مشروع استشراف
The Project to Forecast the Future of the Arab Homeland: Between Foresight and Ideological Prediction
الملخّص
يُعدّ مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي من أهم المشاريع الاستشرافية العربية. وقد حظيَ هذا المشروع، وهو يتألّف من أربعة أقسام (الطرائق المنهجية والمعرفية المُتَّبعة، وخلاصات عن الدولة والمجتمع العربي والعرب والعالم والتنمية العربية والآفاق العالمية والإقليمية، وسيناريوهات المستقبل العربي، وحزمة السياسات وآليات التغيير)، برعاية مركز دراسات الوحدة العربية وإشرافه. وتنتهي توقّعات المشروع عام 2015، ولعلّ هذه المسألة الزمنية هي التي قامت عليها إشكالية الدراسة، وذلك في محاولةٍ لتقصّ الفارق بين استشراف المشروع لحال العرب عام 2015 وما أضحوا عليه فعلًا. فالفارق بين المُتخيّل والواقع هو إشكاليتنا الرئيسة، والأكثر مدعاةً للتأمل، في محاولةٍ للمقارنة بين تصوّرات الفريق البحثي وما آل إليه الوضع حقًّا. ويظلّ السؤال الأبرز هو: أكان هذا المشروع استشرافيًّا أم أيديولوجيًّا فحسب.
Abstract
ملخص: يُعدّ مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي من أهم المشاريع الاستشرافية العربية. وقد حظيَ هذا المشروع، وهو يتألّف من أربعة أقسام (الطرائق المنهجية والمعرفية المُتَّبعة، وخلاصات عن الدولة والمجتمع العربي والعرب والعالم والتنمية العربية والآفاق العالمية والإقليمية، وسيناريوهات المستقبل العربي، وحزمة السياسات وآليات التغيير)، برعاية مركز دراسات الوحدة العربية وإشرافه. وتنتهي توقّعات المشروع عام 2015، ولعلّ هذه المسألة الزمنية هي التي قامت عليها إشكالية الدراسة، وذلك في محاولةٍ لتقص الفارق بين استشراف المشروع لحال العرب عام 2015 وما أضحوا عليه فعلً. فالفارق بين المُتخيّل والواقع هو إشكاليتنا الرئيسة، والأكثر مدعاةً للتأمل، في محاولةٍ للمقارنة بين تصوّرات الفريق البحثي وما آل إليه الوضع حقًّا. ويظلّ السؤال الأبرز هو: أكان هذا المشروع استشرافيًّا أم أيديولوجيًّا فحسب. كلمت مفتاحية: مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، استشراف المستقبل، المشاهد المعيارية Abstract: "The Project to Forecast the Future of the Arab Homeland" was a vast endeavor in terms of its ambitions and its challenges as well as the wide view it took of the concept of foresight. With the support and oversight of the Center for Arab Unity Studies, the project was divided into four distinct sections: the methodology adopted; general lessons related to Arab state and society, Arabs and the wider world, Arab development and global and regional prospects; Arab future scenarios; and policy and mechanisms for change. The predictions made by the project extend to 2015, providing the rationale for the present project, which investigates the differences between the results of forecasting the Arab situation in 2015 and present reality. The paper compares the conceptions of the research team with the actual outcomes, and takes a critical look at the enterprise of foresight, ultimately asking: was the project genuinely an exercise in foresight or was it an ideological folly.
- مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي
- استشراف المستقبل
- مشاهد معيارية
- Future of the Arab Homeland Project
- Future Foresight
- Normative Scenarios
بين استشراف المستقبل والتطلّع الأيديولوجي The Project to Forecast the Future of the Arab Homeland: Between Foresight and Ideological Prediction
الفارق بين استشراف المشروع لحال العرب عام 2015 وما أضحوا عليه فعلً. فالفارق بين المُتخيّل والواقع هو إشكاليتنا
الرئيسة، والأكثر مدعاةً للتأمل، في محاولةٍ للمقارنة بين تصوّرات الفريق البحثي وما آل إليه الوضع حقًّا. ويظلّ السؤال الأبرز هو: أكان هذا المشروع استشرافيًّا أم أيديولوجيًّا فحسب. كلمت مفتاحية: مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، استشراف المستقبل، المشاهد المعيارية Abstract: "The Project to Forecast the Future of the Arab Homeland" was a vast endeavor in terms of its ambitions and its challenges as well as the wide view it took of the concept of foresight. With the support and oversight of the Center for Arab Unity Studies, the project was divided into four distinct sections: the methodology adopted; general lessons related to Arab state and society, Arabs and the wider world, Arab development and global and regional prospects; Arab future scenarios; and policy and mechanisms for change. The predictions made by the project extend to 2015, providing the rationale for the present project, which investigates the differences between the results of forecasting the Arab situation in 2015 and present reality. The paper compares the conceptions of the research team with the actual outcomes, and takes a critical look at the enterprise of foresight, ultimately asking: was the project genuinely an exercise in foresight or was it an ideological folly.
**Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies in Doha, Qatar.
مقدمة
يُعدّ مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي مشروعًا ضخمً جدًّا، بالنظر إلى الإطارات البحثية والفكرية التي أعدّت له، وضخامة الوظيفة الاستشرافية التي تطمح إلى إنجازها، والمدة الزمنية التي احتاج إليها الباحثون لاستكمله؛ إذ وصلت إلى نحو خمسة أعوام. وقد تولّ مسؤولية تنفيذ هذا المشروع والإشراف عليه مركز دراسات الوحدة العربية برئاسة خير الدين حسيب، ومشاركة مجموعة من الباحثين المعروفين. وبدأ العمل الفعلي في هذا المشروع الاستشرافي منذ منتصف عام 1983 بسلسلةٍ من الندوات المصغّرة والحوارات الواسعة مع مثقفين وباحثين؛ لبلورة وثيقة الإطار العامّ للاستشراف. وأنجز المشروع في صيف عامُ 1987، ونُوقش في اجتمعٍ موسّع عُقد في مدينة تونس خلال الفترة 17 - 20 تشرين الأول/ أكتوبر.1987 وقد غطّت فترة الاستشراف في هذا المشروع ثلاثة عقود تمتدّ ما بين 1985 - 2015، عُمل في إطارها للوصول إلى السيناريوهات الممكنة. وتمخّض هذا الجهد عن التقرير العامّ للاستشراف، إضافةً إلى أربعة محاور رئيسة، هي: المجتمع والدولة، والعرب والعالم، والتنمية العربية، والوثيقة الفنية/ النمذجة. وأشرف خير الدين حسيب على مجمل المشروع، وعلى الفريق البحثي المكوَّن من سعد الدين إبراهيم (منسّق محور المجتمع والدولة)، وإبراهيم سعد الدين (منسّق محور التنمية العربية)، وعلي نصار (منّسق محور النمذجة)، وعليّ الدين هلال (منسّق محور العرب والعالم). وقد صدر المشروع عام 1988 بعنوان مستقبل الأمة العربية: التحديات... والخيارات. أمّا محاوره،
محمود عبد الفضيل، "الجهود العربية في مجال استشراف المستقبل: نظرة تقويمية"، عالم الفكر، الكويت، ج 18، العدد 4 (1988)، ص.60 خير الدين حسيب وآخرون، مستقبل الأمة العربية: التحدّيات.. والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 24 -.30 هي ثلاثة محاور؛ المحور الأول هو "دراسة المجتمع والدولة في الوطن العربي"، وهذه الدراسة هي نتائج إجمالية لأربع دراسات أساسية متعلّقة بالأقاليم الأربعة الكبرى للوطن العربي: المشرق، والجزيرة العربية، ووادي النيل، والمغرب الكبير، وقد أشرف عليها سعد الدين إبراهيم، وغسان سلامة، وعبد الباقي الهرماسي، وخلدون حسن النقيب، وهي تُعنى جميعها بالعلاقة بين المجتمع والدولة في الوطن العربي. أمّا المحور الثاني، فهو "العرب والعالم"، وهو يتناول دراسة علاقة الوطن العربي بالعالم الخارجي إقليميًا وعالميًا؛ أي إنه يتناول احتمالات تطور أنماط العلاقات المختلفة من تعاونٍ وتعايشٍ وصراع بين البلاد العربية، بوصفها أقطارًا أو مجموعات إقليميةً، أو دولةً واحدةً، والقوى الكبرى التي تتفاعل معها في إطار النظام العالمي المعاصر. ونقطة الانطلاق في الدراسة هي تحديد المعطيات الدولية والإقليمية التي تتمثّل بالإطار العالمي الذي سوف يتمّ في إطاره التطور العربي، من النواحي السياسية والإستراتيجية والتكنولوجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وتتمثل المعطيات الإقليمية العربية بواقع الأقطار العربية وقدراتها من ناحية، وبنوع العلاقة بينهما من ناحية أخرى. وقد أشرف على هذه الدراسة المحورية عليّ الدين هلال، وأحمد صدقي الدجاني، وأسامة الغزالي حرب، وعبد المنعم سعيد، وناصيف حتى، وطلعت مسلم. وأمّا المحور الثالث، فهو "التنمية العربية". وقد جرى استهداف استشراف مستقبل التنمية الاقتصادية العربية خلال الفترة 1985 - 2015. وبما أنّ الاستشراف كانت تحكمه عدّة عوامل، من أهمها معرفة دقيقة بالواقع الاقتصادي العربي الراهن والكشف عن آليات التطور والنمو الاقتصادي المعاصر، في ظلّ تغيٍّ سريع ومتسارع في أوضاع الاقتصاد العالمي وفى ميادين العلم والتكنولوجيا، فقد تطلّب ذلك البدء بوصف النمو الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي وتحليله، وعرض أهمّ الاتجاهات الرئيسية المحتملة للتطور العالمي في المجال الاقتصادي وفي مجال العلم والتكنولوجيا، ثمّ جرى عرْض آفاق التطور الاقتصادي العربي في ظلّ مشاهد المستقبل المرتقب. وتمّت دراسة هذا المحور بإشراف كلٍّ من إبراهيم سعد الدين، ومحمود عبد الفضيل، وأسامة الخولي، وسعد حافظ، والفونس عزيز، انظر: أحمد يوسف القرعي، "ندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول استشراف مستقبل الوطن العربي، تونس، 20 أكتوبر 1987 "، السياسة الدولية (1 كانون الثاني/ يناير.)1988
فقد أفرزت أع لما قيّمة صدرت في دراساتٍ مستقلّة أخذت عناوين: المجتمع والدولة في المشرق العربي، والمجتمع والدولة في المغرب العربي، والمجتمع والدولة في الخليج العربي والجزيرة العربية، والمجتمع والدولة في الوطن العربي، والعرب والعالم، والتنمية العربية. يتألّف هذا المشروع/ الكتاب من أربعة أقسام، وقد اشتمل في قسمه الأول على الطرائق المنهجية والمعرفية المُتَّبعة. وقدَّم قسمه الثاني - وهو من أربعة فصول - خلاصاتٍ عن الدولة والمجتمع العربي، والعرب والعالم، والتنمية العربية، وتفحص الماضي والحاضر والآفاق العالمية والإقليمية ومحددات المستقبل العربي. وعالج قسمه الثالث - وهو من أربعة فصول أيضًا - مشاهد/ سيناريوهات المستقبل العربي، فكرَّس فصلً لنظرة مستقبلية عن حقيقة الإمكانات العربية، وآخر لمشهد التجزئة، وأتبعه بمشهد التنسيق والتعاون العربيين (تجمعات)، ثمّ خاتمة المشاهد: الوحدة العربية. وفي قسمه الرابع يتعرض المشروع لحزمةٍ من السياسات وآليات التغيير، وينتهي بخاتمة تحاول طرح سؤال عمّ يجب عمله بعد هذا التقرير. على الرغم من أنه باتت تفصلنا عن هذا المشروع/ الكتاب ثلاثة عقود، فإننا إن دققنا الأمر نجد أنّ قراءتنا معاصرة للمدة الزمنية التي تنتهي إليها توقّعاته، أو استشرافه، وهي عام 015 2. ولعلّ هذه المسألة الزمنية هي التي قامت عليها إشكالية الدراسة؛ وذلك في محاولةٍ لتقصّ الفارق بين استشراف المشروع لحال العرب عام 015 2 وما أضحوا عليه فعلً. فالفارق بين المُتخيّل والواقع هو موضوعنا الرئيس وإشكاليتنا الرئيسة. والأكثر مدعاةً للتأمل، هو محاولة المقارنة بين تصوّرات الفريق البحثي وما آل إليه تفكيره وتصوّره في هذه الأيام نفسها تجاه تلك المسائل. والسؤال الأبرز هو: أكان المشروع استشرافيًّا أم أيديولوجيًّا فحسب؟ للبحث عن الأسئلة والأجوبة التي تستثيرها هذه الإشكالية، تصفّحنا العديد من الدراسات والندوات التي صدرت عن مركز دراسات الوحدة وعالجت الموضوع نفسه، وخصوصًا ندوة "من أجل الوحدة العربية: رؤية للمستقبل" التي عُقدت عام 2009، وانتهاءً ب "المشروع النهضوي العربي" عام 2010، ومرورًا بندوة "الوحدة العربية: تجاربها وتوقّعاتها" عام 1988. وقد أفدنا من المنهجية التاريخية، من
انظر: غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)؛ عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)؛ خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)؛ سعد الدين إبراهيم وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)؛ عليّ الدين هلال وآخرون، العرب والعالم (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)؛ إبراهيم سعد الدين وآخرون، التنمية العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 انظر أعمال الندوة في: امحمد مالكي وآخرون، من أجل الوحدة العربية: رؤية للمستقبل (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2010 مركز دراسات الوحدة العربية، المشروع النهضوي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2010 انظر أعمال الندوة في: عبد العزيز الدوري وآخرون، الوحدة العربية: تجاربها وتوقعاتها (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989
دون جانبها الغائي، ومن المنهج التحليلي المقارن؛ للنظر في المفاهيم والحوادث في سياقاتها التاريخية الملموسة، وفي مسار التبدلّات التاريخية التي عصفت بالعالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
أوّلً. موقع المشروع/ الكتاب يف الدراسات المستقبلية العربية عندما خرج هذا المشروع إلى النور، كانت أبحاث المستقبليات في بداية دخولها إلى المتن العلمي للثقافة العربية التي استجابت لتحدّي المتغيرات التي أصابت الأفكار والأيديولوجيات، والتي رافقت ثورة الاتصال والثورة التقنية/ الأتمتة منذ نهاية القرن الماضي، فواجه المفكرون العرب أسئلةً جديةً تتعلق بآفاق مستقبل المجتمع العربي والإنساني.
