الاستشراف والسياسة
Foresight and Politics
الملخّص
ما فائدة المقاربات الاستشرافية وفاعليتها؟ إنه السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المقال نسبةً إلى السياسة وصنع القرار، موضّحًا أنه من الصعب الإجابة عنه ما دام أنّ الرابط معقّدٌ بين التفكير، واتخاذ القرار، والفعل. وفي الآن ذاته، يجلّي هذا المقال بعض أهمّ وظائف الاستشراف: سَوْقُ الفاعلين إلى التحلّي بُبعد النظر والقدرة على مساءلة "الأفكار المُسبقة"، ومن ثمّ مساءلة أنماط النظر والاستدلال التي غالبًا ما تُلجم الفعل. كما يؤكّد على وظيفةٍ أخرى للاستشراف، وهي "تطوير الاستباق"، والذي من دونه سيكون القادة محصورين في زاوية تدبير حالات الطوارئ، وإعطاء معنى واتساقٍ على المديين المتوسط والطويل للإجراءات التي يجري اتخاذها على المدى القصير. ومن ثمّ، تجري بلورة منظورٍ للاستشراف باعتباره فلسفة، وباعتباره منطقةً ينبغي استكشافها بقدر ما ينبغي بناؤها.
Abstract
When it comes to politics and decision-making, what is the point of the foresight approach, and how useful is it? The question is a difficult one to answer, because of the complex linkage between thought, decision-making, and action. Equally, the question reveals the key functions of foresight: the desire of actors to have the ability to interrogate preconceived ideas, and from there to interrogate the patterns of investigation and reasoning that for the most part restrain action. Additionally, the paper examines the function of foresight in developing the capacity for anticipation. Indeed, without anticipation, leadership is forced to simply manage what comes. Foresight, the paper suggests, gives meaning and coherence to the medium and long-term measures that need to be taken in the short-tem. Hence, foresight can be described as a philosophy and a logic to be discovered as much as constructed.
- استشراف
- استباق
- صنع القرار
- Foresight
- Anticipation
- Decision-Making
هذا المقال بعض أهمّ وظائف بُبعد النظر والقدرة على مساءلة "الأفكار المُسبقة"،
الاستشراف: سَوْقُ الفاعلين إلى التحل
ومن ثمّ مساءلة أنماط النظر والاستدلال التي غالبًا ما تُلجم الفعل. كم يؤكّد على وظيفةٍ أخرى للاستشراف، وهي "تطوير الاستباق"، والذي من دونه سيكون القادة محصورين في زاوية تدبير حالات الطوارئ، وإعطاء معنى واتساقٍ على المديين المتوسط والطويل للإجراءات التي يجري اتخاذها على المدى القصير. ومن ثمّ، تجري بلورة منظورٍ للاستشراف باعتباره فلسفة، وباعتباره منطقةً ينبغي استكشافها بقدر ما ينبغي بناؤها. كلمت مفتاحية: الاستشراف، الاستباق، صنع القرار Abstract: When it comes to politics and decision-making, what is the point of the foresight approach, and how useful is it? The question is a difficult one to answer, because of the complex linkage between thought, decision-making, and action. Equally, the question reveals the key functions of foresight: the desire of actors to have the ability to interrogate preconceived ideas, and from there to interrogate the patterns of investigation and reasoning that for the most part restrain action. Additionally, the paper examines the function of foresight in developing the capacity for anticipation. Indeed, without anticipation, leadership is forced to simply manage what comes. Foresight, the paper suggests, gives meaning and coherence to the medium and long-term measures that need to be taken in the short-tem. Hence, foresight can be described as a philosophy and a logic to be discovered as much as constructed.
**President of "Futuribles International", Editor of the journal " Futuribles " and International Consultant, France.
لمحة تاريخية موجزة عن الاستشراف المعاصر
عبر كلّ العصور، شعر الإنسان بالقلق إزاء المستقبل وسعى لمعرفة ماذا يخبّئ له. وقد ولّد هذا القلق منذ الأزل ممرساتٍ عدّة تُحيل - كي لا نذكر سوى أشهرها - على مشاورة العرّافة والمنجّمين الذين كان يُفترض أنهم قادرون على تأويل العلامات الاستباقية (الطوالع) على أحداثٍ سعيدة إلى حدٍّ ما، أو قادرون حتّى على التخمين عبر وسائل شتّى لما سيكون مصيرهم؛ وهو المصير الذي كان يُفترض، في الميثولوجيا الإغريقية، أنه مقرّرٌ من لدُن سلطةٍ أعلى من الآلهة. فيم فضّل آخرون إسقاط ثمار أحلامهم وكوابيسهم على المستقبل (ضروب اليوتوبيا والديستوبيا، في محاولةٍ لتخيّل ما يمكن أن يكون عليه المستقبل باستخدام علمهم وخيالهم (من قبيل ليوناردو دافنشي). وهكذا برهن بعضهم أحيانًا على بصيرةٍ مدهشة، مثل جول فيرن، الذي كان المُبادر في فرنسا لرواية الخيال العلمي، وألبير روبيدا الذي تصوّر قبل مئة سنة سلفًا أنه سيمكننا قريبًا أن نتواصل عن بُعدٍ بفضل "جهاز الصورة والصوت عن بُعد" (الذي يشبه الإنترنت اليوم). بيد أنّ الاستشراف في العصور الحديثة، وعلى الرغم من أنه يقوم أيضًا على تحديد الوقائع الحمّلة للمستقبل وتحليلها، فإنه يستند إلى فلسفةٍ مختلفةٍ ومستوحاة إلى حدٍّ كبير من عصر التنوير، وإلى الاعتقاد الرّاسخ بأنّ المستقبل ليس محدّدًا سلفًا، وأنه لا يزال إلى حدٍّ كبير ينتظر ابتكاره وبناءه، وأنه إذًا مجالٌ للحرية، والقدرة، والإرادة، وسأعود إلى هذه النقاط لاحقًا. أمّا قبل ذلك، فربّا سيكون ذا جدوى شرح متى وكيف ولماذا انبثق هذا التصوّر الجديد للمستقبل بوصفه منطقةً ينبغي استكشافها، ولكن أيضًا بوصفه منطقةً ينبغي بناؤها. فقد تطوّر التفكير بشأن المستقبل في البداية في الولايات المتحدة، في البدء بدافعٍ من الرئيس فرانكلين روزفلت مع إنشاء "اللجنة الرئاسية للأبحاث بشأن الاتجاهات الاجتمعية" (1933)، ثمّ في أعقاب الحرب العالمية الثانية بإيعازٍ من وزارة الدفاع الأميركية عن طريق إحدى المؤسّسات؛ وهي مؤسّسة راند التي أنشئت في عام 1948 للعمل على قضايا الدفاع. وكانت حينها اهتممات متعهّدي هذا التفكير بالأساس ذات طابع جيوستراتيجي، كم أنها كانت تولي اهتممًا خاصّا لاستخدامات التكنولوجيات الجديدة، وخاصّةً القنبلة الذرية، في الصراعات الدولية. وضمن مؤسّسة راند، أدّى فريقٌ مؤلّف من
تشير "اليوتوبيا" (Utopie) إلى كلّ تصوّرٍ للمجتمع المثالي أو الواقع المثالي الخالي من العيوب، والبالغ حدّ الكمال؛ إذ يعيش أفراده في سعادةٍ وتناغم ووئام. وعلى عكسها تمامًا، تشير "الديستوبيا" (Dystopie) إلى المجتمع المتخيّل الفاسد أو المخيف أو غير المرغوب فيه بأيّ طريقة؛ إذ يجري تصوّر سيادة الحكومات والأيديولوجيات الشمولية أو الكوارث البيئية أو غيرها من الخصائص المرتبطة بانحطاطٍ كارثي في المجتمع. " جهاز الصورة والصوت عن بُعد Téléphonoscope(") هو ابتداعٌ أدبي لألبير روبيدا، وصفه في روايته القرن العشرين: الحياة الكهربائية التي نشُرت في عام 1890؛ وقد تصوّره على شكل شاشةٍ مسطّحة معلّقة على جدار، تبثّ أحدث الأخبار في أيّ ساعةٍ من الليل أو النهار، والمسرحيات، والدروس، والمؤتمرات عن بعد.
