العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جذور التغير المناخي الرأسمالية ومستقبلاته

جذور التغير المناخي الرأسمالية ومستقبلاته

Capitalist Roots of Climate Change and its Futures

هيئة التحرير

الملخّص

Daniel Nyberg, Christopher Wright & Vanessa Bowden Organising Responses to Climate Change: The Politics of Mitigation, Adaptation and Suffering Cambridge, Cambridge University Press, 2023, 243 p.

Abstract

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل الرقم التعريفيDOI https://doi.org/10.31430/MMOH3815

الرقم التعريفيDOI https://doi.org/

قراءة نقدية في كتاب: تنظيم الاستجابات للتغير المناخي: سياسات التخفيف والتكيف والمعاناة

Organising Responses to Climate Change: The Politics of Mitigation, Adaptation and Suffering

تزايدت خلاال العقدين الماضيين الأدبيات المتعلقة بالتغير المناخي تزايدًا ملحوظًا، إلى حدّ أن مواكبتها أصبحت شبه مستحيلة. وتناولت هذه الأدبيات موضوعة التغير المناخي من مناظير متعددة، تخصّ علوم المناخ والاقتصاد والعلوم الاجتمعية والعلوم الإنسانية والخيال العلمي، وغيرها. وإن كُتب الكثير عن التغير المناخي، فإنه لم يُكتب الكثير عن إمكانات الاستجابة لمعضلة التغير المناخي في ظلّ استمرار مسبّباتها في المستقبل. من هنا، تظهر أهمية هذا الكتاب الذي يومضع التغير المناخي في سياقه الرأسملي، دارسًا قدرة هذا النظام على الاستجابة لمعضلة التغير المناخي واجتراح أجوبة متسقة، من عدم قدرته على ذلك ووجوب تبلور نظام عالمي جديد أكثر إنصافًا وأكثر استدامةً بيئية.

هذا الكتاب

يتناول الفصل الأول من الكتاب سياسات التغير المناخي، مبرزًا أن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية يمثّل "الق يضة الأشد إلحاحًا التي تواجه الجنس البشري" (ص 3). ويؤكد المؤلفون الثلااثة دان ييل نايبيرغ وكريستوفر رايت وفانيسا بودن أن الرأسملية العالمية، التي تعتمد على "السعي الحثيث لمواصلة النمو الاقتصادي واستهلااك الطاقة الأحفورية على أساس مركّب إلى ما لا نهاية infinitum ad" (ص. 4) هي المحرك العام لأزمة المناخ، وهو الموقف الذي اتخذه سابقًا العديد من الأكاديميين الراديكاليين1. والأهم من ذلك أن المؤلفين يحددون الجهات الفاعلة الرئيسة في العلااقة بين الرأسملية والتغير المناخي، وهي الشركات المتعددة الجنسيات، والمؤسسات المملوكة للدولة، والحكومات المتحالفة والأحزاب السياسية، والمؤسسات الداعمة مثل مجامع التفكير، ومكاتب الاستشارات، ووسائل الإعلاام، "والتي تعتمد قوتها ومواردها المالية على إدامة النمو الاقتصادي بأي ثمن" (ص. 4). وهم يعدّون أن جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) قد مثّلت فرصةً للتشكيك في مسار "العمل كالمعتاد" للنمو اللاامتناهي والطاقة الأحفورية، "وكشفت عن الضعف الكامن في الاقتصاد المعولم والمترابط أمام اضطرابات العالم الطبيعي" (ص. 5)، ولو فترة وجيزة فحسب. بيد أن الحكومات المختلفة عبر أنحاء العالم لم تنتهز هذه الفرصة، وفقًا للكتاب، ولا تزال تواصل تمويل مشاريع الوقود الأحفوري؛ بل أكثر من ذلك، تصاعد هذا الاعتمد على الوقود الأحفوري مع تزايد حدة

  1. ا ينظر مثال: H.A. Baer, Global Capitalism and Climate Change: The Need for an Alternative World System (Lanham, MD: Lexington Books, 2021); D. Weston, The Political Economy of Global Warming: The Terminal Crisis (London: Routledge, 2014); M. Koch, Capitalism and Climate Change: Theoretical Discussion, Historical Development and Policy Responses (New York: Palgrave Macmillan, 2012); N. Klein, This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate (London: Allen Lane, 2014).

