المستقبل في فكر مهدي المنجرة
The 'Future' according to Mahdi Elmandjra
الملخّص
تتناول هذه الورقة البحثية البُعد المستقبلي في فكر مهدي المنجرة، مُبرزةً أنّ المنجرة، وإن كان يُعدّ من أبرز الاستشرافيين في العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، فإنّ البعد الاستشرافي لم يكن لديه حقلًا عموديًا قائم الذات، بل كان بالأحرى حقلًا معرفيًا أفقيًا يخترق كلّ الحقول المعرفية الأخرى. ومن ثمّ، فإنّ اقتران اسم المنجرة بالمستقبليات لم يأت من باب التخصّص الصرف الذي يحصر الاقتصاد في المؤشّرات الاقتصادية، والمجتمع في المؤشرات الاجتماعية، والثقافة في المؤشرات الثقافية... بقدر ما أتى من باب الوعي بضرورة إدماج كلّ هذه المؤشّرات في منظومةٍ جامعة، متداخلةٍ ومتفاعلة في الزمن والمكان، تنطلق من حالة هذه الظواهر في ماضيها، وتُسائل تموّجاتها في الحاضر وتستشرف مآلاتها ومخرجاتها وإفرازاتها في المستقبل.
Abstract
ملخص: تتناول هذه الورقة البحثية البُعد المستقبلي في فكر مهدي المنجرة، مبُرزةً أنّ المنجرة، وإن كان يُعدّ من أبرز الاستشرافيين في العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، فإنّ البعد الاستشرافي لم يكن لديه حقلً عموديًا قائم الذات، بل كان بالأحرى حقلً معرفيًا أفقيًا يخترق كلّ الحقول المعرفية الأخرى. ومن ثمّ، فإنّ اقتران اسم المنجرة بالمستقبليات لم يأت من ات الاقتصادية، والمجتمع في المؤشرات باب التخصّص الصرف الذي يحصر الاقتصاد في المؤش الاجتمعية، والثقافة في المؤشرات الثقافية... بقدر ما أتى من باب الوعي بضرورة إدماج كلّ هذه ات في منظومةٍ جامعة، متداخلةٍ ومتفاعلة في الزمن والمكان، تنطلق من حالة هذه المؤش الظواهر في ماضيها، وتُسائل تموّجاتها في الحاضر وتستشرف مآلاتها ومخرجاتها وإفرازاتها في المستقبل. كلمت مفتاحية: الدراسات المستقبلية، مهدي المنجرة، العالم العربي والإسلامي Abstract: Although Mahdi Elmandjra was one of the world's leading futurists during the last quarter of the 20th century, for him, foresight was not a self-sustaining vertical field, but rather a "lateral" academic discipline that permeates all other extant fields. This research paper deals with the future aspects of Elmandjra's thought. This paper demonstrates that Elmandjra's association with futurology is not akin to the restriction of economics to economic indicators, or similarly the restriction of sociology to societal indictators. Instead, it shows how the late futurologist was aware of the need to integrate economic and societal indictors into a single, holistic system of factors that interact spatially and temporally. It concludes that Elmandjra's thinking begins with the state of these phenomena in their past, asks questions about their fluctuations in the present, and then goes on to forecast future outcomes.
- دراسات مستقبلية
- مهدي المنجرة
- العالم العربي والإسلامي
- Future Studies
- Mahdi Elmandjra
- Arab and Islamic World
باب التخصّص الصرف الذي يحصر الاقتصاد في المؤش الاجتمعية، والثقافة في المؤشرات الثقافية... بقدر ما أتى من باب الوعي بضرورة إدماج كلّ هذه ات في منظومةٍ جامعة، متداخلةٍ ومتفاعلة في الزمن والمكان، تنطلق من حالة هذه
المؤش الظواهر في ماضيها، وتُسائل تموّجاتها في الحاضر وتستشرف مآلاتها ومخرجاتها وإفرازاتها في المستقبل. كلمت مفتاحية: الدراسات المستقبلية، مهدي المنجرة، العالم العربي والإسلامي Abstract: Although Mahdi Elmandjra was one of the world's leading futurists during the last quarter of the 20th century, for him, foresight was not a self-sustaining vertical field, but rather a "lateral" academic discipline that permeates all other extant fields. This research paper deals with the future aspects of Elmandjra's thought. This paper demonstrates that Elmandjra's association with futurology is not akin to the restriction of economics to economic indicators, or similarly the restriction of sociology to societal indictators. Instead, it shows how the late futurologist was aware of the need to integrate economic and societal indictors into a single, holistic system of factors that interact spatially and temporally. It concludes that Elmandjra's thinking begins with the state of these phenomena in their past, asks questions about their fluctuations in the present, and then goes on to forecast future outcomes.
**Expert in Media Studies and Future Studies, and Visiting Professor at Mohammed V University in Rabat, Morocco.
إلى روح مهدي المنجرة الذي غادرنا في 13 حزيران/ يونيو.2014
مقدمة
لو تسنّى للمرء أن يُنقّب في أعمل الدكتور مهدي المنجرة (2014-1933)، وعلى مدى حوالى نصف قرن من الإنتاج العلمي والفكري، فإنّه لن يعثر بالقطع على عملٍ كامل ومتكامل يتحدث فيه صاحبه عن المستقبل، بوصفه مناهج وأدوات وتقنيات توقّع وأنماط تمثّل كمية وغيرها، بقدر ما سيعثر على كتابات غزيرة، متنوعة ومتعدّدة المشارب، لكنّها متضمنة بهذا الشكل أو ذاك، أو لنقل مخترقةً بهذه الصيغة أو تلك، بحمولةٍ استشرافية، مضمرة تارةً وجليّة تارات أخرى، مبنيّة على مرجعية في العلوم الاجتمعية والإنسانية، وموجّهة وناظمة كلّ فكر الرجل، وليس نظرته للمستقبل فحسب. ثم إنّه ليس ثمة ما يؤشّ حقًا، في حياة مهدي المنجرة التعليمية والجامعية، على شغفٍ ما، أو حتّى اهتممٍ حصري بالمستقبل أو بالدراسات المستقبلية؛ فالرجل درس العلوم في مدرسة ديكارت الفرنسية في العاصمة الرباط، ثم انتقل في عام 1948 لمتابعة دراساته الجامعية في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تخرّج في جامعة كورنيل في نيويورك، لينتقل بعد ذلك إلى مدرسة لندن في الاقتصاد، حيث ناقش في عام 1957 أطروحته لنيل الدكتوراه عن جامعة الدول العربية على وجه التحديد، قبل أن يعيّنه الملك محمد الخامس مديرًا عامًا للإذاعة والتلفزة في عام 1958، بموازاةٍ مع تحمّله مهمة التدريس في جامعة محمد الخامس في الرباط، إذ كان ضمن أوّل فوجٍ من مدرسّي العلاقات الدولية في الجامعة المغربية بُعيد الاستقلال مباشرةً. لم يستمرّ المنجرة كثيرًا في هيئة الإذاعة والتلفزة، إذ سرعان ما استقال منها "غاضبًا"، ما إن بدأ يشعر بأنّ ثمة جهاتٍ لا تتساوق كليةً مع "المشروع الإعلامي" الذي توافق بشأنه مع محمد الخامس، والذي أراده هذا الأخير على الشاكلة البريطانية (شاكلة البي. بي. سي تحديدًا)، في حين رآه مناوئوه متقدمًا بميزان قياس "أيديولوجيا بناء الدولة الوطنية"، وشعار "إعادة بناء اللحمة الوطنية" التي قوّضتها الحمية، والتي كانت تستوجب بنظرهم، الرقابة الصارمة على الرأي، والحجر المباشر على الرأي المخالف، بوصفه تشويشًا على تلك الأيديولوجيا، و"إفسادًا" لمشروع بناء الدولة المغربية الخارجة لتوّها من ربقة الوصاية الفرنسية. ولهذا السبب، لم يطل مقام المنجرة كثيرًا في المغرب، إذ عند مغادرته هيئة الإذاعة والتلفزة، التحق باليونسكو حيث عيّنه روني ماهو، المدير العام للمنظمة الدولية، مديرًا لمكتبه في عام 1962، ثم مستشارًا
المستقبل عند مهدي المنجرة، هو ذاك المجال الناظم المفتوح. أما "المستقبلات" فهي برأيه، تلك السيناريوهات أو المشاهد، القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى التي يتفرّع عنها هذا المجال. والمستقبلات هي التي تترجم بنظره، البعد الإجرائي في عملية استشراف المستقبل. ومن ثمّ، فإنّ الفارق هنا هو فارقٌ منهجي وإجرائي وفي الدرجة، وليس فارقًا في الطبيعة. لذلك آثرنا في عنوان الورقة عبارة "المستقبل" الشاملة والجامعة، عوض عبارة "مستقبلات" الجزئية والمختزلة للمستقبل في الأدوات والآليات.