هيرمان كان (مؤلّف العمل البديع عن الحرب النووية - الحرارية، وتيودور غوردون وأولاف هيلمر، دورًا رائدًا، لا سيّم في تطوير المناهج الاستشرافية "المهيكلة وفق القواعد الشكلية والاستنباطية" (طريقة دلفي، طريقة السيناريوهات... إلخ)، والتي جرى نقلها، بداهةً عقب ذلك، إلى المجال المدني وخضعت لتحسيناتٍ متتالية. وقد انبثق في هذه الفترة أيضًا أول الاهتممات بتأمين موارد الكوكب الأرضي، والتي ستُتوّج بخلق مؤسّسة "موارد للمستقبل" (Future the for Resources) في أعقاب تقرير بالي، ثمّ بغزو الفضاء في أعقاب إطلاق أول قمرٍ صناعي سوفياتي "سبوتنيك الأول". وفي الآن ذاته، ودائمًا مُقادًا بتقدّم العلوم والتقنيات، ومُحفّزًا بالتقرير الشهير لفانيفار بوش، اجتمع الكونغرس الأميركي وتمّ إنشاء "لجنة عام 2000"، ضمن إطار "أكاديمية الآداب والعلوم"، والتي جمع دانيال بيل أعملها "نحو عام 2000" في عددٍ خاصّ من مجلة ديدالوس (Dædalus) (صيف 1967). وفي الوقت نفسه، رأت النور "جمعية المستقبل العالمية" ((1966 Society) Future World)، والتي سرعان ما جمعت عددًا كبيرًا من الشخصيات المهتمّة بشأن المستقبل، وهي جدّ متباينةٍ في ما بينها. وفي فرنسا، انبثق الاستشراف منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين، بدافعٍ من غاستون بيرجي الذي وضّح المصطلح في مقال "العلوم الإنسانية والتوقّع" بتأكيده أنه، حتى ذلك الحين، "[كانت] الإجراءات المتّخذة (تعتمد) على القياس أو تقوم على أساس الاستنباط"، إلّ أنّ هذه الطرائق كانت جزءًا من موقفٍ متطلّعٍ إلى الوراء لم يكن يمكن تبريره سوى خلال فترةٍ من الاستمرارية والاستقرار. وقد أكّد أنه، في المقابل، وعلى اعتبار أننا ندخل فترةً من التغيّات والتصدّعات، فينبغي علينا "إنشاء أبحاثٍ استشرافية (Prospectives)... إلى جنب التخصّصات المتطلّعة إلى الوراء (Rétrospectives)". أمّا المحرّض الآخر على هذا الجهد الفكري فهو بلا منازعٍ برتران دو جوفنيل، والذي صاغ مفهوم "فوتوريبل" (Futuribles) (لفظٌ مستحدث مركّب من "مستقبلات " Futurs و"ممكنة" Possibles)، وهو أيضًا مؤلّف كتابٍ تأسيسي بعنوان فنّ الافتراض، والذي إن كان لا يستخدم مصطلح "الاستشراف"، فهو يمثّل مرافعةً مهمةً من أجل التفكير على المدى الطويل في الآن نفسه الذي يناضل فيه كي لا يبقى هذا التفكير الاستشرافي حكرًا على الدولة. وكان كلٌّ من بيرجي ودو جوفنيل تحرّكهم انشغالاتٌ ذات طبيعةٍ إنسانية ومجتمعية.
Herman Kahn, On Thermonuclear War (Princeton: Princeton University Press, 1960). President's Materials Policy Commission (The Paley Commission), Resources for Freedom (Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 1952), 5 volumes. Vannevar Bush, Science: The Endless Frontier (Report to the President on a Program for Postwar Scientific Research) (Washington, D.C.: United States Government Printing Office, 1945). Gaston Berger, "Sciences humaines et prévision", Revue des Deux Mondes , no. 3 (1 er février 1957), pp. 417 - 426. Bertrand de Jouvenel, L'Art de la conjecture , coll. "Futuribles" (Paris: Éditions SEDEIS, [1964] 1972).