التوترات نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا2. وفي حين أن الالتزامات التي قدمتها العديد من الحكومات والشركات في السنوات الأخيرة تظلّ غير واضحة المعالم بشأن الحياد الكربوني أو تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، يلااحظ المؤلفون أن الرأسملية لا تزال مدمنةً على الوقود الأحفوري في سعيها لتحقيق النمو الاقتصادي. في هذا السياق، يؤكد المؤلفون أن مفهوم هيمنة الوقود الأحفوري "يفسر العملية التاريخية للااستراتيجيات السياسية التي أدت إلى المأزق الطويل الأمد بشأن التغير المناخي" (ص. 24). وبالاعتمد على إعادة صياغة إرنستو لاكلااو وشانتال موف لمفهوم أنطونيو غرامشي (Gramsci Antonio) عن الهيمنة3، فإن المؤلفين الثلااثة يجادلون في أن الاختلااف يسمح لمشاريع الهيمنة ب "الربط بين المطالب والمصالح غير المتجانسة في التشك لايت المتغيرة باستمرار" (ص. 28). فصناعة الوقود الأحفوري تضم، في جوهرها، مجموعة واسعة من الشركات المتنافسة، مع مشاركة بعضها، مثل شركتي بريتيش بتروليوم (BP) وشل (Shell)، في مشاريع الطاقة المتجددة، وإن كان ذلك على نحوٍ محدود. وفي إطار سعيها للاالتزام بتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050 (ص. 34)، يلااحظ نايبيرغ ورايت وبودن أن الاستجابات السائدة للشركات والحكومات لأزمة المناخ تمنح الأولوية للزمن على حساب المجال، ومن ثمّ، هي في جوهرها تفضل "حقوق هؤلاء الذين يعيشون اليوم على حساب الأجيال القادمة" (ص. 37)، وتضفي القيمة على "ثروة الشمل العالمي على حساب رفاهية السكان في الجنوب العالمي" (ص. 37) في الفصل الثاني "سياسة التخفيف من آثار المناخ"، يؤكد المؤلفون أن إزالة الكربون "ستستلزم خفض الانبعاثات ل سي فقط في إنتاج الطاقة، بل أيضًا في النقل والتصنيع والعمليات الصناعية والزراعة وإنتاج الغذاء" (ص. 42)، إلى جانب إنهاء "إزالة الغابات وتدمير أحواض الكربون المهمة الأخرى" (ص. 42)، بسرعة فائقة. وبدلًا من ذلك، يزعم المؤلفون أن شركات الوقود الأحفوري حاولت تشكيل الرأي العام بحيث يُنظر إليها على أنها تتّسم بسمة المواطنة المسؤولة؛ وتسلط الحملاات التسويقية والإعلاانية البارعة الضوء على "الفوائد المزعومة التي توفرها للمجتمعات الفقيرة والهامشية" (ص. 46). ففي جميع أنحاء العالم، سعت صناعة الوقود الأحفوري والحكومات إلى تحديد التحول من الفحم إلى استخراج الغاز بوصفه استراتيجية انتقالية لتخفيف الانبعاثات، وأصبحت الشركات من مختلف الأنواع تدرك أن التأثيرات المناخية ستؤثر في عملياتها.

  1. وهو ما تؤكّده مفارقة أن أكبر مجموعة من المندوبين في المؤتمر السادس والعشرين للأطراف (COP26)، الذي عُقد في غلااسكو الإسكتلندية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، كانت وافدةً من قطاع الوقود الأحفوري.
  2. E. Laclau & C. Moufee, Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic Politics (London: Verso, 1985).

إزاء هذه التحديات، ومن خلاال العمل على هامش السياسات المناخية، تجدر الإشارة إلى أنّ حركة مناخية عالمية برزت منذ عام 19894. وفي المقابل، يزعم نايبيرغ ورايت وبودن أن موجةً ثانية من الحركة المناخية العالمية قد ظهرت في أعقاب اتفاقية باريس لمؤتمر الأطراف لعام 2015، والتي سعت إلى الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى درجتين، أو في أحسن الأحوال إلى درجة ونصف الدرجة. وقد انضمّت هذه الموجة الثانية إلى الجهات الفاعلة المحافظة، مثل "الصندوق العالمي للحياة البرية")World Wildlife Fund, WWF(5، و"منظمة  "350.org6، و"نادي سييرا)Sierra Club("7. يحدد المؤلفون حركة "تمرد ضد الانقراض" (XR Rebellion, Extinction)8، وحركة "أيام الجمعة من أجل المستقبل" (Future for Fridays)9، بوصفهم تمثلاان تحديًا ل "السياسات اليومية وغير الفعالة للتغير المناخي" (ص. 76)، ومن ثمّ كونهم في جوهرهم "إعادة بناء ما يُنظر إليه على أنه "الأرضية الوسطى" لسياسات المناخ من خلاال تطوير سياسات الجناح الجذري" (ص. 76). وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في حين أن هاتين المجموعتين كانتا فعالتين للغاية في تعبئة الاحتجاجات المناخية في جميع أنحاء العالم، على الأقل قبل جائحة (كوفيد 19-)، فإنهم كانتا تم لاين إلى أن تكونا غامضتين إلى حد ما في تحدي الرأسملية على نحو مباشر، بعكس مجموعات "العمل المباشر" السابقة، مثل "معسكرات المناخ" (Camps Climate) في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا، والمتظاهرين المناهضين لشركات الطيران مثل جمعة "الطائرة الغبية" (Stupid Plane)10، وحصار خط أنابيب (XL Keystone) في الولايات المتحدة الأميركية في عام 2012، والحركة الألمانية "نهاية القصة" (Gelände Ende)11 (ص 74). غير أنّ نايبيرغ ورايت وبودن يفشلون في التم ييز بين الحركات المناخية التي تركز على التحديث البيئي، وخاصة استبدال الوقود الأحفوري بمصادر الطاقة المتجددة، وحركات العدالة المناخية الأصغر التي تدعو إلى "تغيير النظام، ول سي التغير المناخي"، والتي تضم في صفوفها الاشتراكيين البيئيين والفوضويين البيئيين.

  1. J. Camilleri & J. Falk, Worlds in Transition: Evolving Governance across a Stressed Planet (Cheltenham: Edward Elgar, 2010).
  2. منظمة دولية غير حكومية تأسست في عام 1961، بغرض حماية البيئة والتنمية المستدامة، وهي إحدى أهم المنظمات البيئية غير الحكومية في العالم، وتعمل في أكثر من مئة دولة، وتستفيد من 12 ألف برنامج لحماية الطبيعة منذ إنشائها.
  3. منظمة (350.org) هي منظمة بيئية دولية غير حكومية، تأسست في الولايات المتحدة الأميركية في عام 2007، لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، وعُرفت على نحوٍ خاص بمعارضة مشروع خط أنابيب النفط (Keystone) ومن أجل تعزيز سحب الاستثمار في الطاقة الأحفورية
  4. جمعية بيئية أميركية تعدّ من أقدم المنظمات غير الحكومية المكرسة لحماية البيئة؛ إذ تأسست في سان فرانسيسكو عام 1892، وجرى منذ ذاك الحين توسيع نطاق عملها إلى دعم مجموعة من تدابير السياسة البيئية.
  5. حركة بيئية عالمية هدفها المُعلن هو اللجوء إلى العصيان المدني السلمي لإرغام الحكومات على اتخاذ إجراءات لتجنب نقاط التحول في النظام المناخي، وفقدان التنوع الحيوي، وخطر الانهيار البيئي والاجتماعي.
  6. حركة دولية للشباب الذين يغادرون مدارسهم، عادةً في أيام الجمعة أو في بعض الأحيان الخم سي، للمشاركة في المظاهرات المؤيدة للعمل ضد ظاهرة الاحتباس الحراري.
  7. مجموعة بريطانية من المتظاهرين البيئيين تأسست في عام 2005، وتهدف إلى الحدّ مما تعتبره رحلاات جوية "غير ضرورية وغير مستدامة".
  8. حركة عصيان مدني اجتماعية ألمانية تهدف إلى التحذير من الإجراءات التي تعزز تغير المناخ، لا سيما تعدين الفحم، وإلى العدالة المناخية.