التأثير الغربي
لقد تأثر المفكرون العرب بالمستقبلات الغربية التي شرعت في البروز بوصفها علمً في عُقب الحرب العالمية الثانية؛ فم كان شغفًا بمعرفة المستقبل بتوسّط السِّحر والعِرافة والتنجيم، تحوّل إلى "علم" بالمستقبل تحيطه القواعد المعرفية والمناهج، وحمل سمت نوعيةً تميزه ممّ سبقه من تطلعات معرفية نحو المستقبل. فقد برزت الدراسات المستقبلية العلمية في أميركا مع الحرب العالمية الثانية بإنشاء بعض المعاهد والمراكز البحثية. وشرع الغرب في الستينيات في تقديم دراسات وتقارير استشرافية، تراكمت معها قاعدةٌ عريضة من المعلومات، بخاصّة مع الحاسوب. فعزّز ذلك انطلاق علم المستقبليات الذي "يبحث في الإمكانات الكامنة التي هي في حكم الممكن، لهذا عُدّت توقّعاته: "نبوءةً مشروطةً"؛ فهو "خطابٌ احتملي بالضرورة يتضمن تعيين المسارات الحرجة للمستقبل". ولعل الافتراض الرئيس الذي انطلق منه علم المستقبليات هو أنّ المجتمعات تملك احتملات متعدّدةً للمستقبل يمكن الكشف عنها وسبَر أغوارها. وقد ساعدت على ذلك كثرة المعارف البشرية التي باتت تتضاعف حاليًّا على نحوٍ مطّرد لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية.
في المجال العربي
أصبحت الدراسات المستقبلية ميدانًا من ميادين المعرفة العربية التي ازدادت الحاجة إليها والاهتمم بها في سباقٍ مع الزمن، ولا سيم أنّ سؤال المستقبل هو سؤالٌ حاكم للفكر العربي الحديث منذ مشروع
لعلّ من علامات هذا التطلّع العلمي نحو المستقبل تقديرات توماس مالتوس عن السكان في علاقتهم بالثروة، وتأملّات هربرت جورج ويلز التاريخية، وغير ذلك من التأملّات المستقبلية. 9 عبد الفضيل، "الجهود العربية.."، ص.51 0 1 فؤاد زكريا، التفكير العلمي (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1978)، ص 193 -.200
النهضة. فاندمج المستقبل، في ذهن مفكّر النهضة، بصورة أوروبا المتقدمة والمدنية، في حين التصق الماضي بالتراث. وتأثّرت المشاريع المستقبلية العربية بهذه الوضعية الصعبة من جهة علاقة المستقبل بالماضي والمعاصرة بالتراث. أمّا في ما يخص القوميين واليساريين، فلعل أحد دواعي بحثهم عن المستقبليات هو ردّة فعلهم الأولية المضادة والسلبية على فكرة العولمة وسياقاتها العملية، وعلى برنامج الخصخصة في ثمانينيات القرن العشرين، فغدا الاستشراف بمنزلة محاولة للتمرد على الاستسلام للعولمة والخصخصة؛ فمن أجل أن نؤثّر في مستقبلنا - بوصفنا عربًا - يجيء الاهتمم بما هو آتٍ. ويعُدّ بعضهم كتاب قسطنطين زريق نحن والمستقبل، عام 1977، أوّل الأعمل الفكرية العربية التي تحضّ على التفكير في المستقبل، وقد أضافت بحوث مهدي المنجرة خطوةً علميةً مهمّةً في اتجاه أبحاث "المستقبلات"، ولا سيم مؤلَّفه الحرب الحضارية الأولى، الذي كتبه من وحي حرب الخليج عام 1991، وتعرّف فيه صورةَ التخلف العربي، ليستشرف المستقبليات العربية. وتعدّدت محاولات الباحثين العرب في سعيهم لاستشراف بعض الجزئيات المتعلقة بآفاق المستقبل العربي (مع حسن صعب أو أحمد صدقي الدجاني مثلً). ولعلّ دخول فكرة التخطيط في الفضاء العربي شجّع على التفكير في استشراف المستقبل. وقد أرست أبحاث إبراهيم حلمي عبد الرحمن، في السبعينيات، المدماك الأول للدراسات في مجال المستقبليات. وكان من ثمارها المشروع المسمّى "المستقبليات العربية البديلة" الذي أعدّه ونفّذه منتدى العالم الثالث. وصدرت دراسة مميزة بعنوان "الوطن العربي عام 2000" عن مؤسسة المشاريع والإنماء العربية عام 1975، تحت إشراف أنطوان زحلان. كم ساهم الباحثون المصريون - بتمويل من جامعة الأمم المتحدة - في "مشروع المستقبلات العربية البديلة" خلال الفترة 1981 –.1986 ولقد تكلّل جهد الباحثين العرب في بداية الثمنينيات من القرن العشرين بمشروعين بحثيين شاملين للمستقبل العربي. يتعلّق الأول منهم ب "صور المستقبل العربي"، أو مشروع "المستقبليات العربية
11 نيفين عبد المنعم مسعد، "فصل تمهيدي"، في: ندوة الدراسات المستقبلية العربية: نحو إستراتيجية مشتركة (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1998)، ص.12 21 مهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل، ط 7 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.)2001 31 وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2007)، ص 120 -.121 41 نادر فرجاني، "حول استشراف المستقبل العربي للوطن العربي: رؤية نقدية للجهود المحلية والخارجية"، المستقبل العربي، العدد 15 (1980)، ص.72 5 1 المرجع نفسه، ص.73 61 المرجع نفسه، ص.122
البديلة"، وقد قام بمعية "جامعة الأمم المتحدة" وأشرف على تنفيذه منتدى العالم الثالث (مكتب الشرق الأوسط بالقاهرة)، وقام بدور المشرف التنفيذي إسمعيل صبري عبد الله وإبراهيم سعد الدين. أمّا المشروع الثاني، وهو موضوع ورقتنا الحالية، فاتخذ عنوان "مستقبل الأمة العربية: التحدّيات.. والخيارات"، وقام برعايته والإشراف على إنجازه مركز دراسات الوحدة العربية، ونفّذه العديد من الباحثين من ذوي الاتجاه القومي، برئاسة مدير مركز دراسات الوحدة العربية. ومن ثمّ شكّل البحثان البدايات الأولى لمحاولة استشراف مستقبل الوطن العربي. وقد ساعد على تقدّم الدراسات المستقبلية التقدّم النسبي في معرفة الواقع العربي، والمتابعة المستمرة لتطور العلوم الأساسية وتطبيقاتها التكنولوجية، والاهتداء بالفكر التنموي الحديث وشموله لمجموعة العلوم الاجتمعية، واستخدام الأساليب الكمّية في اختيار نتائج المستويات. ولعلّه من المفيد أن نلاحظ أنّ المشروعين البحثيين أشرف عليهم باحثون قريبون من التيار القومي الذي يمثّله "المؤتمر القومي العربي"، والهيئة الموجهة لمركز دراسات الوحدة العربية، وبينهم من شارك في البحثين. وصدر كلَ الكتابين/ المشروعين عن مركز دراسات الوحدة العربية. ولهذا يبدو من المفيد، قبل الدخول في أروقة موضوع الدراسة "مشروع مستقبل الأمة العربية"، أن نقوم ب "إطلالة" على مشروع "صور المستقبل العربي" الذي دشّنته جامعة الأمم المتّحدة عام 1981، والذي صدر في كتاب في بداية عام.1982
ثانيًا. صور المستقبل العربي بين الواقع والمُتخيّل
كانت باكورة أعمل "جامعة الأمم المتحدة" في مشاريعها العربية - الإقليمية متمثّلةً بمشروع "المستقبليات العربية" الذي قام به العديد من الباحثين العرب المعروفين خلال عام 1981، وقد صدر عام 1982، واهتمّ بصفةٍ خاصّة بالديناميات الاجتمعية الاقتصادية والحضارية التي يحتمل أن تؤدِّيَ إلى مسالك تنمية بديلة يمكن أن تحمل في سياقاتها صُوَرًا متنوعةً بشأن المستقبل العربي. ولعل عنوان المشروع "المستقبلات العربية البديلة"، يوحي بأنّ فريق الباحثين ينطلق من فكرة أنّ "أمام كلّ مجتمعٍ في لحظة معيّنة من تاريخه احتملات متعدّدة يتعيَّ الكشف عنها".
71 يمثّل هذا التيار القومي "المؤتمر القومي العربي"، والهيئة المشرفة على "مركز دراسة الوحدة العربية" ممثّلةً بخير الدين حسيب. ويُعد هذا التيّار مستقلًّ فكريًّا بطريقة نسبية عمّ يسمّى "الأنظمة القومية التقدمية"، ولا سيما النظام السوري، من دون أن يشكّل انقطاعًا في السياسة أو في الفكر. 81 سعد الدين إبراهيم وآخرون، صور المستقبل العربي، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 91 المرجع نفسه، ص.7 0 2 المرجع نفسه، ص.13 - 12
وقد رصد المشروع، الذي كان من المقرّر أن يغطيَ اثني عشر مجالً بحثيًا، اتجاهات الوضع العربي الآتية، منها: "ميلٌ للتراجع عن مشاريع التوحيد القومي"، و"ميل لتدويل الحياة الاقتصادية الاجتمعية العربية وفقدانٌ متزايد للهوية"، و"تزايد مفعول قانون النمو اللامتكافئ"، و"ازدياد درجة التفكُّك القومي"، و"توجهات النموّ التي غدت محكومةً باعتباراتٍ خارجية"، و"سيولة طبقية مهولة بفعل هبوط المال النفطي"، و"صعود قوى 'الصحوة الإسلامية' و'الحركات التقدمية' حاملةً مشاريع التغيير". انطلق البحث من نقد سيناريو مناهج التنمية التي تحتذي بتجربة الرأسملية الغربية، والدعوة إلى توجهاتٍ جديدة مثل الاعتمد على النفس، والوفاء بالحاجات الأساسية للجمهير، وضرورة المشاركة الشعبية الإيجابية في التنمية، وشمول التنمية للجوانب الاجتمعية والحضارية. فاختلطت في متن البحث مفاهيم مدرسة التبعية التي ينتمي إليها سمير أمين وإمانويل فالرشتاين وجيوفاني أريغي وأندري غوندر فرانك بوجهات النظر الجديدة ل "التنمية البشرية" التي أحيت في قلب عملية التنمية دور الإنسان وأهدافه. وجمع البحث بين مفاهيم التطور اللامتكافئ، والمركز والمحيط، والاعتمد على الذات من جهة، وتصوّراتٍ ترفض أن يُقيّد المستقبل بين خياري الرأسملية أو الاشتراكية من جهة أخرى؛ وذلك لأنّ "العالم أمامنا يشهد تعدّدية نماذج الرأسملية، ومن هنا كان تعدّد المسارات"، كم أنّ الأقطار العربية تحظى "بوحدة الحضارة والتطلع إلى نوعٍ من الوحدة تؤهّلها إلى مجهود جمعي في مجال الدراسات المستقبلية". وإضافةً إلى عامل "الحضارة"، يتطلب "بناء النموذج (المستقبلي) موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا من البداية. فقد فات أوان الاعتقاد بأنّ النمذج يمكن أن تكون أداةً غير متحيّزة".
نقد الإستراتيجيات العربية الرسمية
ناقش الباحثون سبع وثائق عربية رسمية وغير رسمية لاستجلاء فحوى التفكير العربي في المستقبل، استنادًا إلى معيار "التنمية القومية الشاملة والمطردة المتوجهة نحو الجمهير والمؤكدة للشخصية الحضارية العربية والقادرة على إيقاظ قوى الإبداع والتجديد في المجتمع العربي". فتوجه المشروع بذلك إلى
12 المرجع نفسه. 22 عبد الفضيل، "الجهود العربية.."، ص.60 - 56 32 سعد الدين وآخرون، صور المستقبل العربي، ص.14 42 المرجع نفسه، ص.16 5 2 المصدر نفسه، ص.18 - 17 62 المرجع نفسه، ص.51 - 50 72 المرجع نفسه، ص.69
الجمهير التي لا تملك السُلطة ولا القرار، بدلً من التوجه إلى السلطات الرسمية ذات القرار والسُلطة. ورأى الباحثون أنّ "معظم الوثائق هي إستراتيجيات قطاعية، بل إنها اقتصرت أحيانًا على مشكلات جزئية (مشكلة الأمن الغذائي). وعندما تؤكِّد هذه الوثائق التعاون والتكامل العربيين أحيانًا، تظلّ "الحلقة المفقودة" هي "تحديد نوعية "الآليات" اللازمة للربط بين "الأهداف المنشودة" و"الإمكانات" القائمة والكامنة". غير أنّ هذا النقد يمكن أن يرتدّ على فريق البحث نفسه الذي جاوز الواقع والممكن إلى "القومي" من دون أن يضع يديه على "المركز الموجه فوق - القُطري" ليطبق تنميته "القومية". وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية التي لاحظها الفريق البحثي بشأن تقدُّم التنمية في البلاد العربية بعد الحرب العالمية ونيل الاستقلال، فإنه رأى بعض الوجوه السلبية في "الثروة النفطية". فقد نتجت من هذه الثروة حدّة الفوارق الداخلية بين البلاد العربية، وأدَّى الاعتمد على "الريع النفطي" في حالاتٍ متعدّدة إلى الإسراف في استخدام الموارد (...) وزيادة حدّة الشعور القُطريّ في أقطار عربية مختلفة (...) وانتشار شعور ببعد احتمل تحقيق الوحدة العربية - بل حتى جدواها - وانتشار الصراع بين الزعامات العربية حيث أدَّى التسلط الفردي على الحكم إلى اكتساب الصراعات بين الزعامات، صورة النزاعات بين الأقطار العربية".