وسرعان ما سينثران بذورهم التي ستزهر في فرنسا، بدافعٍ من "مجموعة الدراسات الاستشرافية" التي تضمّ نحو ثلاثين عضوًا (مثقّفون، ومدرّسون، وأرباب صناعات، وموظّفون كبار) من جهة؛ ومن "اللجنة الدولية للمستقبلات الممكنة" (كم سيأتي لاحقًا) من جهةٍ أخرى، وهي المؤلّفة نفسها منذ البداية من مثقّفين من نحو عشرين دولة مختلفة (من بينهم دانيال بيل، وحسن أوزبيكان، وسابورو أوكيتا). وقد كان من بين هؤلاء الروّاد بيير ماسي، خصوصًا عندما أصبح مفوّضًا للتخطيط في عام 1959، وبيير بيغانيول، الذي كان حينئذٍ مسؤولً عن المندوبية العامة للبحوث العلمية والتقنية، وهي وكالةٌ سوف تتحوّل لاحقًا إلى وزارة البحث العلمي. وفي هذه الفترة، وكامتدادٍ لجهد إعادة الإعمر الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، أدت الدولة دورًا فعّالً جدًّا في فرنسا، وتطوّر فيها بقوّةٍ التفكير طويل الأمد. وهكذا، وبناءً على طلبٍ من رئيس الوزراء، تمّ – تحت رعاية مفوضية التخطيط – إنشاء "مجموعة التفكير لعام 1985 "، والتي طُلب منها "الدراسة، من منظور الوقائع الحمّلة للمستقبل، لما من شأن معرفته أن يكون مفيدًا... من أجل تنوير التوجّهات العامّة للخطّة الخامسة". وعقب ذلك بقليل، وهذه المرة في إطار مندوبية التهيئة الترابية والعمل الجهوي (DATAR) التي كانت ملحقةً أيضًا برئيس الوزراء، جرى أيضًا إطلاق دراسةٍ طموحة جدًا بشأن "فرنسا في أفق عام."2000 وأخيرًا، سيكون من الخطأ بلا ريبٍ إغفال العمل الذي أدّته أيضًا في تلك الفترة إداراتٌ مثل "مديرية التوقّع" في وزارة المالية، وفريق الاستشراف المنصّب تحت إدارة سيرج أنطوان بوزارة البيئة، وقسم الدراسات والاستشراف والإحصاء بوزارة الثقافة. وسنكون أيضًا مخطئين إن تجاهلنا العمل الجدير بالاهتمم الذي قاده العديد من المجموعات أو اللّجان مثل "لجنة حسابات الأمة"، والتي كانت تعمل سلفًا على حدود المحاسبة الوطنية، أو "لجنة حسابات التراث الطبيعي". فهذه اللّجان، حتّى إن لم تكن دائمًا تنتسب عمليًا وبشكلٍ صريح إلى الاستشراف، فأقلّ ما يمكن أن يقال إنها قامت بالفعل بتمهيد الطريق أمام العديد من الأسئلة والتي تبَيَّ، أمام اختبار الزمن، أنها حاسمة. وهذه الظاهرة ليست خاصّةً بفرنسا؛ فقد تطوّرت أيضًا في أوروبا بدافعٍ من شخصيات مثل أوسيب فليشتايم، وروبرت يونك، ويوهان غالتونغ الذي أنشأ بُعيْد ذلك حركة "البشَ "2000 (Mankind ية 2000) التي ستكون لاحقًا وراء إنشاء "الفدرالية العالمية للدراسات المستقبلية" (Futures World Federation Studies) بباريس في عام 1972، بالتعاون مع "الجمعية المستقبلية الدولية فوتوريبل" (International Futuribles). وقد جرت سريعًا إقامة الرابط بين ضفتي المحيط الأطلسي منذ ستينيات القرن العشرين، وانتشرت الحركة تحت تأثير أولاف بالمه الذي كان حينئذٍ رئيس الوزراء في السويد والذي أنشأ "الأمانة السويدية للدراسات المستقبلية"، وكذلك تأثير رادوفان ريشتا بتشيكوسلوفاكيا،
Collectif, Réflexions pour 1985 (Paris: La Documentation française, 1964).
وسابورو أوكيتا وهيتيكوشي كاتو باليابان، وإليونورا ماسيني وأوريليو بيتسي بإيطاليا، ومهدي المنجرة وفيليب دو سيينس داخل منظومة الأمم المتحدة. وانتشرت الحركة حتى تمخّضت في سبعينيات القرن الماضي عن إنشاء العديد من الهيئات (نادي روما، "الفدرالية العالمية للدراسات المستقبلية"، نادي داكار وغيرهم)، وتنظيم مؤتمراتٍ دولية تجمع بين المثقّفين وصنّاع السياسات، ليس من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فحسب، وإنما أيضًا من دول عربية (لا سيّم في مصر مع إسمعيل صبري عبد الله، المسؤول عن برنامج يسمّى "المستقبلات العربية البديلة"، وفي المغرب مع مهدي المنجرة)، ومن أفريقيا جنوب الصحراء (مع الرئيس سنغور في السنغال، ونادي داكار الذي أُنشئ في كوت ديفوار، ثمّ تحت رعاية منظمة الوحدة الأفريقية)، بالإضافة إلى أميركا اللاتينية (لا سيّم مع مؤسّسة باريلوتشي) وآسيا. ونُذكّر أنه انبثق خلال هذه الفترة عددٌ من النقاشات المهمّة المتعلّقة بالتوعية ببرور إشكالاتٍ عالمية، لا سيّم الرهانات البيئية (فأوّل مؤتمرٍ عالمي بشأن البيئة عُقد في ستوكهولم في عام 1972)، وحدود النمو التي ستكون موضوع التقرير الأول لنادي روما، ونماذج التنمية وغيرها، والتي ستتمخّض عن العديد من الدراسات الاستشرافية مثل برنامج "المستقبلات المترابطة" (Interfuturs)، الذي أطلق بمبادرةٍ من اليابان تحت رعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وأعتقد أنه يمكنني أن أجزم أنّ "اللجنة الدولية فوتوريبل" التي تمّ إنشاؤها في عام 1960 برئاسة برتران دو جوفنيل، والتي كانت تضمّ نحو عشرين من المثقّفين من مختلف البلدان والتخصّصات، قد أدّت دورًا رائدًا في هذه التطوّرات، وفي الآن نفسه تميّزت بإيلائها اهتممًا خاصًّا لمستقبل المؤسّسات السياسية وأخذ المدى الطويل في الاعتبار في تحديد السياسات العامة. وقد أوضح برتران دو جوفنيل جيدًا الأسباب التي جعلته يعتبر أنه من المفيد خلق مثل هذه الهيئة المستقلة، بتأكيده على نحوٍ عامٍّ أنه إذا كان من الطبيعي والمفيد أن تتزوّد مراكز القرار العام بخلايا للاستشراف، فلأنها تستطيع أن تدّعي أنها تمتلك احتكار هذا الجهد الفكري بشأن المستقبل يشكّل خطرًا على الديمقراطية، لأنّ صنّاع القرار سيجدون أنفسهم حينئذٍ في وضعية ملائمة لتبرير قراراتهم زاعمين أنها تعتمد على خبرةٍ ليس من شأن أيّ أحدٍ آخر أن يعلم بها. بالإضافة إلى أنّ هذه "التوقّعات" التي تُستخدم لتحديد السياسات العامة، ينبغي أن تكون، كم يؤكّد ذلك أيضًا برتران دو جوفنيل، عموميةً وأنه يمكن مناقشتها بشكلٍ جمعي. وعبر بقاء برتران دو جوفنيل وفيًّا لهذا الانشغال، تمّ عقب ذلك، في عام 1967، إنشاء "الجمعية المستقبلية الدولية فوتوريبل" (International Futuribles)، والتي ترأسها تباعًا بيير ماسي، ثمّ بيير بيغانيول، وفيليب دو سيينس، ومهدي المنجرة، وجاك لوسورن، قبل أن أُصبح رئيسًا لها في عام 2013،
OECD Interfutures, Facing the Future (Paris: OECD, 1979).