خاصًا له، ثم مديرًا عامًا مساعدًا لليونسكو مكلّفًا بالشؤون الاجتمعية والإنسانية، قبل أن يغادر المؤسّسة بعد ذلك، أي في أواخر السبعينيات، بعدما قضى فيها ما يناهز العقدين من الزمن. لا يبدو إذًا بناءً على هذا المسار المهني المتميّز، أنّ هاجس اهتمم المنجرة بالمستقبليات كان هاجسًا مباشرًا، إلّ ما استوجبته لربّا وظيفته في منظمة اليونسكو، حينم أصدر فيم بعد، رفقة جيمس بوتكين ومرسيا ماليتزا، دراسته الرائدة "من المهد إلى اللحد". بيد أنّ المهام التي تقلّدها، لا سيم في اليونسكو، ثم احتكاكه ببرتران دو جوفنيل، مؤسّس المدرسة الفرنسية للمستقبليات، وكتاباته في مجلة "فوتوريبل" المتفرعة عن تلك المدرسة، وكذا مجلة "فيوترز"، قد أسهمت بقوةٍ في إثراء شخصية الرجل وإغنائها "ليكون حاملً لفكرٍ قادر على استيعاب الظواهر وتحليلها التحليل المؤسّس على رؤى ومقاربات جادّة". وهذا كلّه من صلب المستقبليات التي ترأس من بين ظهرانيها بالتوالي، نادي روما، ومجموعة فوتوريبل الدولية، ثم الأكاديمية الدولية للمستقبليات، ثم الجمعية المغربية للمستقبليات، وغيرها. ولذلك، فإنّنا نزعم أنّ اقتران اسم المنجرة بالمستقبليات لم يأت من باب التخصّص الصرف الذي يحصر الاقتصاد في المؤشّات الاقتصادية، والمجتمع في المؤشرات الاجتمعية، والثقافة في المؤشرات الثقافية... إلخ، بل أتى من باب الوعي (والوعي فحسب في ما نظن) بضرورة إدماج كلّ هذه المؤشّات في منظومةٍ جامعة، متداخلة ومتفاعلة في الزمن والمكان، تنطلق من حالة هذه الظواهر في ماضيها، وتُسائل تموّجاتها في الحاضر وتستشرف مآلاتها ومخرجاتها وإفرازاتها في المستقبل. ولأنّنا لا نكاد نعثر، في كتابات مهدي المنجرة، على نصوص تأسيسية وتأصيلية ل "علم" المستقبل، فلأنّ الرجل لم يكن يشتغل على هذا "العلم" لذاته، أو لتحديد مجاله وفضائه، بقدر ما كان ينطلق من
يعترف المنجرة، في كلّ كتاباته وتصريحاته، بأنّه غادر اليونسكو عندما أحسّ بأنّها أضحت أداةً بيد الدول الكبرى، وتبنّت القيم اليهودية - المسيحية الصّفة، على النقيض من رسالة التنوّع والاختلاف الثقافيين اللذين أسّسا لإنشاء المنظمة. مهدي المنجرة، جيمس بوتكين، مرسيا ماليتزا، من المهد إلى اللحد: التعلم وتحدّيات المستقبل، ط 3 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2003). وهو بالأصل تقريرٌ لنادي روما، صدر في عام:1979 Mahdi Elmandjra; James W. Botkin & MirceaMalitza, No limits to Learning: Bridging the Human Gap (A Report to the Club of Rome) (Oxford: Pergamon Press, [1979] 1998). " مهدي المنجرة، "المثقف العضوي الذي يستشرف المستقبل"، العرب، العدد 9340 (4 تشرين الأول/ أكتوبر 2013)، ص.12 هناك خطأٌ شائع في استعمال عبارة "عِلم"، وفقًا لقول المنجرة؛ فالدراسات المستقبلية بدأت في الحقيقة بطريقة شبه علمية، أو محاولة تبنٍّ على أساسٍ علمي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولعلّ أول دراسةٍ وضعت في هذا المجال قام بها معهد راند كوربوراشيون، لفائدة وزارة الدفاع في العامين 1945 و 1946. وكانت تتطلّع لمعرفة التوقّعات في ما يخصّ تطوّر العلوم البحتة للعشرين سنة المقبلة. الدراسات المستقبلية برأي المنجرة هي "قبل كلّ شيءٍ طريقة تفكير، والفرق بينها وبين التفكير اليومي هو أنّ هذا الأخير تفكيرٌ خطي"، في حين أنّ الدراسات المستقبلية "تحاول أن تتوقّع ما هي التغيّات الجذرية التي بدأت الآن، والتي يمكن أن تتكون في المستقبل": مهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل، ط 7 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2001)، ص 14 -.15
أدواته وآلياته، لاستشراف مستقبل الظواهر المختلفة على آماد زمنية محددة. إنّه كان ينظر إليه بوصفه حقلً معرفيًا أفقيًا يخترق كلّ الحقول المعرفية الأخرى، وليس بوصفه حقلً عموديًا قائم الذات، مستقلًّ ومتقوقعًا حول فضائه الخاص. صحيحٌ أنّنا نجد المنهجية المستقبلية جليةً من ناحية المعالجة الكمية، في بعض من كتاباته، لكنّها تبقى محصورة في كونها تمرينًا بيداغوجيًا قطاعيًا، لا يستحضر فيها كثيرًا المقاربة الشمولية والمنظومية التي كان يدفع بها ويدافع عنها في كلّ كتاباته. ولئن كان الرجل قد استخدم المفاهيم والمصطلحات المعتمدة والمعتادة في علم المستقبليات، في معظم الدراسات التي كانت تحيل على هذا العلم، فلوعيٍ مؤكّد من لدنه بأنّ هذا الأخير لا يمكن أن يقوم أو يستقيم إلّ إذا حملت مخرجاته وإفرازاته أجوبةً عن ظواهر وقضايا تتموج بالشأن الجاري، من المفروض أن يتساءل المرء عن مآلاتها المستقبلية، لأنّها ذات تبعاتٍ كبرى على الأفراد وعلى الجمعات. ولهذه العوامل مجتمعةً، فإنّنا سنقتصر في هذه الورقة على تبيان كيفية تمثّل مهدي المنجرة المستقبل، والآية من الدعوة إلى توظيفه، ثم تبيان كيفية اختراق "المنظومة المستقبلية" القضايا الكبرى والموضوعات الأساس التي كان يشتغل عليها، أو تدخل في مجال اهتمماته المباشرة. أعني هنا أنّ البعد الاستشرافي كان دائمًا حاضرًا في كلّ كتاباته، مباشرةً أو بالتلميح، وذلك منذ كتاباته الأولى بداية خمسينيات القرن الماضي، وإلى حين تغييب المرض لقلمه بداية عام.2010
أوّلً. الدراسات المستقبلية من منظور مهدي المنجرة
لو انطلقنا من مسلّمة أنّ مهدي المنجرة لم يتخذ من الدراسات المستقبلية تخصصًا جامعيًا أو بحثيًا صرفًا، حتى بدفعه بضرورة أن تقام في الجامعات وفي المؤسسات العمومية والخاصة، كَراسٍ وشعب علمية متخصّصة في هذه الدراسات، فإنّنا سنسلّم حتمً بأنّ الرجل لم يكن يتطلّع للتفكير في المستقبل لذاته، في ما يشبه الترف الفكري الخالص، بقدر ما كان يتعامل معه بوصفه أفقًا زمنيًا لاستشراف المآلات المحتملة والبدائل المتاحة. ونزعم هنا أنّ الاعتراف الذي لقيه الرجل في المحافل الأكاديمية، بوصفه عالم
من قبيل "إفريقيا على عتبة القرن الحادي والعشرين" (1980)، و"المغرب الكبير عام "2000 (1982)، و"المغرب في أفق "2020 (1995). وبخصوص هذه النقطة، يبدو لنا أنّه من المهمّ تأكيد حقيقة أنّ المنجرة، وإن استخدم أدوات استشراف المستقبل ومنهجيته، فهو لم يستخدمها لذاتها، بل لتوقّع مآلات القضايا التي كان يشتغل عليها مباشرة، من قبيل إشكالية التخلف أو التنمية أو الديمقراطية أو العلاقات الدولية. وعليه، فإنّنا نؤكّد هنا أطروحة الورقة المركزية والتي مفادها أنّ المنجرة اتّخذ من "علم المستقبل" أداة بحثٍ وتحليل، وليس مجال بحثٍ في حدّ ذاته. ومن ثمّ توقّف موقعه على شبكة الإنترنيت (www.elmandjra.org)، وهو الذي كان من أغنى المواقع العربية معلومات ومعارف وأخبارًا.
مستقبليات له وزنه، إنّا تأتّ له بفضل هذه الخاصية، خاصية التعامل مع المستقبل بوصفه مستقبلات، ثم بدائل ومآلات محتملة. ولهذا السبب، فقد كان المنجرة يشدد على أنّ الدراسات المستقبلية تستلزم أن يتّسم تحليل معطيات الواقع واتجاهات الأحداث من جهة، والطريقة المنهجية المتّبعة من جهة أخرى، بطابع الدقة والموضوعية. ويتابع للتدقيق: "لكن الغاية من هذه الأداة تكتسي صبغةً معيارية في جوهرها، إذ هي استجلاء للمرامي والأغراض ليس إلا". فجدّة الدراسات المستقبلية تتأتّ هنا، بنظره، من صوغ تلك الأغراض في "إطار ابتكار وإبداع وأنساق قيم اجتمعية ثقافية، وترجمة تلك الأغراض إلى مخطّطٍ عملي، في شكل اختيارات بديلة وسيناريوهات ممكنة". ويلاحظ المنجرة أنّ تقدّم المناهج والتقنيات في الدراسات المستقبلية أصبح أمرًا واقعًا، ولا مزايدة كبيرة حوله أو بشأنه. بيد أنّه إذا كان ثمة بعض من المبالغات في استعمل بعض هذه المناهج والتقنيات، كالنمذجة الرياضية والإحصائية التطبيقية مثلً، فإنّ الخطأ "لا يرجع إلى المنهج، بل إلى كيفية استخدامه من دون مراعاة حدوده". ومع أنّ المنجرة يعترف بأنّ انشغال الدراسات المستقبلية الحثيث بالتحليل الكمي وبالنمذجة، يبقى مرحلةً ضرورية لضبط صلاحيات المؤشرات المعتمدة، وتجسيم الرؤى المحددة، فإنّ ذلك يبقى غير كافٍ إذا لم يستتبع بتحاليل معمقة تقف عند الذي تحقق، وتقوم بتقييم العملية تقييمً موضوعيًا ودقيقًا، في أفق تقويم مسالكها وتعديل مساراتها. وإذا كان صحيحًا، يلاحظ المنجرة من ناحية ثانية، أنّ الدراسات المستقبلية أتت ولا تزال تؤتي أكلها في المجال العسكري للدول الكبرى، ومن بين ظهراني الشركات المتعددة الجنسيات، فلأنّ السرّ في نجاحها في هذه الحالات يكمن في اتكائها على أهداف محدّدة بدقة، أي على ملامح في التحليل موحدة، وعلى نظام لسلالم القرارات قويّ الهيكلة، فضلً عن الوفرة الهائلة في الوسائل وتقليص كبير للمراقبة والرقابة السياسيتين، أي أنّ الباحثين يشتغلون بحرية ومن دون مضايقة من أيّ مستوى كان. بالمقابل، فإنّ تدنّ سبل نجاح هذه الدراسات غالبًا ما يكون مرتبطًا بتدنّ الأولوية التي تعطى للجوانب النوعية، من قبيل "أولوية مشاركة السكان وتطوير البنيات الذهنية، مع احترامٍ تامّ لنظام القيم القائمة، ولحرية اختيار الأشخاص المعنيين". وهو النموذج الذي يرى المنجرة أنّ دول العالم الثالث والدول العربية ضمنه، لا تزال بعيدةً عنه. ومع ذلك، فهذا لا ينفي، بنظر الباحث، أنّ هذه الدول لا تلجأ إلى
