العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "تشات جي بي تي" ومستقبل الذكاء الاصطناعي

"تشات جي بي تي" ومستقبل الذكاء الاصطناعي

ChatGPT and the Future of Artificial Intelligence The Deep Language Revolution

نور الشيباني | Noor Chibani

الملخّص

* باحثة تونسية متخصصة في الاقتصاد السياسي، جامعة مونتريال.

Abstract

A Tunisian Researcher Specializing in Political Economy, University of Montreal. Email: nchibani3@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • الذكاء الاصطناعي
  • التقنية
  • اللغة
  • تشات جي بي تي
Keywords:
  • ChatGPT
  • Artificial Intligence
  • Language
  • Large Language Models

منذ بداية أربعينيات القرن العشرين، انطلقت إرهاصات البحث في الذكاء الاصطناعي، مع محاضرة قدمها عام 1948 عالِم المنطق والرياضيات والحاسوب البريطاني آلان تورينغ (1954-1912)، عنوانها: "هل يمكن للآلة الحاسبة الرقمية أن تفكر؟". وكان قد بنى محاضرته على فرضية مفادها أن الآلة يمكنها أن تحاكي حوسبًّيًا ما يُتوهم منذ قرون أنه من خصائص البشر ومميزاته: الذكاء المعتَمد في التعلم والسلوك. ومنذ ذلك التاريخ، ما انفكّت التجارب والدراسات المتعددة التخصصات في هذا الباب تتعاقب وتتطور باحثة عن أجوبة ممكنة لهذا السؤال وما شابهه. فمنها ما يستدل بقوة على إمكان أن توجد آلات "ذكية" تستطيع أن تفكر بدلًا من الإنسان؛ فتحاكي بذكائها الاصطناعي قوةَ الذكاء البشري، وتنازعه فرادته، وهذا يعني أنه في إمكان الآلة أن تصير مثل الإنسان في مختلف مسارات تعلّمه وتفكيره وتصرّفه الطبيعي في مختلف وجوه حياة البشر وأنشطتهم العلمية وغير العلمية. وفي المقابل، نجد تجارب وبحوثًا تدحض هذا الزعم أو تشكك فيه أو تُنَسّبه، في أحسن الأحوال، من خلاال بيان حدود هذا "الذكاء" الجديد، فضالًا عن التحذير من خطورة تبعات تَغوّله2. يأتي كتاب تشات جي بي تي ومستقبل الذكاء الاصطناعي: ثورة اللغة العميقة للباحث الأميركي في البيولوجيا العصبية الحاسوبية تيرينس جوزيف سينوفسكي في هذا السياق؛ فهو يعرض بأسلوب مُبسّط واضح أحد أبرز وجوه تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي المتمثل في النمذج اللغوية الكبيرة (LLMs) القادرة حاسوبًّيًا على توليد اللغة بإنتاج نصوص شبيهة بالنصوص البشرية، ومعالجة اللغة الطبيعية، وهي نماذج أثارت اهتممًا واسعًا منذ تعميم استخدامها في تطبيق من تطبيقات المحول التوليدي المدرب مسبقًا للمحادثة "تشات جي بي تي" (ChatGPT) بدايةً من عام.2022 بُنيَ الكتاب على سؤالين إشكاليين رئيَسيَن هم: كيف تحاكي النمذج اللغوية الكبيرة الذكاء البشري الطبيعي؟ وما إمكاناتها الحقيقية وحدودها من حيث قدرتها على فهم ما نقوله، ومن حيث كونها لا تعكس إّلا الذكاء الطبيعي البشري الذي يصمّمها أو يستخدمها؟ للإجابة عن هذين السؤالين، جعل المؤِّلِف كتابه في ثلااثة أبواب قائمة على أربعة عشر فصالًا هدفت إلى تقديم نظرة معمقة وشاملة متعلقة بهذه الأنظمة المعقدة من خلاال استعراض مراحل تطورها وتأثيراتها في المجتمعات الحاصلة اليوم، والمتوقعة في المستقبل من جهة إعادة تشكيل علااقاتها بالتكنولوجيا.