بعد أن تولّيت إدارتها العامة لمدّة أربعين عامًا، مع الحرص الدائم على جعلها أحد "المراكز البحثيّة للفكر والرّأي والخبرة" (Tank Think) الدولية الأساسية، وجعلها مستقلّة ورائمة نشر مفاهيم الاستباق ومناهجه (ما يسمّى الاستشراف "الاستكشافي")، وتعزيزها لمصلحة القرار والفعل (ما كان يسمّى الاستشراف "المعياري" الذي أضحى يسمّى الاستشراف الإستراتيجي). ولن أستفيض هنا بشأن أنشطة "الجمعية المستقبلية الدولية فوتوريبل"، والتي تعيد التأكيد في خطّتها الإستراتيجية الجديدة 2015 - 2020 على هدفها المتمثّل في نشر المدى الطويل وتعزيزه في صوغ السياسات العامة وفي إستراتيجية الشركات. كم تهدف إلى أن تكون مركزًا للدراسات الذي يقوم بوظيفة اليقظة الاستشرافية بشأن الاتجاهات القوية والناشئة التي يمكن استجلاؤها في العالم المعاصر، والتي من المرجّح أن يكون لها تأثيرٌ كبير في التطوّرات على المديَيْ المتوسّط والطويل؛ وذلك لاستكشاف ما يمكن أن يطرأ (المستقبلات الممكنة)، والرهانات الكبرى المتّصلة بها، والسياسات والإستراتيجيات التي يمكن أن يعتمدها مختلف الفاعلين بالنظر إلى تصوّراتهم الخاصّة لما هو مرغوبٌ فيه. وعلى اعتبار أن لا أحد من شأنه أن يمتلك الحقيقة بشأن المستقبل، فإنّ "الجمعية المستقبلية الدولية فوتوريبل" تهدف أيضًا إلى أن تكون موضعًا للتبادل والتشاور بشأن ما يمكن أن يحدث، وبشأن ما يمكن لمختلف الفاعلين القيام به.
الاستشراف بوصفه فلسفة
يبرز في أصل الاستشراف في البداية اقتناع يُلخّصه جيدًا الفيلسوف موريس بلونديل عندما يقول إنّه "لا يجري توقّع المستقبل، بل يجري الاستعداد له"؛ أي أنه يُبنى، لا سيّم من خلال القرارات والأفعال البشرية. ويروق لي أن ألخّص هذه الفلسفة بالتأكيد أنّ المستقبل هو مجال الحرية، والقدرة والإرادة؛ ومن ثمّ، سأحاول شرح ذلك هنا. الاستشراف كم نمارسه هو – من وجهة نظري - ثمرةٌ لثورةٍ حقيقية للفكر، ما دام أنّ فلسفةً يعتزم الإنسان فيها أن يكون فاعلً أو حتّى سيّدًا قد حلّت محلّ الفلسفات القديمة التي تقوم أساسًا على فكرة وجود نظامٍ ذاتي التنظيم (أو ينظّمه الله)، والتي كانت تُستدام وفق منطقٍ خاصٍّ بها (راجع موضوع "الطبيعة الجيدة")، والتي لم يكن الإنسان فيها سوى رعيّة. وفي هذا الصّدد، يمكن عقد صلةٍ بعملية الانتقال على المدى الطويل جدًّا؛ من القِيَم التي يُقال عنها إنها تقليدية ويقوم مبدأ شرعيتها على أساس التسامي، إلى قِيَمٍ يُقال عنها إنها فردانية، على اعتبار أنّ مبدأ شرعيتها يكمن في الفرد. وقد حملت فلسفة التنوير والنظام الفلسفي الكانطي هذه الفردانية في القرن
الثامن عشر. وقد تم تتويجها الكبير في عام 1789 مع "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" (في أعقاب إعلان الاستقلال الأميركي في عام.)1776 ودعونا لا يختلط الأمر علينا بشأن مفهوم الفردانية التي غالبًا ما يؤدّي تعدّد معانيها إلى سوء الفهم. فمفهوم الفردانية لا علاقة له هنا بمصطلح الأنانية. والانتقال الذي أحيل عليه هو ذاك الذي تمّ تحليله منذ أمدٍ بعيد على يد إيميل دوركهايم، وماكس فيبر، ونوربير إلياس، وكثير غيرهم، والذي يُحيل إلى فئات الشرعية التي تقوم عليها قِيَمنا. ويكتب إتيان شفايسغوت في هذا الصّدد: "إنّ شرعية القِيَم التقليدية تقوم على نظامٍ للأشياء يجري اعتباره أسمى من الضمئر الفردية، وينبغي على الأفراد احترامه من دون أن يكون باستطاعتهم وضعه موضع سؤال، سواءٌ تعلّق الأمر بنظامٍ طبيعي، أو فوق-طبيعي، أو اجتمعي، أو أخلاقي، أو غير ذلك. وباعتبارها متجذّرةً في التقليد، فإنّ هذه القِيَم تدعو غالبًا إلى خضوع الفرد لجمعة انتمئه وللسّلطات القائمة. وتقرّر [هذه القِيَم التقليدية] للأفراد الأدوار الاجتمعية ومعايير السلوك التي ليس من شأنها أن توضع موضع سؤال... ويتمثّل مبدأ الفردانية على العكس من ذلك في إخضاع نظام الأشياء للرغبات أو الاحتياجات، أو العقل أو إرادة أفراد البشر. فلا يجري القبول بالقِيَم بوصفها معطياتٍ غير ملموسة، ولكن يتمّ تقديرها بحسب مستوى ملاءمتها لما يجري اعتباره جيدًا بالنسبة إلى الأفراد. فليس قانون الإله، أو الطبيعة، أو المدينة، أو التقليد شرعيًّا بحدّ ذاته. [بل] إنه بالفرد وبالفرد لا غير حيث يكمن مبدأ ما هو جيّد". ولا أقصد بالفرد في هذا الزمان والمكان، بالنسبة إليّ باستبعاد الآخرين؛ بل أحيل على الفرد باعتباره منتميًا إلى الجمعة الأهلية البشرية، والقادر علاوةً على ذلك على التخلّ عن جزءٍ من مصالحه الشخصية والفورية لمصلحة أهداف مشتركة، وأصولٍ يجري اعتبارها ناجعة (مختلفة إذًا عن مجموع المصالح الفردية)، بما في ذلك على المدى الطويل، مثل "التنمية المستدامة" على سبيل المثال، التي تحترم النظام الإيكولوجي والآخرين، وتحترم معاصرينا والأجيال القادمة. بالتأكيد هناك كثير ممّ يمكن قوله في هذا السجّل، ولا سيّم التساؤل بشأن الطابع الكوني إلى حدٍّ ما لهذه الفلسفة، والطريقة التي يمكن وفقها أن تكون أو لا تكون متوافقةً مع معتقداتٍ أخرى تمنح مكانةً أكثر أهميةً للقضاء والقدَر. ويمكن للمرء أن يسهب طويلً بشأن مسألة الحتمية والحرية، من دون شكٍّ للوصول إلى استنتاجٍ مفاده أننا لسنا مُخيّين تمامًا ولا مُصيّين تمامًا. بيد أنه من الواضح أنّ الإيمان الذي كان يُولى في ما مضى لذاتية-تنظيم الأنظمة، وإذعان الأفراد لقدَرٍ مكتوبٍ تمامًا، قد أفسح تدريجيًّا المجال
10 Etienne Schweisguth, "La montée des valeurs individualistes", Futuribles , Numéro Spécial sur "L'évolution des valeurs", no. 200 (juillet-août 1995), pp. 131-160; On the same topic, Cf. Louis D. Dumont, Homo hierarchicus (Paris: Gallimard, 1996); and Essais sur l'individualisme (Paris: Le Seuil, 1991).
