كيف سنعيش في عام 2050؟
How will we live in 2050?
الملخّص
تنشر جمعية "فوتوريبل الدولية" Futuribles International كل عامين تقريرًا يكون ملخصًا للعمل الذي أنجزته في العامين السابقين، من خلال نظرة عامة على الاتجاهات الرئيسة والناشئة التي جرى تحديدها، أو عملًًا تحليليًا حول موضوعٍ يعدّ استراتيجيًا. وقد صدرت نسخة عام 2018 من هذا التقرير بعنوان "كيف سنعيش في المستقبل؟ 20 سؤالًًا لأفق عام 2050 ". تهدف الأسئلة العشرون التي يطرحها التقرير إلى تنوير القارئ بشأن القضايا الرئيسة التي سيواجهها الفرد والمجتمع في هذا الأفق، وتمييز عددٍ معين من التطورات المحتملة. وانطلاقًا من هذه الأسئلة العشرين، تم تطوير أربعة سيناريوهات لإبراز مجموعة الاحتمالات: سيناريو تتعزّز فيه دينامية الفردانية، وسيناريو "المجتمع تحت التحكّم"، وسيناريو يكون فيه المجتمع تحت سلطة التكنولوجيا )التشغيل الآلي ... إلخ(، وأخيرًا، سيناريو تُستبدل فيه روابط الألفة بالمنطق الإقليمي في أوضاع التنظيم الاجتماعي.
Abstract
ملخص: تنشر جمعية "فوتوريبل الدولية " (International Futuribles) كل عامين تقريرًا يكون ملخصًا للعمل الذي أنجزته في العامين السابقين، من خلال نظرة عامة عى الاتجاهات الرئيسة والناشئة التي جرى تحديدها، أو عملً تحليليًا حول موضوعٍ يعدّ استراتيجيًا. وقد صدرت نسخة عام 2018 من هذا التقرير بعنوان "كيف سنعيش في المستقبل؟ 20 سؤ لً لأفق عام 2050". تهدف الأسئلة العشرون التي يطرحها التقرير إلى تنوير القارئ بشأن القضايا الرئيسة التي سيواجهها الفرد والمجتمع في هذا الأفق، وتمييز عددٍ معين من التطورات المحتملة. وانطلاقًا من هذه الأسئلة العشرين، تم تطوير أربعة سيناريوهات لإبراز مجموعة الاحتملات: سيناريو تتعزّز فيه دينامية الفردانية، وسيناريو "المجتمع تحت التحكّم"، وسيناريو يكون فيه المجتمع تحت سلطة التكنولوجيا (التشغيل الآلي... إلخ)، وأخيرًا، سيناريو تُستبدل فيه روابط الألفة بالمنطق الإقليمي في أوضاع التنظيم الاجتمعي. كلمت مفتاحية: استشراف المستقبل، سيناريوهات، أفق عام 2050، الإيكولوجيا، الأتمتة. Abstract: Every two years, Futuribles International publishes a report summarizing the work done in the previous two years, through an overview that identifies key emerging trends or an analytical piece on a topic considered strategic. The 2018 edition of this report was released under the title "How Will We Live in the Future? 20 Questions for 2050". The twenty questions raised by the report aim to inform the reader of the main issues on the horizon that individuals and society will face, and to highlight a several possible developments. Based on these questions, four scenarios were developed to highlight the range of possibilities: a scenario in which the dynamism of individualism is strengthened; a scenario in which "society is under control"; a scenario in which society is under the power of technology (automation, etc.); and finally, a scenario in which bonds of familiarity are replaced by territorial logic in the context of social organization.
- استشراف المستقبل
- سيناريوهات
- أفق عام 2050
- الأتمتة
- الإيكولوجيا
- foreseeing the future
- Scenarios
- 2025 horizon
- ecology
- Automation
كيف سنعيش يف عام 2050؟ How will we live in 2050?***
مقدمة
كيف سنعيش في أفق عام 2050؟ وهل سيكون التقدم في الطب والتكنولوجيا قادرًا، في هذا الأفق، على دحر حدود المرض، والإدمان، والموت؟ أم أنّ الأضرار البيئية والأمراض التي تسمى "أمراض الحضارة" ستكون قد أدّت إلى تدهورٍ رهيب في جودة الحياة؟ أم أنّ هذه الوضعيات ستتعايش، على الأرجح، ضمن مجموعات سكانية مختلفة؟ وهل ستؤدي القيود المفروضة على الموارد الطبيعية (الماء، والهواء، والتربة، وما إلى ذلك) إلى صراعاتٍ عنيفة على تملّكها، وإلى طرق إدارة تسلّطية، أم أنها ستحفّز ابتكارات تكنولوجية ثورية تفتح مستقبلً مشرقًا؟ وهل يُعلن تمكين الأفراد إزاء المؤسسات التي لا تزال تؤطّر إلى حدٍّ بعيد المنظمت الجمعية (الكنائس، والدول، والنقابات، والأحزاب السياسية، وما إلى ذلك) عن نوعٍ جديد من العلاقات الاجتمعية تحكمها العواطف، والحساسيات المشتركة، أم بالأحرى ظهور هويات حصرية ومُهيكلة؟ وهل ستؤدي تحولات الأنشطة اليومية (العمل، والاستهلاك، والترفيه، وما إلى ذلك) التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية إلى تجزئةٍ وتداخلٍ غير طوعيين ومؤلميَن للأزمان، أم إلى حريةٍ أكبر للأفراد في استخدامهم الزمن؟ إنها أسئلةٌ مفتوحة نسبيًا بالنسبة إلى أولئك الذين يرغبون في استباق ما يمكن أن يحدث، وهي رهاناتٌ مهمة بالنسبة إلى الأفراد الذين يرغبون في المشاركة في بناء المستقبل. وللمساعدة في هيكلة التفكير في هذه الموضوعات، التي يتردّد صداها حتمً بين بعضها البعض، أنجزت جمعية "فوتوريبل الدولية " Futuribles(International) في تقريرها الأخير "تقرير الرصد" (Vigie Rapport)، استكشافًا استشرافيًا لعشرين سؤلً رئيسًا تتعلق بمستقبل أنماط الحياة، وبلورت أربعة سيناريوهات، وهي أربع سرديات لأنماط الحياة الممكنة بحلول أفق عام 2050. وتكتسي بعض هذه التصورات بعدًا عالميًا، بيد أنها تركّز، مع ذلك، على البلدان المتقدمة، وخاصة على أوروبا. توضح المقالة التالية الخطوط العريضة لهذه السيناريوهات، التي يجري ترميز كلٍّ منها بواسطة حيوان يجسّدها.