أيّ تنمية مستقبلية؟
أكّد الباحثون أنّ الثابت الآن هو "تعدّد سُبل التنمية والتقدم الحضاري". وعزَوا إخفاق التنمية الرأسملية إلى أنها أهملت الهوية الحضارية للشعوب النامية، منتقدين في الآن نفسه التجربتين السوفياتية والصينية، ليخلصوا إلى "أنّ أيًّا من النمذج العالمية للنمو لا تتمتع بالقدسية". وأمل هؤلاء الباحثون أن تنطلق الدراسات المستقبلية العربية من نظرة تكاملية قومية، وأن تكون للتنمية خصوصية حضارية، فيستند تطلعهم للمستقبل إلى "معرفة وثيقة بالحاضر وقضاياه ومشكلاته وبالتطور التاريخي والحضاري للوطن العربي، ونسق العلاقات الاقتصادية والاجتمعية السائدة وتأثيرها المتبادل وتفاعلها في إطار النّسق الاجتمعي - الاقتصادي - الحضاري العربي في حركته المستمرة وتواصله مع العالم الخارجي". وانطلقوا بذلك من افتراضٍ مفاده أنّ "التنمية العربية الحقيقية لن تتمّ إلّ في إطار تطوّرٍ حضاري شامل".
82 المرجع نفسه، ص.126 92 المرجع نفسه، ص.136 0 3 المرجع نفسه، ص.147 13 المرجع نفسه، ص.150 23 المرجع نفسه، ص.174 33 المرجع نفسه، ص.182
وقد بدا واضحًا بالنسبة إلى بعض الباحثين الطابع المثالي والإرادوي لهذا المشروع، حينم يعتمد مفهومًا للتنمية لا تصنعه التطورات الاقتصادية وحدها، بل يحيطه تصوّرٌ حضاري شامل، وخوف على الهوية القومية، في إطارٍ من الاعتمد على النفس ضمن المجموعة العربية، وانسلاخ تدريجي من إسار النظام العالمي، وهذا ما جعل محمود عبد الفضيل يقول: "لا شك أنّ هذا السيناريو "الاستهدافي" أو "المعياري" إنما يمثّل نظرةً مستهدفة للمستقبل العربي المأمول لا تخلو من المثالية المشوبة بمسحةٍ تبشيرية". ونتساءل بدورنا ألا يمكن إيجاد مشروعين للمستقبل، أحدهم ينطلق من الواقع والميول والإمكانات التي يحملها فعليًّا ليكون موضوعًا لصاحب القرار الفعلي في الدول العربية المعنية، أو في ميدان الجامعة العربية على الأقل، والآخر ينطلق من تطلعات أيديولوجية وتوجهات فكرية مشروعة، ويتعلق بما يمكن تسميته "ما بعد الإستراتيجي"، ويكون مفتقرًا إلى السُلطة والإرادة السياسية الفاعلة، وبذلك لا يضيع الواقع الصُّلب خلف الأيديولوجي ولا يختفي الأمل والتطلع المشروع أمام صلابة الواقع.
ثالثًا. "مستقبل الأمة العربية: التحدّيات... والخيارات"
يعالج هذا الكتاب المشكلات نفسها التي تفحّصها المشروع السابق (المستقبل العربي)، سواء كان ذلك من جهة المنهج أو التطلعات الكبرى. غير أنّ مشروع "مستقبل الأمة العربية" يتميز برغبةٍ جارفة في تقديم مخطّط شامل متعدّد الجوانب والدرجات، وقد حاول أن يَبسُط صور المستقبل العربي بمشاهده كلّها خلال الثلاثين سنةً، ويؤطّر المستقبل العربي في ثلاثة خيارات، هي: التجزئة، أو قيام تكتلّات عربية، أو الوحدة، علمً أنّ هذا الاستشراف قد أُنجز قُبيل انهيار المعسكر الاشتراكي وما أحدثه من تداعيات على مواقع القوى العالمية وعلى التيارات الفكرية اليسارية والقوى الأخرى، وعلى مواقع الأيديولوجيات المختلفة أيضًا.
المنهج والرّؤى
استمرارًا للنهج المُتّبع في كتاب صور المستقبل العربي، يطمح مشروع "مستقبل الأمة العربية" إلى "دراسة الواقع العربي بكلّ جوانبه السياسية والاقتصادية والحضارية (...) وإلى تبيان أنّ الواقع العربي الحاليّ ليس قدرًا مكتوبًا لا يمكن الفكاك منه، وأنّ هناك بدائل مختلفة للمستقبل العربي وهناك خيارات، وأننا نستطيع أن نحدّد مستقبلنا تبعًا لإرادتنا وقدرتنا". ولا يُخفي فريق البحث خياراته فيُفصح عنها بحذر من خلال القول: "قد يكون للفريق العربي القائم على هذه الدراسة الاستشرافية تفضيلات قيمية
43 عبد الفضيل، "الجهود العربية.."، ص.60 5 3 حسيب وآخرون، ص.18
معيّنة، أهمها أنه مع التوحيد العربي وضدّ التجزئة، مع الاستقلال وضدّ التبعية، ومع التنمية الشاملة وضدّ التخلف أو النمو المشوّه، ومع العدالة التوزيعية وضدّ الاستغلال والفوارق الاجتمعية الشاسعة، ومع الديمقراطية ضدّ الاستبداد والديكتاتورية. ولكنّ فريق الدراسة مع ذلك لا يطلق الخيال في اتجاه واحد نحو هذه التفضيلات القيمية والأيديولوجية". ويحاول الفريق "اللجوء إلى مجموعة تنبؤات مشروطة، أو "مشاهد مستقبلية" (سيناريوهات) تفترض الأكثر توقّعًا تارةً، والمأمول تارةً أخرى. وفي كلّ من هذه المشاهد يجرى فتح الستار عن فترةٍ زمنية قصيرة من عمر المجتمع (القُطري، أو الإقليمي، أو العربي)، وبطريقةٍ تشريحية (...) ويكون هدف الخطوة التالية هو التعبير عن النسق الشامل (الحاليّ أو البديل) في صورة أنساق فرعية (اقتصادية واجتمعية وسياسية) وتتمثّل الخطوة الثالثة بإعمل هذا النسق للوصول إلى التداعيات المستقبلية لكلّ مشهد". ويؤكِّد الفريق البحثي سعيه "للوصول إلى منهجية عربية للاستشراف تساعد في توظيفها وتطويرها مستقبلً لدراساتٍ ممثلة. فقد كان لا بدّ من التقدم لأعمل الدرس العملي، والفكر المجرد، والخيال المنضبط، بشأن تحديات المستقبل العربي واحتملاته بمنهجٍ شامل تترابط داخل نسيجه كلّ معطيات الماضي والحاضر العربيين، على غرار الآفاق العالمية والإقليمية التي يمكن أن تحيط بنا طوال ثلاثة عقود مقبلة من الزمان (...) وفي هذا كلّه، فإنّ لديه (أي فريق البحث) حذرًا مشروعًا من المناهج والأساليب الشائعة في الفكر الاقتصادي الغربي، حرّضت فريق العمل على الإبداع في مناهج بديلة لصَوْغ تشابكات نسقٍ عربي شامل". وأوّل سمت هذا المنهج هو الشمول بترابط الماضي الحضاري بالحاضر المجزَّأ، ويمتد الاستشراف إلى سنة 2015، بالتلازم مع الشمولية بما أنّ المنهجية "قد استقرت على ضرورة شمول أوجه حياة المجتمع: الاجتمعية والسياسية والاقتصادية، وعلى ضرورة الجمع بين التحليلين الكمّي وغير الكمّي في شكل أنساق فرعية، وعلى مناقشة بدائل للمستقبل العربي في شكل مشاهد متباينة".
63 المرجع نفسه، ص.19 - 18 73 المرجع نفسه، ص.23 83 المرجع نفسه، ص.19 93 هذه الدعوة لمنهجٍ قومي منسجمةٌ مع نزعة التمسّك بالهوية التي برزت في الفكر القومي بعد هزيمة 1967، وهي تُذكّرنا بمسعى الإسلاميين للقطيعة المعرفية الشاملة على المستوى الثقافي، وقد تُوِّجت أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، من خلال جهد "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، وهو معهدٌ أسّسه إسماعيل راجي الفاروقي ورفاقه بأميركا في فرجينيا، وهم الذين حاولوا "أسلمة المعرفة"، من خلال ما يعدّونه "صوغ فلسفة ومرجعيات وبراديغما إسلامية للعلوم الحديثة في شتّى أنواعها وفروعها". وبما أنّ المعرفة في حدّ ذاتها - حتى في العلوم الاجتماعية - لا هوية لها بالمعنى الذي قصدوه، فقد كانوا يحاولون اجتراح "المستحيل". 0 4 حسيب وآخرون، ص.82
محددات المستقبل العربي وبدائله ومفاعيل المحدّدات الثلاثة (المجتمع والدولة، والعرب والعالم، والتنمية)
في القسم الأول من الكتاب/ المشروع، حاول فريق البحث تتبّع مسارات المجتمع وضوابط حركته. وفي القسم الثاني منه، حاول ترتيب العوامل التي تحيط به والتي تعمل كمحدّدات للمستقبل. وعلى الرغم ممّ يشير إليه الفريق من أنّ موضوع القسم الثاني بفصليه الثاني والثالث هو إعادة قراءة لكلّ من الماضي والحاضر العربيين، من منظور مواجهة تحديات المستقبل واستشراف مُقبله المحتمل، فإنّ هذين الفصلين يحملان رؤية الفريق للاجتمع العربي في علاقته بالدولة، وفي علاقة العرب بالعالم أيضًا. وتقتصر رؤية الفريق على تسجيل بعض الظواهر ورصفها إلى جانب بعضها على نحوٍ سريع، من دون تقديم مشهدٍ مركب متحرّك للدولة والعالم والتنمية. ويتجلى ذلك في القسم الثاني (معطيات استشراف المستقبل: الماضي والحاضر والعالم المتغير) في فصوله الثلاثة (إرث الماضي ودروسه، والحاضر: إيجابياته وسلبياته، والآفاق العالمية والخروج إلى القرن الحادي والعشرين). وقد حرص الفريق في دراسته ل "إرث الماضي" على منح فكرة الرسالة للحضارة العربية، ف "كانت نقطة الانطلاق في هذا الإرث واضحةً وهي الوسطية والتوازن، وما بين الروحانيات والماديات، واعتبار العلائق الاقتصادية كوجه مكمّل وليس كوجه أساسي (...) فالملكية الخاصة للمء والنار والكلأ، اعتبُرت إجحافًا (...) والبشر، كلّ البشر، مستخلفون في الأرض، مطالبون بعمرانها. وارتبط نموّ وازدهار هذه الرسالة الحضارية بمقدار ما رفضت الوساطة بين الإنسان وربه، بما يترتب على ذلك من مقام للعقل (...) مميزًا بين ما هو دين وما هو دنيا". وارتبط الانحطاط في المقابل ب "فترات الانهيار والتمزق والتجزئة (...) ولقد كان هذا الطمس الهدّام لمعطيات الماضي هو عين ما فعله بعض حكام العثمنيين والممليك وغيرهم". وركّز المشروع على رؤوس أقلام الظواهر الاجتمعية: القبيلة في اجتمع الجزيرة والخليج، وفي تحديد طبيعة السُلطة، وفي طبيعة الإنتاج. أمّا المشرق العربي، فقد انتشر الإسلام فيه في إطارٍ واسع من التسامح، وصار قاعدة الخلافة الأموية، إلى أن انتقلت إلى بغداد مع العباسيين، ثمّ انتقلت معها السُلطة إلى قومياتٍ إسلامية أخرى، بما فيها العثمنيون، حيث ساد نظام الملل الذي "جعل الطوائف الدينية وحدة التنظيم الاجتمعي الرئيسة في المشرق"، فاخترقت الدول الأوروبية المشرق العربي ب "استخدام الجمعات الدينية، وتقوية نزاعاتها الطائفية"؛ وبذلك "أرسيت البذور المؤسسة الأولى لنوعٍ من الدول". وإلى جانب النزعة الطائفية ورابطة الدولة العثمنية نمَا تيار القومية العربية الذي فجّر "الثورة العربية الكبرى"
14 هي ميزةٌ للقومية العربية في نظر القوميين بدءًا من قسطنطين زريق، وقد حوّلها ميشيل عفلق إلى "رسالة خالدة." 24 حسيب وآخرون، ص.107 34 المرجع نفسه، ص.108
بقيادة الشريف حسين، ودعا إلى استقلال البلاد العربية المشرقية ووحدتها، لكنّ الحلفاء أحبطوا مسعى هذا التيار وقسّموا بلاد المشرق. أمّا مصر فرأى المشروع/ الاستشراف أنّ الإسلام واجه فيها "تراكمً حضاريًا كبيرا"، وقد فرض النيل عليها "مركزيةً وظيفيةً"، واستمر حُكم "مصر وحدةً واحدةً" مقسّمةً إلى وجه قبليّ ووجه بحري، "وقد أحكم الولاة، أو السلاطين، دائمًا قبضتهم المركزية"، وشهدت "الصدمة الحضارية التي نتجت من الحملة الفرنسية، واقترن إحياء المشاعر الوطنية ببذر الفكرة البرلمانية"، ثمّ أفرز نظام محمد علي تحوّل الموظفين إلى مالكين، وأفرز الصفوة الإدارية التي استمر وجودها. كم ظلّت 'القبيلة' وحدة التنظيم الاجتمعي الأساسية في المغرب الكبير، وقام الإسلام بدور اللاحم لهذه القبائل، كإطارٍ عقيدي وحضاري توحيدي لكلّ القبائل". وبعد هذه الإطلالة على التنوّع الذي اتّسمت به الأقاليم العربية في الجزيرة والمشرق ومصر، والمغرب العربي الكبير، يتجه البحث إلى "الدولة القُطرية" ليُحمِّل مرحلة الغزو الاستعمري صعودها بوصفها شكلً سياسيًّا يعبّ عن مرحلة التجزئة العربية. وبالتوازي معها يلحظ التكوينات الاجتمعية الحديثة فيها. فقد "تبلورت حدود الدولة القُطرية الحالية كنتاجٍ للتفاعل مع الخبرة والهيمنة الغربية خلال القرنين الأخيرين". كم أشار المشروع إلى "هول أزمة الدولة القُطرية تجاه مجتمعها"، وارتباطها ب "استقرار النُخبة الحاكمة في السُلطة، وتكلّسها"، وإلى تسلطية الدولة واستبداديتها. ومن المظاهر البارزة التي يرصدها الانفجار السكاني "أنّ مستقبل الأنظمة السياسية العربية قد يتقرر على مسرح المدن العربية". يتساءل الفريق البحثي، في معرض رؤيته للعلاقة بالعالم: "إلى أين يمكن أن يذهب بنا هذا العالم الذي يقال إنّ هناك حضارةً واحدة تحكمه؟"، ثمّ "ما هي الفرص المتاحة أمام الوطن العربي وسط الساحة والآليات العالمية في المستقبل؟". وأوّل ما يلفت نظره من علامات التحول العالمي "ثورة الاتصالات"، وما ارتبط بها من ثورةٍ تقنية يضعها في عنوان محيِّ: "المعلوماتية بين العالمية والخصوصية"، لينبّهنا إلى المشكلات التي يمكن أن تفتحها هذه الثورة التقنية بالنسبة إلى بلادنا، على الرغم من جوانبها الإيجابية، بالنظر إلى أنّ "الحديث في الدول النامية والمنظمت الدولية، يدور حول الآثار الاجتمعية والثقافية لثورة المعلومات". وقد ورد في التحذير الذي يحمل "الخوف على ثقافتنا" القول: "لا شكّ في أنّ
44 المرجع نفسه، ص.120 - 105 5 4 المرجع نفسه، ص.126 64 المرجع نفسه، ص.143 74 المرجع نفسه، ص.177 84 المرجع نفسه، ص.189
هناك استخدامات إيجابيةً لهذه الثورة، لكن لا شكّ أيضًا في أنّ هذه الثورة تمكّن بعض الدول الرائدة فيها – دون سواها – أن تلُي الثقافة وأنماط الاستهلاك واللغة على الآخرين (...) [بخاصّة] مع الاستسلام لمنجزات المعلوماتية، والانبهار بها"، ثمّ نُلفي القول: "إنّ هذه الثورة التكنولوجية، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تعوّضنا عن الدور الذي ينبغي أن ينهض به ماضينا الثقافي والفني والقيمي". لعلّ مردّ هذا الحذر يعود إلى أنّ القوميين انكفأوا على فكرة الهوية مع صدمة هزيمة حزيران 1967، ومن قبلها نكبة 1948؛ وقد سبقهم الإسلاميون في ذلك إلى حدّ الدعوة إلى القطيعة الثقافية. لكنّ الفريق البحثي يرى أنّ ردّات الأفعال الدفاعية يمكن أن تقود العرب إلى تحجيم نظام القيم الغربية؛ إذ إنّ قيم الإهدار ستواجَه بضوابطٍ من القيم، وثورة المعلومات والبيولوجيا ستدفع العلمء ورجال الدين والمفكرين لوضع ضوابط حول استخدامها، وأيضًا ستتولد قيمٌ جديدة بشأن مفاهيم وقت الفراغ والعمل، وتطلعات هذه الحضارة إلى الإرهاب النووي سيولِّد قيمً أخرى، ومفهوم قوَّة العمل سيتغير برجحان العمل الذهني على العمل اليدوي، وبتغيّ أساسي في مفهوم الحاجات الأساسية، وهذا يدفع الجمهير في المراكز الحضارية إلى الاعتراف بالحضارات الأخرى. غير أنّ ردّات الفعل النقدية التي يعوّل عليها فريق البحث، هي مستقاةٌ أصلً من الوجه النقدي للثقافة المعاصرة الغربية، ونابعةٌ من فصل الحداثة النقدي؛ كم أنّ هذا التجاذب في محاور القيم يعمّ العالم برمّته، وإن كان ثمّة تفاوتٌ في مستوى الهيمنة؛ فضلً عن أنّ عرض الفريق البحثي لقيم المعاصرة يعاني تبسيطًا شديدًا.