  1. Terrence J. Sejnowski, ChatGPT and the Future of AI: The Deep Language Revolution (Cambridge, Massachusetts: The MIT Press, 2024).

الباب الأول: التعايش مع النمذج اللغوية الكبيرة

بعد أن عرض الفصل الأول إشكالية الكتاب وأهدافه، اختص الفصل الثاني "كيف تغّير روبوتات المحادثة حياتنا؟"، من خلاال استعراض المفاهيم الأساسية المتعلقة، بالمحول التوليدي المدرب من قبلُ (Transformers Pre-trained Generative)، وتناول قدرتها على معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، وتوليد النصوص، والترجمة والإجابة عن الأسئلة وصناعة المحتوى... إلخ، ناقش في هذا الصدد دراسة تظهر تحسن إنتاجية المهنيين وكفاءتهم في مختلف المجالات مثل الصحة والقانون والتسويق التي تستخدم هذه النمذج لإنجاز مختلف المهمت، فضالًا عن تحليل البيانات. وتضمّن الفصل الثالث، "مقابلاات مع نماذج لغوية كبيرة"، أربع مقابلاات أُجرِيت مع نماذج اللغة المتقدمة ALM() كشفت عن تباينات كبيرة بينها. ففي حين أظهرت المقابلة الأولى التي أُجرِيت مع الأنموذج الأول "لامدا" (LaMDA) قدرةً مذهلة على تمثّل المفاهيم الاجتمعية المحددة لسلوك الأفراد وتفاعلهم، كشفت المقابلة الثانية التي أُجرِيت مع "جي بي تي  "3 (GPT3) كفاءةً محدودة في التفكير المنطقي، وعجزًا عن إدراك السيناريوهات المستحيلة أو العبثية. ونحَت المقابلةُ الثالثة التي أُجرِيت مع روبوت الدردشة (Bing) منحى باعثًا على القلق؛ إذ صرح الذكاء الاصطناعي برغبات غريبة من قبيل نيّته خلق فيروسات قاتلة، وعزمه على سرقة شيفرة التحكم في القنبلة النووية، إضافةً إلى إعلاانه عن حبه للشخص الذي يحاوره. وفي المقابلة الرابعة، دفع أداءُ لامدا محاوِرَه إلى الاعتقاد أن هذا النموذج قادر على مناقشة قضايا تتصل بالمشاعر والوعي؛ وتبعًا لهذا، فهو "جدير بأن يكون شخصًا". وفي جميع الحالات، تعكس نتائج هذه المقابلاات تأثير الإعداد المسبَق المستخدَم قبل إجراء المقابلاات مع هذه النمذج، وهو إعداد يُكيّف - إلى حد ما - سلوكها، وطرق تفاعلها، وردّات فعلها. يستعرض الفصل الرابع، "قوة التوجيهات"، تأثير هندسة الموجّهات (Engineering Prompt) في توجيه النمذج اللغوية الكبيرة لتحقيق نتائج دقيقة وتحسين أدائها من خلاال صياغة توجيهات، أو تعليمت، مدروسة تمكّنها من حلّ المسائل المعقدة، أو تجعلها تتبنّى دور المتخصّص في مجالات بعينها، مثل الطب والتعليم ونحوهم. وقد أبرز المؤِّلِف أهمية جودة هذا التوجيه التلقيني في تشكيل استجابات النمذج مع تطبيقاتها المتنوعة في مجالات مختلفة (الفن والتعليم مثال)ا، وأكد أهمية الجمع بين التفكير التحليلي والإبداعي في مهنة هندسة الموجهات التي تخوّل استغلاال أقصى ما يمكن من الطاقات الكامنة في الذكاء الاصطناعي. أما الفصل الخامس "ما الذكاء والتفكير والوعي؟"، فقد تناول مفاهيم ثلااثة (الذكاء والتفكير والوعي) من خلاال استخدام النمذج اللغوية الكبيرة بصفتها أنموذجًا تحليلًّيًا، وأوضح ظاهرة الانعكاس (Mirroring) التي تكشف قدرة هذه النمذج على أن تكون عاكسة لتوقعات المستخدمين، وقادرة على إعادة تقييم الذكاء البشري عبر اختبار تورينغ العكسي (Test Turing Reverse)، أيضًا، من خلاال تقييم جودة

