى حاضرًا في العديد من المجالات، سواء منها المهمات الروتينية أو الإبداعية، وأضحى قادرًا أيضًا على التفاعل مع البشر وفهم اللغة البشرية كما يجري التحدث بها. تعرض هذه الدراسة تطور الذكاء الاصطناعي وتطور استخداماته خلال العقود الماضية، وتدرس تأثيراته في بنية العمل ومستقبله، وتقدّم استشرافًا لمستقبل عالم العمل في ظل هذه التأثيرات البنيوية الجمة للذكاء الاصطناعي والأتمتة، مع إشارةٍ إلى توظيفها في السياقات العربية.

Abstract

ملخص:  مع سيادة الأتمتة والذكاء الاصطناعي عى نحوٍ متزايد في مجالات العمل، قد يبدو مستقبل العمل مختلفًا تمامًا عم هو عليه اليوم، فالذكاء الاصطناعي يتمتع بإمكانات كبيرة لتحويل العمل في المستقبل عى نحوٍ جذري، وقد أضحى حاضرًا في العديد من المجالات، سواء منها المهمت الروتينية أو الإبداعية، وأضحى قادرًا أيضًا عى التفاعل مع البشر وفهم اللغة البشرية كم يجري التحدث بها. تعرض هذه الدراسة تطور الذكاء الاصطناعي وتطور استخداماته خلال العقود الماضية، وتدرس تأثيراته في بنية العمل ومستقبله، وتقدّم استشرافًا لمستقبل عالم العمل في ظل هذه التأثيرات البنيوية الجمة للذكاء الاصطناعي والأتمتة، مع إشارةٍ إلى توظيفها في السياقات العربية. كلمت مفتاحية:  مستقبل العمل، الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، الربوتات، البلدان العربية. Abstract:  With automation and artificial intelligence increasingly prevalent in the areas of work, the future of work may look completely different from what it is today, as artificial intelligence has great potential to radically transform it, and has become omnipresent in many areas, whether routine or creative tasks. The artificial intelligence is also henceforth able to interact with humans and understand human language as it is spoken. This study presents the development of artificial intelligence and the evolution of its uses during the past decades, and examines its effects on the structure and future of the work. The paper provides an outlook for the future of work in light of these huge structural effects of artificial intelligence and automation, with reference to its employment in Arab contexts.

الكلمات المفتاحية:
  • مستقبل العمل
  • الذكاء الاصطناعي
  • الأتمتة
  • الروبوتات
  • البلدان العربية
Keywords:
  • future of work
  • Artificial Intligence
  • robotics
  • Automation
  • Arab World

مستقبل العمل يف ضوء ثورة الذكاء الاصطناعي The Future of Work Considering the Artificial Intelligence Revolution

مقدمة

يتغير عالم العمل بسرعة غير مسبوقة. وإذا كانت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) قد سلطت الضوء على بعض جوانب هذه التغيرات الجارية، من خلال رفعها منسوب عدم اليقين وإجبارها الشركات والمؤسسات على التكيف وإعادة ابتكار نفسها بسرعة، فإنها كانت مجرد لبنةٍ من لبنات هذا التحول الكبير الجاري. فمع الثورة الرقمية، أصبحنا نعمل على نحو أسرع، وأصبحت تُولد عروض جديدة للعمل وخدمات جديدة وتختفي على نحو أسرع، مع تسارع وتيرة التغيير، عامًا بعد عام. من جهة، قد تبدو هذه التحولات ذات أهمية كبرى إذا كنّا مستعدّين لها جيدًا. ولكن من جهة أخرى، فإنها تعني إعادة تعلّم كيفية التعلم، ومعرفة كيفية إعادة ابتكار الأشخاص والمؤسسات لأنفسهم باستمرار، والقدرة على التكيف مع هذه القواعد الجديدة. ومع سيادة الأتمتة والذكاء الاصطناعي على نحوٍ متزايد في مجالات العمل، قد يبدو مستقبل العمل مختلفًا تمامًا عم هو عليه اليوم. فالذكاء الاصطناعي يتمتع بإمكانات كبيرة لتحويل العمل في المستقبل على نحوٍ جذري، وقد أضحى حاضرًا بالفعل في العديد من العمليات لتخصيص توصيات المنتج، والعثور على العيوب في خطوط الإنتاج، وتحديد المعاملات الاحتيالية، وما إلى ذلك. ومع تطور معالجة اللغة الطبيعية (Language Natural NLP Processing,) داخل المساعدين الصوتيين الأذكياء، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على التفاعل مع البشر وفهم اللغة البشرية كم يجري التحدث بها. ويقدّم المساعد الشخصي الذكي (Assistant Virtual) الذي أصبح منتشرًا اليوم في المنازل الذكية، مثل "سيري" (Siri) و"أليكسا" (Alexa)، لمحةً عامة، وإن كانت غير مكتملةٍ بعد، عن تقدّم الذكاء الاصطناعي في التواصل مع البشر من خلال اللغة الطبيعية. تُظهر جميع الدراسات التي أجريت منذ بداية القرن العشرين أن كل تغيير تكنولوجي يتوافق مع طفرة طبيعية في بنية سوق العمل؛ فالوظائف التي دُمرت لأن الآلات حلت محل البشر جرى استبدالها بوظائف أخرى مرتبطة على نحو مباشر أو غير مباشر بالاحتياجات الجديدة التي جرى إنشاؤها بوساطة هذا التغيير التكنولوجي. في إمكاننا اليوم التأكيد أنّ الثورة المستقبلية في عالم العمل ستكون ذات طبيعة مختلفة، فحتى الآن، لم تأتِ التكنولوجيات الجديدة إلا بوصفها مكمّلً أو مساعدًا للعمل الذي يقوم به الإنسان (المَيْكنة، وزيادة قدرات الحوسبة، وتسريع معالجة المعلومات... إلخ). بيد أنّ منطق الذكاء الاصطناعي سيكون مختلفًا تمامًا، ويمكن أن يشكّل ثورة تكنولوجية جديدة حقيقية، على اعتبار أنّنا ننتقل مع الذكاء الاصطناعي من مساعدة العامل إلى استبداله. كم يمكن القول إنه حتى الآن أدت التكنولوجيات الجديدة إلى نمو اقتصادي خلقَ فرص عمل، ولكن هل سيظل الأمر كذلك متى أدركنا أن هذا النمو يمكن أن يكون محدودًا إذا تغيّ الغرض من الإنتاج (منتجات أكثر استدامة، والاستهلاك المشترك، والحد من الموارد القابلة للتحويل المتاحة، وما إلى ذلك)؟

لذلك لا يمكننا أن نستبعد تمامًا أن ثورة الذكاء الاصطناعي سيكون لها في النهاية تأثير مدمّر صافٍ في التوظيف، من دون أن توفر الاحتياجات الجديدة تعويضًا كاملً عن الوظائف المفقودة. من أجل درس تأثيرات الذكاء الاصطناعي في بنية العمل ومستقبله، سوف نعرّفه في البداية ونشير إلى تطوره وتطور استخداماته خلال العقود الماضية، ثمّ نعرض تأثيره في عالم العمل، قبل أن نقدم استشرافًا لمستقبل عالم العمل في ظل تأثيراته والأتمتة.