في الفصل الثالث "سياسة التكيف مع المناخ"، يرى المؤلفون أن الشركات تواصل ممرسة "تأثير كبير في القرارات الحاسمة التي سيتخذها المجتمع حول أفضل السبل لمواجهة تحديات كوكب أشدّ حرارة، وغير مستقر، وغير م يضاف على نحوٍ متزايد" (ص 88). ويؤكدون أن الشركات تعمل باعتبارها "الجهات الفاعلة الرئيسة في كيفية صياغة سياسات التكيّف مع المناخ وسنّها" (ص. 95)، وهي عملية تسهّلها الحكومات ووسائل الإعلاام. وتشمل مجموعة أشكال التكيف "الصديقة للشركات" التي يقدمونها تركيز الصناعات الهندسية والاستشارية على "بناء قدرٍ أكبر من القدرة على الصمود في أكبر مدن العالم"، والأشكال المختلفة لرأسملية الكوارث (ص. 101). ويشمل ذلك أيضًا أنشطة شركات النفط والغاز في القطب الشملي (ص. 103)، والتأطير الإيجابي لروسيا للااحتباس الحراري باعتباره وسيلة لفتح التندرا السيبيرية أمام التوسع الزراعي (ص. 103)، والهندسة الجيولوجية (ص. 105)، و"سباق الفضاء" بين أكبر أثرياء العالم جيف بيزوس (Jeff Bezos) وإيلون ماسك (Musk Elon) (ص. 106)، وهم مليارديران أعربا، إلى جانب بيل غيتس، عن التزاماتهم تجاه التكيف مع المناخ. يقول نايبيرغ ورايت وبودن إنه في حين أن المجتمعات الضعيفة تعاني تأثير "الانهيار البيئي" (ص. 109)، في شكل عواصف شديدة وف ضيانات وأعاصير وحرائق غابات وجفاف، فإن وسائل الإعلاام تميل إلى التقليل من دور التغير المناخي في تقاريرها عن الظواهر الجوية الحدّية؛ ومن ثمّ فهم يؤكدون أن "الطبيعة المحلية لمبادرات التكيف" تجعل هذه المجتمعات "عرضة لنقص الموارد، والفساد المحتمل، والتف لايضت القصيرة المدى، والقيود الهيكلية الأخرى" (ص). 116 يجادل الفصل الرابع "سياسة المعاناة المناخية" في أنّ الشركات نفسها قوى من أجل الخير في الدفاع عن نفسها ضد انتقادات المنظمت غير الحكومية وناشطي المناخ، ويناقش كيفية اختيار بعض المنظمت غير الحكومية من خلاال تأكيدات الشركات، كم حدث عندما قبل الصندوق العالمي للطبيعة تبرعًا بقيمة 100 مليون دولار من مؤسس أمازون جيف بيزوس (ص. 139). ويدرس المؤلفون تحدّي الأشخاص المتأثرين سلبيًا بالتغير المناخي والدمار البيئي وصفهم بأنهم ضحايا لا حول لهم ولا قوة، من خلاال "جعله محركًا محتمالًا للتعبئة الديمقراطية" (ص 147). وقد استخدم ممثلون عن هذه المجتمعات فعاليات مؤتمر الأطراف منصةً للتعبير عن ق يضتهم. ومن خلاال القيام بذلك، فإن "المجتمعات التي تقف في طليعة تأثيرات التغير المناخي قد أدت بطرق لا يمكن تجنبها إلى استمرار الظلم وتداعيات النتائج على هيمنة الوقود الأحفوري بأكملها بلاا هوادة" (ص. 157) وأخيرًا، في الفصل الخامس "سياسات مستقبل المناخ"، يدرك المؤلفون أن "مجرد تنفيذ الطاقة المتجددة على نطاق واسع لا يؤدي بالضرورة إلى قطع الروابط بين الضرر البيئي والأسس المبنية التي تقوم عليها الرأسملية" (ص. 171). ويجادلون في أنّ، على النقيض من الهدف الرأسملي الأخضر المتمثل في فصل النمو الاقتصادي عن التلوث والانبعاثات، "خفض النمو يدعو إلى نوع مختلف تمامًا من الاقتصاد، ينبغي فيه للمجتمعات الغنية إعادة هيكلة نفسها للحدّ من آثارها البيئية" (ص. 174). ويبرزون أن بعض

المدافعين عن خفض النمو، مثل جيسون هيكل12، يدافعون عن نظام عالمي ما بعد الرأسملية، في حين يعتقد آخرون مثل سيرج لاتوش13، أحد رواد حركة خفض النمو، أن خفض النمو يمكن تحقيقه ضمن المعايير الرأسملية14. ويؤكد نايبيرغ ورايت وبودن، في دعوتهم إلى ديمقراطية أعمق، أو ما يسمونه "ديمقراطية الطاقة" (Democracy Energy)، أنّ هناك حاجة إلى مشاركة "المجتمعات" المباشرة في إدارة الطاقة وزيادة مشاركتها في القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستهلااك (ص. 179)