مهدي المنجرة، "الدراسات المستقبلية: حبر المستقبل"، عالم الفكر (آذار/ مارس 1988)، ص 200 -.201 9 المرجع نفسه، ص.200 10 المرجع نفسه، ص.200
الدراسات المستقبلية. بالعكس، فهي تركب ناصيتها بقوة، لكن لأغراض أخرى، بعيدةً تمامًا عن الغايات التي وضعت الدراسات المستقبلية من أجلها. يقول المنجرة بهذا الخصوص: "كثيرًا ما نلجأ حاليًا إلى الدراسات المستقبلية لكون أزمات معيّنة ترغمنا على ذلك. ويتعلق الأمر ذاك بمستقبلية تفاعلية، تقاوم الحاضر بتبرير الماضي، عوضًا عن ابتكار المستقبل. تُطلب النجدة كذلك من الدراسات المستقبلية حينم يصبح الواقع لا يطاق، لتبرير هروبٍ إلى الأمام إخلاءً للحاضر؛ تلك مستقبليةٌ تحذيرية، قريبة من الديماغوجيا في بعض الأحيان. وتُستعمل الدراسات المستقبلية أيضًا للتأثير في الحركات الفكرية، وذلك بحصر الأولوية لفائدة التصورات المستقبلية، دون أخذ رأي المعنيين بالأمر. في هذه الحالة، نكون أمام مستقبلية الانتهاز على المستوى الوطني، أو مستقبلية الاحتكار على المستوى الدولي". ويلاحظ بالجهة الأخرى أنّ المختصين في الدراسات المستقبلية أنفسهم، لا يتفوّقون دائمًا في استعمل خطاب في متناول الفهم، إذ غالبًا ما يتستّون وراء منهجيات تفضي صعوبة تقنياتها، إلى حجب الغايات في نهاية المطاف. وهو ما نشاطر مهدي المنجرة الرأي فيه، لا سيّم لدى اعتمد هؤلاء النمذج الرياضية الموغلة في التعقيد، لمقاربة مستقبل هذه الظاهرة أو تلك. كم أنّهم باستخدامهم مفاهيم مغلقة وعبارات غريبة، ينفّرون المنقبين عن المستقبليات، الباحثين في ثناياها. إنّ التوقّع، بنظر المنجرة، أي استباق الأحداث، كي يقود إلى التجديد، لا بدّ أن يراعي مبدأ المشاركة والتشاركية في مطلق أشكالها كم في نسبيتها. وهذه الأخيرة ليست أمرًا متعذّرًا، بحكم تطوّر تقنيات استطلاعات الرأي، وآليات فهم توجهاته وتفسيرها بإزاء هذه القضية أو تلك. صحيحٌ أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الاستطلاعات يوظّف في جوانب تجارية وسياسية قصيرة المدى، لكنّها تبقى مع ذلك منهجية عملية، لا تخونها الرصانة كثيرًا لملامسة رأي الجمهير، وتحديد حاجياتهم الآنيّة ثم تطلعاتهم المستقبلية. وصحيحٌ أيضًا أنّ الدراسات المستقبلية لم تعالج ببداياتها الأولى، إلّ الظواهر المادية التي بالإمكان تكميمها بمؤشّاتٍ ثابتة وقارّة ومحدّدة، إلّ أنّ "الاستطلاعات والدراسات التي تعالج التحولّات السارية في النظم الثقافية - الاجتمعية" سرعان ما أخذت تدريجيًّا المكانة التي تستحق، لا سيّم في الدول الكبرى، حيث بات للمستقبليات بهذه الزاوية، مكانة مميزة ومتقدّمة للغاية. ولذلك، يلاحظ مهدي المنجرة أنّ الذي يوجد الآن (يعني سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته) على المستوى العالمي، إنما هو هيمنةٌ فكرية ومنهجية على مستوى الدراسات المستقبلية، وأنّه "عندما تحاول أوروبا ردعها، وتتوفق أحيانا في محاولتها ببراعة، فإنّ تلك الهيمنة تزداد حدّتها من جراء الأنانية العرقية للبلدان الغربية. تلك الأنانية التي تشكّل، ربما بكيفية غير واعية، نوعًا جديدًا من الاستغلال، لا يسهل
11 المرجع نفسه، ص.200
معه التعاون الدولي في هذا المجال". ولهذا السبب، يرى المنجرة أنّ "البلدان المستعمرة سابقًا تعاني صعوبة كبرى في إعادة اكتشاف ماضيها الذي انتابه تشويه فظيع، في الوقت الذي تكافح حاضرًا، وتصارع فيه عدم تكافؤ القوى في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية". لذلك يقترح المنجرة "إصدار مدوّنة للأحوال المستقبلية للعالم الثالث، لأنّ مصير الإنسانية مرهونٌ بهذا الأمر؛ إذ إنّ إزاحة بصمت الاستعمر عن المستقبل ليعتبر أكبر عبئًا وصعوبة من نزعه عن الماضي أو الحاضر"/. لا يقصد المنجرة من هذا الاقتراح "تأميم" الدراسات المستقبلية، لأنّ من شأن ذلك أن يؤدي إلى عكس ما ترمي إليه هذه الدراسات، لا سيم في ظلّ التداخل المتزايد لمشاكل الشعوب ومصالحها. إنّه يقترح "هدنة"، تفسح المجال واسعًا أمام "استخدام الدراسات المستقبلية كمنهجٍ عملي، يعطي الأسبقية لاختيارات الشعوب فيم يتعلق بنموذج حياتها في المستقبل؛ الأمر لا يعني إذن سوى نداء لصالح دمقرطة الدراسات المستقبلية داخل الدول وفيم بين بعضها البعض". وعلى النقيض من ذلك، فإنّه من المؤكد برأيه، أنّ إحدى أخطر علامات التخلّف تكمن في الاستخفاف بتقدير الأهمية الإستراتيجية للمستقبل وللدراسات المستقبلية، وإنّه "دائمًا يصعب التفسير والإقناع بقاعدة بسيطة، تقضي أنه كلم ازداد خطر وحدة مشكل مصيري (الجوع، البؤس، الجهل، الصناعة، التجارة... إلخ) ازداد تعلّق الحلّ الحقيقي المناسب للحاضر بنظرةٍ شمولية للمستقبل". وعلى الرغم من "التلاعب" الذي يلحق بالدراسات المستقبلية (بجهة التوظيف والتحايل)، وبصرف النظر عن امتطاء ناصيتها، من لدن هذه الجهة أو تلك، لتبرير الحاضر أو القفز عليه، فإنّ المنجرة لم يتراجع قيد أنملةٍ عن الوصفة الجوهرية التي ترتكز عليها هذه الدراسات. يقول المنجرة بهذا الخصوص: "إنّ الانطلاق الحقيقي نحو النمو يبدأ عندما ينهض المسؤولون والمواطنون لتخطيط نظم ومعاملات من شأنها أن تحدّد، في حرية وتضامن، رؤيةً واضحة لمستقبل البلاد (...) من ثمّ، تتأتّ أهمية ترك حرية اختيار الطريق وابتكار الحلول من داخل الواقع، وذلك مع احترام الكرامة والقيم الثقافية - الاجتمعية لتلك البلدان. إن الإيثار في بعض الأحيان يكمن بالضبط وقبل كلّ شيء، في فسح مجال الإفصاح لإيثار الآخرين". ومن ثمّ، فإنّ كلّ الأسباب متوافرة بنظره، للاقتناع بأنّ الدراسات المستقبلية "ستصبح أحد المجالات المفضلة لتعاون الغد، تعاون سيتمحور حول الأفكار والابتكار، أكثر بكثير منه حول المنتوجات والضغوط".
12 المرجع نفسه، ص.202 13 معظم كتابات مهدي المنجرة مخترقةٌ بمصطلحات "الاستعمار"، "الاستعمار الجديد"، "ما - بعد الاستعمار"، إلخ. وقد أفرد لهذه الإشكاليات كتابًا بذاته. راجع: مهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغاأمبريالية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2004)، ص.267 14 المنجرة، "الدراسات المستقبلية..."، ص.202 15 المرجع نفسه، ص.202 16 المرجع نفسه، ص.202 17 Mahdi Elmandjra, "Les futurs d'antan", Jeune Afrique , no. 993 (16 janvier 1980).
ثانيًا. دراسات المستقبل يف الوطن العربي بعيني مهدي المنجرة
لنذكّر هنا من جديد بأنّه، في ما ترك مهدي المنجرة من دراسات وأبحاث، ليس ثمّة دراسة قائمة الذات تتحدث عن الدراسات المستقبلية في الوطن العربي، أو تتّخذ من هذا الأخير مادّةً لهذه الدراسات، إلّ بعض الدراسات الجمعية. ولذلك، فإنّ الذي نجده ضمن ما خلّف المنجرة بشأن هذه المسألة، إنّا هو "استجوابات" هنا وهناك، أو محاضراتٌ موثّقة، أو بعض المداخلات في الجامعة، أو في الندوات الدولية والإقليمية والوطنية التي كان يشارك فيها. ومع ذلك، فإنّنا نستطيع أن نقول، باستقراءٍ دقيق لما ترك، بأنّ مقاربة المنجرة للمستقبل هي مقاربةٌ منظومية بامتياز، أي أنّها لا تستشرف المستقبل ذاته في سياقٍ قار، بل بالاحتكام إلى وزن الماضي وبالنظر إلى معطيات الحاضر. يقول المنجرة بشأن هذه النقطة: "إنّ ما يسمى بالحاضر هو اليوم في أزمة، وهي نتيجة عدم اهتممنا بالمستقبل في السنوات الماضية. فالحاضر ليس سوى نتيجة لما أعددناه في فترة محددة. وإذا أردنا أن نغير المستقبل، فيجب أن نبدأ بتغيير العمل ابتداء من اليوم بالذات". ويتابع، للتأكيد على أنّ الاهتمم بالمستقبل ليس جديدًا في تراثنا العربي - الإسلامي، بأنّ اللّغة العربية قد حفلت بالألفاظ التي تحمل معنى المستقبل، إذ "كثيرا ما استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال عبارة الاستبصار. فقد كان النبي قبل أن يبدأ عمله كلّ يوم، يتصوّر الأشياء ويخطّط ويستبصر. وبعد هذا الاستبصار، يتوكل على الله، ويمدّ له الله يد المساعدة. فالتوكّل على الله يأتي بعد الاستبصار. وبتعبير بسيط، أقول إنّ أزمتنا في العالم العربي- الإسلامي اليوم، سواءٌ كانت سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية، هي بالأساس أزمة استبصار. فليس هناك استبصارٌ عند المسؤولين؛ [أي] ليست هناك رؤية. الرؤية الوحيدة الموجودة بيوميتهم هي كيفية البقاء في الحكم والمحافظة عليه". لا ينكر المنجرة، بالمقابل، أنّ ثمة دراسات أجنبية تعرّضت بالدرس والتحليل لمستقبل العالم العربي. بل على العكس من ذلك، إذ إنّ أول دراسةٍ مستقبلية شملت هذا الأخير قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكنّها تمّت من دون أن يسهم في إنجازها أيّ خبيرٍ عربي، بما معناه أنّهم "أرادوا أن يرهنوا مستقبلنا بدون التشاور معنا، وبدون أيّة مشاركةٍ عربية (...) وهذا نظرًا لأنّ الدراسات المستقبلية تعد بناء على رؤية محدّدة. لذلك فإنّ عيب هذه الدراسة أنّها لم تأخذ بعين الاعتبار رؤية العرب، وتمثّلهم لحاضرهم ومستقبلهم".