أولً: ما المقصود بالذكاء الاصطناعي؟

يمكن تعريف الذكاء بأنه القدرة على التفكير والتعلم وحل المشكلات منطقيًا؛ ما يسمح لنا باستيعاب المعلومات واستخلاص النتائج. وينطبق هذا التعريف أيضًا على الذكاء الاصطناعي (Artificial AI Intelligence,) الذي أضحى يحرز حاليًا تقدمًا هائلً، وقد استخدم هذا المصطلح أول مرة جون مكارثي وآخرون في مقترحهم في عام 1955 لمؤتمر دارتموث في عام 1956، وهو أول مؤتمر حول الذكاء الاصطناعي1، وقد عرّفوه بوصف الهدف منه، وهو تطوير آلات تبرهن على وجود علامات للذكاء البشري2. وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، تعرّفه إيلين ريتش بأنه "دراسة كيفية جعل أجهزة الكمبيوتر تقوم بأشياء يقوم بها البشر، في الوقت الحالي، على نحو أفضل"3. فالآلة الذكية التي لديها القدرة على أداء مهمة محددة، على الرغم من وجود عدم اليقين والتنوع في بيئتها، هي نقطة البداية للذكاء الاصطناعي كم نعرفه اليوم. أعدَّ آلان تورينغ، عالم الرياضيات اللامع وأحد رواد علوم الكمبيوتر، اختباره المعروف باسم "اختبار تورينغ" في عام 1937، ونشر مقالته "الحوسبة الآلية4والذكاء" في عام 1950، حيث درس ظروف وجود آلة ذكية5. في هذا الاختبار، يتفاعل مراقب مطّلع مع إنسان وآلة من خلال طابعة عن بعد. ولا يرى المراقب المطّلع الإنسان ولا الآلة؛ إذ يتفاعل الثلاثة في محادثة نصية. والهدف من الاختبار هو أن يستطيع المقيّم البشري تمييز الإنسان من الآلة6.

  1. John McCarthy et al., "A Proposal for The Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence," 31/8/1955, accessed on 11/10/2022, at: https://stanford.io/2kE6JUS
  2. Ibid.
  3. Elaine Rich, Artificial Intelligence (New York: McGraw-Hill, 1983), quoted in: Wolfgang Ertel, Introduction to Artificial Intelligence, Nathanael T. Black (trans.) (London: Springer, 2018), p. 2.
  4. Alan Turing, "Computing Machinery and Intelligence," Mind, vol. LIX, no. 236 (October 1950), pp. 433-460; Andrew Hodges, The Universal Turing Machine: A Half-Century Survey (Vienna: Springer, 1995); Miguel Nicolelis & Ronald Cicurel, The Relativistic Brain: How it Works and why it cannot be Simulated by a Turing Machine (Natal, Brazil: Kios Press, 2015).
  5. Turing.
  6. في هذه المقالة، صاغ آلان تورينغ أطروحة مفادها أن بعض الآلات ستكون قادرة في المستقبل على التفكير أو إظهار الذكاء. وقد أراد أن يُظهر أن إمكانيات الآلات قد تمتد إلى ما هو أبعد من أداء المهمات "الميكانيكية."

وعلى نحوٍ عام، يمكننا تمييز عدة أنواع مختلفة للذكاء الاصطناعي، يُشار إليها عادةً باسم "الذكاء الاصطناعي الضعيف"، و"الذكاء الاصطناعي القوي"، و"الذكاء الاصطناعي الخارق": "الذكاء الاصطناعي الضعيف" (AI Weak)، المعروف أيضًا ب "الذكاء الاصطناعي الضيق" (Intelligence Narrow Artificial)، هو الأكثر انتشارًا اليوم، وقد جرت برمجة هذا النوع من الذكاء الاصطناعي لأداء مهمة واحدة، مثل التحقق من الطقس، أو لعب الشطرنج، أو تحليل البيانات لكتابة التقارير الصحافية. "الذكاء الاصطناعي القوي" (AI Strong)، المعروف أيضًا ب "الذكاء الاصطناعي العام" (Artificial Intelligence General)، يشير إلى الآلات التي تحاكي الذكاء البشري. وبتعبير آخر، يمكن أن يقوم الذكاء الاصطناعي العام بأي مهمة فكرية يمكن أن يؤديها الإنسان، بيد أنّه غير موجود بعد، ولا يزال في مرحلة الفكرة. "الذكاء الاصطناعي الفائق" (Intelligence Super Artificial)، وهو يتجاوز الذكاء البشري في جميع الجوانب (الإبداع، والحكمة العامة، وحل المشكلات). ويتحلّ هذا النوع من الآلات بذكاء لا نملكه نحن البشر7. وهو يقلق الكثير من الناس، ويشبه ذلك الذي يعمل عليه إيلون ماسك8. وإن كان نوعا الذكاء الاصطناعي "القوي" و"الفائق" لمّا يقطعا أشواطًا حاسمة، فإنّ التطورات الجارية هي في حدّ ذاتها كافية لتجعل العديد من مهندسي الكمبيوتر وعلمء الفيزياء يعلنون عن مخاوفهم بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي. فالعالم الفيزيائي الشهير ستيفان هوكينغ أعلن أنه "يخشى أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر كليًا"9. في حين يصرّ بيل غيتس من جهته على أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا للبشرية، إلى درجة أنه يمكن أن يؤدي ذلك إلى انقراض النوع البشري10.

  1. V. K. Anirudh, "What are the Types of Artificial Intelligence: Narrow, General, and Super AI Explained," Spiceworks, 10/2/2022, accessed on 14/6/2022, at: https://bit.ly/3TTEwV3
  2. Dimitri Gurtner, "Neuralink and Beyond: Challenges of Creating an Enhanced Huma," Working Paper, no. 21-01, Univeristat Feiburg, Departement Für Informatik (February 2021), accessed on 11/10/2022, at: https://bit.ly/3VXnMxE
  3. Stephen Hawking, "I Fear that AI May Replace Humans Altogether," Futurism, 11/7/2017, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3z4KpGM
  4. Kevin Rawlinson, "Microsoft's Bill Gates insists AI is a threat," BBC News, 29/1/2015, accessed on 11/10/2022, at: http://bit.ly/3HjOcoB; علاوةً على ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي أيضًا مفارقات ورهانات قانونية وأخلاقية جمّة. ينظر في ذلك مثلً: Larry A. DiMatteo, Cristina Poncib & Michel Cannarsa, The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence: Global Perspectives on Law and Ethics (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2022); Wayne Holmes & Kaska Porayska-Pomsta, The Ethics of Artificial Intelligence in Education Practices, Challenges, and Debates (New York: Routledge, 2022); Steven John Thompson, Machine Law, Ethics, and Morality in the Age of Artificial Intelligence (Pennsylvania: IGI Global, 2021); Don Berkich & Matteo Vincenzo d'Alfonso, On the Cognitive, Ethical, and Scientific Dimensions of Artificial Intelligence (Cham, Switzerland: Springer International Publishing, 2019).

في الواقع، لم تعد هذه الابتكارات والوعود والمخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في عالم العمل وفي حياة البشر بوجه عام تفاجئنا مثل ذي قبل، فقد عوّدنا عالم الخيال العلمي (وحذرنا) بشأن هذه التطورات (الممكنة، أو المحتملة، أو ضعيفة الاحتمل) التي تصور الحياة في المستقبل؛ حيث يتم دمج الروبوتات بالكامل في الحياة اليومية، من عمل منزليين، أو عمل في المصانع والوظائف الميكانيكية، أو حتى بوصفهم مستقلين بذكائهم عن الإنسان ومتفاعلين معه في مدينة نصفها بشري ونصفها آلي. فخيالنا جميعًا ممتلئ بصور من العديد من أعمل الخيال العلمي، على غرار فيلم "أنا، روبوت" (I-Robot) الذي صدر في عام 2004، واستُوحي جزئيًا من سلسلة قصص الخيال العلمي القصيرة لإسحاق أسيموف "أحلام الروبوت" (Dreams Robot) التي صدرت في عام.198611