السيناريو الأول: مجتمع الأنات
تستمر حركة الفردانية في ما يسمى بالمجتمعات المتقدمة؛ فتحقّق الجسد والروح، والبحث عن المعنى، والاستمع إلى الذات هي كلها أكثر من أيّ وقتٍ مضى تطلعات مركزية. ويرفض عدد متزايد من الأفراد المعايير الاجتمعية المتعلقة بالعمر، والجنس، والوضعية المهنية... إلخ؛ فالجميع يودّ تأكيد شخصيته، وقيمه، وتفضيلاته، وحساسيته. إنّ الهدف الرئيس من التربية (الأبوية والمدرسية على حدٍّ سواء) هو تشجيع تحرر الأفراد من أُطرٍ ثقافية واجتمعية يمكن أن تُلجم فردانيتهم. ويمرّ تكافؤ الفرص عبر تنمية المهارات والكفاءات ("القدرات" Capabilities باللغة الإنكليزية)؛ ما يسمح للجميع ببناء مسارهم الخاص ومقاربتهم الشخصية للعالم.
تتجذّر الآراء والالتزامات الفردية على نحو متزايد في علاقاتٍ ذات حساسية إزاء الرهانات. ولا يتم تنظيم الحركات البيئية القوية "لمصلحة التنوع البيئي" أو "ضد انبعاثات الغازات الدفيئة"، ولكن حول الدفاع عن الحقوق في هواءٍ نقي، وجمل المناظر الطبيعية، والاحترام المتساوي لجميع الكائنات الحساسة (البشر، والحيوانات، والنباتات... إلخ). ويجري تنظيم العلاقات الاجتمعية على نحو رئيس حول روابط عاطفية قوية إلى حدٍّ معين تُبنى من خلال الالتزامات والتجارب المشتركة، بما في ذلك الالتزامات والتجارب المشتركة عن بُعد. وتصبح الالتزامات قابلةً للعكس على نحوٍ أبعد. لا يكون للمنظمت الجمعية معنى إلا إذا كانت تمنح للأفراد الظروف المثلى لتحقيق ذواتهم وتشجيع التعبير عن حساسيتهم. وبوجه عام، يُنظر بسهولةٍ إلى المنظمت الجمعية بوصفها عقبات؛ فأعضاؤها يتمّ تجديدهم على نحوٍ منتظم. إنّ توقعات المواطنين إزاء الدول هي ملتبسة على نحو متزايد: فتوقعات توفير الخدمات الأساسية هي في تزايد، وفي مقدمتها الأمن (المادي، والبيئي، والاجتمعي، وما إلى ذلك)، والممنعات متزايدة إزاء أيّ شكلٍ من أشكال القيود الجمعية. فالمتوقع أن تكون الدولة منظمةً فعالة للخدمات العامة، وتطوير قواعد قانونية بسيطة قائمةٍ على التسامح من أجل بناء العلاقات الاجتمعية، والتحكيم في الخلافات. والحركات السياسية، التي أصبحت تكتسي طابعًا سريع الزوال على نحو متزايد، تحشد الناشطين الذين يتشاركون بعض الوقت مصلحةً مشتركة ويسعون إلى التأثير في القرارات.