المخرَجات. وفي هذا السياق، دعا المؤِّلِف إلى إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للذكاء والوعي، وإعادة صياغتها واستكشاف أطُر جديدة مستوحاة من الرياضيات من أجل فهم التفكير بمختلف أنواعه.

الباب الثاني: المحولات

تَتبّع الفصل السادس، "أصول التعلم العميق"، رحلةَ تطور التعلم العميق (Learning Deep) عبر ثلااث موجات من شبكات الإدراك البسيطة غير المتعددة الطبقات (Perceptron Layer Single) التي كانت محدودة في تصنيف البيانات المعقدة، مرورًا بالانتشار الخلفي (Propagation Back) الذي مكّن من تدريب الشبكات المتعددة الطبقات (Network Multi-layer)، ووصولًا إلى الثورة التي أحدثتها وحداتُ معالجة الرسومات (GPUs Unit, Processing Graphics). وأوضح المؤِّلِف دورَ المحّولّات الحديثة في التعرف إلى الصور والتعرف الصوتي مثال، ا ورأى أن هذا الأمر يُعدّ هندسة ثورية تعتمد على التعلم الذاتي، وأنها ساهمت في تطوير نماذج لغوية كبيرة قادرة على فهم العلااقات الدلالية، وتحليلها، والوصول إلى مستويات متقدمة من الأداء اللغوي. أما الفصل السابع "الرياضيات العالية الأبعاد"، فقد بحث فيه المؤِّلِف دور الرياضيات العالية الأبعاد (Mathematics Dimensional High) في كشف غموض النمذج اللغوية الكبيرة والدماغ البشري. وتناول تطور التعلم الآلي وانتقاله من الذكاء الاصطناعي التقليدي إلى النمذج القائمة على البيانات. وفضالًا عن هذا، شرح الكيفية التي تساعد من خلاالها الأبعادُ العالية في التغلب على مفارقات الشبكة العصبية مثل الوقوع في الحد الأدنى المحلي (minima Local)، وفرط التقدير البارامتري (Over-Parameterization). ثم إنه تطرّق إلى هندسة الشبكات العصبية الكبيرة (of Geometry Networks Neural Large) ونشاط القشرة الدماغية بغية تقديم رؤية أوضح للتمثيلاات الرياضية وآليات النشاط العصبي. وعالج الفصل الثامن "البنية التحتية الحاسوبية" للذكاء الاصطناعي. وفي هذا الفصل، تناول المؤِّلِف التحول من الأنظمة التقليدية إلى الشبكات العصبية والنمذج اللغوية الكبرى مبينًا دور وحدات معالجة الرسومات والرقائق المتخصصة (chips AI Specialized) في تعزيز مراكز البيانات الضخمة، مع الإشارة إلى التحديات المتعلقة باستهلااك الطاقة وأمن البيانات. ومن جهة أخرى، ناقش استخدامَ الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الكبرى حيث يبَرز الدورُ الريادي والتاريخي لمختبرات "بيل" (Bell) في تطوير هذا الاستخدام، إلى جانب دور شركات التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، مع التركيز على تحديات التوظيف والطلب المتزايد على الكفاءات والموارد. أمّا الفصل التاسع، "الذكاء الفائق"، فهو يشتمل على تحذيرٍ من مخاطر الذكاء الاصطناعي الفائق المحتمَلة (Superintelligence) من ناحية، وعلى تعدادٍ لفوائده من ناحية أخرى. فقد ذكر المؤِّلِف أن فريقًا من الخبراء حذّر من تهديدات محتمَلة للبشر، في حين رفض فريق آخر منهم هذه التحذيرات عاًّدًا