القوى العالمية وموقع العرب
يتوقّع المشروع استمرار التنافس بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. مع ملاحظة التراجع في إمكانات الاتحاد السوفياتي، وبروز محاولات استدراك التراجع السوفياتي وفكرة الإصلاح عام 1986 في أجواء المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي. ويتوقّع أن يبقى التطوّر في المجتمعات الاشتراكية محكومًا بمعدل التطور في الدولتين الاشتراكيتين، الاتحاد السوفياتي والصين، وبالعلاقة بينهم. أمّا بشأن توازن القوى بين العرب ودول الإقليم، فيلاحظ الفريق البحثيّ أنّ إسرائيل كسبت، في حرب 1973، العبور في مضايق تيران، وأنها عسكريًّا ما تزال متفوقةً ولا سيم في المجال النووي، وفي هذا السياق توجد محاذير بشأن صعود دول الجوار الإقليمي (إيران، وتركيا، وإثيوبيا). ثمّ يقول الفريق:
94 المرجع نفسه. 50 المرجع نفسه، ص.198 - 197 51 المرجع نفسه، ص.205 52 المرجع نفسه، ص.209
"تخيّل وطنًا عربيًّا بلا مزايا نفطية، أو تخيّل عدّة تداعيات بديلة للصراع العراقي/ العربي - الإيراني". ولئن كان توقّع نهاية الحرب العراقية – الإيرانية، بوصفها متغيًّا كبيرًا ممكنًا، منتظرًا، فإنّ تخيُّل غياب تأثير النفط غير واقعي ومتسرّع.
سيناريوهات ثلاثة للمستقبل العربي
اختار فريق البحث "التكامل أو التوحّد العربي" معيارًا يقيس به المستقبل العربي، وفضّله على المعيارين الآخرين (التنمية، والديمقراطية). فالتوحّد العربي "يتداخل مع المعيارين السابقين، تداخلهم معه". ونظر فريق البحث إلى "العلاقات العربية - العربية" على أنها العامل الفصل في حوادث المتغيرات في الاجتمع العربي في جميع جوانبه. وقد اتسمت نظرة الفريق البحثيّ المستقبلية باشتملها على الدائرة العربية برمتها، واختيارها منهجًا مركبًا انصبّ على الاحتملات والممكنات، وهذا معناه اللجوء إلى مجموعة تنبؤاتٍ مشروطة. وهكذا، افترض فريق البحث ثلاثة مشاهد مستقبلية بشأن الصيغة المحتملة التي ستأخذها العلاقات العربية خلال الثلاثين سنةً المقبلة؛ أي إلى غاية عام 2015. وينطلق المشهد الأول، وهو المشهد الاتجاهي؛ أي مشهد التجزئة، من افتراض استمرار أوضاع التجزئة. وهو يمثّل بالنسبة إلى الفريق أسوأ ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع العربية، إلى درجة تحلّل الهوية العربية القومية. أمّا المشهد الثاني، فهو مشهدٌ إصلاحي ترشيدي، يتّخذ أشكالً وسيطةً من التنسيق والتعاون بين عددٍ من الدول العربية أو معظمها، وهو يسمح بقيام تجمعات بين أقطار متجاورة متشابهة في التوجهات والسياسات على غرار التجمّع الخليجي، أو المغاربي. ويستطلع المشهد الثالث، وهو المشهد التحويلي أو الثوري؛ أي مشهد الاتحاد/ الوحدة، الأشكال الممكنة لنشوء دولة الوحدة العربية ببدائلها الاجتمعية والسياسية المختلفة. وقد تجسّد في كلّ مشهد من المشاهد الثلاثة انسجام في وجوهه المختلفة، وتكشّفت من خلال هذه الصورة خيارات الفريق البحثي تجاه بناء الدولة الوحدوية والتنمية والعلاقة بالعالم؛ ذلك أنّ رأيه قد استقرّ على التمييز بين المشاهد/ السيناريوهات، بناءً على معيار نوع العلاقة العربية. ولجأ إلى ما سمّه "لحظة فتح الستار" من أجل إيضاح هذا الانتقال النوعي من مشهدٍ إلى آخر، فكلّ مشهدٍ يرتبط - تبعًا لنموذجه الذهني لدى الفريق - بشبكةٍ متكاملة من المواصفات، ونُلفي ذلك في القول: "يرتبط ذلك بما يتسق معه من توجهات اقتصادية وخيارات للعلاقة مع العالم الخارجي، وبما يتفق مع ذلك من
53 المرجع نفسه، ص.227 54 المرجع نفسه، ص.236
ممرساتٍ للنخب الحاكمة تجاه جمهير قُطرها". فيصبح المشهد/ السيناريو بمنزلة جملة بنيوية متلاحمة ومنسجمة في فاعلياتها وممرساتها وتعدّد وجوهها، كلّ وجه فيها يحيل على الآخر ويكمله. ولكن إنْ كان الأمر بهذه التكاملية والتلاصق، فكيف يمكن إذن تصوّر عملية الانتقال من مشهدٍ إلى آخر؛ أي من بنيةٍ إلى أخرى؟ لقد جمع فريق البحث، في مشهد التجزئة كلّ ما هو سلبي وألصقه به، من دون نفيٍ لاحتملات مزيد من التردي والتدهور. أمّا المشهد الثاني (الإصلاحي والترشيدي)، فيمكن القول إنه مشهد بينيٌّ. وأمّا المشهد الثالث (الاتحادي/ الفدرالي)، فقد جمع الوجوه الإيجابية كلّها.
المشهد الأوّل
يفترض هذا المشهد استمرار الأوضاع التي سادت الوطن العربي منذ حرب أكتوبر 1973، فيكون الانقسام العربي هو السمة السائدة. ومن ثمّة، "يحتوي المشهد الأول مجمل السلبيات والإيجابيات التي واكبت حالة التجزئة واستمرار منطقها: نمط النموّ المشوه، والممرسات غير الديمقراطية، وزيادة الاختراق الخارجي للمنطقة العربية". وتتلازم مع المشهد عدّة مظاهر، هي: تكرّس المؤسسات والنزعات القُطرية، واستمرار خطط التنمية وبرامجها على أساس قُطري وتابعٍ، والسمح بمحاولات للمشاركة السياسية المحدودة، واستمرار اختراق القيم الغربية الاستهلاكية والفردية للمجتمع العربي، وعلاقات التبعية للعالم الخارجي واندماج الأقطار العربية في النظام الرأسملي العالمي، واستمرار إدارة الصراع مع إسرائيل على حالها. وبشأن العلاقة بالعالم، يتنبّأ المشروع بأنّ "الوطن العربي في هذا المشهد متأثّر وسلبيّ أمام سياسة القوى الفاعلة في النظام [العالمي] بل مستسلمٌ لها في العديد من الأحيان"، وبأنه لا دور يُذكر للعرب، في إطار هذا المشهد، في تقوية حركة عدم الانحياز. ومن المتوقّع في مجال التنمية "أن تبقى عناصر الضعف التي تعانيها الصناعة العربية، والتي تنتج من محدودية حجم السوق القُطرية من ناحية، ونقص إمكان التمويل وانخفاض مستوى مهارة العاملين والارتفاع النسبي للأجور من ناحية أخرى"، ليصل المشروع إلى القول: "إنّ طبيعة التجزئة الحالية في الوطن العربي، ومحتوى خيارات النُخب الحاكمة
55 المرجع نفسه، ص.237 56 المرجع نفسه، ص.271 57 المرجع نفسه، ص.272 - 271 58 المرجع نفسه، ص.272 59 المرجع نفسه، ص.283 0 6 المرجع نفسه، ص.292
في التنمية الاقتصادية والتقنية، ومفهوم كلّ منها للأمن القومي، لن يُتيح في هذا المشهد لأيّ قُطر عربي أن يكون قادرًا على تحقيق نسبة معقولة من الاكتفاء الذاتي". وفي المقابل، فإنّ "التحديات الداخلية في كلّ قُطر عربي ستزداد"، "[و] من المحتمل في أوضاع الاهتراء والاختراق والتراجع، أن يستمر تصاعد الحركات الدينية المتطرفة التي تشكّك بدايةً في شرعية الدولة القُطرية وأحقّيتها في البقاء"، وإنّ "استمرار هذا المشهد يمكن أن ينتهي بتقسيم لبنان إلى أربع دويلات على الأقلّ (مارونية، وسنّية، وشيعية، ودرزية)، وسوريا إلى ثلاث دويلات (علوية، وسنية، ودرزية)، والعراق إلى ثلاث دويلات (شيعية، وسنية، وكردية)، والسودان إلى ثلاث دويلات أيضًا (في الجنوب، والغرب، والشمل)، وإلى انفراط عقد الإمارات المتّحدة، وفقدان البحرين لإيران، وجيبوتي لإثيوبيا، وجنوب موريتانيا لدويلة زنجية (...) وما تبقّى من دولٍ قُطرية من دون تجزئة أو تفتيت، ستكون في حالةٍ شديدة من الضعف والصراعات الداخلية والتبعية الاقتصادية والسياسية". وللباحثين يقينٌ غامض بأنّ الكيانات الصغيرة تُفضي في حدّ ذاتها إلى التجزئة، بصرف النظر عن عوامل أخرى. ومن ثمّ فإنّ الاتجاه إلى الوحدة يُبعد هذا الخطر. وهذا المشهد يبدو لديهم "أسوأ المشاهد الممكنة للمستقبل العربي، فهو مشهد واقع التجزئة". لذا، فهم يطلقون علية اسم "المشهد الإسرائيلي"، ويبدو للباحثين أنّ الذي حدث في السبعينيات والثمنينيات هو أنّ "واقع التجزئة قد تعمَّق وتكرَّس. وأخطر من ذلك أنه أصبح إلى حدّ كبير مقبولً نفسيًّا ورسميًا، على المستويين الحكومي والشعبي. وأخطر من هذا وذاك أنّ القوى الرافضة لواقع التجزئة قد ضعفت أو تهمّشت". من البديهي القول إنّ الكيانات الكبيرة، هي أكثر ملاءمةً للتنمية من الكيانات الصغيرة إنْ كانت الشروط الأخرى متساويةً، وإنّه في حال وجود تجانسٍ ثقافي قومي يكون الأمر أفضل، وإنّه إن توافر عنصر الرغبة والإرادة للوحدة في الكيان، ستكون الحال أكثر ملاءمةً للتقدّم. لكنّ هذه الحقائق لا ينتج منها القول، كم يذهب أصحاب الاستشراف، باستحالة تقدّم "الكيانات الصغيرة" حتى بمقاييس صناعة القوة. فالترويج لفكرة الوحدة لا يحتاج إلى تلك الوعود السخية. والكيان الكبير ليس شرطًا كافيًا وافيًا للتقدم في مجالات التنمية والحرية والقوة، أو اتساع مجالات السعادة، غير أنّه عامل مساعد على الإنجاز.