أزمة التغير المناخي من منظور غراميش

يجادل المؤلفون، على نحوٍ مقنع، في أن النظام العالمي لرأسملية الشركات هو المحرك الأساسي للأزمة المناخية التي يشهدها العالم. ويستخدمون مفهوم غرامشي للهيمنة لتأطير كيفية استمرار النظام من خلاال تعزيز الأطر التي تكون فيها الجهات الفاعلة الاقتصادية والسياسية المهيمنة، التي تعمل ضمن الهياكل والعمليات القائمة، قادرةً على إدارة الأزمة، مع بعض التعديلاات المتواضعة؛ فأيديولوجيا الهيمنة وهياكل السلطة الناتجة من ذلك تشوّه أسباب الكوارث والمعاناة الحالية ونطاقها وتقلل من شأنها، وتستبعد الأصوات الأشد انتقادًا، في حين تخفي التناقضات الأساسية بين النمو الاقتصادي الدائم وحدود الكوكب الأرضي. يصيب المؤلفون في اصطفاء الإطار النظري لأنطونيو غرامشي؛ إذ إنّ قدرة الرأسملية على مواجهة أزمة المناخ تصلح، على نحو جيد، لتحليل غرامشي، لأن فكرة الهيمنة تنقل استقرار التكوينات الاجتمعية والاقتصادية، فضالًا عن احتمل حدوثها. وفي حين أن القدرة المجتمعية والبيئية على المواجهة تعدّ عمومًا صفة إيجابية، فإن هيمنة الوقود الأحفوري تشير إلى القدرة على المواجهة المختلة والضارة لنظامنا الحالي. وتنشأ هذه القدرة على المواجهة من تحالف القوى الاقتصادية والسياسية والإعلاامية التي تربط شبكةً من الجهات الفاعلة التي تكتسب الشرعية من خلاال التأكيد على القيادة الأخلااقية والفكرية وإسقاط مصالحها الخاصة باعتبارها تطلعاتٍ عالميةً. يعتمد الكتاب على التأويل ما بعد البنيوي لغرامشي للااكلااو وموفي، الذي يؤكد على الأبعاد الخطابية والثقافية للهيمنة، بيد أنه يُهمل التفاعل الجدلي مع العناصر المادية والاقتصادية. وهذا أمر ينتقص من منظور الكتاب وسويّته، لأن هيمنة الوقود الأحفوري لا تعتمد فقط على المعادلات والاختلاافات الخطابية، بل تعتمد أيضًا على التكنولوجيات المهيمنة، والبنية التحتية، ونماذج الأعمل في مجالات النقل، وإنتاج الطاقة، وغير ذلك من القطاعات. وإن كان الكتاب يناقش قوة الشركات الرأسملية الكبرى

  1. Jason Hickel, Less Is More: How Degrowth Will Save The World (London: Windmill Books, 2021).
  2. Serge Latouche, La Décroissance, coll. "Que sais-je? (Paris: PUF, 2019).
  3. John B. Foster, Capitalism in the Anthropocene: Ecological Ruin or Ecological Revolution (New York: Monthly Review Press, 2022).

ومصالحها، فإن ثراء مفهوم غرامشي للهيمنة ي يضع في عرض لاكلااو وموفي الأحادي البعد؛ فتضمين النقاش العناصر المادية والاقتصادية للمنظومة الرأسملية يمنح نظرةً ثاقبة للتوترات والتناقضات والديناميات المحيطة بأزمة المناخ، وإمكانية قيام القوى التقدمية بشنّ "حرب مواقع" تستغل هذه الشقوق وتستفيد من الاستراتيجيات السياسية والتجارية والأيديولوجية لبناء بديل. إنّ بعض كبار المستثمرين يدركون اليوم أن التغير المناخي يهدد مَحافظهم الاستثمرية، بل حتى الاقتصاد العالمي، وهم يضغطون على النخب السياسية لحملهم على اتخاذ الإجراءات اللاازمة. ويستغل الناشطون قوة رأس المال من خلاال التصويت بالوكالة، ويهددون بإقالة المديرين، ويضغطون من أجل الكشف عن المخاطر المرتبطة بالمناخ. وينمو قطاع الطاقة النظيفة بسرعة فائقة إلى درجة أنه أصبح أيضًا قوة سياسية. بيد أنّ الكتاب يميل إلى رفض هذا الأمر باعتباره "غسالًا أخضر" رمزيًا يعزز في الواقع هيمنة الوقود الأحفوري. تُعتبر الثقافة والمجتمع المدني ساحتين حاسمتين لترسيخ الهيمنة في الإطار الغرامشي وتحدّيها؛ لذا نجد الكتاب يناقش تمّثلّاات المناخ في الروايات والأفلاام والتلفزيون، لكنه ينتقدها باعتبارها "مشهدًا مناخيًا" يعزز السياسات السلبية للمعاناة والشفقة، ويمثل شكالًا من أشكال "رأسملية الكوارث" التي تحافظ على هيمنة الوقود الأحفوري على نحوٍ متناقض. ويزعم الكتاب أن تصوير نهاية العالم يوفر "تحويالًا خياليًا يفشل في تحدي الحتمية الكارثية لنظامنا السياسي والاقتصادي الحالي أو حتى الاعتراف بها" (ص. 143) تصف الفصول الأخيرة من الكتاب ظهور أشكال جديدة من النشاط والمستقبل المحتمل، مستندةً إلى تحليل غرامشي للأزمات السياسية. وقد جادل علمء البيئة السياسية أيضًا في أن تجاربنا مع الطبيعة يمكن أن تسهل المزيد من التغيير الأساسي، مستفيدةً من رؤية غرامشي بأن الوعي البشري و"الفطرة السليمة" يتشكلاان من خلاال التفاعلاات مع العوالم المادية والطبيعية اليومية. وبينم نتحمل الضغوط المناخية المتزايدة، سواء على نحو مباشر أو من خلاال وسائل الإعلاام، يقدم هذا الكتاب التوجيه الفكري لمساعدتنا على فهم النظام الأوسع الذي تتجلى فيه مخاطر المناخ؛ إذ إن رؤية الأزمة بوضوح، "من دون أوهام ولكن من دون أن نصاب بخيبة أمل"، على حد تعبير غرامشي، يمكن أن تدفع التنظيم المضاد للهيمنة اللاازم لوضع البشرية على مسار أكثر أمالًا في المستقبل.

