العودة إلى تفاصيل المؤلَّف هابيتوس المستقبل

هابيتوس المستقبل

Habitus of the Future: The Structuring Effect of our Relationship with Technology

رالف ميرسر

Abstract

هابيتوس المستقبل: التأثير المهيكِل لعلاقتنا بالتكنولوجيا Habitus of the Future: The Structuring Effect of our Relationship with Technology

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • هابيتوس
  • علم الاجتماع
  • بيير بورديو
Keywords:
  • Pierre Bourdieu
  • habitus
  • Future Studies

تركز اهتمماتي على علاقتنا بالتكنولوجيا بوصفها قوةً تؤثر في الأفراد لقبول سلوكيات وأفعال ومعتقدات معينة واستنساخها وتبنّيها. وبصفتي خبيرًا في ثقافة التكنولوجيا، أفكر في أهمية التكنولوجيا في تحديد سلوكنا الفردي والاجتمعي في الحاضر، والأهم من ذلك، في تصورنا للمستقبل. وأقترح في هذا المقال أن علاقتنا بالتكنولوجيا قد تُفهم على نحوٍ أفضل على أنها "هابيتوس المستقبل" ا من) الذي يخلق أنماطًHabitus of the Future(السلوكيات التي تقاوم لا شعوريًا الأفكار الجديدة والفرص للتعامل مع الدراسات المستقبلية. بدأت فكرة المقالة في موقفٍ للسيارات؛ حيث فكّرت في تطبيق محمول لتسوّق البقالة، كان قد أرشدني للتوّ إلى محيط المتجر، وذكّرني بما ينبغي شراؤه. لم يكن أيّ تدخلٍ من جهتي مطلوبًا؛ فقد كان التطبيق يعرف متجر البقالة حيث كنت أعيش بناءً على بيانات موقعي والعناصر التي أحتاجها من عادات الشراء السابقة في هذا الموقع. ولم أشكك في الأمر، بل تسلّلت عبر أجنحة المتجر، متجاهلًالأجنحة التي لا تحتوي على الأشياء التي أحتاجها، مراعيًا فقط السرعة في الدخول والخروج. وقد حافظ التطبيق على تركيزي الشديد على قائمة السلع التي طلبتها اليوم، بينم شتّت انتباهي على نحوٍ فعّال عن فرصة التفكير في سلعٍ قد أحتاج إليها غدًا أو الأسبوع المقبل. وعلى الرغم من أن تدخل التكنولوجيا في حياتي ليس أمرًا جديدًا، فإن هاتفي يوفر تدفقًا منتظمً لما هو قادم، انطلاقًا من تقويماتي الرقمية (calendars Digital)، ومساعدي الإلكتروني ذي الذكاء الاصطناعي (assistants AI)؛ ما يقلل من حاجتي المعرفية للتفكير في المستقبل. خطر في بالي أنني قد تنازلت عن حرية اتخاذ القرار، وأنني أقبل على نحوٍ سلبي المعايير السلوكية المصممة في أدواتنا التكنولوجية، من عدد الخطوات التي أقوم بها يوميًا، إلى الرموز التعبيرية (Emojis) التي أختارها لتقدير كمي ليومي. فهل ستحدّ "الحاضرية " (Presentismالتي) تشجعها حدود التكنولوجيا الخاصة بي من تصوري للمستقبل؟ ربما الجواب بالنفي، ولكن إذا وسّعنا تأثير التكنولوجيات ليشمل كل التأثيرات المحيطة بحياتنا اليومية وليشمل المقدار الهائل من التكنولوجيا التي نتفاعل معها لا شعوريًا مع شأننا اليومي، والسرديات المهنية المهيمنة حول التكنولوجيا، فقد يكون الجواب بالإيجاب. أصبحت التكنولوجيا شاهدًا على العديد من جوانب حياتنا اليومية، موفرةً النجاعة بديلً من شريك فعال يثري تجاربنا الشخصية. تذكرت أن رييل ميلر1 قد علق على شبكة "لينكدين" LinkedIn() بأنه قد صُدم بالتأطير القوي لمستقبلاتنا الممكنة من خلال خيارات بشرية واضحة، وموجهة نحو الهدف، وتنتج "نفايات ملموسة وإشعاعية ثابتة للغاية"2. ما يقلقني هو أن علاقتنا الحالية بالتكنولوجيا أصبحت عاملً مهمً في خلق مجاز النفايات الخرسانية والإشعاعية في حياتنا. وهناك صورة تقنية - اجتمعية أكبر؛ إذ تعمل الشبكات الخلوية، ونظام تحديد المواقع العالمي

  1. رييل ميلر (Miller Riel) هو رئيس قسم الاستشراف ورئيس قسم "محو أمية المستقبل" (Literacy Futures) بمنظمة اليونسكو بباريس. (المترجم)
  2. Riel Miller Linkedin comments on Quishare Fest, at: https://bit.ly/3twFew6