18 وضمنها أساسًا: خير الدين حسيب (وآخرون)، مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1988 19 مهدي المنجرة، "العالم الإسلامي والمستقبل"، حوار مع مجلة العالم (لندن) (6 تشرين الأول/أكتوبر.)1990 20 مهدي المنجرة، "الدراسات المستقبلية والوضع الدولي"، محاضرة بالجمعية الإسماعيلية، مكناس.)1993(21 مهدي المنجرة، "واقع ومستقبل التخلف العربي على ضوء التحولات العالمية"، حوار مع جريدة الأهرام الاقتصادية (25 حزيران/ يونيو.)1990
وحتى الدراسات التي أقدمت عليها بعض الحكومات العربية هنا أو هناك، لم تتعامل مع المستقبل بوصفه فعلً، بل ردّة فعل، ولا تستشرف الاحتملات المختلفة وتتهيأ لها، بل تكتفي بملاحظتها وتسجيلها. ومن ثمّ، فإنّ الحقيقة الثابتة، برأي المنجرة، إنّا هي أنّ "العالم العربي يتغلّب على المشاكل بتأجيلها إلى المستقبل، حيث لا تتوفر مثلً إلا أمنيات عن الأداء الاقتصادي في المستقبل، مثل توقّع زيادة عدد السياح برقمٍ معين، أو تطوّر الخدمات الصحية بتوفير عددٍ محدّد من الأسرّة، بدون أن تكون هذه التوقعات مبنيّةً على اختياراتٍ ودراسات". ويلاحظ أيضًا أنّه حتّى لو سلّمنا جدلً بأنّ العالم العربي وصل في السنين الأخيرة إلى ما يشبه الاكتفاء الذاتي في الدراسات المستقبلية، فإنّ السؤال "على أيّ مستوى؟" يبقى مع ذلك مطروحًا: "لربما على المستوى الفكري والجامعات والأشخاص والمراكز غير الحكومية. ولكن للأسف، على مستوى صناعة القرار، ليس هناك أيّ اهتممٍ بهذا المجال، حيث أنّ صناعة القرار في المنطقة العربية تتمّ على المدى القصير (...) والخطير هو عدم إدراك أهمية قراءة المستقبل في المجال السياسي"، سواءٌ على المستويات القطرية الضيقة أو على المستوى القومي العام. هذه نقطةٌ أساسية، تتكرّر موضوعاتها في معظم كتابات مهدي المنجرة ودراساته واستجواباته، لأنّه يعتقد أنّ المنطقة العربية غير مدركةٍ التحولّات الكبرى والمتسارعة التي يشهدها العالم. ولذلك نراه يقول بهذه الجزئية العميقة، بداية تسعينيات القرن الماضي: "إنّ أوّل استنتاج خرجت به الدراسات المستقبلية، وهناك اتفاق في العالم حول ذلك، أنه ليس هناك أيّ مستقبل، أو أية إمكانية لأية مجموعة اقتصادية يقلّ عدد سكّانها عمّ بين 150 و 200 مليون نسمة، أن تدخل القرن الحادي والعشرين بأيّ أمل، لأنّ التطوّرات الدولية تشير إلى أننا ننتقل من مجتمعٍ مبني على الإنتاجية إلى حضارةٍ أخرى تسمّى المجتمع المبني على المعلومات وعلى المعرفة". ليضيف موضحًا هذه النقطة الجوهرية: "فالنموذج التنموي الذي عرفه العالم بعد الثورة الصناعية هو أنّ التنمية مبنيةٌ على عنصرين أساسيين، هم المواد الخام ورأس المال. أما المجتمع المعرفي، والذي يشكل لب الحضارة الجديدة، التي تسمّى مجتمع ما - بعد الصناعة، فهو مبنيٌّ على المعرفة وعلى الإعلام (...) بمعنى أنّ الموارد البشرية أصبحت هي الأساس (...) صحيحٌ أنّ رأس المال لا يزال له دورٌ مهم، إلا أنّ المعلومات والمعرفة أصبحت هي الأساس (...) فإذا توافرت الطاقة البشرية والمعرفة، فإن القيمة المضافة للمل سوف تصبح أكبر (...) أما إذا توافرت المواد الخام ورأس المال فقط، فليس من الممكن لمجتمعٍ ما أن يصنع بهم شيئًا في عالم اليوم (...) لهذا، فإنّ
22 المرجع نفسه. 23 المرجع نفسه. 24 مهدي المنجرة، حوار التواصل: من أجل مجتمع معرفي عادل، ط 7 (مراكش: دار وليلي،.)2001
التطور الذي تمّ أحدث انقلابًا كبيرا في العالم الثالث (...) والعالم العربي طبعًا جزءٌ من هذا العالم". وعلى الرغم من هذه التحولات، ولربما بسببها، فإنّ استشراف المستقبل والتهيّؤ له لا يتغيّ في جوهره أو مقاصده، أو في الرؤية والقوة التحفيزية التي يحملها من بين ظهرانيه. يقول المنجرة بخصوص هذه النقطة، مستدلًّ بنموذجٍ حيّ: "عندما تخوّف الرئيس الأمريكي، في بداية الستينات، من تقدّم بحوث الفضاء السوفياتية بعد سبوتنيك، أخذ قرارًا سياسيا وقال للعالم: بعد عشر سنوات، سنكون على سطح القمر. وبعد أن اتخذ هذا القرار السياسي، طلب من الخبراء والعلمء والإداريين والاقتصاديين أن يقدّموا له مخطّطًا لإنجاز هذه الفكرة خلال عشر سنوات، وبدأوا العمل منذ أن اتّخذ القرار. وفعلا، فقد وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى القمر بعد عشر سنوات في إطار مشروع أبولو". ومن ثمّ، فإنّ الدراسات المستقبلية هي مسألة رؤية، ثمّ تصوّر، ثمّ عزيمة سياسية؛ ثمّ هي مسألة تسيير أيضًا. إذ يرى المنجرة أنّه ليس ثمة إلا نوعان من التسيير، أهمّهم التسيير بالأهداف، أي بالمقاصد في لغة العلوم الإسلامية: "إذا فهمت مقاصد الدين الإسلامي مثلا، فإنّ ما تفعله يصبح مجرّد وسائل. في ميدان الدراسات المستقبلية، هناك تسيير الاقتصاد مثلا. فإما التسيير بناء على المقاصد والأهداف على المدى الطويل، أو التسيير المبني على الكوارث. أي أن ننتظر حتى تحصل الكارثة، ثم نحاول أن نواجهها. وكلم تأخّر الإنسان في الاستعداد لمواجهة المشاكل، تعذّر عليه حلّها. أما إذا توقّع الإنسان حدوث المشكل واستعدّ له، فتسهل عليه معالجته. أما التسيير في بلدان العالم الثالث، فهو تسيير كوارث، أي ننتظر إلى حين حصول الكارثة، ثم نحاول معالجتها (...) بعد فوات الأوان في الغالب الأعم". إنّ الوصفة ليست سحرية، يؤكّد المنجرة، بل هي مسألة منهجية ورؤية وعزيمة وتحدٍّ: "أولا، نبدأ ونتمنى، ونقول ما هو المستقبل الذي نريد بكلّ حرية وبدون ضغوط من الحاضر. وعندما يصبح هذا القرار رؤية، نعود للحاضر لنحلّله بجدية، ونحدّد وضعنا فيه. فإذا كان تحليل الحاضر جديا، فإننا نعرف نقطة الانطلاق. وإلا فكيف يمكن أن تحقّق هدفًا قبل معرفة المسافة التي تفصلك عنه، والعراقيل التي قد تعترضك في الطريق؟". إنّ المهم في الدراسات المستقبلية، بنظر مهدي المنجرة، هو الوعي بأنّ "هناك فرقًا بين أن أتوقّع مستقبلً أريده، وأعود للواقع لأغيّه، وبين مستقبل أتمناه، لكن لا أعمل على إعداد الشروط التي يجب أن تتوفر لتحقيقه".
25 مهدي المنجرة، "المجتمع الناشئ مجتمع معرفي"، حوار مع مجلة فكر ونقد، العدد 29 (أيار/ مايو.)2000 26 مهدي المنجرة، "الحوار العربي - الأوروبي والانتفاضة الفلسطينية"، حوار مع مجلة اليوم السابع (باريس) (26 تشرين الثاني/ نوفمبر 27 المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص.42 28 المنجرة، "واقع ومستقبل التخلف العربي على ضوء التحولات العالمية." 29 المنجرة، "الدراسات المستقبلية والوضع الدولي."
ثالثًا. سيناريوهات مستقبل الوطن العربي بحسب مهدي المنجرة
على الرّغم من كون الدراسات المستقبلية حديثة العهد نسبيًا (لا يتجاوز عمرها الخمسين سنة من الزمن)، فإنّه بالإمكان اليوم الحديث عن دراسة ماضي المستقبل، بالرجوع إلى السبعينيات والثمنينيات، قصد تحليل التوقعات التي وضعت في ذلك الحين، ومقارنتها مع الذي تحقق منها. ويرى المنجرة أنّ هذا التحليل يمكن أن يبرهن على أنّ هذه الدراسات أصبحت اليوم ذات مصداقية، من خلال تحقّق 70 في المئة ممّ كان متوقّعًا، سواءٌ على مستوى التيارات أو على مستوى التطورات التي كانت منتظرةً في الميدان العلمي والتكنولوجي. ولعلّ ذلك يجعل الدراسات المستقبلية قوّة تزداد يومًا عن يوم، في إمكانياتها على التوقّع والاستشراف والاستبصار. وقد عاين المنجرة نفسه ما توقّعه أواخر السبعينيات، عندما توقّع أنّ الطموح لتحقيق ما كان يسمّى بحوار الشمل والجنوب لا يمكن إدراكه في ظلّ النظام الدولي السائد، والذي لا يزال مسيطرًا لحدّ الساعة: "في أواخر السبعينات، توقّعت أنه من غير الممكن أن تبقى الأشياء كم هي. وتوقّعت حدوث قطائع. كم توقعت أنه مع بداية التسعينات، ستكون هناك مرحلةٌ تمهيدية لتحولات خطيرة وجذرية في العلاقات الدولية، وحدوث نزاعات خطيرة داخل بلدان العالم الثالث، وبالخصوص في محاولات التحرر الجديد ممّ أسميه بشبه الاستعمر، وتوقّعات أننا سنرى أزمات ما بين الغرب وبقية العالم، تكون ذات أبعاد ثقافية أكثر منها اقتصادية". ويتابع المنجرة: "أظنّ أنّ الأحداث التي نعيشها اليوم، تعتبر تطوّرات ضمن التوقّعات التي كنت أركّز عليها دائما، خاصّةً فيم يخصّ الأزمة الروحية والأخلاقية. لقد كنت أرى، فيم يخص تاريخ الماضي، أنّ تحوّلً هاما سيجعل فئة الشباب تقفز على النموذج المادي الغربي، في اتجاه البحث عن بدائل روحية وغير مادية". أمّا في ما يتعلّق بالحاضر، فإنّ ثمّة إشكالياتٍ كبرى نعيشها اليوم، وسيكون لها وقعٌ قوي على المستقبل في مداه القريب والمتوسط والبعيد، وضمنها أيضًا الإشكالية الأخلاقية. يعتقد المنجرة أنّ أكبر أزمةٍ نعرفها اليوم (أواسط تسعينيات القرن الماضي) والتي تؤثّر بقوّةٍ في باقي أشكال الأزمات، إنّا تتمثّل في الأزمة الأخلاقية التي تمسّ المقاصد والأهداف الإنسانية، الجمعية منها كم الفردية. وهو أمرٌ ناتج، برأيه، من غياب رؤية واضحة، وغياب مشروع مجتمعي. وهذا ما نراه في دول الجنوب، ونراه أيضًا في دول الشمل، حتى باختلاف الأسباب والسياقات؛ ففي الغرب، "نجد أنّ
30 يقال إنّ التوقعات التي وضعتها مؤسّسة راند كوربورايشون، أواسط الأربعينيات، قد تحقّقت بنسبة 100 في المئة. 31 مهدي المنجرة، "مستقبل الوطن العربي"، العلم (الرباط) (2 كانون الثاني/ يناير.)1990 32 المرجع نفسه.