16 المصدر نفسه، ص 322 26 المرجع نفسه، ص.325 36 المرجع نفسه، ص.327 46 المرجع نفسه، ص.333 - 332 5 6 المرجع نفسه، ص.333 66 المرجع نفسه.
يمكن للبلدان الصغيرة أن تُنجز المسائل المذكورة بالكثير أو القليل من الصعوبات وفي زمنٍ أطول. لذا، تبدو هولندا الصغيرة مقارنةً بالهند أكثر تقدمًا ومدنيّةً، على أنّ الجمعات المتجانسة ثقافيًا وقوميًا ترغب في الاتحاد مع أقرانها لما يربطها بها من صلات ثقافية - لغوية تكوّنت في ثنايا تاريخها المشترك، إضافةً إلى الأرض والجوار. وإذا كان في هذا الاتحاد فائدة ومصلحة زادهم الأمر رغبةً فيه وإرادةً له، وحفّزهم على العمل في اتجاهه. وفي المقابل، توجد جمعاتٌ مختلفة لغويًّا في العصر الحديث (مثل الجمعات الأوروبية) تتجه للاتحاد بدافع المصالح المشتركة فحسب، ويساعدهم على ذلك انتشار تعلّم الشعوب الأوروبية أكثر من لغةٍ ولا سيم الإنكليزية والفرنسية، وسهولة الاتصال بسبب كثافة طرائق الاتصال البرية والجوية والبحرية، فضلً عن الفضاء المفتوح من دون تخومٍ مرئية. إنّ الدعوة إلى الوحدة والرغبة فيها هي قضية مشروعة تجد لها سندها في الرابط الثقافي والشعور بالهوية المشتركة، علاوةً على مصالح الحاضر. فالكيان الأوسع له ميزاته. وإنّ حقبة العولمة تفرض على الشعوب توسيع دائرة تكتلّاتها الاقتصادية، على غرار الاتحاد الأوروبي، وغيرها من الروابط ليكون لهم رأس في العالم. غير أنّ القول إنّ الكيانات الصغيرة محكوم في أمرها بأنْ تكون مجزّأةً وأن يكون حكامها فاسدين واستبداديين باستمرار، أمر يحتاج إلى تقصٍّ أوسع. إضافةً إلى أنّ هذا التصوّر لوجود علاقة ذات طابع حتمي بين الكيانات الصغيرة والتخلف والتجزئة مرَّةً أخرى، يُعفي الحكام، والنُخب الحاكمة، والشعوب أيضًا من المسؤولية عن المسار. وهكذا، تبدو المشكلات الكبرى التي تواجه الدولة القُطرية للباحثين مسألةً بنويةً تكمن في "عجز الدولة القُطرية ومجتمعها" عن حلّ العثرات؛ أي "عجز الدولة القُطرية المعاصرة في الوطن العربي عن إدارة المجتمع والاستجابة الخلّقة في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية. وطبقًا لهذا المشهد، فإنّ هذا العجز سيزداد خلال العقود الثلاثة المقبلة. وسيكون لهذا العجز مظاهر عدّة تنبع بدايةً من شللٍ جزئي، لتصبّ مرّةً أخرى في جسم المجتمع والدولة لتصيبهم بما يشبه الشلل الكلّ". غير أنّ فريق البحث يستدرك هذا المسار الحتمي، على الرغم من كلّ ما يقدّمه للاستدلال عليه؛ ذلك أنّه يفتح ثغراتٍ في هذا السيناريو ليحيلنا على المشهد الثاني. تتمثّل أوّل الثغرات بقولهم إنّ "أحد الأسباب الرئيسة الكامنة وراء هذه الممرسة في الدولة القُطرية، هو زيادة تركز اتخاذ القرار في يد مسؤولٍ واحد، أو حفنة صغيرة من المسؤولين". ومن ثمّ يمكن أن نتساءل: أيهم يحظى بأولوية التأثير: الدولة القُطرية أم مركزية الحكم؟ وأيهم ساهم في نشوء الآخر: قُطرية الدولة أم مركزية السُلطة وعتوّها؟ أمّا الثغرة الثانية في جدار الحتمية المُتصورة، فتظهر من
76 المرجع نفسه، ص.328 86 المرجع نفسه.
التساؤل الذي يطرحه فريق البحث وإجابته عنه، وهو إن كان ثم ة ما يمكن عمله "في ظلّ معطيات هذا المشهد لمنع أسوأ الاحتملات التي ينطوي عليها؛ أي التهام مزيد من الأراضي العربية، ومسخ هويتها البشرية، أو تفتيت مزيد من أقطارها (...) والإجابة هي نعم"، ومثل هذه السياسات والممرسات الإسعافية – العلاجية، كم يقول المشروع، هي "لإيقاف ما يمكن من التدهور، وتحسين ما يمكن تحسينه". وعلى الرغم من كلّ الاستدلالات التي ذكرها المشروع، فإنه يفتح ثغرةً في هذا السيناريو، وهذه الثغرة تفتح الطريق للانتقال إلى السيناريو الثاني. فقد تناول فريق البحث المشهد الأول بطريقةٍ بنيوية، جعلت مفهوم الدولة القُطرية شبكةً نظريةً مغلقةً، كلّ جانب من جوانبها يحيل على الآخر ويعزّزه، وينتهي في ختام المشهد ليدخل في مضمر التاريخية ومنهجيتها، فيربط زمن الدولة القُطرية بالزمان العامّ وفي سيولة التاريخ وتحركه، لتُفضيَ في تحوّلها التاريخي - بطريقة توليدية - إلى أفق المشهد الثاني، ومن الزمن الدائري إلى الزمن الانسيابي، وهو أمرٌ يتطلّب نوعًا من الوعي والإرادة السياسيين لدى النُخبة الحاكمة.
المشهد الثاني
في هذا المشهد، تبدأ الحوادث والظواهر في تحوّلها، وفي سيولتها "التاريخانية". ويمكن أن نرى أنّ تراكمت ظواهر المشهد الأول تتحول تاريخيًا إلى ما يشبه نقيضها؛ إذ يفترض فريق البحث أنّ النُخب الحاكمة في الدولة القُطرية العربية سترى التحديات والمخاطر الكثيرة المحدقة بأنظمتها ودولها وتَعِيها، فتتجه إلى اعتمد مجموعة من السياسات والإجراءات الإصلاحية في الداخل وفي علاقتها الإقليمية لمجابهة تلك المخاطر. فإذا كان "البطل" في فاتحة المشهد الأول هو "الدولة القُطرية"، وقد هيمنت ببنيتها وقوانينها الداخلية على المشهد، ثمّ تفتّقت في نهايته، فإنّ بطلنا في المشهد الثاني هو "الحكّام" الذين أدركوا كثرة المخاطر التي باتت تحيط بهم وبالدولة القُطرية نفسها، فشرعوا في إحداث إصلاحات في مجالات شتَّى - بما فيها العمل الوحدوي - واتجهوا إلى بناء جسورٍ سياسية - اقتصادية بين دولهم. يفترض المشهد أنّ الإصلاح سيتحقّق في عددٍ من الأقطار العربية الكبيرة بسرعةٍ معقولة مؤدّية إلى حركات إصلاحية في الأقطار العربية الأصغر. ويعبّ هذا المشهد عن أشكال وسيطة من التعاون والتنسيق، بين كلّ الأقطار العربية أو أغلبها. فيأخذ التنسيق والتعاون صورة أحد أمرين: تجمعات إقليمية متعدّدة (تجمّع الخليج، والمشرق العربي، ووادي النيل، والمغاربة)، أو تنسيق عربي عامّ في المجالات المختلفة. وتساعد على ذلك التحول مراكز الأبحاث والدراسات العربية، والاتحادات المهنية العربية، وجمعات
96 المرجع نفسه، ص.334 0 7 المرجع نفسه.
المصالح القُطرية، والأحزاب والتنظيمت السياسية، ومنظمت العمل العربي المشترك؛ ولا يُستبعد العمل في إطار الجامعة العربية. ويتّسم هذا المشهد بأنّ فكرة الولاء للكيان الأكبر ستنمو، في ظلّ استمرار الأشكال الوسيطة من التعاون والتنسيق، وستستمر التوجهات التنموية نفسها التي كانت سائدةً في المشهد الأول، مع استفادة من زيادة الموارد ونموّ السوق، ويحتمل أن تقلّ النزاعات بين الأقطار العربية، وتزداد الإفادة من بعض المؤسسات (الجيش والأجهزة الأمنية). ولن يتمّ الخروج على "نظام التبعية"، أو على نهج إدارة الصراع مع إسرائيل، وسيُحدث المشهد تداعيات، إذ سيزداد دور الرأي مطالبةً بالحقوق الاجتمعية والوطنية والقومية (المساواة والمشاركة). ويتوقّع المشروع أنه سوف تتعايش، في ظلّ هذا المشهد، صناعات موجهة إلى التصدير، وأخرى إلى الإشباع، وأنّ أهم القطاعات المرشّحة للتنسيق هي النفط والطاقة. أمّا توجهات التنمية، فتبقى مرتبطةً بنمط الاستهلاك ونمط الاختيار التقني. وفي ما يتعلّق بالنتائج، يتوقّع أنّ "التكافل المالي على مستوى كلّ تجمّع – مع بقاء بقيّة المعطيات على حالها (...) كفيل بحلّ بعض المشكلات الملحّة"، بيد أنه سيحرّك القوى المعادية للعرب إقليميًّا ودوليًا، لخشيتهم استمراره. فتعمل الولايات المتحدة، حرصًا على أمن إسرائيل "على منع ذلك وعزل تجمّع المشرق العربي"، في حين "سيتّجه الاتحاد السوفياتي لتقديم السلاح إلى الأطراف العربية الصديقة". وفي الحصيلة، فإنّ "السياق الإصلاحي لهذا المشهد، بما ينطوي عليه من زيادة منظمت المجتمع المدني، والنمو الاقتصادي، والتبلور الطبقي، واتساع قنوات التعبير والمشاركة السياسية، من شأنه أن يخفّف التوتر الإثني في الأقطار الأكثر تنوعًا (لبنان، والعراق، وسوريا، والسودان، وأقطار الخليج، وموريتانا)". لكن تراكم هذا المشهد "لن يسحب الفتيل تمامًا من المسألة الإثنية، وهو لا يقدّم إطارًا حضاريًا شموليًا لحلّها". أمّا بشأن مستقبل هذا السيناريو، فإنه قد يتعرض للجمود، ومن الممكن أن "تتطوّر علاقات التكامل والتنسيق بحيث تزداد في عددها (أي عدد المجالات والأنشطة التي تشملها) ونوعها (كثافة التفاعلات وعمقها)" فنكون على أبواب "تحوّل نوعي يقودنا إلى مشهد الفدرالية السياسية أو الوحدة العربية
17 المرجع نفسه، ص.346 - 345 27 المرجع نفسه، ص.351 - 348 37 المرجع نفسه، ص.370 - 369 47 المرجع نفسه، ص.398 5 7 المصدر نفسه، ص.403 67 المرجع نفسه، ص.404 77 المرجع نفسه، ص.419
الاتحادية". ومن المعروف أنّ ظواهر هذا المشهد (التجمعات الإقليمية) التي يدرسها الفريق البحثي، لا تلاقي في هذا المشهد رضًا كاملً من فريق البحث؛ لأنّ عينيه على المشهد الثالث.