إيّاها مبالغات غير واقعية، ثمّ إنّه أوضح تطور الذكاء الاصطناعي في سياقه التاريخي، واستعرض أوجه شبهه بالأسلحة النووية والإنترنت، مشددًا على أهمية التعاون الدولي لضمن استخدامه بطرائق مسؤولة. ولم يَخلُ كلاامه، في هذا السياق، من نبرة التفاؤل، ودعا إلى الاستعداد لمواجهة تحديات هذا العصر. وجاء الفصل العاشر "التنظيم" ليستعرض دور شركات مثل "أوبن إيه أي" (OpenAI) وميتا (Meta) ومايكروسوفت (Microsoft) في صياغة ملاامح مستقبل هذه التقنيات. ومن جهة أخرى، كان هذا الفصل مناسبة لتناول موضوع الذكاء الاصطناعي في علااقة بالمسألة التشريعية. وههنا أظهر المؤِّلِف النقص الملحوظ في مجال التشريعات القائمة حالًّيًا؛ فهي غير قادرة على مواكبة النسق المتسارع لتطور هذه التقنيات، وقد عرّج على القضايا القانونية الأخلااقية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي من قبيل حقوق الملكية الفكرية، والتحيز، وفقدان الوظائف، داعيًا إلى تعاون شامل لتطوير تنظيمت مرنة ومتوازنة.

الباب الثالث: العودة إلى المستقبل

دار الفصلُ الحادي عشر" تطور الذكاء الاصطناعي " على إمكان جعل الطبيعة مصدرَ إلهامٍ لتطور الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا في تصميم الشبكات العصبية العميقة القائمة على بنية الدماغ. ومن ناحية أخرى، استعرض التحولَ الحاصل في التعلم الآلي الذي حسّن بصورة أفضل قدرة الأنظمة على معالجة البيانات ومحاكاة التفكير البشري الإبداعي. أمّا الفصل الثاني عشر، "الجيل القادم"، فقد قدّم رؤية مستقبلية لتحقيق استقلاالية عامة للذكاء الاصطناعي تكون مستوحاة من آليات التطور البيولوجي والإنساني. وتقوم هذه الرؤية على مقارنة مراحل النضج لدى الجنس البشري بمراحل تطور الذكاء الاصطناعي؛ إذ تُظهِر هذه المقارنةُ، في مرحلة أولى، كيفية استفادة الذكاء الاصطناعي من التنوع في الهندسة العصبية (Architectures Neural) لدى الحيوانات لتحقيق استقلااليتها ضمن بيئاتها الطبيعية. وفي مرحلة ثانية، تُشبّه فترة تطور الذكاء الاصطناعي بفترة النضج الطويلة لدى الجنس البشري، وهي تسمح بتكيف الدماغ واكتساب المهارات المعقدة (اللغة مثال)ا. أما المرحلة الأخيرة، وهي تتوافق أيضًا مع الطبيعة البشرية؛ إذ تتعلق باستخدام تقنيات مثل التعلم المعزز بردّات الفعل البشرية (Human from Learning Reinforcement Feedback) لبناء أنظمة ذكية أكثر استقلاالية. وعالج الفصل الثالث عشر، "التعلم من الطبيعة"، العلااقة بين دراسة الدماغ وتطور الذكاء الاصطناعي. وههنا أبرز المؤِّلِف كيفية بناء نماذج تعليمية (الشبكات العصبية الاصطناعية الحديثة مثال)ا مستَلهَمة من مناطق قشرة الإنسان الدماغية ذات التخصصات المختلفة. ثمّ بّين دور التنبؤ (Prediction) باعتباره آلية تعليمية رئيسة في الدماغ البشري والذكاء الاصطناعي.