البيئة أو التراكم الرأسملي اللامحدود؟

السؤال الرئ سي الكامن خلف هذا الكتاب هو: هل البيئة والتراكم الرأسملي اللاامحدود نق ضيان لا يجتمعان؟ تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخرًا في مؤتمر منظمة الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (27 COP) الذي أقيم في منتجع شرم الشيخ الفاخر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، والذي أسمته الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ (Thunberg Greta) "مهرجان الهراء" (festival blah-blah-blah): "نحن على الطريق السريع المؤدي إلى جحيم المناخ

وأقدامنا لا تزال على دواسة الوقود"15. وربما، مع استمرار تزايد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المستقبل القريب، فإن ما نسميه التكيف هو مجرد شيء يشبه الاستلقاء على كراسي الاسترخاء على متن سفينة تايتانيك قاربت على الغرق. فسواء تكيّفنا أم لا، فإن ما يخبئه لنا المستقبل جميعًا هو المعاناة المناخية، كم ورد في الفصل الرابع بعنوان "سياسة معاناة المناخ". في حين تعتقد حفنة من الرأسمليين الذين اشتروا الأراضي (بما في ذلك المخابئ) في جزيرة نيوزيلندا الجنوبية (جزر الزلزال)، والذين يحلمون أيضًا بالحياة في الفضاء أو على كوكب المريخ، أنهم قادرون على تجنب المعاناة بهذه الطريقة. ينبغي لنا أن نعود في هذا الصدد على بدءٍ بالحقيقة البديهية التي استُهلّ بها الكتاب: "إن أزمة المناخ هي نتاج اقتصاد سياسي محدد: الرأسملية العالمية [...] تعتمد الرأسملية على السعي الحثيث لتحقيق النمو الاقتصادي المستمر والطاقة الأحفورية" (ص. 4). ومع ذلك، فإن الأسطورة النيوليبرالية حول النمو اللاامتناهي لا تزال جزءًا من التلقين الأيديولوجي الرأسملي، على الرغم من أن الجميع أصبحوا متأكدين اليوم أن هذا الأمر أضحى مستحيال16. ومن غير المنطقي تبعًا لذلك أن نستمر في ترويج أسطورة النمو الذي لا نهاية له على أرض لا نهاية لها17. بل هناك ما هو أسوأ من ذلك، إذ نقرأ في بداية الكتاب: "بحلول عام 2021، كان من الواضح أن الممرسات التجارية الحالية لن يجري تحدّيها [...] وبحلول آب/ أغسطس 2021، من أصل 1950 مليار دولار أنفقتها دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على التعافي [من الأزمة البيئية]، جرى تق ييم 336 مليار دولار فقط على أنها ذات تأثير بيئي إيجابي" (ص. 6). وهو ما يندرج ضمن ما يسميه المؤلفون "الغسل الأخضر" للشركات، وهو سبب وجود أيديولوجيات مثل أخلااقيات الأعمل والمسؤولية الاجتمعية للشركات، في حين أنّ الشركات السبع الكبرى التي تسمى "الأخوات السبع الشريرات" (بي بي BP، وشل Shell، وغولف أويل Oil Gulf، وستاندرد أويل أوف كاليفورنيا California of Oil Standard، وستاندرد أويل أوف نيوجيرسي Jersey New of Oil Standard، وستاندرد أويل أوف نيويورك وتكساس Texas and York New of Oil Standard)، هي الشركات الأشد ثراءً وقوة في العالم (ص. 10)، وهي أيضًا، وللأسف، الأكثر تدميرًا للبيئة، تحت غطاء أيديولوجيا السوق الحرة والمنافسة. بطبيعة الحال، أدى هذا إلى ما يسميه المؤلفون "هيمنة رأسملية الشركات" (ص. 21)، و"هيمنة الوقود الأحفوري" على الصعيد العالمي (ص. 23). وقد شكلت هذه الهيمنة السائدة "إرادة جمعية" حقيقية،

  1. António Guterres, "Secretary-General's Remarks to High-Level Opening of COP27," UN Secretary-General (7 November 2022), accessed on 12/11/2023, at: https://rb.gy/ou0oa9
  2. وقد عرفنا ذلك بوضوحٍ وجلااء منذ الدراسة المرجعية لنادي روما في أوائل سبعينيات القرن الماضي: Donella Meadows et al., The Limits to Growth: A Report for the Club of Rome's Project on the Predicament of Mankind (New York: Universe Books, 1972).
  3. وهو ما أعاد نادي روما التأكيد عليه بعد مرور خمسين عامًا على تقريره المرجعي في عام:1972 Club of Rome, "The Limits to Growth+50," accessed on 11/11/2023, at: https://rb.gy/pkyf9t