ثانيًا: تأثير الذكاء الاصطناعي يف عالم العمل

استنادًا إلى كميات كبيرة من البيانات، وقدرات حوسبة عالية، وخوارزميات معقدة، أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على إنجاز مجموعة من المهمت المعقدة؛ فهي تقوم بتقييم جودة التطبيقات، والإجابة عن أسئلة العملاء حول المنتجات، وتوجيه روبوتات قطف الفواكه، وغيرها من المهمت. ولذا غالبًا ما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه تكنولوجيا متعددة الاستخدامات، على غرار المحرك البخاري، والسكك الحديدية، والإنترنت، لديها القدرة على أن تُوظَّف في مجموعة واسعة من القطاعات، ولها تأثير قوي وعميق في أسواق العمل. في المستقبل، من المرجح أن تقوم الآلات بعمليات أو مهمت تنبّئية محددة يتمتع فيها الذكاء الاصطناعي بميزات محددة على البشر؛ ما سيؤثر حتمً في مهن معينة. فعلى سبيل المثال، قد لا يضطر الموظف الذي يقوم بإدخال البيانات إلى تصنيفها، من أجل التركيز حصريًا على المهمت التي لا يمكن أن يؤديها الكمبيوتر. كم سيتيح الذكاء الاصطناعي أيضًا توزيع المهمت توزيعًا أفضل بين الموظفين، على سبيل المثال، باستخدام خوارزمية تحدد أفضل مجموعة من المهمت التي سيجري تنفيذها والمهارات المتاحة. ويمكن أن تؤثر هذه التغييرات أيضًا في "المعنى" الذي يمنحه الأفراد لعملهم، لتصبح المسألة مرتبطةً أيضًا في نهاية المطاف بقضية الهوية12. إضافة إلى حقيقة أن الروبوتات والخوارزميات تؤدي عددًا متزايدًا من المهمت، فإن "الأتمتة باستخدام الروبوت" (Androidization) للعمل تؤثر أيضًا في المهارات المطلوبة في سوق العمل. ولذا سيكون

  1. تذهب هذه الأعمال بنا أبعد من مجرد تخيل تطبيع وجود الروبوتات في حياتنا اليومية، إلى تخيل "عصر ما بعد الإنسان" (Era Posthuman)، مع كل ما ينطوي عليه هذا الخيال من مخاوف وعدم يقين بشأن المستقبل البشري. ينظر في ذلك: Carmen Birkle, "'I, Robot': Artificial Intelligence and Fears of the Posthuman," in: Herta Nagl-Docekal & Waldemar Zacharasiewicz (eds.), Artificial Intelligence and Human Enhancement (Berlin: De Gruyter, 2022).
  2. George A. Akerlof & Rachel E. Kranton, Identity Economics: How our Identities Shape our Work, Wages, and Well-being (Princeton: Princeton University Press, 2010).

الطلب في المستقبل على نحو رئيس على العقل الاستراتيجي والإبداعي، إضافة إلى المهارات الاجتمعية، مع سيطرة الإنسان على الآلة في هذه المجالات. وإن كان من الممكن أن تتطلب بعض الأنشطة مؤهلً أعلى وفقًا للظروف والسياقات (مثل معرفة كيفية تفسير تحليلات البيانات)، فيمكن أن تؤدي التكنولوجيا أيضًا إلى انخفاض المهارات المطلوبة لوظائف معينة. على سبيل المثال، لم يعد مطلوبًا من سائقي "أوبر" معرفة أفضل الطرق، حيث يعتني بها أحد التطبيقات الرقمية (مثل "غوغل مابس" Maps Google، أو "ويز" Waze، أو "هيرويغو" WeGo Here). فضلً عن ذلك، قد يؤدي ظهور منصات التوظيف مثل "تاسك رابيت" TaskRabbit إلى أشكال أكثر مرونة لعلاقات العمل. ويمكننا الاستشهاد في هذا الصدد بمثال المشروع الجديد لأغنى رجل في العالم إيلون ماسك الذي قدم في 30 أيلول/ سبتمبر 2022 نموذجين أوليين للروبوت البشري "أوبتيموس" (Optimus) خلال المؤتمر السنوي لصانع السيارة الكهربائية "تيسلا" حول التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي (AI Tesla Day). تكمن خصوصية هذا المشروع الجديد، على خلاف سواه من الروبوتات العديدة الموجودة في السوق والموجهة على نحو رئيس إلى مجال الخدمة المنزلية، في أنّ الروبوت "أوبتيموس" صُمّم بالأساس للعمل في المعامل والشركات13. وقد حدّد ماسك، وهو الذي حذّر منذ أمدٍ قريب من أنّ الذكاء الاصطناعي يشكّل تهديدًا للبشرية14، هدف المشروع في كونه يروم حل واحدة من أصعب مشاكل الذكاء الاصطناعي، وهي كيفية صنع آلة يمكنها أن تحل محل الإنسان، وأن "تيسلا" تروم الإسهام في الانتقال إلى مجتمع تؤدي فيه الروبوتات العمل، ويحصد فيه الناس الفوائد، على نحوٍ آمن15. وقد قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 14 في المئة من الوظائف في بلدانها ال 38 معرّضة للأتمتة16، وتباينت هذه التقديرات بين هذه البلدان، من 6.5 في المئة في النرويج، إلى 34.6 في المئة في سلوفاكيا، وكذلك عبر المهن؛ إذ راوحت من 1.1 في المئة للرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين والمشرعين، إلى 50.1 في المئة لمساعدي إعداد الطعام17. ووفقًا لهذه التقديرات، فإن مخاطر الأتمتة هي عادةً أعلى بالنسبة إلى المهن في التصنيع والزراعة، على الرغم من أن الوظائف في عدد من قطاعات الخدمات،

  1. أعلنت شركة تيسلا أنها تأمل من خلال هذا المشروع إنتاج ملايين النسخ من هذا الروبوت الذي لا يزال يجري العمل على تطويره، وإنجاز أولى عمليات التسليم في غضون ثلاث إلى خمس سنوات، بتكلفة قد تقلّ عن 20000 دولار.
  2. Musk Warns of 'Killer Robot' Arms Race Published," BBC News, 21/8/2017, accessed on 11/10/2022, at: https://bbc.in/3Rvqas8
  3. يروم إيلون ماسك، في اندفاعه المحموم نحو المستقبل، "تحويل الحضارة"، ويعد "بمستقبل الوفرة، ومستقبل لا يوجد فيه فقر، حيث سيحصل الناس على ما يريدونه من حيث المنتجات والخدمات:" "Optimus could Eliminate Poverty: Elon Musk on Humanoid Robot," NDTV, 1/10/2022, accessed on 11/10/2022, at: https://bit.ly/3f07Xpy
  4. Ljubica Nedelkoska & Glenda Quintini, "Automation, Skills Use and Training," OECD Social, Employment and Migration Working Papers, no. 202 (2018), p. 7, accessed on 11/10/2022, at: http://bit.ly/3HnQrqW
  5. Ibid., p. 47.

مثل خدمات البريد والبريد السريع والنقل البري والخدمات الغذائية، تواجه أيضًا مخاطر عالية لتعويضها بالأتمتة18. بيد أنه إن كان الخلاف بين الاقتصاديين مستمرًا في تقدير عدد الوظائف التي من المرجح أن تُفقَد بسبب الأتمتة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي، وفي إذا ما كان سيحل محل العمل المؤتمت عملٌ بديل، فإنّ تاريخ الثورة الصناعية يشير إلى أن عدد فرص العمل التي سيجري توفيرها سيزيد على عدد الوظائف المفقودة. وهو ما يبرزه، مثلً، ماثيو فينيش في دراسة لإمكانية أتمتة الوظائف في مختلف القطاعات الصناعية في المملكة المتحدة19. كم يؤثر الذكاء الاصطناعي والتطورات التكنولوجية الأخرى أيضًا في "مكان" قيامنا بأعملنا؛ إذ يستطيع العمل وموظفو الشركات والمؤسسات أن يعملوا في أماكن مختلفة بفضل هذه الابتكارات؛ ما يسمح في الآن ذاته بنقل العمل إلى الخارج ("الاستعانة بمصادر خارجية" Outsourcing) أو تركيزه في الداخل ("الاستعانة بمصادر داخلية" Insourcing). ويؤدي الدور المتزايد للروبوتات والخوارزميات أيضًا إلى تغيير تخطيط مساحات العمل لتسهيل التواصل بين البشر. ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة تحركات الموظفين والتعاون ومستويات التوتر والإنتاجية، على سبيل المثال من خلال أجهزة الاستشعار الذكية في شارات الهوية المستخدمة للولوج للمؤسسات ولمرافقها المختلفة. وقد منحتنا جائحة كوفيد 19- لمحةً مختصرة ومهمة عن هذه التغييرات القادمة في مجال العمل، والتي تؤدي فيها الأتمتة والذكاء الاصطناعي الدور الأبرز.