| يصف السيناريو الأول الموسوم ب "مجتمع الأنات"، استمرار دينامية الفردانية التي لا تكاد تستطيع أيّ قوة أخرى إعاقتها. | |
|---|---|
| أما السيناريو الثاني الموسوم ب "المجتمع تحت التحك ّ م"، فيصف، على العكس من ذلك، مجتمعًا تأخذ فيه القيود الجماعية قوة جديدة، ربما مدفوعة بضرورات إيكولوجية. | |
| وفي السيناريو الثالث الموسوم ب "مجتمع الخوارزميات"، فإنّ دينامية التشغيل الآلي/ الأتمتة هي التي يجري تسليط الضوء عليها، وتنبني العلاقات الاجتماعية على نحو أساسي حول الآلات. | |
| وأخيرًا، يصف السيناريو الرابع الموسوم ب "مجتمع الأرخبيلات" تطور المجتمعات المبنية على روابط تقاربٍ على نحو أساسي، التي من شأنها استبدال المنظمات السياسية بالمنطق الإقليمي (1). |
تتزايد حركة الفردانية، ويسهّلها رفع مستوى التعليم، والتأثير الأقل للانتمء المتوارث، أو حتى عن طريق الوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا الرقمية. ويمكن أن يؤدي إلى الفردانية إذا كان يُنظر إلى ما هو جمعي بوصفه عائقًا أمام تحقيق الذات الشخصية. ويعدّ كثير من الناس على نحوٍ متزايد أنهم في الوضع الأمثل للدفاع عن مصالحهم (الاقتصادية والسياسية وغيرها)، واتخاذ القرارات التي تناسبهم على نحو أفضل. تستمر العولمة، وهو ما سينعكس في أفق عام 2050، من خلال تداخلٍ متزايد بين الاقتصادات، والشركات، والثقافات، والشبكات... إلخ، ويتنقّل الأفراد على نحو طبيعي بين شبكات الانتمء والمقاييس الجغرافية المختلفة (من المحلي إلى العالمي)، وفقًا لأنشطتهم، ومعتقداتهم، ووسائلهم. على الرغم من تفاقمه، لا يعدّ التغير المناخي أولويةً بالنسبة إلى غالبية الأفراد في الدول الغربية. فإنْ كان أكيدًا أنّ مظاهره أكثر تواترًا وإزعاجًا (دورات موجات الحر الشديد، والجفاف، والفيضانات... إلخ)، فإنها لا تضع أنماط الحياة السائدة موضع سؤال. وينطبق الشيء ذاته على التلوث والتوترات بشأن الموارد الطبيعية والتنوع البيئي. يتم إحراز تقدّم كبير في الخوارزميات، التي تسمح بتخصيص المزيد من المحتويات الرقمية التي يمكن أن يصل إليها الأفراد، والتي تتعلق بأقاربهم، أو بالأخبار اليومية، أو بمشترياتهم. وهذا البُعد الرقمي هو أيضًا أداة لتمثيل الذات وللاعتراف الاجتمعي. وتتيح التطبيقات الحاسوبية والكائنات المتصلة بالشبكة للجميع مراقبة سلوكهم، وصحتهم، ومخاطر تطور الأمراض، وما إلى ذلك. تأثير الديانات التقليدية آخذ في التناقص (الانجرافات، والفضائح، ومشاعر فقدان الحرية الفردية، وما إلى ذلك).
3. العيش في هذا السيناريو في أفق عام 2050
يصبح الوصول إلى السلع والخدمات مشكلةً حيوية بالنسبة إلى الأفراد. وقد يعزّزه القرب من المدن، واستخدام الخدمات عبر الإنترنت، ولكن أيضًا بعض السياسات المحدّدة للمؤسسات. يصبح هدف السياسات الاجتمعية تمكين الأفراد، من خلال ضمن الوصول إلى الخدمات اللازمة لتحقيق الذات. وقد يؤدي ذلك إلى رفع بعض أشكال الحظر، مثل القتل الرحيم أو تعاطي الحشيش، وكذلك رفع بعض الالتزامات، مثل التعليم والتطعيم. ومن ناحية أخرى، يجري إرساء عدد من الآليات لدعم الأفراد في بناء مسارهم: نظم المعلومات والتدريب، وسياسات التمييز الإيجابي للحدّ من أوجه اللامساواة، ومن الدخل الكوني المنخفض، والمساعدات المحدّدة الأهداف... إلخ. يمكن أن يؤدي السعي إلى تحقيق الذات على المستوى الشخصي إلى مزيد من تفرّد الممرسات والأوقات ومسارات الحياة. فكلّ فرد يبني ثقافته، وهويته، وتعليمه، ويستحدث علاقته بالعالم، وبالعمل، وبالعائلة. ويمكن أن تكون هذه البناءات
متقلّبة؛ فكل فرد يمكنه، خلال حياته، أن يكون لديه العديد من العائلات، والعديد من المهن، وحتى عدة أديان وعدة جمعات أهلية مرجعية. وتصبح سيولة الروابط والشبكات مركزية، وكذلك بعض القيم مثل التعاطف. تصبح الكفاءات أساسيةً في المسارات الوظيفية، ما من شأنه أن يساعد في تزايد حدّة الفردانية وتفتيت مسارات التعليم والتدريب، وكذلك الوظائف. يظلّ الاستهلاك رافعةقوية لتأكيد الذات والتميز الشخصي. تفسح الأعراف الاجتمعية القديمة والديانات التقليدية المجال أمام أشكال جديدة من الروحانية تصاحب البحث عن المعنى. يخصص وقت الفراغ للرفاه، والصحة، والتعلم... إلخ. يصبح العقد الوسيلة الرئيسة للعلاقة بين الأفراد والجمعات: الشركات والمؤسسات والأسرة... إلخ. كل شخص مسؤول عن صحته، وهو موضوع العديد من الاستثمرات: فالتحدي الذي يواجه الأفراد هو البقاء بصحة جيدة في بيئة متدهورة. وتتطوّر التقنيات الهادفة إلى زيادة الأداء البدني والفكري. ويصبح الألم والموت غير مُطاقيَن على نحوٍ متزايد. وتضمّ حركة "ما بعد الإنسانية" (Transhumanism) أتباعًا على نحوٍ متزايد.