بلغة غرامشي، لغزو البلدان التي تمتلك النفط، وفي حالات أخرى، للتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من البلدان المنتجة للنفط. في أعقاب كل هذا، أنشأت الشركات "صناعة إنكار تغير المناخ" العالمية (ص. 44)، التي تضم أساتذة كليات إدارة الأعمل، الذين يتقاضون أجورًا جيدة، ومستشاري الشركات، ومراكز الأبحاث المحافظة، وبالطبع وسائل الإعلاام المهيمنة. ول سي من المفاجئ في هذا الصدد أن نرى رجل الأعمل الملياردير ريتشارد برانسون يدّعي أنّ "خيارنا الوحيد لوقف التغير المناخي هو أن تجني الصناعة الأموال منه" (ص. 51). وبتعبير آخر، يرى هذا المنظور الرأسملي أنّ النظام الذي يجعلنا نقترب أكثر فأكثر من الانقراض الجمعي السادس18، ومن نهاية الحياة على كوكب الأرض، هو أيضًا النظام الذي سيخرجنا من نهاية العالم القادمة. ومن ثمّ، ل سي غروًا أن نجد أن منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" قد وصفت الناشطة البيئية غريتا ثونبرغ وأمثالها، باتساق مع هذا المنظور، بأنهم "ربما يشكلون أكبر تهديد لصناعتنا في المستقبل" (ص. 64)، علمًا أن منظمة أوبك ذاتها قد تكون من أعظم التهديدات التي تواجه الاستدامة البيئية، على اعتبار أنها وشركاتها وضعتنا على الطريق السريع المؤدي إلى تفاقم التدهور البيئي، وفق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة، من دون أي إجراءات ملموسة تسمح للبشرية "لرفع قدمها على دواسة السرعة". وباتساق مع هذا المنظور الرأسملي غير المستدام، أيضًا، نجد أن شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة أدرجت حركة "التمرد ضد الانقراض بوصفها أيديولوجيا متطرفة" (ص. 80)، في حين أنها إحدى ثلااث منظمت بيئية يقترح مؤلفو الكتاب تقديم الدعم لها، إلى جانب منظمة "أيام الجمعة من أجل المستقبل"، و"منظمة (350.org)" (ص. 67)، ربما استعدادًا لما سيأتي مع احتدام الصراع بين أرباح الشركات وأولئك الذين يكافحون ظاهرة الاحتباس الحراري، كم هو الحال عندما تبدأ الأساليب المعتادة لرأسملية المراقبة في الانهيار19، وتبرز الحاجة إلى قوة شرطة مسلحة جيدًا بقدر ما تكون هناك الحاجة إلى أيديولوجيا مفيدة لإبقاء الناس غير مدركين للرهانات الحقيقية، الآنيّة والمستقبلية. يضاف إلى ذلك اتهام منظمة "السلاام الأخضر" (Greenpeace) "بارتكاب أعمل إرهابية تنتهك القانون الوطني الأميركي" (ص. 80) يتمثل الدور الأساس للدولة ولسياساتها العامة، في رأي المؤلفين، ضمن المنظومة الرأسملية التي تجعل من هو ثريًا أشد ثراءً ومن هو فقير أشد فقرًا، وتجعل الأثرياء فاحشي الثراء، في حمية الشركات الكبرى، "من خلاال استهداف دعاة حمية البيئة باعتبارهم متطرفين وإرهابيين، تهدف الشركات إلى صرف الانتباه

  1. Malcolm L. McCallum, "Turtle Biodiversity Losses Suggest Coming Sixth Mass Extinction," Biodiversity and Conservation, vol. 30, no. 5 (April 2021), pp. 1257-1275.
  2. Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: Public Affairs, 2018).

عن الضرر الناجم عن أنشطتها الخاصة" (ص. 81)20. يضاف إلى ذلك استراتيجية أخرى للعلااقات العامة تتمثل في توهّم أن ظاهرة الاحتباس الحراري يمكن إدارتها من خلاال "التكيف مع المناخ" (ص. 89). وفي المقابل، ادعى كثيرون أن الوقت قد فات بالفعل21. في المقابل، يقدم المؤلفون دليالًا يدحض هذه الأيديولوجيا يتمثل في "الصيف الأسود في أستراليا لعامي 2019 و 2020 [الذي قتل] ثلااثة مليارات حيوان" (ص. 92). فقد كانت مجرد علاامة مبكرة على "عصر البيروسين" (Pyrocene)، أو "عصر النار" الذي يلوح في الأفق22. وفي الوقت ذاته الذي تواجه فيه الأرض زيادات في حرائق الغابات، فإن "المناطق الساحلية معرّضة لارتفاع منسوب مياه المحيطات [التي تهدد] المدن الساحلية الكبرى مثل ميامي ونيويورك وشانغهاي ومومباي وجاكرتا" (ص. 93)، وأكثر من ذلك بكثير. ومع ذلك، يظل هذا الأمر غير معروف في الغالب لعامة الناس، أو يجري التقليل من شأنه. أضف إلى ذلك أنّ المنظومة الرأسملية تفلح في تحويل التغير المناخي لمصلحتها. وفي هذا الصدد، يبرز أحد أهم سطور هذا الكتاب في أن "المفارقة الكبرى، بالطبع، هي أنه بعد أن شاهدنا ذوبان القطب الشملي مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، كانت شركة شل هي الأولى في الصف للتنقيب في المياه الذائبة حديثًا من أجل المزيد من النفط، ما قد يؤدي إلى رفع درجة الحرارة أكثر" (ص. 103) عمليًا، كل عمليات التكيف هذه، بما في ذلك توسّع شركة شل في مجال الحفر ورفع منصات الحفر الموجودة في المحيطات، جرى تصميمها أيضًا سياسةً "لتثبيت علااقات القوة المهيمنة" (ص 114). ويتم ذلك جزئيًا بمساعدة وسائل الإعلاام الرئيسة من خلاال ترويج "الجهل بالتغير المناخي" (ص. 118). إذ لا يزال "من الممكن إخفاء تدمير الرأسملية للعالم الطبيعي عن الرأي العام" (ص. 131)، أو تأطيره على أنه مجرد كارثة طبيعية أخرى، على الرغم من أن الأمر أصبح أصعب بفعل تزايد الاحترار العالمي وتكرر الكوارث الطبيعية الناجمة عنه على نحوٍ يصعب إخفاؤه. والأسوأ من ذلك، أن هناك شركات تقدّم "خلوات [بتكلفة] 520 يورو و 820 يورو من أجل تكيفك الشخصي [مع التغير المناخي]" (ص. 122). والأمر الأشد فداحةً أن "المعاناة المناخية [...] يجري تقديمها بوصفها مساحة للأعمل الخيرية" (ص. 145). وبطبيعة الحال، يمكن أن يتفاقم كل هذا بسبب ما يسميه المؤلفون "نفاق الفنانين أو المشاهير الذين يؤيدون العمل المناخي بينم يسافرون حول العالم أو يعيشون أنماط حياة مترفة" (ص. 153).