لتبجيل الإنسان الحرّ والمسؤول. وهو حرٌّ أكثر ومسؤول أكثر بقدر تزايد قدرته بشكلٍ مطرد – لا سيم من خلال تقدّم العلوم والتكنولوجيا – نحو الأفضل، وأيضًا نحو الأسوأ. والحقيقة أنّ الاستشراف يقوم على ثلاث ملاحظاتٍ تبدو لي أساسيةً لشرح الفلسفة المضمّنة – على الأقل – لهذه المقاربة: المستقبل هو مجال الحرية، والقدرة، والإرادة. إنه منطقةٌ ينبغي استكشافها، ومن ثمّ تبرز فائدة اليقظة والاستباق، وفائدة ما يسمّى الاستشراف الاستكشافي على وجه الخصوص، وهو في الآن ذاته منطقةٌ ينبغي بناؤها، ومن ثمّ تبرز فائدة الاستشراف الذي يسمّى أحيانًا معياريًا، والذي لم يعد يُحيل على استقصاء المستقبلات الممكنة، وإنّا على استقصاء المستقبلات المرغوب فيها، والسياسات والإستراتيجيات التي تحقّقها.
الاستشراف بوصفه منطقةً ينبغي استكشافها
هناك، في اعتقادنا، فرقٌ جوهري بين الماضي والمستقبل. فالماضي هو مجال الحقائق المُنجزة التي يمكن معرفتها من حيث المبدأ، حتى لو كان هناك جدلٌ لاذع بين المؤرّخين المكلّفين بعرضها في بعض الأحيان. أما المستقبل فليس حقيقةً بعد؛ إذ إنه ليس محدّدًا سلفًا، ومن ثمّ، لا يمكن معرفته، في جوهره، مسبقًا. ومهم كانت المناهج المستخدمة، الحالية والمستقبلية، فلا يمكن لأحدٍ أبدًا أن يتنبّأ به بيقين. لا يتعلّق الأمر إذًا هنا بالتنبّؤ، أو بالنبوءة أو حتّى بالتوقّع، ولكن في أحسن الأحوال بمحاولةٍ لاستكشاف المستقبلات الممكنة في خدمة القرار؛ قرار الأفراد والمجموعات الاجتمعية، وأيضًا قرار ممثّليهم الذين يعملون قدر المستطاع ليس لحمية مصالح معيّنة فحسب، ولكن أيضًا، إن لم يكن في المقام الأول، من أجل تعزيز الرّفاهية الجمعية (تجنّب قدوم مستقبلاتٍ مضرّة، وتعزيز المستقبلات المرغوب فيها). ومن أجل أن يكون للفاعلين مثل هذه القدرات، فينبغي أن يعكفوا على إثبات قدراتهم على اليقظة والاستباق، وأن يسعوا جاهدين إلى استكشاف ما يمكن أن يحدث، وما هي "المستقبلات الممكنة" في آفاق زمنية مختلفة. وهذه الوظيفة، والتي نوصّفها على وجه التحديد ب "الاستشراف الاستكشافي"، تقتضي قبل كلّ شيءٍ أن نتعلّم التمييز بشكلٍ يومي بين الظواهر ذات الطبيعة الظرفية الخالصة وبين الظواهر التي نعتبرها، بوصفها الاتجاهات الحقيقية، القوية أو الناشئة إلى حدٍّ ما، ومن ثمّ الجذور أو البذور للمستقبلات الممكنة. فلا ينبغي بالفعل أن ننسى أنّ الحاضر ما هو سوى لحظةٍ خاطفة بين الماضي والمستقبل، وأنّ هذا الأخير لا ينبثق من العدَم. وإحدى المهمّت الأساسية، والمُسبقة لأيّ ممرسةٍ للاستشراف، هي إذًا محاولة تمثّلنا للوضع الحالي من خلال ديناميكيته الزمنية الطويلة ومجموع أبعاده. ويمثّل التزوّد بمثل هذا التصوّر
عن الوضع الحالي بحدّ ذاته تحدّيًا، وذلك لسببين علىّ الأقل: السّبب الأول هو نزوع كلّ واحد، لا سيّم وفقًا لتخصّصه، إلى المبالغة في تقييم بعض العوامل (مثل التقدّم التكنولوجي) على حساب عوامل أخرى قد يكون إدراكها أكثر صعوبة (مثل التحكّم الاجتمعي في التكنولوجيات). أما السّبب الثاني، فيرجع إلى أنّ كلّ واحدٍ منّا، وفقًا لثقافته وحساسيته وأيديولوجيته، يميل إلى فكّ شفرة الظواهر نفسها وتفسيرها بشكلٍ مختلف. و"المراصد" التي تّم إنشاؤها في العديد من المجالات غير كافية، في هذا الصّدد، لأنها في أغلب الحالات وفي أفضلها، تعمل كم لو كانت آلات تسجيل النقد: فهي تجمع البيانات عن الماضي، وربما على مدى عدّة سنوات. ولكن هذا لا يعني أنّ المؤشّات سديدة وأنّ البيانات موثوق بها؛ وخصوصًا وقبل كلّ شيء، أنّ هذا لا يفيدنا بشيءٍ بشأن عن التطوّرات المستقبلية، ومن باب أولى لا يفيدنا بشأن عوامل الانقطاعات والتصدّعات. وبالإضافة إلى ذلك، تقتصر هذه المراصد في أغلب الأوقات على تجميع البيانات بشأن الظواهر القابلة للقياس في ضوء الإحصاءات الكلاسيكية. ولذلك غالبًا ما تتجاهل الأخذ في الاعتبار ما نعدّه في بعض الأحيان "المتغيّات الرخوة"؛ أي تلك المتغيّات المتعلّقة بالقِيَم، والمعتقدات، والسلوكيات، والتي غالبًا ما تؤدّي، على الرغم من ذلك، دورًا أكبر بكثيرٍ ممّ تعتقده "المقاربات التكميمية". ومن مزايا الاستشرافيين أنهم يتمسّكون بأخذ هذه الظواهر الاجتمعية في الاعتبار، وهي التي غالبًا ما يجري إهملها. وخلافًا لهذه المراصد التي تجمع البيانات بشأن الماضي، تذهب "اليقظة الاستشرافية" إلى أبعد من ذلك؛ فهي تروم بالفعل، على غرار برج المراقبة بالسفينة، تنبيه القبطان إلى التطوّرات التي تتبيّ علاماتها الاستباقية. وانطلاقًا من بذور المستقبل هذه، يمكننا في أعقاب ذلك محاولة استكشاف تشجّر المستقبلات الممكنة، وذلك بعدم اكتفائنا باستنباط الاتجاهات الملحوظة بالأمس، وإنّا أيضًا بسعينا الحثيث إلى الأخذ في الاعتبار عوامل الانقطاعات والتصدّعات التي من شأنها أن تطرأ في آفاق زمنية مختلفة، وذلك تحت تأثير العديد من العوامل والفاعلين الذين تختلف قِيَمهم وتصوّراتهم لما هو مرغوبٌ فيه، والذين لم يكن أبدًا من الممكن التنبّؤ بسلوكهم تمامًا.