السيناريو الثاني المجتمع تحت التحكّم
لم تعد خطط العمل الجمعية الحالية مناسبةً لحجم التحديات التي ينبغي أن تواجهها البشرية. ويؤكد على هذا الخطاب أكثر فأكثر الأقلياتُ النشطة التي تبُرز عجز المؤسسات، وأيضًا عجز المبادرات المواطنية عن أن تأخذ على عاتقها التحديات الهائلة المرتبطة بالدخول إلى حقبة "الأنثروبوسين" (Anthropocene)، بقدر تزايد الكوارث الطبيعية. وسيجعل تدهور الظروف المعيشية لجزء متزايد من السكان، وتفكيك البنيات الاقتصادية، الفجوةَ بين حجم المخاطر البيئية وعدم فاعلية الإجراءات المتخذة للتعامل معها، جليةً في نظر معظم الناس. وستضغط الحركات الاجتمعية المصمّمة بشدّة، وكذلك الشركات، من أجل أن تفرض الدول، بوصفها أكثر الجهات الفاعلة شرعيةً والمسلحة أكثر، انتق لً سريعًا نحو نموذج آخر للتنمية. وسيكون ضمن بيئة صحية وإيكولوجية هو التحدي الجديد الأكبر والأولوية المطلقة بالنسبة إلى المؤسسات الرئيسة على الصعيد الدولي. وتخضع الحريات الفردية لهذه الضرورة الجديدة التي تعدّ حيوية. ولذلك تقوم الدول الأوروبية بتعبئة الأدوات والسياسات العامة بمختلف أنواعها لتقييد سلوك الفاعلين الاقتصاديين، والأفراد، والأقاليم. وتتمّ مراقبة الاستهلاك
الفردي الذي يُقدّر بما يعادل الكربون (الذي يصبح شكلً جديدًا من العملات) ويخضع إلى حد بعيد لنظام الحصص. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، يتمّ تنظيم الإنتاج الصناعي ومراقبته إلى حد بعيد أيضًا، مع معايير صارمة جدًا للحد من التأثير البيئي: ضريبة الكربون، وضريبة القيمة المضافة الدائرية... إلخ. ويحدث انتقال سريع نحو أنماط حياة أكثر اعتد لً، يتمّ تأطيره بواسطة السلطات العامة والمجتمع نفسه، الذي يفرض معايير اجتمعية جديدة على الأفراد، استنادًا إلى مبدأ "الكفاية" (Frugality). ويمكن أن تكون هذه العملية إلى حدٍّ ما طويلةً ومؤلمة بحسب البلد والجهات الفاعلة. وهي تؤدي إلى نموذج آخر للمجتمع، الذي يضفي قيمةعلى الموارد الطبيعية، والإنتاج المحلي، وأنشطة الخدمات، وجودة العلاقات الاجتمعية. لكن هذه القواعد الجديدة لا تحظى بالإجمع؛ ذلك أنّ حركاتٍ تشجبها بوصفها عقبةً أمام الحريات الفردية وخلق فرص العمل والثروة. وعلى العكس من ذلك، يدافع آخرون عن قواعد أكثر راديكالية ("التيار المناهض للتمييز بين الأنواع" Antispeciesism()، ورفض أيّ استخدام للطاقة الأحفورية أو النووية... إلخ.)
المحرك الأول لهذا السيناريو هو تسريع التغيرات البيئية وتفاقمها: التغير المناخي، والتوترات والصراعات على الموارد الطبيعية، وتدهور التنوع البيئي... إلخ. تُتَجم هذه الظواهر إلى قيودٍ متزايدة على الأفراد والشركات (التلوث، والأمراض، وارتفاع أسعار الموارد، والأحوال الجوية القاسية، وما إلى ذلك). ويمارس عددٌ متزايد من الأفراد والشركات ضغطًا على السلطات العامة. تتزايد الهجرات الدولية. ويمكن أن تكون لهذه الهجرات دوافع مختلفة (اقتصادية، وسياسية، و/ أو بيئية)، وتتعلق بجميع مناطق الكوكب. يتطور الشعور ب "المسؤولية الفردية العالمية"2نحو القضايا البيئية (كم تطرحها الأمم المتحدة)، ما يعني أنه يجب على كل فرد أن يحدّ قدر الإمكان من التأثير البيئي لأنشطته.
ö يمكن أن تؤدي عملية الانتقال إلى مرحلة أولى من التكيف والتضحيات؛ إذ تجب إعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك، من أجل التقليل إلى حد بعيد من تأثيرها في النظم الإيكولوجية. فتكلفة المنتجات والخدمات الأكثر إضرارًا بالبيئة والمناخ تزداد على نحو حاد. ويصبح تثمين الموارد المحلية ونقل الأنشطة الاقتصادية المحلية (التصنيع، ولكن أيضًا الإصلاحات والخدمات المختلفة) أولويات للفاعلين المحليين والجمعات المحلية. وبعد مرحلةٍ
للتكيف، تتطور سوق جديدة للسلع المستدامة وذات الأثر البيئي المنخفض. وللحد من تأثير الزيادات في الأسعار، يمكن تنفيذ العديد من أدوات الفعل العمومي: تقديم الإعانات للأكثر عوزًا، والدعم لتمويل التكنولوجيات البديلة الهادفة إلى خفض التكاليف... إلخ. سيصبح الاستهلاك المفرط للمنتجات الجديدة ترفًا، وستتزايد ممرسات بيعِ المنتجات المستعملة وشرائِها وعمليات التأجير. وبوجه عام، قد يشغل الاستهلاك مساحةً أقل في أنماط الحياة، وستُولى الأولوية للترفيه غير المادي (الثقافة وغيرها)، و "للمنتجات التي يصنعها المرء بنفسه"، وللإصلاح، وللتبادل، وذلك للتعويض عن التكلفة الإضافية للمنتجات الصناعية. وسيتمّ تشجيع ممرسات الإنتاج الذاتي والاستهلاك الذاتي (الغذاء، والطاقة... إلخ) (عن طريق التخفيضات الضريبية مثلً). ö قد يكون في الإمكان إعادة النظر في العلاقة بالأقاليم، وكذلك إضفاء قيمة على المناطق المحيطة بالمدن والمناطق الريفية؛ لأنها مواتية لممرسات الإنتاج الذاتي (خاصة الزراعي). وقد يكون في الإمكان على وجه الخصوص إضفاء قيمة خاصة على التبادلات بين الأفراد، على اعتبار أنّ الروابط ستصبح أكثر أهمية من السلع: تقاسم الوقت، والأنشطة، وتبادل الخدمات، وسلع الاستهلاك الجاري، والممرسات الجيدة... إلخ. ö قد تتحسن الحالة الصحية للأفراد بفضل تضافر مجموعة من العوامل: انخفاض التلوث المرتبط بالنقل وبالصناعة، ونمو التغذية العضوية، وانخفاض التعرض للاضطرابات الغُددية... إلخ.