  1. وقد كانت هذه استراتيجية علااقات عامة مؤسسية عريقة ومثبتة منذ كتاب راشيل كارسون الربيع الصامت: Rachel Carson, Silent Spring (New York: Houghton Mifflin, 1962).
  2. George Monbiot, "An English Coast Reveals a Mass Extinction," Guardian Weekly, vol. 207, no. 20 (2022), pp. 45-46.
  3. Stephen J. Pyne, The Pyrocene: How We Created an Age of Fire, and What Happens Next (Oakland, CA: University of California Press, 2022).

على سبيل الختم

ينتهي الكتاب بالكلمت التالية: "يظلّ العالم منغلقًا داخل نظام اقتصادي يعرّض مستقبل المجتمعات والنظم البيئية والتنوع الهائل للحياة على هذا الكوكب للخطر. وفي حين أن هناك مسارات واضحة يمكن اتباعها لتقليل الضرر والدمار الذي ستجلبه أزمة المناخ المتفاقمة، لا يزال يتعين علينا أن نرى ما إذا كانت التكوينات السياسية والاقتصادية المهيمنة الحالية قادرةً على إعادة تنظيم نفسها بالقدر الكافي لتجنّب الكارثة" (ص. 194). بيد أن الهيمنة السائدة للشركات الكبرى تجعل المنظمة الرأسملية تستمر في الترويج لنمط "تفكيرٍ سحري" تذوي من خلااله الأزمة المناخية من تلقاء نفسها. ومَن يبيعون لنا هذا النوع من التفكير السحري هم أنفسهم أولئك الذين وضعونا على الطريق السريع المؤدي إلى تفاقم التغير المناخي "وأقدامهم لا تزال على دواسة الوقود". في الحصيلة، يفلح كتاب "تنظيم الاستجابات للتغير المناخي" في سرد قصة ظاهرة الاحتباس الحراري في إطارها العام الرأسملي، وكيفية استخدام الهيمنة الرأسملية العالمية للتمويه على ما يجري فعله وما سيأتي. بيد أنه يظل مقتضبًا جدًا بالنظر إلى الهدف الذي سطّره لنفسه في الأصل، وهو تنظيم الاستجابات للتغير المناخي في المستقبل. فالكتاب عمومًا لا يقدم الكثير فيم يتعلق بتنظيم الاستجابات لظاهرة الاحتباس الحراري في المستقبل، باستثناء بضع صفحات قصيرة، يقترح فيها المؤلفون على الأشخاص الانضمم إلى ثلااث منظمت بيئية: منظمة "أيام الجمعة من أجل المستقبل"، وحركة "تمرد ضد الانقراض"، ومنظمة (350.org). وعلى الرغم من هذا القصور، يظلّ الكتاب دعوةً مقنعةً لمحاربة النظام المهيمن الذي من شأنه أن يدمر الكوكب الأرضي في المستقبل. ويحدد الكتاب، باتساق مع المنظور الغرامشي، ثلااثة مسارات ظهرت مؤخرًا لتعيد صياغة أزمة المناخ وتتصارع معها، وهي ما يسمونه "التحولية" (Transformismo)، و"القيصرية" (Caesarism)، و"الانشقاق" (Scission). تتطلب التحولية دمج السكان في نظام مهيمن، ومن ثمّ، على الأقل في المجتمعات الغربية، بناء "تكافؤ بين اقتصاد نمو أكثر 'استدامة' والاستهلااك الفردي" (ص. 186). وفي هذه العملية، تحاول الشركات والحكومات إقناع الناس بأن "الفحم النظيف" والغاز الطبيعي يعملاان أدوات لتقليل الانبعاثات مع الحفاظ على هيمنة الوقود الأحفوري. في حين تشير القيصرية إلى ظهور رجل عظيم يقدم نفسه على أنه يقدم حلولًا لوضع غير مؤكد. وهكذا، على غرار الفاشية مع موسوليني، يعتبر أنصار القيصرية شخصيات مثل دونالد ترامب، وشي جين بينغ، وفلااديمير بوتين، وجايير بولسونارو، بمنزلة الحل السحري لإخفاقات الديمقراطية. ويرى المؤلفون أنه على الرغم من أن "قادة الشركات كانوا عمومًا حذرين في تأييدهم العلني لمثل هؤلاء القادة الشعبويين، فإن الحقيقة هي أن العديد من الصناعات التقليدية استفادت إلى حد بعيد من تقليص الحمية البيئية ورفض أي شكل من أشكال رفض الانبعاثات" (ص. 188). وأخيرًا، في حين أن التحولية والقيصرية هم عمليتا هيمنة، فإن الانشقاق هو عملية مضادة للهيمنة كم يتجلى في حركة المناخ التي تشكل تضامنًا مع ضحايا الأزمة المناخية،