غياب الرؤية ناتج عن تدهور الحضارة الغربية المسيحية - اليهودية. أما في الجنوب، فهو ناتجٌ عن فشل النموذج التنموي، والذي تأكّدت عدم صلاحيته للواقع الاجتمعي والاقتصادي والثقافي المعاش". لا تحيل الأزمة الأخلاقية التي يتحدث عنها المنجرة، على الفجوة العميقة التي تزداد يوما عن يوم بين التطور العلمي والتكنولوجي من جهة، والبعد الثقافي والاجتمعي من جهة أخرى فحسب، بل تبلغ أيضًا منظومة القِيَم المتجذّرة، أو التي يتطلع الغرب لفرضها بهذا الشكل أو ذاك، وهي قِيَمٌ مسيحية - يهودية بغطاءٍ سياسي واقتصادي وثقافي في ما يتصوّر. لذلك، فإنّ الغرب عندما يخشى اليابان، ومن بعدها الصين، فليس -د المنجرة يؤكّ - لإمكاناتهم الاقتصادية والمالية والتكنولوجية فحسب، ولكن لأنّهم تطوّرتا وتقدّمتا خارج منظومة القيم الغربية، وبرهنتا على أنّ الحداثة ليست دائمًا رديفًا ل "الغربنة" ولقِيَمها، وبرهنتا أيضًا على أنّ أيّ حضارةٍ يمكن أن تتطور وتتقدم وتدخل العصر بقيمها وتاريخها ولغتها وحضارتها، وهكذا. إنّ المنجرة، وهو يستشرف المستقبل وطبيعة العلاقات التي ستسود في ظله، لا ينطلق من انطباعات ذاتية، أو من أحكام قيمة قد تبدو له مبنية في الظاهر. إنّه يبني كلّ ذلك ويشيّده على أساسٍ من السيناريوهات الممكنة (أو المشاهد بلغة أهل المشرق)، والتي يحدّدها في ثلاثة كبرى: السيناريو الأولهو سيناريو الاستمرار أو الاستقرار. أي الحفاظ على الأوضاع كم هي، أو مع إضافة بعض "الرتوشات" الشكلية البسيطة التي لا تغيّ من طبيعة النظام ولا من شكل المنظومة. يقول المنجرة بخصوص هذا السيناريو: "كنت أقول منذ الثمنينات، إنه من غير الممكن تحقيق هذا السيناريو، لأنّ التغيير أمرٌ طبيعي في الحضارة الإنسانية، ولا يمكن تجميد حركة مجتمعٍ بشري أيا كان. ونرى اليوم مجهودات جبارة للغرب، بتعاون مع بعض المسؤولين في العالم الثالث، في أفريقيا وآسيا والعالم العربي، تهدف إلى تركيز هذا السيناريو وتمكينه. ولكن برغم كل هذه المحاولات، فإنه لا يمكن لهذا السيناريو أن يطول أكثر من خمس سنوات على الأكثر، ثم نرى بعد ذلك تغييرات أساسية في العالم الثالث". السيناريو الثاني ويطلق عليه عادةً، يقول المنجرة، السيناريو الإصلاحي أو سيناريو الإصلاح. وهو بنظره، سيناريو يحافظ على الاستقرار مع بعض الإصلاحات والتغييرات التدريجية: "وأظنّ أنّ إمكانية هذا السيناريو، قياسًا للأول الذي لا أعطيه أكثر من 5 في المئة نسبة لإمكانية تحقّقه خلال السنوات الخمس المقبلة، تقدّر بنحو 30 في المئة، شريطة أن تكون الإصلاحات سريعة،
33 عند حديثه عن الرؤية، لم يكن المنجرة يملّ من تشبيهها "بمرايا السيارة وأضوائها": منها ما يمنحك إمكانية رؤية من هو خلفك (الماضي بلغة المستقبليات)، ومنها ما يمكّنك من رؤية من هو أمامك (المستقبل.) 34 مهدي المنجرة، "الإشكالية العربية إشكالية أخلاقية"، حوار مع الأيام (الدار البيضاء)، العدد 35 (8-2 أيار/ مايو.)2002 35 هذا السيناريو شبيه، في نظر المنجرة، بحال الماء؛ فإذا لم يكن جاريًا، فإنّه لا يصلح للوضوء.
وبوعيٍ بالمشاكل الكبرى المتمثلة في الديمقراطية، وممرستها بشروطها الكاملة، وبناء مجتمع مدني بما فيه احترام حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير وروح التسامح والتعددية، ثمّ الاهتمم بمحاربة الأمية أولوية ثانية، لأنّ عددًا من مشاكلنا سببه الجهل الذي يعمّ نحو 60 في المئة من سكان العالم الثالث، ومن غير الممكن ولوج القرن الحادي والعشرين دون التجنّد ضد هذه الآفة". ليس هذا فحسب، يقول المنجرة، بل يجب أن نستتبع ذلك بتحقيق ضرورات أخرى، من قبيل تشجيع البحث العلمي والتكنولوجي، ومحاربة هجرة الأدمغة وإيلاء الأهمية للكفاءات والإبداع المحلي وهكذا. وبامتداد لذلك، يرى مهدي المنجرة أنّه من شروط نجاح هذا السيناريو، ضرورة الاهتمم بنوع من التوزيع الجديد للثروات وللإمكانيات الموجودة في العالم الثالث، وضمنه العالم العربي. إذ إذا كانت الفجوة بين الشمل والجنوب كبيرةً من الناحية الاقتصادية، فإنّها أكبر بكثير داخل كلّ دولةٍ من دول العالم الثالث، لا سيم بين من يحتكم على أغلبية الثروة ومن لا يحصل إلّ على الفتات. أمّا السيناريو الثالثفهو سيناريو التغيير الجذري، أو سيناريو التحولات الكبرى والعميقة. يقول المنجرة، صحيحٌ أنّ هناك تكاملً بين السيناريوهات الثلاثة، إذ "سنعيش الأربع أو الخمس سنوات القادمة في العالم الثالث بسيناريو الاستقرار أو الاستمرار، ولكن سنؤدّي عليه الثمن غاليًا جدا من الناحية الاجتمعية، وسنرى بعض الدول تتحرّر الواحدة تلو الأخرى، لتخرج من وضع الاستقرار. ويمكن أن نرى في نفس الوقت، بعض الإصلاحات التي تقوم بها بعض الدول، كحلٍّ ليس استمراريا مطلقا، ولكن بنوع من التغيير التدريجي، وهو ما يتعلّق بسيناريو الإصلاح". ويتابع المنجرة "لن يكون بمقدور هذه الدول الولوج إلى القرن الحادي والعشرين بدون سيناريو التغيير الجذري. فعلى المدى المتوسط، في الدراسات المستقبلية، والذي لا يتجاوز عشر سنوات، أقول مقتنعًا بأننا في بداية القرن الحادي والعشرين، سندخل بسيناريو التغيير الجذري والحقيقي، سواءٌ فيم يتعلّق بالأوضاع السياسية والاجتمعية والاقتصادية والثقافية، أو فيم يتعلق بعلاقة الشمل بالجنوب (...) وسيعرف جيل هذا السيناريو تحرّكًا على مستوى تحقيق الحاجيات الديمقراطية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية، دون هيمنة الغرب، ومن ثمّ، سيتحرّر من الفترة الجديدة التي دخلناها وهي فترة ما - بعد الاستعمر". ومع أنّ إمكانية تحقّق هذا السيناريو أو ذاك واردةٌ بقوة، لا سيّم في الظروف التي صاغ فيها المنجرة هذه الاحتملات، فإنّه يعترف بأنّه متشائمٌ للغاية في ما يتعلّق بالأربع أو الخمس سنوات المقبلة: "إنّ
36 المنجرة، "مستقبل الوطن العربي." 37 المرجع نفسه. 38 المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص.72
أتحفّظ بخصوص السيناريو الإصلاحي، الذي يمكن أن يمتدّ إلى نهاية هذا العقد، لأنّ لا أثق في إمكانياته لحلّ المشاكل، بفعل الأساليب والعقليات الموجودة في العالم الثالث، والتي لا تحترم بُعد الإنسان كإنسان. ولكني متفائلٌ جدًّا بخصوص بداية القرن القادم الذي سيحمل معه، عبر سيناريو التغيير، تحولّات جذرية كبيرة. هو ليس حلمً فقط، ولكنه ثقةٌ مبنية على البحث العميق في الواقع وفي التوقعات".
رابعًا. الدراسات المستقبلية ومستقبل الإسلام بحسب المنجرة
مرّةً أخرى، ليس لدينا في ما يتوافر من كتابات وأبحاث لمهدي المنجرة، دراسة منهجية موثقة يمكن الارتكان إليها لفهم موقف الدراسات المستقبلية من الإسلام، أو موقف الإسلام من هذه الدراسات. إنّ الذي نجده بين أيدينا إنما آراءٌ للرجل موزّعة هنا وهناك، من الضروري البحث في تقاطعاتها، لفهم الإشكالية كم ينظر إليها أو يتطلع للتعاطي معها، وهي متمحورةٌ في عمومها حول ما يسميه "مستقبل الإسلام". إنّ أوّل مسألة بديهية، بهذا الخصوص، هي تمييز المنجرة بين الغيب ومفهوم المستقبل. يقول المنجرة بشأن هذه النقطة: "هناك فرقٌ شاسع بين الغيب الذي هو من علّم الغيوب سبحانه وحده، وبين مفهوم المستقبل كم يوظفه الخبراء في مجال الدراسات المستقبلية. فمفهوم المستقبل، حسب هؤلاء، هو انعكاسٌ على الزمن لآثار ونتائج أعملنا، أو عدم عملنا اليوم. ومن ثمّ، فمن الواضح، من المضمون والدلالة، أنّ الأمر لا يتعلّق لا بنبوءةٍ ولا بكهنوت". يقول المنجرة إنّ القرآن الكريم مليء بالمصطلحات والمفردات الداعية لإمعان النظر والإعداد للمستقبل. من ذلك الآية القرآنية: ﴿يَاأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظَُرْ نَفْسٌ مَا قدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر، 18)، والآية القرآنية: ﴿أولَمْ يَنظَرُوا فِ ملَكُوتِ السَّموَاتِ وَالْ رْضِ ومَا خلقَ اللَّهُ مِن شَْءٍ وَأنْ عسَٰ أن يكَُونَ قَدِ اقْتبَ أجَلهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعرافَ، 185 نُوا)، وكذلك: ﴿ألَمْ يرَوْا أنَّا جعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكَُ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصًِا إِنَّ فِ ذَلِكَ ليَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ؛ ويَوْمَ يُنفَخُ فِ الصُّورِ ففَزِعَ مَن فِ السَّموَاتِ ومَن فِ الأرْضِ إلِاَّ مَن شَاء اللَّهُ وكَُلٌّ أتَوْهُ دَاخرِينَ﴾ (النملَ، 87-86). تُبيّ كلّ هذه الآيات وغيرها، بنظر مهدي المنجرة، دعوة الإسلام للاستفادة من الحاضر، والعمل فيه، مع إمعان النظر في المستقبل والاستعداد له. المستقبل الذي هو الآخرة دون شك، لكنّه أيضًا العمر المقبل من الحياة الدنيا.