السيناريو الثالث: مجتمع الخوارزميات
تشهد الثورة الرقمية مرحلة تسارعٍ بسبب التطورات المهمة التي شهدتها بداية الألفية الثالثة، في قدرات الحوسبة وطرائق تعلّم الآلات (الذكاء الاصطناعي). وتستمر عملية الأتمتة محوّلةً بعمق بعض الأنشطة اليومية (القيادة، والعناية بالبيت، وما إلى ذلك)، والمهن (شركات التأمين، والمصرفيون، والمحامون، والمحاسبون، وما إلى ذلك). وإذا كانت هذه الأتمتة تؤدي إلى ظهور "معايير" (Standards) جديدة لتحسين سير الحياة الاجتمعية (خاصةً في المدن)، فإنها تترافق أيضًا بشخصنةٍ متزايدة باستمرار لعروض الخدمات (بالنسبة إلى الفاعلين الخواص كم بالنسبة إلى الفاعلين العموميين). وفي الشركات، تصبح الأتمتة أمرًا شائعًا للمهمت المتزايدة التعقيد، بدءًا بدعم اتخاذ القرارات البشرية، قبل أن تحلّ محلّ البشر تدريجيًا في اتخاذ القرار، مع تركيز العنصر البشري أكثر على
التصديق عليها، وعلى مهمت أخرى ذات قيمة مضافة عالية جدًا. وتلجأ الدولة نفسها إلى آليات الذكاء الاصطناعي لزيادة عقلانية قراراتها ونجاعتها. وفي الواقع، هناك عدد متزايد من القرارات المؤطّرة للحياة اليومية للأفراد يُعهد بها إلى خوارزميات (في مجال التنقل، والنظام الغذائي، والصحة). وبالمثل، فإن إعداد الخيارات الجمعية الرئيسة (مثل البنى التحتية)، وكذلك القوانين الاجتمعية، يتم تولّيها في المراحل الأولى عن طريق عمليات مهمة للمحاكاة الحاسوبية (Simulation). كم تصبح طبيعة الخوارزميات المستخدمة موضوع نقاش سياسي. وبموازاة ذلك، تركّز النقاشات السياسية على نحو متزايد على القضايا الأخلاقية. فقد أصبحت النقاشات حول بداية الحياة ونهايتها، على وجه الخصوص، مركزيةً ومؤطرة للانتمءات. إذا كانت بعض المهن (بما في ذلك تلك ذات الكفاءات العالية) مهدّدة، فإن بعضها الآخر سينشأ (خاصةً فيم يتعلق بالعوالم الافتراضية، وتصميم الآلات... إلخ)، أو يجري تجديدها بتوافق مع روح العصر. وللتعويض عن تدمير الوظائف، يمكن إقرار دخل كوني وتمويله بفضل مكاسب التنافسية التي تسمح بها الأتمتة. ولن يزيد دخل جزء من السكان، بل حتى إنه قد ينقص، بيد أنّ هذا الوضع مقبول عمومًا؛ لأنه يترافق بزيادة وقت الفراغ، الذي يُكرَّس على نحو أساسي لاستكشاف الأكوان الافتراضية ذات تكلفة الولوج المنخفضة. وستكون مسألة صياغة قانون خاص بالعالم الافتراضي موضوع مناقشات حية. وتتلاشى الحدود بين العالم الحقيقي والعوالم الافتراضية، وتدمج العلاقات العاطفية، وحتى الرومانسية، على نحو متزايد الآلات (البرمجيات، والروبوتات)، وتتطور في عالم حقيقي أو افتراضي أو مختلط. وتضاعف مساحات الواقع الافتراضي الأكوان والمساحات/ الأوقات للترفيه والعمل والصداقة والحب... إلخ. ويمكن أن يضاعف الأفراد انتمءاتهم في المجتمعات الأهلية الافتراضية وتغييرها بانتظام. وستصبح الحقيقة المدمجة شائعةً في العديد من المدن، والمتاحف، ومراكز التسوق. وبينم تؤدي زيادة الأتمتة إلى توسع كبير للحياة في العالم الافتراضي، فإنها تنتج بدورها إعادة تركيز على الأنشطة البشرية على وجه التحديد، لا سيم في مجال العلاقات الاجتمعية (الرعاية، والصحة... إلخ).