ول سي في الجنوب العالمي فحسب، بل أيضًا في الشمل العالمي. ويرى نايبيرغ ورايت وبودن في هذا الصدد أن هيئات مثل الحكومة اليسارية في ولاية كيرالا في الهند، والحركة الخضراء اليسارية في آيسلندا، وغيرها من الكيانات الإقليمية، "تسعى إلى ربط سياسات المناخ بالنضالات الديمقراطية، وتهدف إلى الترابط على المستوى العالمي للتفاوض بطريقة تعاونية، وخلق ديمقراطية مناخية" (ص. 191). ومن بين السيناريوهات الثلااثة، يعترف المؤلفون بأنه من الصعب تحديد أٍّيٍ منها سيسود على المدى الطويل، على الرغم من أنهم يفضلون السيناريو الثالث (الانشقاق). أصبح، إذًا، من الواضح أن الرأسملية هي المحرك الرئ سي للتغير المناخي، فضالًا عن الأزمة الاجتمعية والبيئية الأكبر23. وفي الأمد القريب، تواجه البشرية سيناريوهات مناخية بائسة، نظرًا إلى أن التدابير المختلفة للتخفيف من تغير المناخ، بدءًا من إعلاانات مؤتمر الأطراف إلى تسعير الكربون والإصلااحات التكنولوجية، والتي لم تنجح في خفض الانبعاثات على نحوٍ ملحوظ. وعلى الرغم من أن التحديث البيئي والرأسملية الخضراء يشكلاان حاليًا أجندات تخفيف مهيمنة، فإن المزيد من العلمء والناشطين يتصورون سيناريوهات مستقبلية جذرية للمناخ. إن إنشاء كوكب مستدام للبشرية والحياة غير البشرية والنباتية والأنظمة البيئية الكوكبية يتطلب تجاوزًا طويل المدى للنظام العالمي الرأسملي الحالي، والتحرك نحو نظام عالمي أكثر إنصافًا ومسؤولية بيئيًا. ويعتمد ظهور استراتيجية التخفيف هذه على رؤية لبديل من النظام العالمي الرأسملي الحالي. وفي هذا الصدد، تشكل مقترحات مثل الديمقراطية العالمية والاشتراكية البيئية الجذرية24 خطواتٍ طويلةَ المدى في خلق عالم أفضل للإنسانية وأكثر استدامةً لسكان كوكب الأرض. ويتطلب تطبيق هذه الإصلااحات الانتقالية الجذرية التكيف مع التقاليد السياسية والاقتصادية والاجتمعية والثقافية المتنوعة والظروف البيئية في المجتمعات المتقدمة والنامية على حٍّدٍ سواء.

  1. الحسين شكراني، "تحديات التغيرات المناخية والرهانات المستقبلية للتحول إلى 'الوظائف الخضراء': نقد المنظور الرأسمالي"، كتاب استشرافالسنوي للدراسات المستقبلية، العدد السابع (2022)، ص.38-11
  2. ينظر مثال:ا Kohei Saito, Marx in the Anthropocene. Towards the Idea of Degrowth Communism (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2022); Kohei Saito, Karl Marx's Ecosocialism: Capitalism, Nature, and the Unfinished Critique of Political Economy (New York: Monthly Review Press, 2017); John Bellamy Foster, Brett Clark & Richard York, The Ecological Rift Capitalisms War on the Earth (New York: Monthly Review Press, 2010); John Bellamy Foster, Marx's Ecology Materialism and Nature (New York: John Bellamy Foster, 2000); Paul Burkett, Marx and Nature: A Red and Green Perspective (New York: St. Martin's Press, 1999).

المراجع

العربية

كتاب استشراف السنوي للدراسات المستقبلية. العدد السابع). 2022(

الأجنبية

Baer, H.A. Global Capitalism and Climate Change: The Need for an Alternative World

System. Lanham, MD: Lexington Books. 2021.

Burkett, Paul. Marx and Nature: A Red and Green Perspective. New York: St. Martin's

Press, 1999.

Camilleri J. & J. Falk. Worlds in Transition: Evolving Governance across a Stressed Planet.

Cheltenham: Edward Elgar. 2010.

Carson, Rachel. Silent Spring. New York: Houghton Mifflin, 1962.

Club of Rome. "The Limits to Growth+50." at: https://rb.gy/pkyf9t

Foster, John Bellamy. Capitalism in the Anthropocene: Ecological Ruin or Ecological

Revolution. New York: Monthly Review Press, 2022.

Foster, John Bellamy, Brett Clark & Richard York. The Ecological Rift Capitalisms War on

the Earth. New York: Monthly Review Press, 2010.

Foster, John Bellamy. Marx's Ecology Materialism and Nature. New York: John Bellamy

Foster, 2000.

Guterres, António. "Secretary-General's Remarks to High-Level Opening of COP27."

UN Secretary-General. 7 November 2022. at: https://rb.gy/ou0oa9

Hickel, J. Thinking Like a Climate: Governing a City in Times of Environmental Change.

London: William Heinemann, 2020.

Klein, N. This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate. London: Allen Lane, 2014.

Koch, M. Capitalism and Climate Change: Theoretical Discussion, Historical Development

and Policy Responses. New York: Palgrave Macmillan, 2012.

Laclau, E. & C. Moufee. Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic

Politics. London: Verso, 1985.

Latouche, Serge. La Décroissance. Coll. "Que sais-je? Paris: PUF, 2019.

McCallum, Malcolm L. "Turtle Biodiversity Losses Suggest Coming Sixth Mass

Extinction." Biodiversity and Conservation. vol. 30, no. 5 (April 2021).

Meadows, Donella et al. The Limits to Growth: A Report for the Club of Rome's Project

on the Predicament of Mankind. New York: Universe Books, 1972.

Monbiot, George. "An English Coast Reveals a Mass Extinction." Guardian Weekly.

vol. 207, no. 20 (2022).

Pyne, Stephen J. The Pyrocene: How We Created an Age of Fire, and What Happens

Next. Oakland, CA: University of California Press, 2022.

Saito, Kohei. Karl Marx's Ecosocialism: Capitalism, Nature, and the Unfinished Critique

of Political Economy. New York: Monthly Review Press, 2017.

________. Marx in the Anthropocene. Towards the Idea of Degrowth Communism.

Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2022.

Weston, D. The Political Economy of Global Warming: The Terminal Crisis. London:

Routledge, 2014.

Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at

the New Frontier of Power. New York: Public Affairs, 2018.