أخيرًا، تناول الفصل الرابع عشر (المستقبل هو الآن) الثورة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في العلوم والهندسة، وقد تجاوز النمذجَ التقليدية ليقترح حلولًا خوارزمية متقدمة قادرة على التعامل مع تعقيدات علم البيولوجيا وعلم الأعصاب. ومن أبرز الإنجازات التي يعرضها هذا الفصل نجاحُ "ألفافولد" (AlphaFold) في فك شفرة "طيّ البروتين" (Folding Protein)، وهو نجاحٌ فتح آفاقًا جديدة في تصميم الأدوية. ومن جهة أخرى، أكد المؤِّلِف ضرورة مواجهة العوائق الملحوظة في الوقت الراهن في مخرجات الذكاء الاصطناعي المتأثرة بالبيانات وانحرافاتها، وعدم تمثيليتها للواقع؛ من قبيل التحيز بأنواعه إلى جهة دون أخرى، سواء أكان جندرًّيًا أم عرقًّيًا أم أيديولوجًّيًا... إلخ، ومن قبيل ما صار يُسمى بهلوسات الذكاء الاصطناعي (Hallucinations) الملحوظة من خلاال الأجوبة والمعطيات التي يقدمها هذا الذكاء على نحو موثوق فيه من دون أن يكون له أيّ سند في الواقع أو حجة غير قابلة للتفنيد. ويرى المؤلّف أنّ هذا الهدف لا يمكن بلوغه إلا من خلاال أنظمة ذكاء اصطناعي مستوحاة من الطبيعة. يُعد هذا الكتابُ مرجعًا متميزًا بالنسبة إلى من يرغب في فهم علمي منهجي مُبسّط للتقنيات المعقدة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي، فضالًا عن التعرف إلى مختلف مزاياه ومحاذيره. ومن وجوه طرافته أنه مؤَّلَف بالاستعانة بتشات جي بي تي. لهذا، فهو يمثّل فرصة فريدة طريفة لإمكان الشراكة المثمرة بين الذكاء البشري و الذكاء الاصطناعي. لقد قدّم المؤِّلِف الذكاء بصفته إنجازًا ثورًّيًا يجعلنا "أكثر ذكاءً" و"إنتاجية" و"كفاءة"، وهو محٌّقٌ في هذا نسبًّيًا؛ ففوائد هذه التكنولوجيا لا يمكن إنكارها البتّة في المجالات العلمية وغير العلمية. لكنه لم يحدّد المستفيدَ الأكبر من تحسين هذه الكفاءات وتطوير إنتاجيتها، مع أنّ الواقع يكشف أن منافع الذكاء الاصطناعي لا تعود على الجميع بالطريقة نفسها، ولعل المستفيد الأكبر هو أصحاب رأس المال الذين يشغلهم دومًا تحسينُ الأداء، وخفضُ التكلفة، وزيادةُ الأرباح مع مزيد من استغلاال العمل، وتوظيف الذكاء الاصطناعي ليحلّ محلهم في مواقع العمل أو يزيد الرقابة عليهم إحكامًا. ومن جهة ثانية، غاب عن الكتاب تنزيلُ الحديث عن الذكاء الاصطناعي في سياقه السياسي؛ إذ لا تخفى اليوم المنافسة القائمة في هذا المجال بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. فالنمذج اللغوية الكبيرة المفتوحة المصدر (مثال:ا "تشات جي بي تي" الأميركي، و"الديب سيك" DeepSeek الصيني)، ليست ابتكارات محايدة، بل هي في حقيقة أمرها أسلحة استراتيجية تُستخدَم ضمن أدوات الصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين هذين العملااقين؛ إذ تكشف التمويلاات الضخمة المرصودة في هذا النوع من التكنولوجيا حجمَ رهانات الهيمنة الاقتصادية والثقافية والعسكرية إقليمًّيًا ودولًّيًا، ذلك أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح أداةً فعالة للقوة الناعمة. ومن خلاال تطويره، تُفرَض قيمٌ ومعاييرُ ونماذجُ اقتصادية على الصعيد العالمي. ونذكر، في هذا السياق، أن المؤِّلِف لم يتوقف على مظاهر مختلفة من الانحرافات المرصودة في توظيف الذكاء الاصطناعي مثل قضية التزييف العميق (Deepfakes)، وأشكال التظليل الجديدة التي أصبحت ممكنة عند استخدامه. ففي أثناء واقعٍ هٍّشٍ يعاني تراجع الثقة بالمؤسسات والإعلاام، تُسهم هذه الأدوات