الاستشراف بوصفه منطقةً ينبغي بناؤها
ما الجدوى إذًا من هذه الوظيفة لليقظة واستكشاف "المستقبلات الممكنة" (Futur-ibles)؟ بالتأكيد إنها ليست "القول مُسبقًا" (Pré-dire) بما سيحدث، ولكن تنبيه الفاعلين بشأن التطوّرات المحتملة، قبل فوات الأوان، وعندما يكون لا يزال لديهم بعض القدرة على تحويل مجرى الأحداث. وإن تعذّر ذلك، فمن أجل التحضير بنجاحٍ لمواجهة التحديات التي نكون قد استبقنا، قدر الإمكان، ظهورها.
ولم يعد يقودنا هذا، إذًا، إلى المستقبل بوصفه منطقة ينبغي استكشافها، وإلى اليقظة والاستشراف الاستكشافي، وإنّا إلى المستقبل بوصفه منطقةً ينبغي بناؤها، أي كمجالٍ للقدرة. وهي قدرةٌ مرادفة للفرص - على الرغم من أنّ جميع الفاعلين يخضعون أيضًا لتحديات - بما فيها تلك المتعلّقة بتعدّد الفاعلين، والأهداف المتقاربة أو المتباعدة التي يرومونها، والبيئات التي يعملون فيها، والوسائل الخاصة التي يتمتّعون بها. بيد أنها قدرةٌ أكبر بكثيرٍ من تلك التي غالبًا ما نتصوّرها، ولكن مع ذلك شريطة أن يبُرهن أصحابها على بصيرةٍ وأن يكونوا تحرّكهم إرادةٌ حقيقية. إنّ تحديد الفاعلين، وقدراتهم، الخاصة، والقِيَم التي هم مفعمون بها، والتصوّرات التي يشكّلونها لا سيّم بشأن المستقبلات التي يعتبرونها غير مقبولةٍ أو غير مرغوبٍ فيها، هي جزءٌ لا يتجزّأ من مقاربة الاستشراف، بالإضافة إلى الأخذ في الاعتبار ضروب تضارب المصالح التي يمكن أن تطرأ والتحالفات التي يمكن أن تنشأ. وهنا يكمن أيضًا فرقٌ جوهري مع التوقّع وأساليبه، والتي تفترض بشكلٍ عام أن يعمل الفاعلون بشكلٍ عقلاني ومتكرّر. وهنا مرّةً أخرى، تعد مساعدة العلوم الاجتمعية ضروريّة للغاية، سواءٌ كان ذلك من أجل دمج الاختلافات الثقافية في أفكارنا، على سبيل المثال، أو للتأثير على مرّ الزمان لدور المرأة في المجتمع، أو لأثر تجدّد الأجيال. وهنا أيضًا تتدخّل التصوّرات المختلفة لهؤلاء أو أولئك لما هو مرغوبٌ فيه، ومن ثمّ للمشاريع التي يمكنهم القيام بها. وفي هذا الصّدد، من المهمّ التوقّف للحظة عند مفهوم "المشروع" (projet) هذا - الذي يأتي من الأصل اللاتيني (pro-jeter)، ويعني "الرمي إلى الأمام" - في زمنٍ قادم، لصورةٍ لمستقبل مرغوب فيه، ويستعير في جوهره من سجّل القِيَم، إن لم نقل من جزءٍ من حلم، حتى ولو كان بعضه، مم يُعتبر غير قابلٍ للتحقيق، يتعلّق بالأحرى باليوتوبيا، بينم يشكّل البعض الآخر قوّةً ناقلة حقيقية للفعل الإنساني، ويؤدّي، أو على الأقلّ ينبغي أن يؤدّي، دور الخيط الرابط لقرارات البشر والفئات الاجتمعية وأفعالهم، ويضمن لها إلى حدٍّ ما المعنى والاتّساق. ودعونا نتّفق جيدًا بشأن مفهوم المشروع هذا الذي لا يمكنه، عندما يتعلّق الأمر بالشؤون العامة، أن يكون بأيّ حالٍ من الأحوال مجموع كلّ المصالح الفردية كم تعبّ عن نفسها في كلّ لحظة، وإنما التصميم الجمعي الذي يُعتزم متابعته، والذي ينبغي على السلطات العامة بشكلٍ طبيعي أن تكون ضامنةً له. ويعدّ دور المواطنين وممثّليهم المنتخبين، ما-وراء المناورات الحزبية فحسب، أساسيًّا في السهر على ضمن ألاّ تحيد السلطة التنفيذية بشكلٍ مفرط عن المشروع الذي من أجله جرى تنصيبها، على اعتبار أنّ هذه الوظيفة تبلغ ما هو أبعد من مجرّد الرقابة الإدارية. وليست أيضًا أهون الوظائف بالنسبة إلى المنظمت المستقلّة ممرسة دور السلطة-المضادّة، والنقد، والاقتراح النابع من المواطنين الذين لا يعتزمون البتّة التنازل عن كلّ سلطاتهم لمصلحة هيئاتٍ حكومية وبين-حكومية دولية لا تميل في الغالب إلى الانشغال بالمستقبل على المدى الطويل.