المشهد الثالث
إذا كان المشهد الثاني يعتمد على مساهمة النُخب الحاكمة فيه إنقاذًا لمصلحتها، وبسبب ضغط الرأي العامّ، فإنّ المشهد الثالث يأتي استجابةً وتجسيمً لما تريده الشعوب، من خلال تنظيمتها وأحزابها. وعندما تُفتح الستارة، يتّضح أنّ هذا المشهد/ السيناريو أقرب إلى نموذج "الجمهورية العربية المتحدة" التي جمعت مصر وسوريا من قبلُ؛ إذ يفترض مشهد "الدولة العربية الاتحادية" (الفدرالية) "قيام وحدة اتحادية عربية تضمّ معظم الأقطار العربية الرئيسة، ومعها بعض الأقطار الأخرى أو كلّها، وأن يتمّ ذلك (...) مع بدء التسعينات"، فتكون الدولة الاتحادية ذات "سياسة خارجية واحدة، وجيش واحد، وعملة واحدة، ونظام تعليمي واحد الفدرالية، كحدٍّ أدنى"، ويسود هذه الدولة "مبدأ التعدّدية (...) بحيث يُحترم التنوّع في إطار الوحدة. كم يفترض أنّ قيام الكيان العربي الموحّد لا يمكن أن يتمّ في إطار التبعية، أوفي إطار غياب المشاركة الشعبية". نلاحظ أنّ كلّ أحلام العرب قد تجمّعت دفعةً واحدةً في هذا الكيان الوحدوي، من دون أن يتعارض أو يصطدم حلمٌ أو هدفٌ بآخر أو يسبقه. فالوصول إلى هذا السيناريو يحتاج "إلى عددٍ من الخطوات المتقدّمة على طريق الاستقلال والتنمية والديمقراطية. من هنا فقد ربط [المشروع] بينه وبين الديمقراطية والمشاركة الشعبية، وبينه وبين الاستقلال ورفض التبعية، وبينه وبين احترام الأصالة الحضارية والثقافية للأمة وبينه وبين قدرٍ ضروري من العدالة الاجتمعية"، وهو يوجِد إحساسًا بالانتمء إلى الجمعة العربية، ومزيد من التبلور الاجتمعي للتكوينات الاجتمعية الحديثة مع آليات نشطة للحراك الاجتمعي الأفقي والرأسي، ومزيد من الشرعية للتعدّدية "الثقافية - الإثنية"، والمواءمة بين الاتجاه القيمي العامّ ومنع الهيمنة الحضارية الأجنبية، ومزيد من التوجه للتخطيط، وغلبة قيم الإنتاج والعمل والإنجاز، وتحسّن وضع المرأة والمعرفة العلمية، كم أنّ النُخبة الحاكمة في هذه الدولة ستفرزها العملية
87 المرجع نفسه، ص.438 97 المرجع نفسه، ص.442 - 433 0 8 المصدر نفسه، ص.442 18 المرجع نفسه. 28 المرجع نفسه. 38 المرجع نفسه، ص.238
الديمقراطية. وتزداد في هذه الدولة "فرص الاحتواء والتصفية التدريجية لإسرائيل (...) وستنحو الدولة الاتحادية في توجهاتها إلى اعتمد سياسة التعايش السلمي وحسن الجوار". أمّا النُخب الحاكمة، فهي تتشكّل من اتجاهين رئيسين في توجهاتها الاجتمعية. فالاتجاه الأول هو توجهه التنموي صوب النمط الغربي. أمّا الاتجاه الثاني، فهو يعبّ عن مصالح الطبقات الشعبية التي تتّجه نحو التنمية المستقلّة المعتمدة على الذات. والأمر اللّفت للنظر في هذه الدولة عظمة قادتها ومؤسساتها، ف "الاستجابة الخلاقة المبدعة للتحديات الكبرى هي الكفيلة بولادة مشروعات المدنيات العظيمة في التاريخ الإنساني (...) مشهدنا الحالي هو نقلةٌ كيفية في وجه التحديات. وفيه كلّ النقلات الكيفية، ينطوي الأمر على رؤيةٍ مبدعة ومبهرة، وعلى قيادات عملاقة قادرة على إلهام الجمهير وتعبئتها ". ويتوقّع المشروع نشوء علاقة نوعية بين الدولة والمجتمع "تؤدِّي إلى التطابق بينهم". فيقرّبنا هذا من النموذج/ الحلم: الجمهورية العربية المتحدة، ومن قائدها جمل عبد الناصر. أمّا بشأن الأقليات الإثنية، ف "في بداية الوحدة، قد تعارض التكوينات الإثنية الكبيرة انضمم أقطارها أو تجمعاتها الإقليمية إلى دولة اتحادية، حيث تُصبح نسبتها فيها أكثر ضآلةً، وتاليًا تصبح أقلّ نفوذًا وتأثيرًا (...) ولكن في المعارضة لن تأخذ شكل المقاومة المسلحة في وجه دولةٍ اتحادية، فهذه الدولة (...) أقوى من الدولة القُطرية الأصلية". وتذهب التوقّعات إلى حدّ أبعد من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، إذ تتمخض الدولة الاتحادية عن إبداع عربي "في مجال المفاهيم والقيم والمعايير وأنماط السلوك أيضًا (...) ستكون قواها الحية قد أبدعت صيغًا جديدة للتعامل الخلّق مع الثنائيات أو الجدليات الحاكمة في التاريخ العربي". افترض فريق البحث، بشأن علاقة هذه الدولة بالعالم، أنّ قيامها لن يكون أمرًا مرغوبًا فيه بالنسبة إلى الدول العظمى، ودول الجوار، وإسرائيل، ولذلك فإنّه لا بدّ أن يرتبط بتوازن عالمي من شأنه أن يدعم هذا القيام واستمرار هذه الدولة، وبموقفٍ دولي يتّسم بعدم هيمنة قوَّة دولية واحدة على النظام العالمي، أو عدم اتساع الهوة بينها وبين القوى الأخرى.
48 المرجع نفسه، ص.445 - 443 5 8 المرجع نفسه، ص.444 68 المرجع نفسه، ص.445 78 المرجع نفسه، ص 446. وتجدر الإشارة إلى أنّ خط التّشديد، أينما ورد في الاقتباسات، فهو مضاف. 88 المرجع نفسه، ص.451 - 450 98 المرجع نفسه، ص.449 - 448 0 9 المرجع نفسه، ص.450 - 449 19 المرجع نفسه، ص.452 - 446
وقد حدّد الاستشراف، في هذا المشهد، ثلاث طرائق للوحدة، تبدو أولاها مفاجئة للقارئ. فبعد الحديث المطوّل عن الديمقراطية بوصفها شرطًا للوحدة وعاملً يُهيّئ البيئة السياسية لهذه الوحدة، يجري تأكيد لوجود طريق ثوري مستند إلى دور "الإقليم القاعدة" وقائده الملهم في التوحيد، على نحوٍ يُذكّرنا بمصر أيام عبد الناصر، وهو ما يوحي بالحنين إلى هذه الحقبة من التاريخ. فهذه الطريقة تعتمد على "قيام قوَّة إقليمية تغييرية جذرية (ثورية)، تتكوّن من قُطر عربي كبير أو أكثر (...) وتكون ذات توجهات وممرسات وحدوية واستقلالية في مجال التنمية والعلاقات الدولية". ثمّ "لا بدّ أن يتمتّع (...) الإقليم القاعدة بسمتٍ معيّنة (...) وأهمّ هذه السّمت: قاعدةٌ سكانية كبيرة نسبيًا، قاعدةٌ اقتصادية كبيرة ومتنوعة في هيكلها، موقع مركزي في الوطن، متميز جغرافيًا وسياسيًا، حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والاجتمعي، قدراتٌ عسكرية كامنة أو متحقّقة بالفعل، إضافةً إلى تبلور المشروع الحضاري العربي الوحدوي الذي يتبناه هذا الإقليم". أمّا الطريقة الثانية التي يفترضها هذا المشروع، فتتمثّل باستمرار "مسيرة المشهد الثاني للأشكال الوسيطة للوحدة (...) متدرّجًا إلى تكامل وتنسيق في أنشطة التخطيط واتخاذ القرار وخلق مؤسسات وظيفية يمتد قرارها المباشر عبر الأقطار، ثمّ تأتي اللحظة التي تُطرح فيها مشكلة المواطنة والسيادة (...) يكون الطريق ممهدًا وصولً إلى قيام دولة اتحادية عربية". وأمّا في الطريقة الثالثة، ف "يُراهن على حدوث تحوّل ديمقراطي كامل في معظم الكيانات الإقليمية والقُطرية (...) وتنطلق الفكرة هنا من أنّ أغلبيّة شعوب الأمة العربية ترغب في الوحدة، وأنّ كلّ تحوّل ديمقراطي سيقرّب هذه الشعوب من رغبتها". لا ينسى فريق البحث أن يُذكّر، في الختام، بما يسميه "قوى الوحدة" التي يُعوِّل عليها؛ وذلك لأنّ "هذا المسار يتطلب قوى تغيير معيّنة، تتّسع بتأثيرها ووجودها على امتداد الساحة العربية، ويكون لها مشروع حضاري عربي للوحدة والنهضة". ومن بين الحركات السياسية المعاصرة في الوطن العربي، فإنّ "حركة قومية جديدة، هي الأكثر ترشيحًا للقيام بالدور المطلوب في خلق 'الدولة – النموذج' في قُطر مركزي بعينه أو في تجمّعٍ إقليمي (...) كم لا بدّ للحركة القومية الجديدة أن تتفاعل وتتحاور مع القوى الثورية الإسلامية، كقوىًاجتمعية وكحقيقة موجودة، شرط أن يكون إطارها المرجعي عربيًّا، وأن تكون
29 المرجع نفسه، ص.503 - 502 39 المرجع نفسه، ص.504 - 503 49 المرجع نفسه، ص.504 5 9 المرجع نفسه، ص.505
ديمقراطيةً"، وأن تعتمد هذه الحركة "المشروع الحضاري العربي"، وهو " المخرج الوحيد من حالة التردّي العربيالتي عجزت الدولة القُطرية العربية عن الخروج منها". يبدو واضحًا من خلال هذه الاقتراحات ميل أصحاب المشروع إلى السيناريو الثالث الذي يعتمد نموذجًا شبيهًا بذلك السيناريو الذي كان قد بشَّ به نديم البيطار في مرحلة الحقبة التقدمية وصعود التجربة الناصرية، إضافةً إلى ميله إلى إبراز دور الحزب الطليعي حامل قضية الوحدة وأنه يقع عليه عبء تحقيقها. ويُختم الاستشراف بالتبشير بالمشروع الحضاري النهضوي الذي أصبح منذ ذلك الحين العنوان الأيديولوجي لهذا التيار القومي. ويتمحور هذا المشروع حول ستة مطالب، هي: "الوحدة العربية"، و"الديمقراطية"، و"التنمية المستقلّة"، و"العدالة الاجتمعية"، و"الاستقلال الوطني والقومي"، و"التجدّد الحضاري في مواجهة التجمد التراثي من الداخل والمسخ الثقافي من الخارج". وهذا هو طريق العرب الوحيد للتقدم أو الهلاك، وهو لا يصلح، أساسًا، لإجمعٍ عربي جديد فحسب، بل إنّه أيضًا "المخرج الوحيد من حالة التردد العربي التي عجزت كلّ الدول القُطرية العربية عن الخروج منها. ومن المهمّ أن تؤخذ مقوّمات هذا المشروع الحضاري القومي العربي ككلّ، ومن دون مقايضةٍ زائفة ".
رابعًا. نقد وتقييم
يمثّل الجهد العلمي المبذول في كلا المشروعين، مشروع المستقبلات العربية البديلة ومشروع استشراف مستقبل الأمة العربية/ مستقبل الوطن العربي، بدايات مهمةً لجهد يجب أن يتواصل ويستفيد من الأخطاء والدروس التي تمخّضت عنه. وقد عانت منهجية بناء السيناريوهات والمشاهد المستقبلية، في كلَ المشروعين، بعض نواحي القصور، ولا سيم في مجال تحديد شروط الإمكان، وشروط الاستمرارية. فليس الشأن برفع الستارة عن المشهد بعد أن اكتمل ونضج، بل إنّ تداعي المشاهد الفرعية وتتابعها لا بدّ أن يستند إلى شروط تضمن استمرارية المشهد، وتحول دون ارتداده وتحوله. ثمّ إنّ السيناريوهات "لم تخرج عن كونها مشاهد ستاتيكية" تطرح قضايا وإمكانات مستقبلية أكثر من كونها تطرح آليات ومسارات ديناميةً؛ للوصول إلى الهدف المطلوب من نقطة الأساس والانطلاق. ويرتبط بهذه النقطة غموض "آليات الانتقال" من مشهدٍ أو سيناريو إلى آخر، فجاءت المشاهد المستقبلية كأنها
69 المرجع نفسه، ص.506 - 505 79 المرجع نفسه، ص.510 89 المرجع نفسه، ص.510 - 509 99 المرجع نفسه، ص.510