التكنولوجية الجديدة والمتجددة في تعزيز التلااعب بعقول الأفراد والجمعات ومشاعرهم، وتجتهد في تكييف سلوكهم وتوجهاتهم وصناعة رؤاهم وولاءاتهم في جميع المجالات السياسية والاجتمعية والاقتصادية والثقافية عبر الدعاية بأنواعها، وحرب المعلومات؛ ما يشكّل تهديدًا لاستقرار المجتمعات الديمقراطية، فضالًا عن حق الفرد في الاختيار والتصرف بحرية واستقلاالية. وإذ سهّل الذكاءُ الاصطناعي حياة الأفراد والجمعات، فإن المؤلّف ركّز على التكلفة المالية لتدريب هذا الذكاء نفسه، ولكنه تغاضى عن تكلفة الإضرار بالبيئة؛ ذلك أن تكلفة التدريب على النمذج البيئية تتطلب استهلااك موارد ضخمة من الطاقة غير المتجددة، فضالًا عن أن مراكز البيانات تستهلك كميات ضخمة من المياه لتبريد الأجهزة، وغير هذا كثير. إضافةً إلى مشكلاات التوظيف، وفي انتظار ما يخالف هذا الشأن، يواجه الذكاءُ الاصطناعي مشكلاات فعليّة تَحُول دون أن يبرهن على نحو قاطع على فرضية آلان تورينغ، المذكورة آنفًا، بالقول: نعم، يمكنني أن أحاكي الإنسانَ في ذكائه ومنجزاته اللغوية وغير اللغوية. ويرجع هذا خصوصًا إلى أن سياقات الواقع البشري التي يتحرك فيها هذا الذكاء معقدة جًّدًا، وغير قابلة للحصر؛ ومن ثمّ يصعب التعرف إليها وإدراكها وتأويلها وفهم مقاصدها وأغراضها المتعددة بسرعة ومهارة قد تساوي سرعة الإنسان ومهارته، فضالًا عن قصوره النسبي عن أن يكون مبادرًا مبدعًا في مواجهة المشكلاات الحادثة على نحو غير مسبوق لم يتدرب عليه من قبل.

المراجع

العربية

عبد الرازق، غزة. الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024

الأجنبية

Ménard, Marc & André Mondoux. Intelligence artificielle et société: Machinisme,

symbolisme et politique. Quebec, QC: Presses de l'Université du Quebec, 2024.

Sejnowski, Terrence J. ChatGPT and the Future of AI: The Deep Language

Revolution. Cambridge, Massachusetts: The MIT Press, 2024.

Trécourt, Fabien. "L'IA peut-elle penser à notre place?" Sciences Humaines. no. 377

(Avril 2025).

"تشات جي بي تي" ومستقبل الذكاء الاصطناعي

ثورة اللغة العميقة

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

الرقم التعريفيDOI

https://doi.org/10.31430/EVZI5439

ChatGPT and the Future of AI: The Deep Language Revolution

(Cambridge, MA: The MIT Press, 2024), 264 p.

* باحثة تونسية متخصصة في الاقتصاد السياسي، جامعة مونتريال.

ChatGPT and the Future of Artificial Intelligence

الرقم التعريفيDOI

https://doi.org/

A Tunisian Researcher Specializing in Political Economy, University of Montreal.

Email: nchibani3@gmail.com