ومن المهمّ أن نذكّر أنّ أحد الأسباب التي من أجلها جرى إنشاء "الفدرالية العالمية للدراسات المستقبلية " كان تعزيز التبادلات بين الشرق والغرب، في الفترة التي لم تكن فيها الكتلة السوفياتية ما وراء السّتار الحديدي - الداحضة لفكرة تعدّد المستقبلات الممكنة - تسمح قطّ بممرسة الاستشراف كم كنّا نفهمه في الغرب. وفي سياق الأفكار نفسها، أدّت العديد من المنظّمت غير الحكومية (لا سيّم "نادي روما") دورًا رائدًا في تحقيق الوعي بأنّنا لا نشكّل سوى "أرضٍ واحدة"، وأنّ الاستغلال المُفرط للموارد المحدودة للأرض، والذي يجري بالمناسبة على يد أقليةٍ من سكان العالم، هو غير مُستدام، وأنّ انبعاث التلوّث والأذيّات، بما في ذلك الغازات الدفيئة، يُهددّ التوازن الهش للمحيط الحيوي على نحوٍ خطير. ومن المهمّ أيضًا أن نلاحظ أنّ الأرض ليس من شأنها أن تكون رهينةً بين أيدي البلدان المتقدّمة، وهي التي كانت لفترةٍ طويلة جدًا الوحيدة المستغلة للموارد الطبيعية المحدودة لمصلحتها، والوحيدة المنتجة بكمّياتٍ متزايدة للتلوّث والأذيّات التي تهدّد النظام البيئي بعد حين. ويعد صعود ما يسمّى بالبلدان النّاشئة بشرى سارّة بطبيعة الحال. فهو سيقود بالضرورة إلى إعادة توزيع الأوراق على الصعيد الدولي، مثلم رأينا ذلك نسبيًا خلال المؤتمر العالمي القادم بشأن المناخ (21 COP) الذي عُقد في نهاية عام 2015 في باريس. ومن الواضح في هذه المجالات أنه وفقًا لمستوى التنمية الخاصّ بكلٍّ من الأطراف، تتباين وجهات نظر الصينيين والأميركيين والأوروبيين والأفارقة. ومن الواضح أيضًا في هذا الصّدد – على الرّغم من "تسطيح العالم" – أنه وفقًا لثقافاتهم، وقِيَمهم، ومعتقداتهم المختلفة، والتي هي جميعها جديرةٌ للغاية بالاحترام، تتعارض رؤى مختلفة للمستقبل. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، في ما يتعلّق بالتقدّم العلمي والتقني، لا سيّم عندما يمسّ الكائن الحيّ (ونقصد تطوير الكائنات الحية المعدّلة وراثيًّا، والهندسة الوراثية والتطبيقات المجنونة التي يحلم بها بعض السّحرة المتمهّنين). ويعدّ إيجاد التوازن الصحيح بين الاحترام المتبادل الضروري للحوار بين الحضارات من جهة، وتعزيز القِيَم العالمية من جهةٍ أخرى (والتي هي ضرورية في رأيي عندما يتعلّق الأمر بالتلاعبات الجينية) جزءًا من العمل الذي ينبغي على الاستشرافيين القيام به. ويقع على عاتق معاصرينا، اقتداءً بنموذج روّاد الاستشراف، عدم الاستسلام وعدم الوقوع في أيٍّ من ضروب الجبرية، ولكن مع إعادة النظر في طرائق سلوكهم وفعلهم بوصفهم صنّاعًا حقيقيين للعالم الجديد الذي يظلّ ينتظر تصميمه وبناءه. وهذه المقاربة المزدوجة التي تروم محاولة استكشاف ما هي المستقبلات الممكنة من جهةٍ، وتحديد ما هو المستقبل المرغوب فيه والممكن تحقيقه من جهةٍ أخرى، متأصّلةٌ في الاستشراف كم نحاول ممرسته.
11 Thomas L. Friedman, The World is Flat: A Brief History of the Twenty-first Century (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2005). 12 Eleonora Masini, "A Vision of Futures Studies", Futures , Special Issue "Future of Futures Studies", Ed. Slaughter Richard, vol. 34, no. 134 (April-May 2002).
ولتعذّر التيقّظ والاستباق الذي يسمح لنا باكتساب الوعي بالتطوّرات الممكنة والرهانات المرتبطة بها عندما تكون لا تزال لدينا القدرة على تغيير مجرى الأمور، فإنّ الخطر كبيرٌ في أن نقضي وقتنا حصرًا في تدبير حالات الطوارئ؛ إذ إنّ قدرتنا حينئذٍ تكون قد تبدّدت تقريبًا كلّيًا، واستولت علينا الظروف بالكامل نوعًا ما. وبعبارةٍ أخرى، تتوقّف حريتنا في الفعل إلى حدٍّ كبير على قدرتنا على استباق الأمور. بيد أنّ هذه القدرة لا تكفي؛ فلكي نزعم أننا قادرون على بناء المستقبل، فإنه من الضروري أن نكون قادرين على التقدير بشكلٍ صحيح لهوامش المناورة لدينا، وأن نبني تصوّرًا لمستقبلٍ مرغوب فيه وممكن تحقيقه، وأخيرًا أن نكون قادرين على أن نضع الطرق والوسائل اللّزمة لتحقيقه موضع التنفيذ. وثمّة عارضَان متكرّرَان في هذا الصّدد: الأول، الاكتفاء باستكشاف الممكنات، ممّ لا يُلزم بشيءٍ وينتهي إلى تقريرٍ جميل يعرض السيناريوهات بشأن تشجّر الممكنات. والثاني، عارض المستبصر الذي يأخذ أحلامه باعتبارها حقائق، أو الذي يحمل مشروعًا ولكنه غير قادرٍ على تعبئة الموارد اللازمة لتحقيقه، وغير قادرٍ، على الخصوص، على تمكين مختلف الفاعلين من تملّك المشروع، ومن ثمّ حشد طاقاتهم حول رؤيةٍ مشتركة على نحوٍ كاف. ولا يسع المرء أن ينكر وجود أشخاصٍ ذوي بصيرة وأنّ جزءًا من الخيال يدخل في تحديد مشاريعنا. ولكننا لم نر أبدًا جنرالً يكسب حربًا ضدّ جنوده أنفسهم، وفي الغالب يقود استبداد بعض القادة الذين يزعمون أنهم مستنيرون إلى الكارثة أكثر ممّ يقود إلى بناء السلام ورفاهية الأهالي الذين تعدّ مواردهم البشرية ضرورية أكثر للتنمية من الموارد الطبيعية أو تلك الموارد التي يجري استقاؤها من تقدّم العلوم والتكنولوجيا. وقد كان غوته على حقٍّ في أن يقول: "أحبّ ذاك الذي يحلم بالمستحيل". وأرى أنّ رؤساء الدول ورجال الأعمل أنفسهم كانت تحرّكهم رؤية، كم كان عليه الحال بلا ريبٍ بالنسبة إلى نيلسون مانديلا أو ستيف جوبز أو من على شاكلتهم. ولكن للأسف كان هذا الحال أيضًا بالنسبة إلى عددٍ من الحكّام المستبدين مثل موسوليني وهتلر. وأعتقد، على غرار ألكسي دو توكفيل، أنّ "السلطة المركزية، مهم تصوّرنا أنها مستنيرةٌ إلى حدٍّ ما، وأنها واسعة المعرفة إلى حدٍّ ما، فهي لا يمكنها أن تحيط وحدها بكلّ تفاصيل حياة شعبٍ كبير. وأنّ القوّة الجمعية للمواطنين ستكون دائمًا أكثر قدرةً على توليد الرّفاهية الاجتمعية من سلطة حكومة". ويُذهلني عددٌ من الناس، بمن فيهم المسؤولون المُنتخَبون، والذين هم على اقتناعٍ راسخٍ بأنهم لا يمتلكون أيّة سلطة، أو على العكس، أولئك الذين يتخيّلون أنفسهم أصحاب السلطة المطلقة، وأولئك الذين يبحرون من دون وجهة، دون أن يمتلكوا مشاريع حقيقية على المديين المتوسط والطويل، أو هم حاملون لمشاريع من الواضح عدم إمكانية تحقّقها، وأخيرًا أولئك الذين يعتقدون أنه يكفي أن يجري
13 Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique (Paris: Gallimard, 1968).