"معلّقة في الهواء". وعندما كشف الفريق البحثي عن المشهد المستقبلي (فتح الستارة)، لم يُقدّم أيّ معلوماتٍ عن الفترة اللازمة ل "الاستعداد للتغيير" قبل أن يحدث التحوّل النوعي الذي يُفضي إلى نشوء المشهد وتحقّقه في "الزمن المستقبلي" المفترض. وقد صيغت السيناريوهات بدرجة كبيرة من الاتساق والمنطقية على المستوى "النظري"؛ ذلك أنّ كلّ مشهدٍ منها يطرح نموذجًا متّسقًا مع مفهومه، ولا سيم المشهد الأول. فالسيناريو السلبي (التجزئة) تكون فواعله ومتغيّاته سلبيةً كلّها، ولا سبيل إلى الإيجابيات داخله، والسيناريو "التكاملي" ينطوي على ما هو بين المنزلتين. أمّا السيناريو (الوحدوي)، فكلّه إيجابيات. في حين أنّه كان على الاستشراف أن يرسم سيناريوهات ديناميةً على أساس واقعي، ينطوي فيه كلّ مشهدٍ على السلبي والإيجابي في آن واحد، ويكون في حالة صراعٍ وجدل مستمرين. وعلى الرغم من أنّ استشراف مستقبل الأمة العربية أشار إلى إعطاء فرصة للتوقّعات الحدسية، فإنه قيَّد حركة الباحثين ب "سقوفٍ منهجية على بحثهم سيناريوهات ثلاث محدّدة (بدايةً)، ومثل هذا الموقف أشاع إحساسًا بالنمطية في تلك الممرسة البحثية". بل إنّ استشراف "مستقبل الأمة العربية" يطرح علينا مفاهيم مُتخيلةً جوهرانيةً. فحينم يتحدّث عن "حركةٍ قومية جديدة" تختلف عن القومية القديمة (السابقة)، فإنّنا لا نعرف بداياتها ومآلاتها وكأنها خارج الزمن. كم يفترض السيناريو الثالث "نخبةً حاكمةً مثاليةً" تجمع كلّ شأن مرغوب فيه؛ فهي ذات جذورٍ وتوجهات قومية، ومحتوى ديني إسلامي حضاري، وفي الوقت نفسه نجدها ديمقراطيةً، وواعيةً بالتحولات العالمية وقادرةً على التعامل المبدع معها. إنها حركة قام المؤلف بتفصيلها على مقاس "الحلم المرغوب" من دون مبرّراتٍ كافية لوجودها الواقعي. إلى جانب ذلك، عوَّل على أنّ "التخطيط أهمية قصوى، بما يتضمنه من مركزية، وينتقد التوجه للاقتباس من الغرب". فهو يعيدنا إلى سيناريو التنمية الذي طبقته الكتلة الشيوعية والأنظمة "التقدمية" العربية، والذي أثبت إخفاقه، في وقتٍ يفرض العزلة على بلداننا، باسم الخصوصية والهوية، وينصح هذه البلدان بعدم الاقتباس من الغرب. من الواضح أنّ مشروع "مستقبل الأمة العربية" قد امتزجت به رغبة في صَوْغ جدول أعمل أيديولوجي قومي بشأن مستقبل العمل القومي، يكون مدماكًا في صَوْغ أيديولوجية قومية راهنة، بديلً من الخطاب القومي القديم، وقد لخّصتها شعاراته الثلاثة (الحرية، الاشتراكية، الوحدة)، في حالة ذهنية أضحت فيها النظرية الشمولية مطلبًا ملحًّا للقوميين بعد إخفاق مشروع الاتحاد الثلاثي (مصر، وسوريا، والعراق)
00 1 عبد الفضيل، "الجهود العربية.."، ص.70 - 69 01 1 محمد عبد المنعم شلبي، "الدراسات المستقبلية العربية"، في: ندوة الدراسات المستقبلية العربية، ص.75 - 74 02 1 المرجع نفسه، ص.82
عام 1963، وزادت الأيام هذه الحاجة والإلحاح. وربما يأتي ذلك لتعليل الإخفاق بالقصور النظري أو بعدم اكتمله، في ظلّ تنافسٍ شديد مع الماركسية السوفياتية الرائجة. ولهذا تلبَّس الاستشراف من كلّ جانب من جوانب البحث بنظرية شمولية في القومية والوحدة، وهذا ما يُقرّبها من صيغة الدعوة الأيديولوجية، أو النبوءة غير المشروطة، إلى مستوى الرغبة التي هي مشروعة في حال كونها توجهًا فكريًّا في مجالها النظري. ولكنها عندما توضع موضعَ نموذج الاستشراف، تخفق في تلبية شروط العلم، وتضع نفسها في موقع الأيديولوجيا، فتتعرّض للنقد بسبب خروجها عن منطق الاستشراف وشروطه الموضوعية. إنّ ما قدّمه الاستشراف من متطلّباتٍ أيديولوجية لنجاح السيناريو الثالث، هو بمنزلة مداميك أولية لصَوْغ الأيديولوجية الجديدة (المشرع النهضوي العربي). فرسم مشروع "مستقبل الأمة العربية" الخطوط الأولى لهذا المشروع الأيديولوجي، وخلال ذلك كان يجري العمل على استكمله، وهو ما يؤكِّد أنّ "مشروع مستقبل الأمة العربية" هو مشروعٌ أيديولوجي قبل أن يكون استشرافًا للمستقبل. ويتضح ذلك بوضوحٍ من تصريحات الفريق البحثي. فعندما عقد مركز دراسات الوحدة ندوة "الوحدة العربية تجاربها وتوقّعاتها"، كانت الندوة بمنزلة تتمّة لفصول الاستشراف "مستقبل الأمة العربية"، وتحدّث فيها خير الدين حسيب، المشرف على الندوة وعلى المشروع، بصراحةٍ ووضوح، فقال عن "مشروع استشراف مستقبل الأمة العربية" إنه "لا بدّ من وجود حركة قومية جديدة تعتمد مشروعًا حضاريًا جديدًا. وهذه الحركة القومية الجديدة لا بدّ من أن تتحاور وتتفاهم مع التيار الإسلامي حين يكون مرجعه عربيًّا ويؤمن بالديمقراطية، وأن تتحاور كذلك مع الفصائل الأخرى في الحركة التقدمية العربية". بعد اقتراب نهاية فترة الاستشراف التي حدّدها المشروع بثلاثين عامًا، عقد مركز الوحدة العربية، عام 2009، ندوةً بعنوان "من أجل الوحدة العربية رؤية للمستقبل"، في فترة امتدّت إلى نحو ربع
03 1 " اتّسع نطاق البحث النظري في هذه الفترة (...) إلى اكتشاف القوانين الخاصّة التي تحكم تحقيق الوحدة أو الأسس والشروط التي يُفضي توفّرها إلى توليد الاتجاه المثابر نحو الوحدة أو الوصول إليها"، انظر: يوسف شويري، القومية العربية. الأمة والدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 310 - 311. وقارن ذلك بانتقاد قسطنطين زريق، منذ الثلاثينات، القوى الوطنية الليبرالية التي اكتفت بالمطالب السياسية من دون أن ترتبط بأيديولوجية شاملة؛ وذلك من خلال قوله: "أكثر الدعوات الوطنية والقومية انصرفت إلى التخلّص من الحكم الأجنبي أكثر مما اهتمت بالبناء الداخلي، ولم تكن في الواقع ترتكز على نظريات شاملة أو عقائدية شاملة، بل كانت تكتفي بطلب الاستقلال المقترن أحيانًا بالوحدة (...) لم تبدأ الدعوات القومية إلاّ في الثلاثينيات من هذا القرن بتناول شؤون الاقتصاد والاجتماع والثقافة ضمن مفاهيمها ودساتيرها"، انظر: الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق، المجلد الأول، ط 3 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.29 04 1 حركة القوميين العرب الأشدّ قوميةً وولاءً لعبد الناصر، وقد دفعها الإخفاق والهزيمة إلى أحضان الماركسية النظرية الشاملة التي تضمّ في جنباتها التفسير الملائم لكلّ شيءٍ من الذرّة إلى المجرّة، كما ينوّه بذلك إنجلز. 05 1 إنّ نقد أيديولوجية عفلق، أو الأرسوزي، أو زريق، أو حسيب، لا ينال من الوحدة أو التطلّع إليها. فمن جانب، ثمّة موضوع الوحدة. ومن جانب آخر ثمّة زاوية النظر إليها، وهو ما يمثّل موضوع النقد. 06 1 خير الدين حسيب، "مناقشة مداخلة معن بشور ورضوان السيد"، في: ندوة الوحدة العربية تجاربها وتوقعاتها (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص.679 07 1 مالكي وآخرون.
قرن حتى كادت الثلاثون سنةً، وهي مدّة الاستشراف، تنقضي. وقد كانت هذه المدّة كافيةً ليتعرّف فيها المرء الفارق بين الوقائع الجديدة التي عرفها العرب في تطوّرهم وفي علاقتهم ببعضهم وبالعالم. فقد تغيّ فيها المشهد العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكُّكه، وبروز الأحادية القطبية، ومفاعيل العولمة وثورة الاتصالات، واندفاع الموجة الديمقراطية الجديدة باكتساحها أوروبا الشرقية. لكنّ العرب بدلً من أن يستفيدوا من انتهاء الحرب الباردة للانخراط في مناخ هذه الموجة، أصبحوا أكثر الخاسرين، ومرّت عليهم متغيّات كبيرة جدًّا معروفة. هذه الصورة التي وصلت إليها حال العرب كانت جديرةً بتأمّل أصحاب ندوة "من أجل الوحدة العربية رؤية للمستقبل" ومقارنتها بالمشاهد الثلاثة، ولا سيم بالمشهد الثالث الذي كان استشراف مستقبل الأمة العربية يرجّح كفّته في معادلات المستقبل، ويدلّ ما ذكره خير الدين حسيب في الندوة على أنّ هذا "الاستشراف" لم يكن سوى نموذجٍ عقائدي للقوميين أكثر منه استشرافًا فعليًا. فقد قال في افتتاح الندوة "إنّ صيغة "الوحدة الاتحادية" هي الصيغة الأكثر ملاءمةً لأيّ توحيدٍ عربي مستقبلي، وهو ما انتهى إليه 'مشروع استشراف الوطن العربي' الذي قام به مركز دراسات الوحدة العربية (...) ونشر تقريره بعنوان مستقبل الأمة العربية: التحديات... والخيارات، حيث جرى اعتمد المشهد (السيناريو) الثالث، وهو خيار الوحدة الاتحادية". أعاد حسيب تأكيد فكرة الدور الكبير للطليعة القومية في الوحدة، وهو ما عبّ عنه في استشراف مستقبل الأمة العربية أو في ندوة "من أجل الوحدة العربية" والمؤلفات الأخرى، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة وخاتمتها "المشروع النهضوي العربي". وقد علّق برهان غليون على ذلك بقوله: "أخشى أننا إذا ثابرنا على ربط مشروع الوحدة أو الاتحاد العربي بتطور نفوذ التيار القومي أو انتصار أطروحاته، أو حتى ببناء الكتلة التاريخية التي تجمع التيارات القومية والإسلامية واليسارية وغيرها، أن يكون طريقنا طويلً جدًا، وربما لا نصل إلى أيّ هدف (...) ينبغي أن نفكّر في الوحدة كهدف راهن (...) مهمتنا ليست خلق الرأي العامّ الوحدوي، ولا بناء الوعي العروبي. أعتقد أنّ هذا موجودٌ بالفعل. فلا تكاد تجد عربيًّا لا يحتجّ على الانقسام السياسي العربي والتمزق العربي (...) ومثل هذا المشروع يتجاوز مسألة التناقض بين الوحدة والديمقراطية. يمكن البدء بإجراءاتٍ وحدوية اقتصادية واجتمعية وعلمية وتقنية، ثمّ في مرحلةٍ ثانية وضع شروط التحولّات الديمقراطية". ولكن قياسا على الأوضاع الراهنة التي آلت إليها ثورات الربيع العربي، في بعض البلاد العربية، لا بدّ لنا من أن نسجّل للاستشراف اقتراب بعض مؤشّاته من ملامح الأوضاع الراهنة. فقد انطلق مشروع
08 1 حسيب وآخرون، المرجع نفسه، ص.30 - 29 09 1 برهان غليون، "مناقشات"، في: من أجل الوحدة العربية رؤية للمستقبل، ص.882 - 881
الاستشراف، لمعاينة هذا المشهد ودوامه واستمراره، من فرضية أنّ معالم "الأزمة" ستصيب الحالة العربية، و"أنّ هذه الأزمة (...) ستتفاقم في المستقبل، سواء بسبب عوامل داخلية أو عوامل خارجية، وسيشكّل ذلك تحدياتٍ مهولة للدولة القُطرية". وترتسم معالم هذا المشهد ب "استمرار نمط النمو المشوّه، والممرسات غير الديمقراطية" و"تدهور الأوضاع في الوطن العربي، بما يسمح لبعض دول الجوار (إسرائيل، وإيران، وتركيا، وإثيوبيا) [إحداث] مزيد من بلقنة الوطن العربي مع أواسط مدّة الاستشراف ونهايتها (أي بدءًا من عام 1995)". كم يرتبط ذلك بتنامي النزاعات القُطرية على مستوى النُخبة، واستمرار خطط التنمية على أساس قُطري وتابع، فيقود إلى "مزيد من الاستقطاب الاجتمعي (...) محاولات مشاركة سياسية محدودة (...) اختراق القِيَم الغربية، وبخاصة الاستهلاكية والفردية منها، للمجتمع العربي وأنماط المعيشة فيه (...) ستزداد ردّات الفعل الساخطة شعبيا، وذلك في شكل تيارات إسلامية أو غيرها، أو محاولات انقلابات عسكرية، أو انتفاضات حضرية (...) ستزداد احتملات البلقنة والنزعات الانفصالية على أسسٍ إثنية (لغوية أو دينية، أو عرقية، أو قومية) ستزداد علاقات التبعية بين أقطار الوطن العربي والعالم الخارجي (...) ستفرض البيئة العالمية (...) نفسها على كلّ قُطر من دون مقاومة محسوسة (...) ستزداد النزاعات العربية - العربية حدّةً". وسلّط مشروع الاستشراف الضوء على ما يسميه "التحدّي الديني"؛ أي زيادة الحركات الأصولية الدينية "المتطرّفة" وانتشارها، وهي حركات "تشكّك في أساس الدولة القُطرية القائمة وشرعيتها، ومهيَّأة لاستخدام العنف في مواجهتها مع الدولة، إمّا دفاعًا عن نفسها وإمّا سعيًا لإقامة 'الدولة الإسلامية'". وهذا التحدي "يُنذر بأن يخلق صراعات متعدّدةً، بعضها مع الدولة، وبعضها مع أبناء الأديان والطوائف الأخرى، وبعضها مع التيارات العلمنية على مختلف أيديولوجياتها". وعلى المنوال نفسه، نسجِّل للاستشراف إطلالته الصائبة، في المشهد الأول، على بعض جوانب التحولّات الجيوسياسية: "منح قواعد وتسهيلات عسكرية (...) الهيمنة السياسية من خلال الابتزاز بالنسبة إلى الأقطار العربية الغنية والضعيفة؛ أي البلدان النفطية (...) استخدام القوّة السافرة مباشرةً أو بالوساطة".