الديناميات الحالية للتقدم التكنولوجي هي تسريع تقارب حقول التكنولوجيات النانوية والتكنولوجيات الحيوية والمعلوماتية والعلوم الذهنية أو ما يسمى (NBIC. وستجعل)3هذه التطورات التكنولوجية من الممكن تحسين عمليات الإنتاج، ومن ثمّ يجري دعمها من الفاعلين الصناعيين.
تؤدي الاستثمرات الضخمة في التكنولوجيات إلى تقدم سريع في استخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، مع تأثيرات سريعة وواضحة في القرارات الفردية والجمعية. فعلى سبيل المثال، يمكن تسجيل تحسن في الوقاية من الأمراض والكشف عنها من خلال التطبيقات المشخصنة. لكن إن كانت هذه الاستثمرات قد أصبحت اليوم تخص القطاع الخاص في معظمها، فإنها قد تكون مصحوبة باستثمرات وسياسات لدعم الفاعلين العموميين. ö الإتاحة على الإنترنت لمجالٍ افتراضي مُتقن (على نموذج "الحياة الثانية"4)، من شأنها أيضًا أن تزيد من حدة التحول إلى جزءٍ من أنشطة الأفراد نحو العوالم الافتراضية.
بعض الأفراد لديهم وظائف، والعمل المأجور أقل هيكلةإلى حد بعيد لأنماط الحياة. ويلاحظ تزايد ازدواجية سوق العمل بين الوظائف المؤهلة تأهيلً عاليًا وغير المهدّدة بالأتمتة، والوظائف التي لا يصعب الاستعاضة عنها بالآلية: الصناعة التقليدية، والخدمات للأشخاص... إلخ. يمكن أن يتيح استمرار عملية التشغيل الآلي إرساء دخل عالمي، بتمويل من الضريبة على النشاط الآلي. يؤدي انخفاض وقت العمل والاستخدام المعمم للأتمتة إلى زيادة وقت الفراغ. ولكن نظرًا إلى أنّ دخول الأفراد محدود، يمكن قضاء المزيد من الوقت في مجالات افتراضية ومتقنة أكثر فأكثر: "الألعاب الانغمسية"، والاستشارات المهنية عن بُعد، والسياحة الافتراضية، ومؤتمرات العمل مع "التجسيدات الافتراضية " (Avatarsوعوالم)، خيالية للاسترخاء والاكتشاف... إلخ. ö على اعتبار أنّ التكنولوجيا ستكون متوافرةً في جميع المناطق، سيختار بعض الأفراد الاستقرار في المناطق الريفية، حيث تعتبر بيئة الحياة أكثر متعة. لكن الحياة في المدينة في إمكانها أن تستفيد أيضًا من العديد من التكنولوجيات (مثل السيارات من دون سائق). وعلاوةً على ذلك، قد يكون للمواقع المادية أهمية أقل، ويجري اللجوء إليها أقل من المواقع الافتراضية. يمكن أن تؤدي هذه الإمكانات الجديدة التي توفرها المجالات الافتراضية إلى سلوك متطرف. فالبعض يتخلى عن العلاقات الإنسانية، ولكن أيضًا عن مظاهرها المادية "الحقيقية"، في حين يختار البعض الآخر بدلً من ذلك تجنّب هذه الفضاءات الافتراضية تمامًا. ويمكن أن يكون أيضًا للاستخدام الواسع النطاق للآلات اليوم آثار
يصعب توقعها بالنسبة إلى القدرات الفكرية للأفراد: الحساب، والإملاء، والقدرة على معرفة الاتجاهات... إلخ. ö تسمح مراقبة السلوكيات الفردية بفضل الأدوات الرقمية بشخصنة مسارات الحياة (الصحة، والتعليم... إلخ). ومن ثم، يُقترح استباق ظهور بعض الاعتلالات وتحسين متابعة العلاجات. وهو ما يمكن استخدامه بالنسبة إلى شركات التأمين، وأرباب العمل، وكذلك أنظمة الحمية الاجتمعية. ويستفيد الجميع من متابعةٍ دقيقة لحالتهم الصحية الشخصية بفضل الخوارزميات، ويجب عليهم اتباع التوصيات (النظام الغذائي، والتمرين البدنية، والاختبارات) تحت طائلة التعرض لخطر الاستبعاد من نظام الحمية الاجتمعية. ومع ذلك، يمكن أن تظهر اعتلالات جديدة، من ناحية بسبب زيادة قلة الحركة (يتمّ تفويض الأنشطة البدنية للآلات)، ومن ناحية أخرى لأنّ الأمراض العقلية الجديدة يمكن أن تظهر بسبب تزايد مكانة العوالم الافتراضية والآلات. وبالمثل، يمكن بناء مسارات مدرسية بالنسبة إلى كلّ فرد، بناءً على خلفيته، ونقاط قوته، وضعفه، ورغباته. ونظرًا إلى عدد القرارات التي تتخذها الخوارزميات، يمكن أن تظهر أشكال جديدة من اللامساواة أو أن تتعزّز، وفقًا لقدرة الأفراد على تلبية معايير الآلات5. تتأثر العلاقات الشخصية على نحو متزايد بالخوارزميات التي تضفي عليها الطابع الشخصي إلى أقصى الحدود، بيد أنّ ظواهر "فقاعات" المعلومات والانغلاق على الذات تتزايد. إضافة إلى ذلك، يجري تحسين السلوكيات وعقلنتها على نحوٍ متزايد. في حين تصبح العفوية نادرة، ما من شأنه أن يؤدي أيضًا إلى انخفاض الإبداع. للفاعلين الخواص الذين يقترحون الآلات ويديرونها ثقل وتأثير متزايد في الشركات؛ ما يثير مسألة تنظيمها أو عدم تنظيمها من قبل السلطات العامة. ويمكن أن تضع الدولة نفسها ضامنًا لموثوقية الخوارزميات. ö يؤدي الاستخدام المتزايد للخوارزميات إلى إثارة العديد من النقاشات بشأن مدى القرارات التي ينبغي أو لا ينبغي تكليف الآلات بها وطبيعتها. وتركّز المفاوضات وجمعات الضغط في المراحل الأولى، على المعايير التي ينبغي أن تأخذها الخوارزميات، وفي المراحل النهائية، على تفسير التوصيات التي تقدمها هذه الأخيرة. وتتضاعف الانتقادات بشأن حدود النمذجة وانحرافاتها6.