39 المرجع نفسه، ص.73 40 مهدي المنجرة، "قضايا المستقبل الإسلامي: الدراسات الإسلامية – الضرورة والواقع والآفاق"، ندوة " قضايا المستقبل العربي "، الجزائر (أيار/ مايو.)1990
أمّا كلمة "غد"، وهي كلمة جوهرية في الدراسات المستقبلية، فإنّ المنجرة يُشير إلى أنّها قد وردت خمس مرّاتٍ في القرآن الكريم: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18 رْسِلْهُ معنَا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ)؛ ﴿أَ وَإِنَّا لَهُ لحَافِظ: 12ُونَ﴾ (يوسف)؛ ﴿ ولَ تَقُولنَّ لِشَْءٍ إنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (الكهف: 23)؛ ﴿ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَك: 34ْسِبُ غَدًا﴾ (لقمن)؛ ﴿سيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّاب الْ شِ﴾ (القمر: 26)؛ ويتابع قائلً إنّه لو تأمّلنا مضمون هذه الآيات ودلالتها لاتّضح لنا التالي: أنّ القرآن الكريم يدعو جمهور المؤمنين إلى رفض الكهانة، ليس في حدّ ذاتها فحسب، بل لأنّها تريد أن تقدّم لنا تاريخًا مفصلّا للغد. وهو ما يبدو له مستحيلا، لأنّ الغيب من عِلْم الله. وأنّ القرآن الكريم يدعو صراحةً إلى استشراف الغد "حتى يتزوّد الإنسان بالتقوى اللازمة ويتجنّب المفاجآت الداهمة". ومعنى ذلك أنّ المنهيّ عنه هنا إنما تكهّن صورةٍ واحدة عن المستقبل، يدّعي متزعّمها أنّه يعرفها سلفًا ومسبقًا. أمّا تمثّل هذا الغد بوصفه صورًا متعدّدة، "فهذا نحن مطالبون به، حتى نحشد القوى لدفع الشر الذي نتوقعه ونكثف الجهد (فرادى وجمعات) لجلب الخير الذي نستبشره". إنّ الإسلام، برأي المنجرة، إنما يقدم لنا نظرةً شاملة للعالم الدنيوي الحاضر وللعالم الأخروي المقبل. وهو يحمل في طياته "بالصلة التي يقيمها بين العالمين، ديناميكية أساسها التغيير وحوافزه، وذلك في جميع المجالات، سياسية واقتصادية واجتمعية وثقافية؛ ديناميكية تجعل الإنسان مسؤولً عن مستقبله، مفجّرةً طاقات التغيير والسعي نحو الأفضل لدى المجتمع، بين حاضره الآني ومستقبله القريب، سواءٌ عند التفكير في إصلاح واقعه الذي يحياه، أو عند البرمجة للغد الذي يتمناه". ويرى المنجرة أنّ التغيير هنا ليس سنّةً إلهية ثابتة فحسب، بل هو ضرورةٌ حياتية أيضًا، إعملً للآية القرآنية: ﴿إِنَّ اللّهَ لا يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيُِّوا مَا بِأنْفُسهِمْ﴾ (الرعدَ، 11). إذ أنّ "التغيير الصائب إنما قوامه الإبداع والابتكار. والإبداع معناه مخالفة البدعة، التي تعني التبديل والإضافة في دين الله. فلا يختلف مؤمنان في أنّ الإبداع وفق السنن الكونية والتشريعية الراسخة للأصول الإسلامية هو أساس التغيير، وهو الدافع للحركة، وكل مادّةٍ حيّة فاقدة للحركة والتغيّ هي معرّضةٌ للموت، وهي سنّةٌ عامة يجري مفعولها على الفرد وعلى المجتمع". وبالمقابل، فإنّ الذين يخافون من التغيير، "خوفًا على امتيازاتهم وحرصًا على مصالحهم، فهم يعمدون دومًا إلى الخلط بين الإبداع والبدعة، رغبةً في منع كلّ تغيير يصبّ فيم لا يرضونه، ولا
41 لذلك نجد أنّ المنجرة يتحدّث عن "مستقبلات" وليس عن "مستقبلٍ" واحد فحسب. 42 المنجرة، "قضايا المستقبل الإسلامي."... 43 المرجع نفسه.
يطمئنّون إليه وعليه. بل لا غرابة في أن يُعزى التخلّف والأمراض الاجتمعية المصاحبة له في البلدان الإسلامية، إلى مثل هذه العقلية المتحجرة، الرافضة للإبداع والابتكار، والمغلقة لباب الاجتهاد". وقد كان الرسول، وفقًا للمنجرة، يمضي على نور الوحي نحو المستقبل، لا يلتفت إلى الوراء، ولا يكترث بما يحدث من ضوضاء، من لدن الراغبين في منعه من بناء المستقبل. ذلك أنّ الإسلام دينًا ومجتمعا، يهتمّ أساسًا بالرؤية نحو الآفاق (﴿سَنُِيهِمْ آيَاتِنَا فِ الْفَاقِ وَفِ أنْفُسهِمْ حَتَّى يتبَيَّ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصّلت، 53)، بغية التحفيز على العمل في الدنيا والآخرة، وينهى عن الكرّ إلى الماضي، والتقوقع في دوامة قضايا الواقع المجرد من دوافعه الماضية ونتائجه المقبلة؛ ثمّ إنّ الرسول لم يكن يهتمّ كثيرًا بالماضي (لا سيّم عندما أقرّ بأنّ "الإسلام يجبّ ما قبله")، بقدر ما كان يتطلّع لبناء المستقبل، ويحفّز جمهور المؤمنين للاعتناء بغدهم، والعمل على صيانته وتثبيته. كلّ هذا يُبيّ، بنظر المنجرة، أن ليس ثمة جبرية أو حتمية في الإسلام، من شأنها أن تجعل الفرد والمجتمع غير متحكّمين في غدهم وفي مستقبلهم. ومن ثمّ، ولمواجهة تحديات المستقبل، "فعلينا قبل ذلك القيام بتطهير عقولنا من رواسب التواكل والجبرية"، لأنّها تقتل الإبداع والابتكار، وتقتل الرغبة في الفعل والتفاعل، ولأنّ موضوع المستقبل هو دراسة وضعٍ معيّ بصورة مفتوحة على البدائل والخيارات، واستقراء النتائج الممكنة المترتبة عن هذا القرار أو ذاك. بمعنى أنّ الدراسات المستقبلية لا تصدر نبوءات، بل هي تهدف إلى تحديد الاتجاهات وتوقّع المستقبل المرغوب فيه، ووضع الإستراتيجيات لتحويله إلى مستقبلٍ ممكن؛ وهي لا تدّعي العصمة في توقّعاتها واستشرافاتها، إذ لا يمكن توقّع المستقبل في المطلق، بحكم أنّه اجتهادٌ قد يصيب وقد يخطئ. ولعلّ من الأمور التي كان المنجرة لا يملّ من التذكير بها، عند حديثه عن الإسلام في علاقته بالمستقبل، هو ربط هذه العلاقة بالبعد الثقافي وبمنظومة القيم السائدة. ويبدو بالنسبة إليه ها هنا أنّه من البديهي "أنّ الإسلام، كقوّةٍ للتغيير والإبداع، سيلعب دورًا طليعيا في هذا التطور، إذ هناك عودة ملحّة إلى الروحانيات اليوم، خاصّةً عند الشباب الذي أصابه اليأس من جرّاء سلوك من هم أكبر منه سنا، والذين لم يكونوا في مستوى إعطاء نموذج سليم للحياة، أو على الأقلّ قدوة ملائمة في السلوك منسجمة ومحترمة". كم يرى أنّه من الطبيعي "أن يرجع الشباب المسلم إلى الأصول، للعثور على الأنماط المثالية التي تقود خطواته، لأنّ المستقبل الممكن والمنشود للعالم العربي والإسلامي يتركز أساسًا على تجديد الإسلام، إسلام الاجتهاد وليس إسلام التقليد، ذاك الداء الذي كان وراء سقوط حضارة ابتعدت تدريجيًّا
44 مهدي المنجرة، "الحرب الحضارية ومستقبل العالم الإسلامي"، حوار مع مجلة رؤى، العدد.)2002(16 45 لذلك سار المنجرة على درب أحد المتخصّصين الكبار في المستقبليات، غاستون بيرجي الذي كان يرى أنّ التوقّع عملٌ شخصي، في حين أنّ التغيير عملٌ جماعي. 46 يستخدم المنجرة مصطلح "الشيخوقراطية" للتعبير عن هذه الحالة. راجع: المنجرة، الإهانة...
عن مهمة الخلق والإبداع، اللذين واصلاهم إلى يوم أعلن فيه بعض الفقهاء جزافًا إغلاق باب الاجتهاد." يقول المنجرة إنّ الإسلام دائمًا "دينٌ متفتح، يترك للفرد مبادرةً كبرى في حرية التكيف والتغير وتوقّع التحولّات. فلو لم يتوقّع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته المستقبل في فجر الإسلام، لما كان هناك اليوم مليار و 200 مليون من المسلمين". يتابع المنجرة، إلا أنّ المفارقة المفجعة، أنّ تاريخ ماضينا القريب لا يزال "كابحًا تحت نير الاستعمر، وقسط كبير من حاضرنا منفلتٌ من أيدينا؛ بل حتى مستقبلنا أصبح مرهونًا بدراسة الآخرين وبسيناريوهاتهم التي تعودنا الثقة في مصداقيتها (...) في هذه الحالة، يوشك مستقبلنا أن يكون نسخة مشوهة وغير صالحة من ماضي الآخرين. والحقيقة المُرّة الوحيدة التي تفرض نفسها في الوقت الحالي، هي أنّ العالم الإسلامي لا يتحكّم في مصيره، وأنّ استقلاله ما يزال شكليًّا على عدّة مستويات". وفي هذا الصدد، يلاحظ المنجرة أنّه من بين الدلائل على غيابنا في مجال صناعة رؤانا المستقبلية "التي هي نتيجة طبيعية لغياب أيّ دورٍ مستقبلي لنا في الحاضر، أن قبل 108 سنة، نشر المستشرق الإنجليزي بلونت بلندن كتابًا عنوانه مستقبل الإسلام، وكان علينا أن ننتظر 103 مسلم من باكستان سنة بالتّمم والكمل، ليقوم عالمٌ هو ضياء الدين ساردار، بإصدار كتاب حول نفس الموضوع في العام "1985. ومن ثمّ، فإنّ من أكبر الأزمات التي يعاني ويلاتها العالم الإسلامي المعاصر اليوم "غياب وجود رؤيةٍ واضحة لما تريد أن تقدم عليه القيادات الحاكمة، وانعدام بُعد النظر كليةً عندها، لجهلها المطبق بالواقع ومجراه وتياراته السائدة من جهة، ولخوفها وتحفظها من كل إقدام من لدن فئات من المجتمع، خشية الإضرار أو التقليص من سلطتها ونفوذها من جهة أخرى". وفي السّياق نفسه، يقرّ المنجرة بأنّ هناك غيابا تامًا "لكلّ استشارةٍ شعبية أو تعبير جمعي عن طموحات ورغبات المجتمع، إذ لا توجد أدنى مشاركة فعلية وشريفة لصياغة برامج العمل، ورسم الخطى لمواجهة التحديات وتحقيق المستطاع من الطموحات، وبناء مجتمع مدني صالح". فالنخب الحاكمة، يتابع الرجل، "منشغلةٌ بمعارضيها وحركاتهم، ظانّةً أنّ غفلتها عنهم ستودي بحياتها على أيديهم، وقضايا المجتمع تعالج بشكلٍ مركزي مستبد بالقرار، حسب ما بقي من الوقت، وما فضل من إمكانات، والنظر ببعدٍ شاسع لما يحمله المستقبل لا داعي له، لأنّ المالكين بزمام الأمور ببلداننا يتوهّمون أنه لا تخفى عليهم خافية، فمتى حصل تغيير كانوا أوّل الشاعرين به، وسيعالجونه في حينه".
47 المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص.297 48 المرجع نفسه، ص.302 49 Ziauddin Sardar, Future of Muslim Civilization (London: Croom Helm Ltd, 1979). 0 5 المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص.303 1 5 المرجع نفسه، ص.303
ولا تقتصر التحديات المستقبلية التي تواجه العالم الإسلامي على هذه الجوانب فحسب، بل تمتد، بحسب المنجرة، لتبلغ مؤشّاتٍ أخرى أعمق وأخطر، من قبيل تدنّ مستويات البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، وانتشار الأمية بنسبٍ مرتفعة، واستفحال أزمة القيم الثقافية - الاجتمعية، وعدم ملاءمة النمذج التنموية المستوردة، وغياب دولة الحق والقانون، وتهميش دور المرأة، وما سوى ذلك من مظاهر تبيّ بجلاء، بنظر المنجرة، أنّ مستقبل هذا العالم كان ولا يزال على المحك. والحصيلة بنظره، إنما تتمثّل في القول بأنّ أزمة العالم الإسلامي هي "قبل كل شيء أزمة رؤية، ناتجة عن عدم وجود مشروع جمعي، وغياب فئة قادرة وكفؤة، ونخبة من المفكرين النيّين، بحيث أنّ أغلب هؤلاء هم مغتربون ثقافيا، ويمارسون نوعا من الرقابة الذاتية على أقوالهم وكتاباتهم، كم يذهب البعض منهم إلى حد بيع نفسه لمن يقدم له المزيد". وهذه الأزمة هي كذلك "أزمةٌ روحية وأخلاقية، ناتجة من حيرة من حيث الانتمء إلى قيمٍ متنافية، تتأرجح بين نظام قيمٍ جامد، لم يعرف كيف يتطوّر لمواجهة التحديات الجديدة من جهة، ونظام قيم مستورد في شكله الخام، يتلاءم مع واقع صانعيه ومشاكلهم الحقيقية، لا مع ناقليه من جهة ثانية. ولعلّ هذا ما يفسر فقدان الثقة لدى الشباب". يقول المنجرة، كلّ هذا يدعونا للمبادرة بعلاج أوضاعنا من خلال التفكير بإمعانٍ في مستقبلنا. فالطبيعة كم يُقال تكره الفراغ، والأمر كذلك بالنسبة إلى المسلمين غربًا وشرقًا وإلى الإنسانية جمعاء.