ثالثًا: استشراف مستقبل عالم العمل

1. كيف سيبدو عمل الغد؟

مع تسارع التحولات الطارئة وتزايد منسوب عدم اليقين، على غرار ما رافق جائحة كوفيد 19- من ارتفاع منسوب عدم اليقين، أصبح من الصعب جدًا التنبؤ بمستقبلات العالم، وتظل الإجابات الممكنة عن هذا السؤال محفوفةً بعدم اليقين. ومع ذلك يمكننا تقديم بعض أهم عناصر هذه المستقبلات التي يتعين من اليوم على الشركات والمؤسسات التي تطمح إلى الولوج بقوة إلى المستقبل أن تتخيل وتخطط لنمذج جديدة للعمل. وفي هذا السياق، يمكن تقديم نموذج الشركة الأميركية المتعددة الجنسيات سيتريكس (Citrix) التي تقدم منتجات التعاون والافتراضية والشبكات لتسهيل العمل المحمول واعتمد الخدمات

  1. Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), "What Happened to Jobs at High Risk of Automation?" Policy Brief on The Future of Work (January 2021), accessed on 21/11/2022, at: https://bit.ly/3EpHvOH
  2. ماثيو فينيش، "الذكاء الاصطناعي والوظائف: خطوات رئيسية يمكن أن تتخذها الحكومات للحد من فقدان الوظائف"،News ITU Magazine، العدد 1 (2018)، ص 38-33، شوهد في 2022/11/21، في: https://bit.ly/3gla2gj

السحابية، وتضم الشركة أكثر من 260000 من عملاء المؤسسات، وقد شرعت في فحص نماذج عمل مختلفة حول العالم مدة عام؛ لفهم التغييرات القادمة ودور التكنولوجيا في تحسين الأداء البشري، وأنجزت دراسة توصلت من خلالها إلى استنتاجات مهمة؛ من أبرزها أنه بفضل النمذج الأكثر مرونة والحلول الذكية القادرة على التخلص من كل التعقيدات والانحرافات في العمل، سيأخذ الموظفون الأكثر تفاعلً وإنتاجية الابتكار والنمو إلى مستوى جديد20. وللإجابة عن أسئلة: كيف سيبدو الموظفون ونماذج العمل والبيئة المهنية في عام 2035؟ وكيف ستشكل التكنولوجيا كل ذلك؟ وغيرها من الأسئلة ذات الصلة، تعاونت شركة "سيتريكس" مع شركة الاستشارات المستقبلية "أكسفورد أناليتيكا" (Analytica Oxford) وشركة الأبحاث "كولمان باركس" (Parkes Coleman) من أجل مقابلة أكثر من 500 مدير تنفيذي و 1000 موظف في شركات كبيرة ومتوسطة الحجم في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا بشأن استراتيجيات العمل ونماذجه اليوم وغدًا21. وفي ما يلي الدروس الرئيسة المستقاة من هذه الدراسة: لن تحل الروبوتات محل البشر، لكنها ستجعلهم أكثر ذكاءً وكفاءة. ويعتقد أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين في المقابلة (77 في المئة) أنه في غضون 15 عامًا، سيعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع عمليات صنع القرار وإنتاجية الموظفين إلى حد بعيد. سيكون العمل أكثر مرونة، وسيجري تمكين النمذج الجديدة من خلال التكنولوجيا التي تتيح لجميع الموظفين الوصول إلى الأدوات والمعلومات اللازمة للعمل في أي مكان.

  1. Work 2035: How People and Technology will Pioneer New Ways of Working," Fieldwork, Citrix (September 2020), accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3CU9rta
  2. Ibid.

يعتقد 67 في المئة من المهنيين (المديرون والموظفون) أن النمذج من نوع "المنصة" (Platform)، التي تخلق القيمة من خلال تسهيل التبادل بين المجموعات والأفراد باستخدام التكنولوجيا الرقمية، ستكون هي السائدة في عالم عمل الغد. يعتقد 60 في المئة من الموظفين أن الوظائف الدائمة ستصبح نادرةً بحلول عام.2035 يعتقد 80 في المئة من المديرين التنفيذيين أن منصات التكنولوجيا ستوفر وصولً فوريًا إلى أصحاب المهارة العالية المستقلين الذين لن يمكن الاستغناء عنهم لتوسيع نطاق الأعمل والتكيف مع احتياجات المستهلكين المتغيرة بسرعة. يعتقد 39 في المئة من المديرين التنفيذيين أنه في عام 2035، سيكون معظم المتخصصين من ذوي المهارات الأكثر طلبًا يعملون لحسابهم الخاص. ستتخذ القيادة وجهًا جديدًا: وفقًا لأكثر من نصف المستطلعين (57 في المئة)، سيؤثر الذكاء الاصطناعي في معظم قرارات إدارة الأعمل، وقد يقلل أيضًا من الحاجة إلى كبار المديرين. يعتقد 75 في المئة من المشاركين أن معظم الشركات سيكون لديها قسم مركزي للذكاء الاصطناعي سيشرف على جميع جوانب أعملها. يعتقد 69 في المئة أن الرؤساء التنفيذيين سيعملون في شراكة بين الإنسان والآلة مع رئيس الذكاء الاصطناعي. ستتضاعف الإنتاجية؛ إذ ستمكّن التكنولوجيا، المدمجة بالكامل في الأنشطة البشرية، من تحقيق قفزات تدريجية في الإنتاجية، من حيث إنّ الحلول الذكية تعمل على تحسين الأداء البشري. وسيمكّن هؤلاء المساعدون الاصطناعيون فائقو الذكاء، على سبيل المثال، من تحديد مواعيد الاجتمعات في الوقت الذي يعتبر الأكثر فاعلية بناءً على عوامل مختلفة؛ منها: ارتفاع ضغط الدم لدى المشاركين، ومستوى السكر في الدم، وتغير الحالة المزاجية على مدار اليوم... إلخ. وخلال هذه الاجتمعات، سوف يتتبع هؤلاء المساعدون مستوى تركيز المشاركين وسلوكياتهم لإجراء التعديلات اللازمة والحصول على أفضل النتائج22.

2. هل يحلّ الذكاء الاصطناعي بديلً من العمل البشري أو يتكامل معه؟

أصبحت الفكرة القائلة إن الذكاء الاصطناعي سيعزز من أداء البشر بدلً من استبدالهم سرديةً رائجة ومؤثرة اليوم، بيد أنّ هذه السردية قد تصبح مضلّلة إن لم تتخذ الإجراءات والقيود اللازمة لتأطير الذكاء الاصطناعي. ولذا، من المهم، إذا أردنا أن نعدّ أنفسنا للتأثيرات التي سيُحدثها الذكاء الاصطناعي في المجتمع في السنوات القادمة، تكوين رؤيةٍ أكثر وضوحًا بشأن هذه القضية.