السيناريو الرابع: مجتمع الأرخبيل
تتضاعف الجمعات الأهلية حول قيمٍ أو عوامل محدّدة، وتقدم عناصر من إعادة التأمين المعنوية والمادية لأعضائها. وهي تتطور أساسًا على المستوى المحلي، لكنها يمكن أن تندرج في إطار حركات وطنية أو حتى دولية. ويمكن بلورة هذه الجمعات الأهلية (أو القبائل، وفقًا لتعبير ميشيل مافيسولي7 من خلال لحمةٍ هوياتية قوية (ثقافية، أو روحية، أو عائلية... إلخ)، أو عن طريق السعي لتحقيق هدف مشترك (الجمعات الأهلية القائمة على المصالح المشتركة، أو على العمل المشترك، وما إلى ذلك)، أو أن تتّسم بانغلاقٍ ونبذٍ للآخرين، أو أن تتشكّل حول رؤى مشرقة للإنسانية ولمستقبلها. وغالبًا ما تقترح أساسًا للمبادئ المؤطّرة لتوجيه السلوك. تظهر هذه الجمعات الأهلية أو تتقوّى استجابةً لتراجع المؤسسات السياسية والاجتمعية، وللافتقار إلى مشاريع موحدة من شأنها أن تمنح معنى للجمعات الأهلية التقليدية، ولا سيّم للجمعات الأهلية الوطنية. ويمكن أن يتعزّز هذا التطور للجمعات الأهلية بسبب صعوبة توفير أنظمة الحمية الاجتمعية الدعمَ المادي الكافي للساكنة الأكثر هشاشة. وبالمثل، فإن ازدياد وقت الفراغ يشجع على إعادة تنظيم المجتمع والروابط الاجتمعية. فأنشطة الإنتاج الذاتي، والتقاسم، والتبادل تنمو على نطاق واسع، وتؤطر على نحوٍ متزايد الحياة الاجتمعية حول الجمعات الأهلية، التي يمكن أن تشمل الأصدقاء، والجيران، وأيضًا الأفراد الذين يتشاركون في شغفٍ مشترك، أو احتياجات، أو قيم. ويصبح التضامن، والمساعدة المتبادلة، والتقاسم، قيمً مركزية لدى هذه المجموعات. تزداد الفوارق بين هذه المجموعات. ومن الواضح أنّ البعض منها ذو نزعةٍ انفصالية ويطالب بالاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة، ويختار الخروج من النظم الجمعية (الضرائب، والحمية الاجتمعية)، ويمتلك عملاتٍ خاصة به، ونظمَ أمنٍ خاصةً، أو نظام عدالةٍ ونظامًا صحيًا خاصًا. في حين أن البعض الآخر أكثر انفتاحًا، وأقل اعتمدًا على تفسيرات كلية، ولا يمنع إشراك الأفراد في العديد من الجمعات الأهلية. تصبح بعض هذه الجمعات الأهلية حركاتٍ ذات نطاق وطني، أو أحزابًا سياسية تسعى للدفاع عن قيمها من خلال وسائل مختلفة: الانتخابات، والجمعات الأهلية على الإنترنت، والعرائض، والمظاهرات... إلخ، ويمكنها التنافس مع بعضها من أجل تخصيص الإعانات العامة، والوصول إلى المعدات، أو لجذب أعضاء جدد. النظام السياسي هو الحكَم الرسمي لمجموعات المصالح المختلفة هذه، فهو يضمن ظروف الوجود السلمي لجميع الأفراد وجميع القضايا، من دون السعي إلى الانحياز. وينبغي أن تظل المؤسسات والمرافق العامة محايدةً، ومتسامحةً مع تنوع القيم والمصالح المعبّ عنها. وبوجه عام، تتحمل الدولة والسلطات العامة قيمً ومشاريع سياسية أقل في المجتمع. وتعد إدارة الجمعات الأهلية الأكثر تطرفًا تحديًا دائمًا على المستويات الدولية والوطنية والمحلية.