خامسًا. التنوع الثقايف والتعدد الحضاري والقيمي مفتاح المستقبل
لم يتحدّث مهدي المنجرة عن التنوّع الثقافي بوصفه قيمةً ثقافية وحضارية، من المفروض تثمينها والدفاع عنها، ولكن لأنّ مصطلح المستقبلية مشتقٌّ بنظره من الكلمة الإغريقية "بروسبيكت" (Prospect)، والتي تعني المنظور أو طريقة النظر إلى الشيء. وهذه الطريقة تُحيل صوبًا على عنصر التنوع، "لأنه لا يوجد إثنان ينظران لنفس الشيء بنفس الطريقة؛ ثم إنّ طريقة النظر ليست عمليةً موضوعية فقط، بل تتدخّل فيها الثقافة بالضرورة". وإضافةً إلى ذلك، فإنّ الحديث عن المستقبل هو بالمحصّلة النهائية حديثٌ عن "المستقبلات"، إذ المستقبل متعدّدٌ بالفعل "لأنه مفتوحٌ ويتيح بدائل متعدّدة، ومن ثمّ فهو بالتعريف، متنوّعٌ ثقافيا".
2 5 المنجرة، حوار التواصل، ص.52 3 5 المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص.309 4 5 مهدي المنجرة، "ما بعد الاستعمار: التنوع الثقافي ودراسات المستقبل"، الرأي (الرباط) (2 تشرين الأول/ أكتوبر.)1994
ويلاحظ المنجرة أنّ التعدّد الثقافي القائم على نظرة عالمية، شبه غائبٍ في الدراسات المستقبلية، إذ نجد من جهة أنّ أكثر من 98 في المئة من الأموال المخصّصة لهذا المجال تنفق في الشمل (حيث 20 في المئة من سكان العالم فقط)، في حينٍ لا ينفق في الجنوب سوى 2 في المئة منها (مع 80 في المئة من سكان العالم). ونجد من جهةٍ أخرى، هيمنةً ثقافية مضمرة بهذه الدراسات، إذ "نجد أنّ لدى العديدين من المتخصّصين في هذا الميدان درجةً كبيرة من التحفّظ اتّجاه القِيَم غير الغربية". ومن ثمّ، فالمطلب هنا إنما يتمثّل، في نظره، في "دمقرطة دراسات المستقبل على الصعيد الوطني والجهوي والدولي"، ليس من باب إشراك المواطنين في الاختيارات الإستراتيجية الكبرى فحسب، ولكن أيضًا لضمن "تراض" عام بشأن الرّؤى والتصورات، لأنّ من شأن ذلك أن يضمن مبدأ التعدّد والتنوّع. ويرى المنجرة في هذا الصّدد أنّه بالإمكان الحديث عن سيناريوهين، في ما يخصّ مسألة التنوع الثقافي: سيناريو القطبية الواحدة التي نراها بظلّ الهيمنة الغربية على المستوى الثقافي وعلى مستوى القيم السائدة، أو المراد لها أن تسود. وهو السيناريو الذي يجد تجاوبًا كبيرا مع النخب الحاكمة في بلدان الجنوب، حيث الاغتراب الثقافي والحضاري والقِيَمي. لا مستقبل لهذا السيناريو بنظر المنجرة، لأنّ الشعوب لا يمكن أن تتنازل عن موروثها القيمي، وعن تراثها الثقافي والحضاري. أمّا السيناريو الثاني، فهو الذي يجب أن ينبثق من أنقاض النظام العالمي القائم، بغاية بناء "ما يمكن تسميته بالنظام العالمي الجديد/ عصر الحضارات المختلفة، القائم على انبثاق عصر تعايش حضارات متعدّدة". بذلك، يرى أنّ أحد الأخطاء الكبرى التي يرتكبها المدافعون عن القيم الغربية، "إضافةً إلى المطابقة المنهجية بين التحديث والتغريب، يكمن في أنهم وصفوا بالعالمية كلّ قيم ومفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والإنصاف والعقلانية والمنهج العلمي والتكنولوجيا وعلم الجمل". إنّه منطق "الغطرسة الثقافية"، لأنّه لو كان للإنسان من مستقبل، فللتنوّع الثقافي مستقبلٌ أيضًا. إنّه مكمن القِيَم التي تُعدّ مفتاحًا من مفاتيح المستقبل. ليس معنى هذا أن يتقوقع المرء خلف التقاليد بتصلّبٍ وتشدّد، لكنّه يجب ألّ يستبعد القيم التقليدية في كلّ حين: "فإذا كان بعضها متخلّفا، فإن البعض الآخر قابلٌ لأن يكون ذا نفعٍ كبير؛ وزيادةً على ذلك، فمصطلح قيمة لا يرتبط بالضرورة بالتقليد، إذ إن هناك قيم كانت بمثابة ردّ فعلٍ على الماضي".
55 المرجع نفسه. 65 المنجرة، حوار التواصل، ص.30 75 المرجع نفسه، ص.30 85 راجع في تفاصيل هذه النقطة: مهدي المنجرة، قيمة القيم (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.)2008
ليس هذا فحسب، بل إنّ الشعوب "تعلّمت حدسيًّا أنه بإمكانها الاعتمد على قيمها الثقافية إذا أرادت التطور وفق طموحاتها. وهذه القيم هي بالطبع قيمٌ متعدّدة وغير ذات جنسٍ واحد داخل البلد الواحد. فالتعدّد هو الذي يمنح الحركية الثقافية على المستوى الوطني، إذا ما تمّ احترامه على المستوى المحلي. إنّ المجتمع يشتغل على قواعد من أجل حمية التعدد البيولوجي، إلا أنه لا يبدو أنّ هناك اهتممًا فعليا بتشجيع التعدد الثقافي. إننا نعتقد أنّ هناك مصلحة في حمية الأشياء العارضة والآثار والمواقع، ولكننا لا نرى نفس المصلحة في دراسة أنظمة القيم انطلاقا من مقاربة غير إثنولوجية". ويؤكّد المنجرة أنّ الذود عن القيم الثقافية "يمكن أن يفضي إل نزاعاتٍ كردّ فعلٍ على عدوانٍ ثقافي، لكني لا أعتقد مع ذلك أنّ الانقسامات الثقافية تشكّل في حدّ ذاتها مصدرًا للنزاعات. إذ هذه الاختلافات هي من طبيعةٍ تجعلها تغني العالم، من خلال التنوّع الثقافي وتجعله قادرًا على الاستمرار في الحياة". يتقاطع المنجرة بهذه النقطة مع صمويل هانتغتون، على الرغم من تباين مرجعياتهم، إذ يريان معًا أنّه سيكون ذا دلالةٍ كبرى اليوم ألّ نصنّف البلدان على أساس أنظمتها السياسية أو الاقتصادية، وتبعًا لمستواها في التنمية الاقتصادية، بل على أساس ثقافتها وحضارتها. ولذلك، يعتقد مهدي المنجرة أنّ التنوع الثقافي هو من وسائل البقاء بالمعنى السوسيو - اقتصادي والثقافي. وهو "مفتاح التواصل الثقافي الذي هو في رأيي، أكبر مشكلٍ في العالم. إذ إنّ سكان الجنوب قد أعيتهم الجهود التي يبذلونها في التعلم والتأهل ليكونوا في مستوى الحوار مع الشمل بلغته هو، آخذين قِيَمه بعين الاعتبار"، في حين لا نجد مجهودًا يذكر من لدُن هذا الشمل لنفس النهج (...) فإذا لم يقدم الشمل على القيام بجهدٍ لفهم قِيَم الآخر، فإنه سيجد نفسه بعد 10 إلى 15 سنة، منفصلً كلّيةً عن حقائق الجنوب، ولن تكون في حوزته سوى ترسانته النووية وبعض المرتزقة يعتمد عليهم". لذلك، لا يتردّد المنجرة في القول بأنّ نزاعات المستقبل ستكون نزاعاتٍ ثقافية وحضارية بامتياز؛ وهي نزاعاتٌ لا يمكن أن تستمر، ولا يمكن أن نخضعها لسيناريو الإصلاح، لأنها مبنيّة على القوة وعلى العنف. وعليه "لم يعد هناك على المدى المتوسط، أيّ حلٍّ إلا سيناريو التغيير البنيوي الوظيفي الجذري، لمواجهة التحديات الجديدة والتطورات التي يشهدها العالم. وهذه المرحلة هي مرحلة انتقالية ستدوم ما بين 3 أو 5 سنوات، سيحصل بعدها تغييرٌ أساسي لا داخل بلدان العالم الثالث فحسب، بل في علاقات الشمل والجنوب أيضا". ويتابع القول بأنّ "الحروب أضحت منذ عهدٍ قريب تعكس استكبارًا ثقافيا، وعلينا اليوم أن نستحثّ بإصرارٍ ومصابرةٍ روح التواضع الثقافي؛ إذ نبذ أيّ استعلاءٍ حضاري هو المفتاح الصحيح
95 المنجرة، حوار التواصل، ص.32 0 6 مهدي المنجرة، "اليابان وثقل التنوع الثقافي"، لوك جابان (كانون الأول/ ديسمبر).1999 1 6 المنجرة، حوار التواصل، ص.37 2 6 مهدي المنجرة، "نزاعات المستقبل ثقافية - حضارية"، الرأي (الرباط) (22 آب/ أغسطس.)1996
للتعايش السلمي. وبصرف النظر عن المخاطر والصعاب، يمكن أن نقول إنّ الاتصال الثقافي كم يتراءى لذوي النيات الحسنة، من شأنه أن يؤمّن للإنسانية مستقبلً آمنا".