  1. Ibid., p. 12.

إنّ الانتشار على نطاقٍ واسع لأسطورة زيادة الذكاء البشري بفعل استخدامات الذكاء الاصطناعي وتكاملهم في سياقات العالم الحقيقي مرتبط ببُعد أساسي في عالم اليوم، وهو الخوف من فقدان الوظائف بفعل الأتمتة. فمسألة التوظيف من الضروريات الاجتمعية والسياسية الأساسية في جميع المجتمعات في الزمن الراهن، ولدى رجال الأعمل والسياسيين وغيرهم الكثير ليربحوه من خلال ترسيخ الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل البشر في القوة العاملة، بل سيكمّلها. وقد لخّصت جينا روميتي، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة "آي بي إم" (IBM) الأمر بإيجاز في مقالة افتتاحية في جريدة وول ستريتفي عام 2018: "الذكاء الاصطناعي، الذي يُفهم على نحوٍ أفضل على أنه 'الذكاء المعزز'، يُكمّل القدرات الإدراكية البشرية بدلً من أن يحل محلها"23. ومع ذلك، فإن النظر في مجالات توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يجري بناؤها اليوم يبُرز بوضوحٍ أنها ستحلّ محلّ قطاعات شاسعة من العاملين البشريين في جميع مناحي الاقتصاد، بدلً من أن تأتي مكمّلةً لها. ليس من الصعب فهم سبب تقبّل الناس لرؤية المستقبل التي يكون فيها التأثير الأساسي للذكاء الاصطناعي هو زيادة النشاط البشري، فهذه الرؤية تترك للبشر السيطرة، من دون أن ينازعهم الذكاء الاصطناعي قمة السلسلة المعرفية. ووفقًا لهذه الرؤية، يُعدّ الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة أخرى أنشأها البشر بفضل ذكائهم وإبداعهم لجعل حياتنا أسهل، مثل العجلة، والمحرك البخاري، أو "الترانزستور"، أو محرك الاحتراق الداخلي. غير أنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرّد أداة أخرى؛ لأنّ تأثيراته قد تفوق بكثير ما هو متوقع. ويمكننا أن نقدّم لعبة الشطرنج مث لً توضيحيًا عن ذلك، فقد تفوقت الآلة على الإنسان في لعبة الشطرنج أول مرة في عام 1997، عندما هزم برنامج الكمبيوتر "ديب بلو" (Blue Deep) لشركة "آي بي إم" بطل العالم للشطرنج غاري كاسباروف (Kasparov Garry) في مباراة حظيت بتغطية إعلامية واسعة. وردًا على ذلك، فيم بعد، برز مفهوم "شطرنج القنطور" (Chess Centaur) في النقاشات بشأن الذكاء الاصطناعي. كانت الفكرة وراء شطرنج القنطور بسيطة؛ في حين أن أفضل ذكاء اصطناعي يمكنه الآن هزيمة أفضل إنسان في الشطرنج، فإن الذكاء الاصطناعي والإنسان اللذين يعملان معًا (ومن ثمّ استعارة "القنطور"24 سيكونان أقوى لاعب على الإطلاق؛ لأن الإنسان والآلة سيحققان مهارات تكميلية مضاعفة. وبالفعل، تمكنت الفِرق المختلطة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري، بعض الوقت، من التفوق على برامج الذكاء الاصطناعي في الشطرنج. وجرى الترحيب ب "شطرنج القنطور" بوصفه دليلً على عدم القدرة على الاستغناء عن الإبداع البشري، ولكن مع مرور السنين، استمر الذكاء الآلي في مساره التصاعدي، تاركًا لاعبي الشطرنج البشريين بعيدًا عن أيّ

  1. Ginni Rometty, "Ginni Rometty on how AI is Going to Transform Jobs-All of Them," The Wall Street Journal, 17/1/2018, accessed on 14/6/2022, at: https://on.wsj.com/3SpQSCV
  2. القنطور (Centaur) كائن أسطوري إغريقي نصفه العلوي بشري ونصفه السفلي لحصان، وتتمّ استعارته كناية عن الهجانة بشر/ روبوت.

إمكانية لمنافسته، إلى درجة أنه لم يعد اليوم أحدٌ يتحدث عن شطرنج القنطور. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي الآن متفوقًا على الإنسانية في هذا المجال إلى درجة أن اللاعب البشري لن يكون لديه ببساطة ما يضيفه، ولن يجادل اليوم أيّ متتبعٍ جاد لتطورات هذا المجال بأن الإنسان الذي يعمل مع برنامج الشطرنج "ألفا زيرو" (AlphaZero) لشركة "ديب مايند"25 سيكون له ميزة على هذا البرنامج. وبهذا فإن عالم الشطرنج هو بصدد تفنيد أسطورة عدم إمكان تجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري، وعدم إمكان الاستغناء عنه26. وإن كان الشطرنج مجرد لعبة لوحية، فمذا عن تأثيرات الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي؟ ففي الأنظمة المالية الراهنة، وفي المستشفيات والمدارس والمنازل، يجري على نحوٍ متزايد الاعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي المعقدة، في حين تتقلص على نحوٍ متزايد أيضًا إمكانات التحكم في صنع القرار فيها تحكمً مباشرًا أو حتى فهمها في بعض الأحيان. فكيف يمكننا ضمن توافق قرارات هذه الأنظمة وقيمها المعيارية مع قراراتنا وقيمنا؟ وكيف يمكن ضمن استمرار سمو الذكاء البشري على الذكاء الاصطناعي بما يضمن عدم خروجه عن السيطرة والتحكم فيه دومًا في نهاية المطاف (fine In)؟ إنّ الوعد الأساسي للذكاء الاصطناعي هو أنه سيكون قادرًا على القيام بالأشياء على نحو أكثر دقة وبتكلفة أقل وأسرع مم يستطيع البشر القيام به اليوم. وبمجرد أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من الوفاء بهذا الوعد، لن يكون هناك أيّ مسوّغ عملي أو اقتصادي للبشر لمواصلة المشاركة في العديد من المجالات. فعلى سبيل المثال، بمجرد أن يتمكن نظام الذكاء الاصطناعي من قيادة الشاحنة على نحو أفضل وأكثر أمانًا في جميع الظروف مم يستطيع الإنسان – هذه التكنولوجيا موجودة اليوم فقط على نحوٍ تجريبي – فلن يكون من المنطقي أن يستمر البشر في قيادة الشاحنات. بل أكثر من ذلك، سيكون ضارًا وإهدارًا للإنسان، بصرف النظر عن تكاليف العملة الموفرة، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتسرع أبدًا، ولا تشتت انتباهها البتة، ولا تقود السيارة في حالة سُكر إطلاقًا، ويمكنها البقاء على الطريق مدة

  1. ديب مايند" (DeepMind) هي شركة بريطانية للذكاء الصناعي، تأسست عام 2010 قبل أن تستحوذ عليها "غوغل" في عام.2014 وتُعرف الشركة ببرمجية الشبكة العصبية التي أنشأتها، والتي يمكنها تعلم كيفية لعب ألعاب الفيديو بطريقة مماثلة للإنسان، من خلال الوصول إلى ذاكرة خارجية (مثل "آلة تورنغ" machine Turing)؛ ما جعل الكمبيوتر قادرًا على محاكاة الذاكرة القصيرة المدى من الدماغ البشري.
  2. يُعدّ النص الكلاسيكي ما لا تزال أجهزة الكمبيوتر غير قادرة على فعلهلهوبرت دريفوس الذي نشُر في الأصل في عام 1972 ثم جرى تحديثه في عام 1992، إحدى ركائز هذا الاعتقاد؛ إذ إنّ جوهر حجاج دريفوس في هذا الكتاب أنّ أجهزة الكمبيوتر الرقمية لن تكون قادرة أبدًا على القيام بالوظائف العقلية العليا التي يقوم بها البشر على نحو كامل. ويقدم دريفوس مثال نقده للتعلم الآلي الخاضع للإشراف البشري، حيث يظل العنصر البشري هو الذي يقرّر في آخر المطاف اتجاه التعلم ومنتهاه. ولعل أكثر ما يميز هذا الكتاب هو أنه على الرغم من كتابته منذ عقود، فإنه لا يزال محيّنًا على نحو ملحوظ حتى يومنا هذا، لأنه على الرغم من نقده الحاد للأنظمة الخبيرة (Systems Expert)، فقد قدم على نحو غير مباشر منظورًا آخر للتحولات الانتقالية للذكاء البشري. ينظر: Hubert L. Dreyfus, What Computers Still Can't Do: A Critique of Artificial Reason (Cambridge, MA: MIT Press, 1992 [1972]), (Revised edition of: What Computers Can't Do, 1972); ينظر أيضًا في الصدد ذاته: John MacCormick, What Can Be Computed? A Practical Guide to the Theory of Computation (Princeton: Princeton University Press, 2018); David Harel, Computers Ltd: What They Really Can't Do (Oxford: Oxford University Press, 2000).