0 11 إبراهيم وآخرون، ص.347 111 المرجع نفسه، ص.348 211 المرجع نفسه، ص.349 311 المرجع نفسه، ص.357 411 المرجع نفسه، ص.358 5 11 المرجع نفسه، ص.352
في حينٍ أغفل المشروع جوانب أخرى من التحديات. فإن كان التحدي الإقليمي الإيراني قد تجلّ في هيمنة سياسية - أيديولوجية على العراق والبحرين (لم تجرِ الإشارة إلى اليمن)، وقد تحقّق فعلً في عُقب الغزو الأميركي للعراق، وتسهيل إيران لهذا الغزو، فإنّ التحدّي الإسرائيلي قد تبلور في أشكال مغايرة عمّ ورد في المشروع (استخدام القوة العسكرية لمزيد من اقتطاع أراض عربية من الأقطار المجاورة، أو إجبارها على توقيع اتفاقيات سلام وفتح أسواقها للصناعات الإسرائيلية، أو لإثارة القلائل.. إلخ)، كم أنّ صعود الدور التركي الإقليمي يفرض تحديات من نوع آخر، إضافةً إلى التحدّي الإقليمي الإثيوبي الذي ينحصر أساسًا، إلى الآن، في مساعدة حركات التمرّد، وإشاعة القلائل الداخلية، والتلويح بالضغوط في مجال اقتسام مياه حوض النيل. أمّا في ما يخصّ التحدّي التكنولوجي - الاتصالي، فيجري توصيفه على نحوٍ جيّد من منظور تأثير خارجي فحسب؛ وذلك من خلال القول: "ونقصد بذلك شبكات الاتصال والإرسال الفضائية الأجنبية القادرة على اختراق الحدود السياسية بمادتها الإعلامية والثقافية، ومنها إلى اختراق الجدران والعقول في كلّ عائلة عربية. ومرّةً أخرى، في غياب حرية الإبداع والتعبير والتنظيم، فإنّ المواطن العربي سيكون مهيّأ لاستقبال ما يتساقط عليه من مواد إعلامية وثقافية خارجية، بخاصة إذا كانت جيّدة الإنتاج والإخراج". ومن الأكيد أنّ هذا التوصيف ما كان لينطبق على واقع الحال لولا أنّ الإرسال الفضائي الذي كان له تأثير قوي في الشارع العربي والمواطن العربي قد كان عربيَّ المنشأ وأدَّى دورًا مهمًّ في بلورة شروط نضوج الانتفاض العربي في الفترة 2010 -.2011 ولم تَغبْ عن هذا المشهد الإشارة إلى العديد من النقاط المركزية الأخرى التي طرأت، أو استمرت، أو تفاقمت، خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ من قبيل المخاطر التي تهدّد هوية الخليج "عروبية الخليج بشريًّا وثقافيًّا"، و"هروب رؤوس الأموال والكفاءات البشرية العالية"، و"تفاقم الفساد وانهيار نسق القيم"، و"انهيار القانون والنظام العامّ وهيبة الدولة "، و"الصراعات الأهلية الممتدّة" مع التركيز ضمنها في العامل الإثني الذي شكّل أهمّ مصدر للصراعات الأهلية المسلحّة". كم تجدر
611 المرجع نفسه، ص.354 - 353 711 المرجع نفسه، ص.354 811 المرجع نفسه، ص.362 911 المرجع نفسه، ص.363 0 21 المرجع نفسه. 121 المرجع نفسه، ص.364 221 المرجع نفسه، ص.365
الإشارة إلى رصد المشروع للدور الإيراني في تلك الصراعات البينية التفتيتية إلى حدّ أنّ إيران غدت "طرفًا في الصراعات الأهلية الممتدّة في منطقة الخليج". وفي الآن نفسه، تعذّر على مؤشّ "الانتفاضات الحضرية" الذي يعبّ عنه المشروع أن يحويَ تراكم الحراك العربي الذي أخذ لاحقًا أبعادًا تعذّر تصوُّر امتداداتها الإقليمية والدولية، ويتضح ذلك في القول: "سيأخذ هذا الصراع شكل الاضطرابات والاعتصامات المتوالية، أو شكل الانتفاضات الحضرية الشعبية التي تؤدِّي إلى تدمير مرافق الدولة أو المحلات التجارية الكبرى والفنادق الفخمة والأحياء السكنية للطبقة العليا". ومن الملاحظ أيضًا أنّ مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي قد حصر هذه السنوات الخمس الأولى من مداه الزمني (1985 - 1990)، في حينٍ نجده يلُامس الواقع العربي مع نهايات المشهد الأول (في الفترة 2010 -.)2015 خلاصة القول، إنّ المشهد الأول (المشهد الاتجاهي) من مشروع استشراف مستقبل الأمّة العربية قد تمكّن من تحديد بعض محدّدات الوضع العربي في أفق عام 2015، وهو ينعته ب "مشهد الانحطاط". لكنّ هذا لم يكن أمرًا حتميًا لا رادَّ له بالنسبة إلى مسار الربيع العربي، ولا سيم أنّ الثورات لا تقاس في أهدافها وإنجازاتها إلَّ بشروط الأزمنة المديدة أو الممتدة، كم أنّه لا يمكن قراءة معطياتها وحصيلتها وشرعيتها قياسًا على نتائجها المباشرة لها، وذلك بقراءة تعتمد منهج "القراءة البعدية للتاريخ"، وهو منهج يجعل النتائج المباشرة حكمً في الحدث التاريخي ومعناه ومقاصده وشرعيته. لا شكّ في أنّ الثورات الديمقراطية عندما تتعرض للانتكاس يصبح الوضع العمراني والإنساني فيها أكثر إيلامًا، سواء كانت هذه الانتكاسة نتيجةً لتقاعس القوى الديمقراطية عن المشاركة الفاعلة في الحوادث بطريقة تجعلها قادرةً على توجيه المسار، أو نتيجةً لقدرة النظام على التحكم في أجهزة الدولة ومؤسساتها؛ بسبب أوضاع الاستبداد التي سمحت للنخب الحاكمة بالتحكّم في مؤسسات الدولة وأهّلتها لاستخدام القوة ضدّ الشعب، من دون أن تتعرّض لانقساماتٍ جدّية تهدّد المستوى السياسي، أو لافتقادها الدعم الإقليمي والدولي الفعلييّن. لقد كشف الربيع العربي، ضمن ما تكشّف عنه، الصعوبات والمعوّقات الكبيرة التي تعترض عملية التحول الديمقراطي في بلادنا، مقارنةً بالموجة الديمقراطية الثالثة التي عصفت بأوروبا الشرقية. فإذا كان الطرفان (العربي والأوروبي الشرقي) قد تساوت لديهم العوامل الداخلية في الاستبداد، فإنهم قد اختلفا في طبيعة تأثير العاملين الإقليمي والدولي؛ إذ قام هذان العاملان بدورٍ إيجابي جدًّا في الفضاء الأوروبي
321 المرجع نفسه. 421 المرجع نفسه، ص.356 5 21 المرجع نفسه، ص.375
الشرقي عوَّضا فيه بمساندة العامل الخارجي الصعوبات الداخلية (تركة الاستبداد وتحوّل مؤسسات الدولة إلى ما يشبه أجهزة قمعية تابعة للسُلطة)؛ أي إنّ ذلك قد كان بدعم الغرب غير المحدود، إضافةً إلى دعم قادة الاتحاد السوفياتي الإصلاحية مُمثلةً بغورباتشوف، في حين أدّت العوامل الإقليمية والدولية، دورًا معوّقًا ومخرِّبًا في المجال العربي، فتضافرت العوامل الخارجية المعوّقة للتحول الديمقراطي مع العوامل الداخلية (السُلطة الاستبدادية باندماجها في مؤسسات الدولة، وسيطرة الهيئة الحاكمة على مؤسسات الدولة من خلال أذرعها الأخطبوطية التي غرزتها في قمة هذه المؤسسات وفي قلبها)، وترك ذلك آثاره الصعبة في مشهد هذا التحول، ولا سيم مع بروز الخراب الاجتمعي والانقسامات التي نمت وترعرعت، بسبب بروز الاستبداد ومَن وراءه على السطح عندما زال الغطاء السلطوي الاستبدادي للنظام القديم، وساهم في ذلك ضعف فاعلية القوى الديمقراطية والقومية في الميدان وتردّدها، وهو ما ترتّب عليه فراغ سهّل للقوى الأخرى احتلال واجهة المشهد.
خاتمة
لقد استقرّ رأي ذلك التيار القومي، أخيرًا، على رفع أهداف الحزب القومي من المستوى السياسي: وحدة - حرية - اشتراكية، كم كانت عليه قديمًا، إلى المستوى الثقافي بالمعنى الأنثروبولوجي، على نحوٍ يتعلّق بالخصوصية الحضارية وما يستتبعها من خصوصية تنموية، تطبيقًا لنظرية التنمية المتكورة على الذات المعتمدة على فكرة مركزية الدولة وتخطيطها. فتحوّل المشروع السياسي بذلك إلى مشروع ثقافي حضاري، علمً أنّ الثقافي والحضاري لا يتعلّق صنعهم بقرار سابق؛ كأنْ يوضعَا في حياة الجمعة وسلوكها وذهنها، بل إنّهم يُصنعان في الحياة اليومية للجمعة، قطرةً فوق قطرة، وهم موضع إجمع لدى الجمعة إلى حدّ ما. ثمّ إنّهم لن يكونَا موضوعًا حزبيًا يفرضه فريق اجتمعي على فريق آخر، بل هم موضوعان يفكّر فيهم العلمء والباحثون، من خلال تفحّص ما أنتجته الجمعة/ الأمة في ممرساتها من ثقافةٍ وحضارة (بعديًّا أي بعد أن يحصل التحول والاستقرار للثقافة بما هي صناعة للمعنى والإطار الرمزي والمفهومي الجامع للجمعة). أمّا الحزب السياسي فموضوعاته سياسية أساسًا، وهي تدخل في حلبة المجال السياسي المائر بالحركة، وهي موضوعات خلافية تتعلّق بوجهة نظر فريق من المجتمع أو الأمة. فلا يمكن الوصول إلى المعرفة مسبقًا ل "النموذج الذهني" للموسيقى، أو الرواية، أو القصيدة، أو العمرة، أو المأكل، والملبس، وأساليب الزواج، وطقوس الزيارة والتحية، والعمرة. فهذه مسائل تُارسها الجمعة، ثمّ يأتي العلمء والباحثون ليفكروا فيها، في ما بعد. فهي مسألة تُدرس (بعديًا) في مجال الأنثروبولوجيا، وليست منضويةً قبليًّا إلى الإستراتيجية السياسية والحزبية.
لم يكن هذا الاستشراف/ الكتاب سوى لبنةٍ أولى في صرح أيديولوجي اكتملت فصوله ب "المشروع النهضوي العربي"، ليُكرّس القوميون بذلك أيديولوجيةً قوميةً مكتملة الأطر موسومةً بالشمول، تهدي تطلعاتهم في تحرّكهم في اتجاه الوحدة. وكان مركز دراسات الوحدة العربية قد نظّم ندوةً بعنوان "نحو مشروعٍ حضاري نهضوي عربي"، عُقدِت بمدينة فاس بالمغرب، في الفترة 23 - 26 نيسان/ أبريل 2001؛ وقد وضع المجتمعون في تلك الندوة الخطوط الرئيسة ل "المشروع النهضوي العربي"، وأكّدوا المبادئ الستة السالفة الذكر، بعد أن أفاضوا في الشرح والتعليل، ولم يكتمل هذا المشروع أو يُعلن عنه إلّ عام 2010؛ وذلك من خلال كتاب طُبعت منه عدّة طبعات، يمكن أن يحمله المناضل القومي في تنقلاته. فاكتملت بذلك التوصيات الفكرية التي أتَت في صيغة استشراف "مستقبل الأمة العربية." وحريٌّ بنا أن نُنوّه بأنّ تحليل الدراسة، في هذا السياق، يخصّ الجانب النظري من تفكير قوميّي هذا "التيار". أمّا الممرسة الفعلية لهذا التيار فمسألةٌ أخرى تحتاج إلى وقفةٍ خاصة. فبعد سنةٍ من هذا التاريخ خرج الشعب العربي من قمقمه في العديد من أقطاره، وافتتح فصول الربيع العربي الكبير، لكنّ أصحاب المشروع تردّدوا كثيرًا أمام الحدث الجلل، وتشكّكوا في دوافعه ومآلاته ولم يقفوا في "طليعة" الجمهور!
621 المشروع النهضوي العربي. 721 شهدت ندوة "من أجل الوحدة العربية رؤية للمستقبل" بعض الوقائع التي تثير الانتباه والاستغراب، والتي لا توائم تأكيدات منظمي الندوة من "التيار القومي الرئيسي"، التزامهم الديمقراطيةَ وتوجّههم الديمقراطي الوحدوي. فقد دعا مركز دراسات الوحدة العربية عماد فوزي شعيبي، الأستاذ في جامعة دمشق، ليلقيَ بحثه في الجلسة الأولى الافتتاحية، وهو المعروف بتصدّره لحملة النظام السوري على ما سُمي ب "ربيع دمشق"، وثابر في الإعلام الرسمي على إيجاد المسوّغات اللازمة لزجّ الناشطين والمثقفين السوريين في المعتقلات والسجون. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ خير الدين حسيب، رأى ما بين سطور ورقة شعيبي التي قُرئت بالنيابة عنه، بسبب اعتذاره عن عدم الحضور، ما يُنبئ بدور إيجابي مقبل للنظام السوري في العراق، بناءً على ما يبدو من قناعة حسيب بصدق مواقف نظام الأسد القومية؛ إذ كان يتوقّع أنّ انسحاب أميركا من العراق سيفتح الطريق للنظام السوري لأن يتولّ مهمّت كبيرةً فيه، لأنّ الولايات المتحدة "تحتاج إلى سوريا (...) وهناك أطراف كثيرة تطمئن إلى سوريا، ومن الممكن أن تؤدّيَ سوريا دورًا في المصالحة بين التكوينات المختلفة في العراق، وأن تشارك قواتٌ سوريا في المحافظة على الأمن بعد الانسحاب الأميركي من العراق، تمهيدًا لإجراء مصالحة وطنية وانتخابات عامة"، انظر: حسيب، "تعقيب على ورقة الدكتور الشعيبي"، في: مالكي وآخرون، ص 73 -.74
المراجع
References
إبراهيم، سعد الدين وآخرون. التنمية العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 __________. المجتمع والدولة في الوطن العربي، ط 3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 حسن النقيب، خلدون. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ط 3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 حسيب، خير الدين وآخرون. مستقبل الأمة العربية: التحدّيات... والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، ط 2، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 الدوري، عبد العزيز وآخرون. الوحدة العربية: تجاربها وتوقعاتها، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 زريق، قسطنطين. الأعمل الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق، ط 3، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 زكريا، فؤاد. التفكير العلمي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة،.1978 سعد الدين، إبراهيم وآخرون. صور المستقبل العربي، ط 1/ ط 3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982 /.1989 سلامة، غسان. المجتمع والدولة في المشرق العربي، ط 3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 شلبي، محمد عبد المنعم. "الدراسات المستقبلية العربية"، في: ندوة الدراسات المستقبلية العربية: نحو إستراتيجية مشتركة، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،.1998 شويري، يوسف. القومية العربية. الأمة والدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 عبد الحي، وليد. مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2007 عبد الفضيل، محمود. "الجهود العربية في مجال استشراف المستقبل: نظرة تقويمية"، عالم الفكر، الكويت، ج 18، العدد 4.)1988(فرجاني، نادر. "حول استشراف المستقبل العربي للوطن العربي: رؤية نقدية للجهود المحلية والخارجية"، المستقبل العربي، العدد).1980(15
القرعي، أحمد يوسف. "ندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول استشراف مستقبل الوطن العربي، تونس، 20 أكتوبر "1987 (1 كانون الثاني/ يناير.)1988 مالكي، امحمد وآخرون. من أجل الوحدة العربية: رؤية للمستقبل، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 مركز دراسات الوحدة العربية. المشروع النهضوي العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 المنجرة، مهدي. الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل، ط 7، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2001 ندوة الدراسات المستقبلية العربية: نحو استراتيجية مشتركة، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية/ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،.1998 ندوة الوحدة العربية تجاربها وتوقعاتها، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 الهرماسي، عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 هلال، عليّ الدين وآخرون. العرب والعالم، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988