إقرار شيءٍ ما لكي يتحقّق، لأنهم غير واعين بما فيه الكفاية بأنّ الانتقال إلى الفعل يتطلّب عددًا من الوسائل، بما فيها التعبئة البشرية. وهذا هو السبب الذي من المهمّ أن يترابط الفاعلون من أجله في ما بينهم في بناء المشروع على جميع المستويات، على اعتبار أنّ كلّ واحدٍ منهم يمتلك بعض المعارف، لأنّ تآزرهم ضروريٌ لإنجازه. وقد أُتيحت لي الفرصة لمراقبة عددٍ كبير من الأوضاع: منتخبون لديهم الشعور بعدم امتلاك ما يكفي من السلطة للفعل، وآخرون تحملهم رؤيةٌ ضبابية إلى درجة أنها تمنع من أن تجد لها وسيلةً لتتجسّد، أو أولئك الذين لا يشاركهم الفاعلون المعنيون الرؤية مطلقًا ويجدون أنفسهم غير قادرين على تحقيقها، وهناك الذين يظلّون عند المستوى الاستكشافي، لأنه في نهاية المطاف وسيلةٌ جيدة للقيام ببعض الحركة على المستوى المحلي... إلخ. وينبغي علينا أن نعترف بأنّ الربط المفصلي بين ما هو استكشافي وما هو إستراتيجي مهمٌّ جدًا ويصعب وضعه موضع التنفيذ، لأنّ المنطقة التي ينبغي استكشافها ليست هي نفسها التي يملك الفاعلون فيها القدرة على الفعل. وإذا كان ضروريًا بالنسبة إلى صنّاع القرار استكشاف ما يمكن أن يحدث في منظّمتهم، وفي بيئتهم الخارجية أيضًا، فهم ليسوا أسيادًا على هذه الأخيرة. بيد أنهم يمتلكون في المقابل سلطةً حقيقية، ومن ثمّ مسؤولية خاصّة جدًا في إدارة منظّمتهم ومنطقتهم الخاصّة. وهذا ما تبُرهن عليه الإنجازات المتباينة جدًّا للبلدان كم الأقاليم والشركات، والتي تأتي مختلفة جدًّا إزاء البيئة الخارجية نفسها، وأحيانًا داخل القطاع نفسه. إنّ هذه الممرسة للسلطة – إن كان لا يزال يلزمنا التأكيد على ذلك – تقتضي أنهم كانوا قادرين على توحيد كلّ القوى الحيّة لمنطقتهم أو منظّمتهم حول المشروع نفسه. من وجهة النظر هذه، من اللّفت أن نلاحظ كيف تطوّرت الممرسات في ما يخصّ الاستشراف على مرّ الزمن.
تطوّر الممرسات
أصبحت الممرسات الكبرى للاستشراف اليوم - مثل التي تمت قبل 40 عامًا في فرنسا لا سيّم على يد مندوبية التهيئة الترابية والعمل الجهوي أو مفوّضية التخطيط – أكثر ندرة. وعلى المستوى الدولي، تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد أعمل مطلقًا من حجم تلك الأعمل التي أُنجزت تحت رعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إطار برنامج "المستقبلات المترابطة". وبالتأكيد، لا تزال هذه الأعمل موجودةً بشأن موضوعاتٍ محدّدة مثل التغيّ المناخي، ولكن لا يليها بالضرورة تأثير ملموس، نظرًا لاختلاف وجهات النظر بين الفاعلين، الذين هم منطقيًا الأطراف الفاعلة في المفاوضات الدولية، والتي نعلم ضعف نجاعتها. وحتى في داخل الاتحاد الأوروبي، والذي يدّعي بكلّ سرور القيام بمثل هذه الممرسات، فمن الواضح أنّ جودة الأعمل تظلّ موضع تحفّظٍ وأنّ تأثيرها هزيلٌ جدًّا في السياسات بلا شكٍّ. ويمكننا
بالتأكيد أن نأسف لذلك، ولكن يجب أن نتساءل بشأن أسباب ذلك، وبشأن الدروس التي ينبغي أن نستقيها من ذلك. ما فائدة هذه المقاربات الاستشرافية وفاعليتها؟ إنه سؤالٌ يُطرح بتكرارٍ من طرف القادة، ومن الصعب الإجابة عنه ما دام أنّ الرابط معقّدٌ بين التفكير، واتخاذ القرار، والفعل. بيد أنّ إحدى وظائف الاستشراف واضحة: إنها سَوْقُ الفاعلين إلى "النظر إلى أبعد ممّ هو تحت القدمين"، وربّا إلى المساءلة من جديدٍ لما يسميه ميشيل غوديه، عن حقٍّ، "الأفكار المُسبقة"، ومن ثمّ مساءلة أنماط النظر والاستدلال التي غالبًا ما تُلجم الفعل. هناك وظيفةٌ أخرى للاستشراف، وهي ليست أقلّ الوظائف، وهي تطوير الاستباق الذي من دونه سيكون القادة محصورين في زاوية تدبير حالات الطوارئ، وإعطاء معنى واتساقٍ على المديين المتوسط والطويل للإجراءات التي يتم اتخاذها على المدى القصير. والحال هذه، تعد هذه الوظيفةُ ضروريةً بقدر حاجة النساء والرجال داخل المنظّمت إلى فهم فائدة انخراطهم فيها وإدراك غائياتها.
المراجع
References Berger, Gaston. "Sciences humaines et prévision", Revue des Deux Mondes , no. 3 (1 er février 1957), pp. 417 - 426. Bush, Vannevar. Science: The Endless Frontier (Report to the President on a Program for Postwar Scientific Research), Washington, D.C.: United States Government Printing Office, 1945. Collectif. Réflexions pour 1985, Paris: La Documentation française, 1964. Dumont, Louis D. Homo hierarchicus , Paris: Gallimard, 1996. __________. Essais sur l'individualisme , Paris: Le Seuil, 1991. Friedman, Thomas L. The World is Flat: A Brief History of the Twenty-first Century, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2005. Jouvenel, Bertrand de. L'Art de la conjecture , coll. "Futuribles", Paris: Éditions SEDEIS, [1964] 1972. Kahn, Herman. On Thermonuclear War, Princeton: Princeton University Press, 1960. Masini, Eleonora. "A Vision of Futures Studies", Futures , Special Issue "Future of Futures Studies", Ed. Slaughter Richard, vol. 34, no. 134, (April-May 2002). OECD Interfutures. Facing the Future, Paris: OECD, 1979. President's Materials Policy Commission (The Paley Commission), Resources for Freedom, Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 1952, 5 volumes. Schweisguth, Etienne. "La montée des valeurs individualistes", Futuribles , Numéro Spécial sur "L'évolution des valeurs", no. 200, (juillet-août 1995), pp. 31 - 160. Tocqueville, Alexis de. De la démocratie en Amérique, Paris: Gallimard, 1968.