24 ساعة في اليوم من دون الشعور بالنعاس. ويقدم علم الأشعة مث لً توضيحيًا آخر عن هذا البعد؛ إذ تتمثل المسؤولية الأساسية لمختصّ الأشعة في فحص الصور الطبية بحثًا عن وجود سمت معينة أو عدم وجودها، مثل الأورام. والتعرف إلى الأنماط واكتشاف الأشياء في الصور هو تحديدًا ما يتفوق فيه التعلم العميق (Learning Deep). ومن ثمّ أصبحت العبارة التالية شائعةً في مجال علم الأشعة: "لن يحل الذكاء الاصطناعي محل مختِّصِّ الأشعة، لكنّ مَن يستخدم الذكاء الاصطناعي من هؤلاء المختصيّن سيحلّ محل أطباء الأشعة الذين لا يفعلون ذلك". وسيكون هذا صحيحًا على المدى القريب؛ إذ لن تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي محل البشر بين عشية وضحاها، في مجال الأشعة أو في أيّ مجال آخر. فمهمت سير العمل والأنظمة التنظيمية والبنية التحتية وتفضيلات المستخدم تستغرق وقتًا لتغييرها، ولذلك لن تكون التكنولوجيا مثاليةً في البداية. لذا سيُستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل لزيادة مختصّ الأشعة البشرية؛ لتقديم رأي ثانٍ، على سبيل المثال، أو لفحص مجموعة من الصور لتحديد أولويات تلك التي تستحق المراجعة البشرية. وفي الواقع، هذا يحدث بالفعل، مثلً في دولة قطر، بالتعاون بين مؤسسة حمد الطبية ومعهد قطر لبحوث الحوسبة27. ولن يخلو أي مجالٍ في المستقبل من الأتمتة وفق خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فحتى مجال الإفتاء الديني لم يسلم من اختراق الذكاء الاصطناعي لمختلف مناحي الحياة؛ إذ أطلقت إمارة دبي في عام 2019 منصة "الفتاوى الإلكترونية" للإفتاء الإلكتروني28، اعتمدًا على الذكاء الاصطناعي للإجابة عن الأسئلة الدينية تلقائيًا وآليًا ومن دون الحاجة إلى التدخل البشري29. إنّ رؤية المستقبل الذي يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل النشاط البشري بدلً من مجرد تعزيزه وزيادته لها سلسلة من التداعيات العميقة، يتعلق أهمها بالتأثيرات الوخيمة لفقدان الوظائف البشرية لمصلحة الذكاء الاصطناعي. وهي تأثيرات مركبة وممتدة عبر الطبقات الاجتمعية والمناطق الجغرافية والصناعات؛ من حراس الأمن إلى المحاسبين، ومن سائقي سيارات الأجرة إلى المحامين، ومن الصرافين إلى سمسرة الأوراق المالية، ومن سكرتارية المحاكم إلى مختصّ الأشعة. سيجد العاملون في مجالات واسعة مهاراتهم غير مطلوبة ومتقادمة مع تزايد تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي لأداء هذه الأنشطة على نحوٍ أفضل، وأرخص، وأسرع، مم يستطيعه البشر. كم تتمثل هذه التأثيرات المهمة لفقدان الوظائف المدفوع بالذكاء الاصطناعي في أن بعض المهارات البشرية ستقاوم الأتمتة والاستبدال فترةً أطول بكثير من غيرها؛ ما سيخلق توترات اجتمعية متزايدة.

  1. ينظر: "استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين خطط العلاج في قطاع الرعاية الصحية"، معهد قطر لبحوث الحوسبة – جامعة حمد بن خليفة، 2022/8/24، شوهد في 2022/11/22، في: https://bit.ly/3TNYuQB
  2. الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف/ الإمارات العربية المتحدة، منصة الفتاوى الإلكترونية، شوهد في، في:2022/10/11 https://bit.ly/3En0HMZ
  3. ينظر: حمزة الترباوي، "إلى أين وصل العرب في سباق الذكاء الاصطناعي؟"، العربي الجديد، 2022/9/30، شوهد في 2022/10/11، في: https://bit.ly/3EP9TLJ

وفي المقابل، فإنّ الوظائف التي سيستمر فيها البشر في التفوق على الآلات في المستقبل المنظور لن تكون بالضرورة الأكثر تعقيدًا من الناحية المعرفية، بل ستكون ما يؤدي فيها البعد الإنساني الدور الأساسي. ومن أهم هذه الأدوار البشرية تلك التي تتضمن التعاطف، والصداقة الحميمة، والتفاعل الاجتمعي، و"اللمسة الإنسانية". فوظائف المدرسين، والممرضات، والمعالجين، والمختصيّن الاجتمعيين، وجليسات الأطفال، على سبيل المثال لا الحصر، سيستمر الطلب عليها في سوق العمل سنوات عديدة قادمة. وفي هذه الوظائف البشرية التي ستستمر إلى ما وراء الأمد المنظور، سيُنفق الناس وقتًا (وجهدًا) أقل في مهمت شاقة وقابلة للتكرار وعديمة الروح، ووقتًا (وجهدًا) أكبر في تطوير العلاقات الإنسانية، وإدارة الديناميات الشخصية، والتفكير الإبداعي. ونحن في حاجة منذ اليوم إلى استجابة للسياسات العامة تكون استباقيةً وذكية ومنفتحةً على الخيال، من أجل التخفيف من آثار هذا الاستبدال الوظيفي. وسيكون الاستثمر الهادف في إعادة التدريب وصقل المهارات من جانب الحكومات وأرباب العمل في القطاع الخاص أمرًا مهمً، من أجل تأجيل تقادم مهارات العاملين البشريين في اقتصاد يحرّكه الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد. والأهم من ذلك، أنه سيكون من الضروري الدفع بتحولٍ جذري في كيفية تصور المجتمع لتخصيص الموارد في عالم تتوافر فيه السلع والخدمات المادية على نحو متزايد بفضل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، في حين أن الطلب على العمل البشري المدفوع يصبح نادرًا أكثر فأكثر. ويوضح "التداول العالي التردد" (Trading High-frequency) جانبًا من المخاطر الكبيرة التي تحيق بالبشرية في استعاضتها عن الذكاء البشري بالذكاء الاصطناعي؛ إذ يعتمد التداول العالي التردد على خوارزميات معقدة جدًا، وآفاق استثمر قصيرة المدى، تكاد لا تتجاوز أبدًا اليوم الواحد30. ويقوم التداول العالي التردد على استبدال السمسرة الماليين بالأدوات التكنولوجية المتطورة وخوارزميات الكمبيوتر لتداول الأوراق المالية بسرعة في السوق المالية العالمية، وذلك باستخدام استراتيجيات تداول الملكية التي تنفذها أجهزة الكمبيوتر للدخول والخروج من المراكز في ثوانٍ أو أجزاء من الثانية31، وهو ما يجعله من أكثر المجالات محفوفةً بالأخطار، لتعذّر المراقبة البشرية لمليارات المعلومات التي يجري تداولها يوميًا. ومن الأمثلة على ذلك، كان التداول العالي التردد أحد أهم أسباب الانهيار السريع (Flash Crash) الذي جرى في 6 أيار/ مايو 2010، واستمر نحو 36 دقيقة فقط، فقدَ خلالها مؤشر داو جونز الأميركي ما يقرب من 1000 نقطة32. ولنا أن نتخيل كيف أن الأزمات التي يمكن أن يتسبب فيها التداول العالي التردد في المستقبل مدةً أطول قد تفوق بكثير الأزمات المالية التي عرفتها البشرية حتى اليوم، وأن تأثيراتها ستكون مدمرة جدًا33.