ö تتميز المجتمعات الأوروبية بالشعور بفقدان المرجعية بالنسبة إلى الأفراد. فالعولمة تولّد تداخلً للثقافات والممرسات، ولم يعد الاستهلاك المفرط يبدو مثاليًا، وأصبح الخيال عن المستقبل يفقد زخمه. تجري مساءلة وزن الفاعلين الرئيسين في الاقتصاد الرقمي والحياة اليومية بفعل الحوادث و/ أو الفضائح التي تدفع الأفراد إلى الابتعاد عنها لحمية بياناتهم (الفردية والمصرفية). في البلدان الأوروبية، لا تُنشئ الشركات وظائف كافية لاستيعاب السكان العاملين وتمويل أنظمة الحمية الاجتمعية. قد يكون الأفراد أكثر تشككًا وخيبة أملٍ إزاء الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة، والتي يعدّونها غير قادرة على التعامل مع الرهانات الاقتصادية والاجتمعية والجيوسياسية.
ستترجم الحياة في هذا السيناريو على نحو مختلف وفقًا لنوع الجمعة الأهلية المهيمنة بالنسبة إلى الأفراد. وقد يُتاح للبعض الفرصة لمضاعفة الانتمء إلى جمعاتٍ أهلية ذات درجة إدماج ضعيفة، والانفصال عنها كم يحلو لهم، كم هو الحال في السيناريو الأول. وفي الوقت ذاته، قد يفضّل أشخاص آخرون، أو يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانضمم إلى جمعاتٍ أهلية حصريةٍ جدًا، أو حتى ملزمةٍ من حيث القيم والسلوكيات. يمكن، إذًا، أن تتعزّز اللامساواة بين الأفراد وفقًا لقدرتهم على الالتحاق، أو الانفصال عن جمعةٍ أهلية أو أكثر؛ ما سيمكّنهم من تلبية احتياجاتهم. وبالنسبة إلى البعض، قد يتمّ فرض الجمعة الأهلية على أساس انتمئهم العرقي أو الجغرافي، وقد يكون من الصعب الخروج منه. يمكن أن تندلع النزاعات بين الجمعات الأهلية، على نحوٍ مموضع ومحدّد، أو على نحوٍ مهيكل بالنسبة إلى المجتمع. ö تصبح الدول الضامن للتعايش السلمي بين الجمعات الأهلية. وتعيد التركيز على وظائف معينة، ولا سيّم الأمن. لكن درجة قبول هذه الجمعات الأهلية المستقلة يمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب كل بلد (على سبيل المثال، تكون أقلّ في الصين منها في بريطانيا).
ö يمكن أن يُسائل هذا التنظيم الاجتمعي الجديد طريقة اشتغال الديمقراطيات. ففي بعض البلدان، لم يكن في إمكان البرلمان أن يكون مشكّلً من نوّابٍ عن المواطنين، بل من نوّابٍ عن الجمعات الأهلية، التي تتجّمع في عائلاتٍ كبيرة، وفق عددٍ يتناسب مع أعضائها. يمكن أن تدعم مجموعاتٌ إقليمية مختلفة الجمعات الأهلية، وأن تضمن ظروفًا معيشية مُرضية لها. كم يمكن أن تطالب بعض المناطق باستقلالها. وفي الوقت "La نفسه، تفلت المدن الكبرى المعولمة، التي تجمع ساكناتٍ ذات أصول متنوعة جدًا، جزئيًا من منطق الجمعات الأهلية. كم يمكن أن تعاني بعض المناطق هيمنةً جمعة أهلية معينة ستفرض قواعدها وشكلً من أشكال الحمئية، مع عواقب جسيمة فيم يتعلق بنوعية الحياة والحالة الصحية... إلخ.
خاتمة
توضح السيناريوهات المقدمة حدةَ منطق تطور العلاقات بين الأفراد والمجتمع عمومًا؛ أي في مجالات الحرية الفردية وأشكال القيود الجمعية. وعلى نحوٍ تبسيطي جدًا، يقترح السيناريوهان الأول والرابع مجتمعات مستقبل منظمة إلى حد بعيد من خلال حركة نزع المؤسسات عن المجتمع والشخصنة (وهو أمر مرجّح في السيناريو الرابع بفعل سيطرة الجمعات الأهلية)، ويسلّط السيناريوهان الثاني والثالث الضوء على التنظيمت الاجتمعية الجديدة المتوافق عليها بحرية إلى حدٍّ ما، والتي قد تبدو ضرورية للاستجابة للتغيرات الإيكولوجية والاقتصادية الرئيسة التي نواجهها. ليست هذه السيناريوهات متضاربةً تمامًا فيم بينها، وفي الإمكان إيجاد صيغٍ توافقية بينها. وهي تطمح إلى تحفيز التفكير بشأن الخيارات الكبرى المتاحة أمامنا، وتغذية النقاشات بشأن تفضيلاتنا الفردية أو الجمعية، وبشأن وسائل تحقيق ذلك.
المراجع
Alejandro, Basualdo Pedro. responsabilité individuelle mondiale." Chronique ONU. vol. 48, no. 1 (2011). at: https://bit.ly/2WML9PM
Hubert, Guillaud. "De l'automatisation des inégalités." InternetActu. 15/1/2018. at: https://bit.ly/2nF36ft
________. "Peut-on modéliser la société?" InternetActu. 19/4/2018. at: https://bit. ly/2EZOxZN
Maffesoli, Michel. Le temps des tribus: Le déclin de l'individualisme dans les sociétés de masse. Paris: Méridiens- Klincksieck, 1988.
Soudoplatoff, Serge. "Second Life: L'acte marchand de la postmodernité?" Futuribles. no. 330 (Mai 2007).
Viard, Jean. La Société d'archipel. Ou les territoires du village global. La Tour d'Aigues: Editions de l'Aube, 1994.