(GPS)، والمدفوعات الرقمية، وسرعات النطاق العريض، وشبكات "الواي فاي"، والوسائط الاجتمعية (على سبيل المثال لا الحصر)، على التوسط وتشكيل وضع عالمنا الحالي ونوعية حياتنا، وربما تحدّ من تصوراتنا للمستقبل. إنّ الصورة الأوسع توفر مكانًا يسلط الضوء على تأثير التدخلات التكنولوجية في قدرتنا على تأدية وظائفنا في الحاضر، وعلى تصور المستقبل. وقد أكد عالم النفس الاجتمعي المؤثر كورت لوين أنه "إذا كنت تريد أن تفهم شيئًا ما حقًا، فحاول تغييره"3. ومن منظور ثقافي للتكنولوجيا، قد يقرأ تصريح لوين هذا، على أنه "لتغيير المستقبل، عليك أولا أن تفهم علاقتنا بالتكنولوجيا في الزمن الحاضر". إنّ المفتاح لفهم العلاقة بين المستقبل والإنسان والتكنولوجيا هو امتلاك الأدوات اللازمة لوصف كيفية عمل الترتيبات والاعتمديات لمواءمة الممرسات الفردية والمهنية. مفهوم "الهابيتوس"4 هو أحد الأدوات التي أستخدمها لدراسة هذه الظاهرة الاجتمعية. ويشتمل الهابيتوس على عادات ومهارات وتصرفات متأصلة اجتمعيًا تشكل السلوكيات الفردية والجمعية وتوحدها. ويوفر تضييق نطاق التركيز على الهابيتوس لدراسة مجال الدراسات المستقبلية قاموسًا لوصف التأثير الحالي للبنيات الناتجة من الإجراءات البينية بين العالم التكنولوجي والممرسين الفرديين. يصبح "هابيتوس المستقبل" (the of Habitus Future) حينئذٍ سرديةً نقدية من خلال تحليل التوقعات الاجتمعية، وأنماط التحدّث، والتصرّف، وأنماط السلوك المهني للمجموعة. وبهذا المعنى، يجعل الهابيتوس اللبنة الأساسية للثقافة المهنية مرئية، ويفتح الطريق لفهم كيف يمكن لممرسات العمل أن تكرّر الوضع القائم (quo.)Status إنّ التكنولوجيا ليست محايدة، وتكافئ الأفعال والنيّات من خلال الاعتمديات التي جرى إنشاؤها من خلال التصميم والشكل والوظيفة. ولكن، من نواحٍ عديدة، العلاقة أعمق بكثير، لتصبح الحافز الذي غذّى التطور البشري، وهو القوة الدافعة التي تشكل المستقبل الممكن للكوكب. إن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا ليست ثابتة؛ فاحتياجاتنا في الحاضر والسلوكيات الاجتمعية تقود عملية خلق التكنولوجيا، وفي المقابل، تخلق التكنولوجيا على غرار الهابيتوس الاعتمديات التي تنظم سلوكيات البشر وممرساتهم. وتطبيق البقالة البسيط الذي ذكرته آنفًا أصبح مث لً ممتازًا على هذه التبعية. وإذا قمنا بتحويل أدواتنا للدراسات المستقبلية إلى أنفسنا، فإنها تفرض علينا أسئلةً مربكة بشأن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبشأن المسار إلى المستقبل الذي تخلقه. إن تحويل عدسة التحليل إلى هابيتوس المستقبل هو سؤال المرء عن نفسه وتحدي الميول المتأصلة لدى المرء وفهمه الذاتي لما يشكل ممرسات دراسات مستقبلية جيدة. ويفرض فعل التشكيك

  1. كورت لوين ((1890 Lewin) 1947-Kurt) عالم نفس ألماني أمريكي، يُعرف بأنه أحد الرواد المعاصرين في علم النفس الاجتماعي والتنظيمي والتطبيقي في الولايات المتحدة الأميركية. (المترجم)
  2. الهابيتوس" (Habitus) من أشد المفاهيم تعقيدًا في العلوم الاجتماعية، ويتمثل في العادات والمهارات والتصرفات المتأصلة اجتماعيًا، والتي يدرك بها وعبرها الأفراد العالم الاجتماعي من حولهم ويتفاعلون معه. ويعرّفه بيير بورديو (Bourdieu Pierre) بوصفه أنظمة التصرف الدائم والقابل للنقل، كهياكل مُهيكَلة مهيّأة للعمل. (المترجم)

في ممرساتنا الإدراك بأن الهابيتوس يوفر الاطمئنان والثقة في قدرات الفرد التي تخفي تشابه السلوكيات والمعتقدات. على مستوى الممرس، يفتح استخدام نظرية هابيتوس المستقبلات لوصف ممرساتنا مساراتٍ للفهم لتغيير شيء دائم بقدر ما هو المستقبل المقبول. وفي كثير من الحالات، قد يجبرنا ذلك على تجاهل المبادئ الأساسية التي تدعم هذه الرؤية للمستقبل. على المستوى الشخصي، في المرة القادمة التي سأستخدم فيها تطبيق البقالة، أحتاج إلى التفكير باستمرار في هذه العلاقة لفهم كيفية تشكيل طبقات التأثير العديدة لسلوكياتي المستقبلية. وتفتح عملية التفكير مسارات لأنماط جديدة لفهم من يخدمه المستقبل، وتشجع طرقًا بديلة لاستكشاف مستقبل تتشابك فيه التكنولوجيا والإنسانية والكوكب الأرضي في شراكة من أجل البقاء.