  1. Irene Aldridge, High-Frequency Trading: A Practical Guide to Algorithmic Strategies and Trading Systems (Hoboken, NJ: Wiley, 2009).
  2. Ibid.
  3. Matt Phillips, "Nasdaq: Here's our Timeline of the Flash Crash," The Wall Street Journal, 11/5/2010, accessed on 14/6/2022, at: http://bit.ly/3hbdcDU
  4. Andrei Kirilenko et al., "The Flash Crash: The Impact of High Frequency Trading on an Electronic Market," The Journal of Finance, vol. 72, no. 3 (June 2017), pp. 967-998.

لا أحد يعرف كيف سيبدو مستقبل العمل البشري في معالمه المحددة، ولكن يظل في الإمكان استشراف بعض ملامحه الكبرى، مثل: المزيد من وقت الفراغ، والمزيد من الوقت للاستثمر في الأسرة وتطوير علاقات إنسانية هادفة، والمزيد من الوقت لممرسة الهوايات التي تمنحنا المتعة، سواء كانت القراءة، أو الصيد، أو التصوير الفوتوغرافي، ومساحات ذهنية أكبر للإبداع والإنتاجية لمصلحة الفرد الخاصة، في الفن، والكتابة، والموسيقى، وصناعة الأفلام، والصحافة، والمزيد من الوقت لمتابعة فضولنا الفطري حول العالم، وتعميق فهمنا لأسرار الحياة الكبرى، من الذرة إلى الكون الشاسع، وتمكين أكبر للدافع البشري الأساسي لاستكشاف الأرض، والبحار، والنجوم. سيستغرق الانتقال المدفوع بالذكاء الاصطناعي عدة عقود قادمة، وسيكون ذلك مربكًا، ومصدرًا لمنسوب عدم اليقين، وسيتطلب منا إعادة اختراع مجتمعاتنا وأنفسنا بالكامل. لكن في النهاية، يمكن أن يكون ذلك (بل يجب) أعظم شيء طرأ على البشرية على الإطلاق. ولا ينبغي أن تظلّ البلدان العربية خارج نطاق مفاعيل ثورة الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المهيكلة في أسواق العمل، وفي الاقتصادات والمجتمعات بوجه عام، فالإمكانات الكامنة تظلّ هائلة للنهوض بهذا المجال في المنطقة العربية. ووفقًا للتقرير الصادر في عام 2022، مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، فإنّ التأثير الاقتصادي المحتمل للذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا من شأنه أن يصل إلى 320 مليار دولار بحلول عام 2030 (من القيمة المضافة بوساطة الذكاء الاصطناعي)34. وتشمل القطاعات الرئيسة التي من المرجح أن تدفع هذا النمو، قطاع التجزئة (بنسبة 19 في المئة من الناتج المحلي الإجملي للمنطقة)، والقطاع العام، بما في ذلك الصحة والتعليم (19 في المئة)، والنقل والخدمات اللوجستية (15 في المئة)، والتكنولوجيا، والإعلام، والاتصالات السلكية واللاسلكية (14 في المئة)، والخدمات المالية (14  في المئة)35. وتبرز في المنطقة العربية ستة قطاعات رئيسة باعتبارها الأكثر احتملً للاستفادة من تبنّي الذكاء الاصطناعي: 1. تتخذ الحكومات في المنطقة مبادرات لاستخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة سرعة الخدمات الحكومية وإمكانية الوصول إليها وفاعليتها، 2. من المتوقع أن يصبح قطاع الخدمات المالية والبنوك الأكثر إنفاقًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحصة 25 في المئة من إجملي استثمرات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، 3. تطوِّر صناعة السفر والسياحة التي تساهم بنسبة 9 في المئة تقريبًا في الناتج المحلي الإجملي لمنطقة الشرق الأوسط وشمل إفريقيا، استخداماتٍ مختلفةً محتملة للذكاء الاصطناعي، 4. من المتوقع أن يساهم قطاع النقل في اقتصادات مصر والخليج بنسبةٍ يتوقع أن تصل إلى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجملي في عام 2030، 5. أدت الزيادة في تجارة التجزئة والتجارة عبر الإنترنت في أثناء الوباء إلى توليد مجموعات أكبر من بيانات العملاء التي يمكن استخدامها لتحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحسين تجربة العملاء، 6. من المتوقع أن يساهم تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة الذي أدى دورًا رئيسًا في المنطقة، بأكثر من 6 في المئة في الناتج المحلي الإجملي للمنطقة بحلول عام.203036

  1. The Economist Impact - Google, Pushing Forward: The Future of AI in the Middle East and North Africa (London/ Geneva/ New York: The Economist Group, 2022), p. 5.
  2. Ibid., p. 20.
  3. Ibid., pp. 20-30.

وفي هذا الصدد، تعدّ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأكثر تقدمًا في هذا المجال، والأكثر استعدادًا لتوطين ثورة الذكاء الاصطناعي37. لكنّ البون يظلّ شاسعًا، حتى في بلدان الخليج التي أحرزت تقدمًا في هذا المجال، بين الطموح والخطط والإمكانات من جهة، والتنزيل على أرض الواقع من جهة أخرى؛ ويظل أداء المؤسسات دون المستوى المطلوب في تحقيق الفوائد المرجوة من الذكاء الاصطناعي في هذه البلدان38. في حين تظل معظم الدول العربية الأخرى، وفق "المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي" (GAII) الذي يشتمل على 143 مؤشرًا موزعًا على سبع ركائز فرعية (المواهب، والبنية التحتية، وبيئة التشغيل، والبحث، والتطوير، والاستراتيجية الحكومية، والاستراتيجية التجارية)، تتبوأ مراتب متدنية على المستوى الدولي39.

خاتمة

يطرح التقدم القائم على الأتمتة والذكاء الاصطناعي تحديات جمّة بالنسبة إلى مستقبل العمل البشري، سواء في طبيعته ذاتها، أو في وتيرته، أو في بيئته. وكم أبرزنا في هذه الدراسة، تقود هذه التأثيرات المستقبلية كلها إلى خلاصة رئيسة، وهي ضرورة العمل منذ اليوم على جعل أسواق العمل وأنظمة التعليم والتدريب متأقلمةً مع هذه التحولات العميقة. من جهةٍ أخرى، تطرح هذه التحولات أسئلةً أخرى ذات صلة تتجاوز حدود أسواق العمل والعمل البشري لتشمل "وضع" البشر العاملين في هذه الأنظمة القائمة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي. ف "منذ سبعينيات القرن العشرين، حدث تحول كبير في الاستثمر، فقد انتقل من التكنولوجيات المرتبطة بإمكانية مستقبلاتٍ مختلفة، إلى التكنولوجيات التي عززت انضباط العمل والرقابة الاجتمعية"40. يمكننا ربط هذه الخلاصة أيضًا بالعبارة الشهيرة لبيتر ثيل، وهو أحد أهم المستثمرين المولعين بالتكنولوجيات الجديدة، وهي العبارة التي تحمل تشخيصًا قاسيًا للقدرة البشرية على الابتكار: "أردنا سيارات طائرة، وحصلنا في المقابل على 140 رمزًا"41. محور هذا النقد لهذا التقدم القائم على التكنولوجيات والأتمتة والذكاء الاصطناعي هو العلاقة بين الجسد البشري والذكاء، وما يرتبط بها من قدرات على "الفهم"، والابتكار"، و"الإبداع"، وهو ما يمثل بالتأكيد

  1. في الحالة السعودية، يعتبر مكتب الاستشارات ماكنزي أن ما بين 25 و 65 في المئة من أنشطة العمل الحالية في المملكة تعدّ قابلةً للأتمتة (بمتوسط نسبة 41 في المئة، وبما يفوق نسبة 50 في المئة من أنشطة العمل في القطاعات التي تتضمن العديد من المهمات الروتينية)، وأنه على الرغم من تفاوت المهن والوظائف، فإنّ هناك إمكانية لأتمتة بعض أنشطة العمل في معظم الوظائف حاليًا. ينظر: "مستقبل الوظائف في المملكة العربية السعودية: أثر الذكاء الاصطناعي والأتمتة على مستقبل العمل"، مركز ماكنزي العالمي للأبحاث، 2018/10/24، شوهد في 2022/11/22، في: https://mck.co/3XwRKK3
  2. ينظر: راجيف لالواني [وآخرون]، "الجاهزية للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط: ردم الفجوة بين الطموح والواقع"، ديلويت للاستشارات (أيلول/ سبتمبر 2021)، شوهد في 2022/11/22، في: https://bit.ly/3XhgaHd
  3. The Global AI Index," Tortoise Media, accessed on 21/11/2022, at: https://bit.ly/3GzPHi6
  4. David Graeber, The Utopia of Rules: On Technology, Stupidity, and the Secret Joys of Bureaucracy (Brooklyn/ London: Melville House, 2015).
  5. في إشارة إلى شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" التي كانت منذ نشأتها في عام 2006، قد حدّدت أقصى عدد الكلمات لتغريدة واحدة في 140 حرفًا، قبل الانتقال إلى 280 حرفًا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. ينظر عبارته في: George Packer, "No Death, No Taxes: The Libertarian Futurism of a Silicon Valley Billionaire," The New Yorker, 20/11/2011, accessed on 5/4/2022, at: https://bit.ly/3TMW9Wn

أجندات بحثية ثرية، لا سيم حين نربطها بالسياقات العربية الذاتية وإكراهاتها وتحدياتها ومستقبلاتها، والمقومات الموضوعية (وليست الشكلية) لتوطين الذكاء الاصطناعي فيها؛ وهي السياقات التي شهدت تقديم أول نموذج ل "الروبوت" منذ القرن الثالث عشر على يد بديع الزمان الجزري42.

المراجع

العربية

"استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين خطط العلاج في قطاع الرعاية الصحية". معهد قطر لبحوث الحوسبة – جامعة حمد بن خليفة. 2022/8/24:. في https://bit.ly/3TNYuQB

سلامة، محمد عبد الحميد. "التقنية الآلية عند بديع الزمان الجزري". مجلة الآداب والعلوم الإنسانية. مج 91، العدد 2 (تموز/ يوليو 2020:). في https://bit.ly/3G2BTfM

فينيش، ماثيو. "الذكاء الاصطناعي والوظائف: خطوات رئيسية يمكن أن تتخذها الحكومات للحد من فقدان الوظائفITU News Magazine."العدد 2018(1. فيhttps://bit.ly/3gla2gj:). لالواني، راجيف [وآخرون]. "الجاهزية للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط: ردم الفجوة بين الطموح والواقع". ديلويت للاستشارات (أيلول/ سبتمبر 2021:). في https://bit.ly/3XhgaHd

"مستقبل الوظائف في المملكة العربية السعودية: أثر الذكاء الاصطناعي والأتمتة على مستقبل العمل". مركز ماكنزي العالمي للأبحاث. 2018/10/24:. في https://mck.co/3XwRKK3

الأجنبية

Akerlof, George A. & Rachel E. Kranton. Identity Economics: How our Identities

Shape our Work, Wages, and Well-being. Princeton: Princeton University Press,

Aldridge, Irene. High-Frequency Trading: A Practical Guide to Algorithmic Strategies

and Trading Systems. Hoboken, NJ: Wiley, 2009.

Anirudh, V. K. "What are the Types of Artificial Intelligence: Narrow, General, and

Super AI Explained." Spiceworks. 10/2/2022. at: https://bit.ly/3TTEwV3

  1. ينظر: محمد عبد الحميد سلامة، "التقنية الآلية عند بديع الزمان الجزري"، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، مج 91، العدد 2 (تموز/ يوليو 2020)، ص 516 - 553، شوهد في 2022/11/9، فيhttps://bit.ly/3G2BTfM:

Berkich, Don & Matteo Vincenzo d'Alfonso. On the Cognitive, Ethical, and Scientific

Dimensions of Artificial Intelligence. Cham, Switzerland: Springer International

Publishing, 2019.

DiMatteo, Larry A., Cristina Poncib & Michel Cannarsa. The Cambridge Handbook

of Artificial Intelligence: Global Perspectives on Law and Ethics. Cambridge, UK:

Cambridge University Press, 2022.

Dreyfus, Hubert L. What Computers Still Can't Do: A Critique of Artificial Reason.

Cambridge, MA: MIT Press, 1992 [1972].

Ertel, Wolfgang. Introduction to Artificial Intelligence. Nathanael T. Black (trans.).

London: Springer, 2018.

Graeber, David. The Utopia of Rules: On Technology, Stupidity, and the Secret Joys of

Bureaucracy. Brooklyn/ London: Melville House, 2015.

Gurtner, Dimitri. "Neuralink and Beyond: Challenges of Creating an Enhanced

Huma." Working Paper. no. 21 - 01. Univeristat Feiburg. Departement Für

Informatik (February 2021). at: https://bit.ly/3VXnMxE

Harel, David. Computers Ltd: What They Really Can't Do. Oxford: Oxford University

Press, 2000.

Hawking, Stephen. "I Fear that AI May Replace Humans Altogether." Futurism.

11/07/2017. at: https://bit.ly/3z4KpGM

Hodges, Andrew. The Universal Turing Machine: A Half-Century Survey. Vienna:

Springer, 1995.

Holmes, Wayne & Kaska Porayska-Pomsta. The Ethics of Artificial Intelligence in

Education Practices, Challenges, and Debates. New York: Routledge, 2022.

Kirilenko, Andrei et al. "The Flash Crash: The Impact of High Frequency Trading on

an Electronic Market." The Journal of Finance. vol. 72, no. 3 (June 2017).

MacCormick, John. What Can Be Computed? A Practical Guide to the Theory of

Computation. Princeton: Princeton University Press, 2018.

McCarthy, John et al. "A Proposal for The Dartmouth Summer Research Project on

Artificial Intelligence." 31/8/1955. at: https://stanford.io/2kE6JUS

Nagl-Docekal, Herta & Waldemar Zacharasiewicz (eds.). Artificial Intelligence and

Human Enhancement. Berlin: De Gruyter, 2022.

Nedelkoska, Ljubica & Glenda Quintini. "Automation, Skills Use and Training."

OECD Social, Employment and Migration Working Papers. no. 202 (2018). at:

http://bit.ly/3HnQrqW

Nicolelis, Miguel & Ronald Cicurel. The Relativistic Brain: How it Works and why it

cannot be Simulated by a Turing Machine. Natal, Brazil: Kios Press, 2015.

Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). "What

Happened to Jobs at High Risk of Automation?" Policy Brief on The Future of

Work (January 2021). at: https://bit.ly/3EpHvOH

Phillips, Matt. "Nasdaq: Here's our Timeline of the Flash Crash." The Wall Street

Journal. 11/5/2010. at: http://bit.ly/3hbdcDU

Rich, Elaine. Artificial Intelligence. New York: McGraw-Hill, 1983.

Rometty, Ginni. "Ginni Rometty on how AI is Going to Transform Jobs-All of Them."

The Wall Street Journal. 17/1/2018. at: https://on.wsj.com/3SpQSCV

The Economist Impact – Google. Pushing Forward: The Future of AI in the Middle

East and North Africa. London/ Geneva/ New York: The Economist Group, 2022.

Thompson, Steven John. Machine Law, Ethics, and Morality in the Age of Artificial

Intelligence. Pennsylvania: IGI Global, 2021.

Turing, Alan. "Computing Machinery and Intelligence." Mind. vol. LIX, no. 236

(October 1950).

"Work 2035: How People and Technology will Pioneer New Ways of Working."

Fieldwork. Citrix (September 2020). at: https://bit.ly/3CU9rta