سادسًا. عندما يتوقّع مهدي المنجرة انتفاضات الربيع العربي
لم يُقدَّر لمهدي المنجرة أن يدرك تموّجات انتفاضات الربيع العربي، ولا إرهاصاتها ولا ما ترتّب عنها، إذ غيّبه المرض في ربيع عام 2010 وإلى حين وفاته في صيف عام 2014. وعلى الرغم من أنّه لم يستطع متابعة ما جرى ويجري، فإنّنا نزعم أنّه كان ضمن الذين استشرفوا قدومها، و"بشّوا" بمقدمها بهذا الشكل أو ذاك، حتى وإن لم يخض في الأساليب التي ستتبعها، أو النتائج التي قد تترتّب عنها في هذا البلد العربي أو ذاك. ولعلّ الذي ألهمه، في هذا الباب، إنما هو انتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين في عام 1987، وما تبعها من انتفاضاتٍ على شاكلتها، وكيف بدت له أنّها الشرارة التي ستُلهم باقي الشعوب للنسج على منوالها. ولعلّ كتابه "انتفاضات في زمن الذلقراطية" خير شاهدٍ على صدق نبوءة الرجل. يقول المنجرة متسائلا، بخصوص انتفاضات الفلسطينيين: "من أين أتت انتفاضة الحجارة؟". ليجيب دون مواربة: "إنها لم تأت قطعًا من الوزارات ولا من القصور ولا من المكاتب الرسمية ولا من الحكومات ولا من النخب. إنها أتت ضدّها جميعا؛ ضدّ الأنظمة والحكومات العربية، التي انفصلت انفصالً تاما عن هموم الجمهير والشعوب". هذه هي القضية، وهذه هي الإشكالية، "إشكالية أنّ الحكومات العربية والأنظمة العربية أصبحت بدون مصداقية، وأكثر من أي وقت مضى بدون مشروعية. ومن ثمّ، فانتفاضة الحجارة لأطفال فلسطين ليست إلّ مجرّد الانتفاضة الصغيرة، التي ستتبعها لا محالة، الانتفاضة الكبرى ضدّ الحكومات والأنظمة التي تواطأت على حساب شعوبها وعلى حساب قضيتها الأولى". إنّ انتفاضة الحجارة كان لها الفضل، بنظر المنجرة، "كونها أماطت اللثام عن الأنظمة والحكومات والسياسات والمصالح الضيقة، مصالح التشبّث بالحكم دونما طلب رأي الشعب. ولها الفضل كذلك في فضح النخبة (...) التي استسلمت وسلمت قيمها وأفكارها. وأبانت كذلك على أن لا قداسة إلا لله، ولا مشروعية إلا للشعب، ولا مصداقية إلا من خلال تلك التي تمنحها الجمهير".
3 6 المرجع نفسه. 4 6 مهدي المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية (القنيطرة: البوكيلي للطباعة والنشر،.)2001 56 مهدي المنجرة، "الانتفاضة والنخبة"، مداخلة باللجنة المحلية للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني (9 كانون الثاني/ يناير 66 المرجع نفسه. 76 المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية، ص.167 - 166
هذه هي فلسفة الانتفاضات الصغرى، "وستكون ثمة فلسفة للانتفاضات الكبرى القادمة، لأنّ المسألة لم تعد بيد الحكومات والأنظمة والنخب، بل تحوّلت للشارع، في الوقت الذي بدأت هذه الأخيرة تتحدث سيميائيا بمصطلحات العنف ومواجهة العنف وإيقاف المواجهات وما سوى ذلك". لذلك، يتصوّر المنجرة أنّه "ستأتي انتفاضات بنفس روح انتفاضة أطفال الحجارة، لمحاربة انعدام العدل الاجتمعي والظلم والفقر (...) وسنرى تدريجيًّا انتفاضات أخرى في بقية العالم العربي والإسلامي". ويتابع المنجرة، "هناك فجوةٌ كبيرة في العالم العربي ما بين الحكام والشعوب، والفجوة بلغت درجة الانفجار، والانتفاضة ليست انتفاضةً للقضية الفلسطينية فقط، بل هي رمزٌ للتحرير العربي؛ إذ لا يمكن لعربيٍّ أو مسلم أن يحسّ بالحرية كاملة طالما فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال. وأنا شخصيا أرى أنّه ما دامت فلسطين محتلة، فأنا أيضًا محتل، كعربي، كمسلم، كإفريقي، كواحد من العالم الثالث". ولذلك يرى المنجرة أنّ انتفاضة أطفال الحجارة إنما كانت "ثورةً على من سلّمت لهم قمّة الرباط شرعية التمثيل"؛ ويرى أيضًا أنّ هذه الانتفاضة موجّهةٌ إلى أولئك الذين منحوا هذه الشرعية. إنّها "موجّهةٌ إليهم، إلى تخاذلهم، إلى تردّي وضعهم، إلى هشاشة قراراتهم، إلى ضعف تحركهم، إلى استخفافهم بشعوبهم وقمعهم لها، وتكميم أفواهها خشيةً على قدسية الاستقرار، واسترضاءً للذين لا يدفعون بمبدأ التغيير ولا مصلحة لهم في أن يسود". ولا يقف المنجرة عند هذا الحدّ، بل يذهب إلى درجة عدّ انتفاضة فلسطين "وقود الانتفاضات، المؤطّر لمسارها، مشعلها، شمعتها، منير طريقها، مرجعها الروحي (...) فلم يعد أطفال فلسطين مكمن الجهاد الأصغر ولا عمق الجهاد إياه، بقدر ما أصبحوا عمق جهادٍ أكبر، سينتشر انتشار النار في الهشيم، في ظلّ نظامٍ عربي مهترئ، ضعيف المناعة، مهتزّ البنى والمكوّنات". إنّ ما يسميه المنجرة الجهاد الأصغر، تمامًا كم الشأن مع الجهاد الأكبر، "هو ثورة من أجل الحضارة والقيم، عوض الاقتصاد والسياسة، هو انتفاضةٌ على الحاضر كمدّة وأمل في المستقبل كقيمة رمزية وكبعد حضاري". ومن هنا، "فالانتفاضة لم تعد مفتاح حلّ القضية فحسب، بل أضحت معطى جوهريا لا بدّ من استحضار فلسفته لفهم المستقبل والعمل على توجيهه". إنّ النظام العربي، بنظر المنجرة، قد بات عاجزًا وعديم الجدوى، ولا يمكن أن يستمر كثيرًا، لأنّه مرتكزٌ على منظومة بنيوية من أربعة أضلع:
86 المرجع نفسه، ص.177 96 مهدي المنجرة، "الانتفاضة وحرب القيم"، أخبار اليوم (الإمارات) (أيلول/ سبتمبر).2001 0 7 المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية، ص.13 1 7 المرجع نفسه، ص.13 2 7 المرجع نفسه، ص.15
إنّه نظامٌ يشتغل بمنطق "التفقيروقراطية"، أي أنّه يتّخذ من الفقر والتفقير نظامًا للتدبير والحكامة والحكم، وهو ما يفسّ تفاقم الفوارق الاجتمعية والاقتصادية بين الطبقات الاجتمعية، وسوء توزيع الثروة عن قصد، وسيادة اقتصاديات الريع والفساد وتهريب الأموال. وهو نظامٌ يشجّع "الجهلوقراطية"، أي تجهل الجمهير وتركها على أميتها، إذ تتعدّى نسبة هذه الأخيرة في المتوسط العربي ال 50 في المئة. كيف "تريدون أن يكون البلد مسيًّا تسييرا جيدا، في الوقت الذي نتحدّث فيه عن مجتمع الإعلام، ومنظومة التربية والتكوين في أزمةٍ مستدامة؟". يقول المنجرة، "لو كان لدينا، نسبة أمية تقلّ عن 20 في المئة، فلن يكون لنا حتمً نفس الحكام، ولا نفس الوزراء، ولا نفس البرلمان"؛ إنهم سيدركون جميعا أنّهم بإزاء شعوبٍ واعية، مدركة، متعلمة، لا يمكن القفز على مطالبها. ثم هو نظامٌ إحدى سمته الكبرى "الشيخوقراطية". "فحين ننظر إلى هرم الأعمر، فإننا نلاحظ إلى أيّ حدٍّ تنقصنا الديمقراطية في توزيع الأعمر، بوصفنا محكومين من لدن شيوخ، في حين أنّ ثلثي الجمهير شباب". وهذا مؤشّ، بنظر المنجرة، على غياب الديمقراطية وغياب الرغبة لدى الحكام لإقحام فئة الشباب في دائرة اتخاذ القرار. وهو نظامٌ مدمن على "الكذبقراطية"، أي أنّه حوّل الكذب إلى أداة تسييرٍ ومنظومة حكم. وهذا معناه أنّ هذا النظام لا يراهن على مصداقيةٍ ما، بل يتعامل مع الجمهير وكأنّها كتلة بشرية لا تفهم ولا تدرك، لا بل إنّ ما يأتي على لسان "الزعيم"، لا يمكن أن يزايد بشأنه أو يخضع للتكذيب. هذه المميّزات الكبرى التي تطبع النظام العربي هي التي ستحرّك، بنظر المنجرة، الانتفاضات في وجه هذا النظام، لا بل وستناهض أيضا المنظومة السيميائية التي يبني عليها خطابه، مباشرةً أو عبر أساليب البروبغندا التي تتيحها له وسائل الإعلام العمومية. يتابع المنجرة، إنّها لاحقًا "مرحلة تحوّلٍ كبرى تبشّ بميلادٍ جديد (...) إنها مرحلةٌ لذيذة (...) لأنها ستحملنا إلى مشارف عهدٍ جديد".
على سبيل الختم
ليس من المبالغة إذًا القول بأنّ مهدي المنجرة قد استشرف حقًّا وإلى حدٍّ بعيد انتفاضات الربيع العربي، والتي اندلعت بداية العشرية الثانية من الألفية الثالثة؛ بل وذهب عشر سنوات قبل اندلاعها، إلى درجة تحديد الدول التي ستشهدها. لقد تحدّث بالاسم والصفة عن مصر مبارك، وعن تونس بن علي،
3 7 راجع في هذه المصطلحات الجديدة: المنجرة، الإهانة...، ص.109 4 7 المنجرة، انتفاضات في زمن الذلقراطية، ص.15
وعن "مغرب المخزن"، وعن قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعن دول الخليج، لا سيّم بعد ضرب أفغانستان واحتلال العراق...، وهكذا. وإن لم يَبِْ توقّعاته على نمذجةٍ كمّية للمؤشرات، فإنّه بناها على ميزات النظام التي قدّمنا لبعض عناصرها أعلاه. وقد بناها على مقولةٍ مأثورة لديه، مفادها أنّه عندما ترى السمء ملبّدةً بالغيوم، فاعلم أنّ المطر قادمٌ لا محالة. ونزعم بالمحصّلة، أنّه لو كان لمهدي المنجرة أن يعيش ويعايش أطوار انتفاضات الربيع العربي، لتأكّد أنّ ما توقّعه هو الذي وقع حقًا. لكن الذي لربما كان سيفاجئه إنما قوة منظومة الدولة العميقة، وتكالب القوى الخارجية للحفاظ على نظمٍ تطعن فيها الشعوب... والدراسات المستقبلية أيضًا.
57 رديف الدولة العميقة بلغة "الربيع العربي."
المراجع
أوّلً. مؤلّفات مهدي المنجرة
الكتب
Elmandjra, Mahdi. The United Nations System: An analysis , London: Faber __________. James W. Botkin, Mircea Malitza, No limits to Learning: Bridging the Human Gap (A Report to the Club of Rome) , Oxford: Pergamon Press,
مطبعة النجاح الجديدة،.2001 __________، حوار التواصل: من أجل مجتمع معرفي عادل، ط 7، مراكش: دار وليلي،.2001 __________، انتفاضات في زمن الذلقراطية، القنيطرة: البوكيلي للطباعة والنشر،.2001 __________، الإهانة في عهد الميغاأمبريالية، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2004 __________، قيمة القيم، الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2008
الدوريات، المؤتمرات والحوارات
__________، "الدراسات المستقبلية: حبر المستقبل"، عالم الفكر، (آذار/ مارس).1988 __________، "قضايا المستقبل الإسلامي: الدراسات الإسلامية - الضرورة والواقع والآفاق"، ندوة قضايا المستقبل العربي، الجزائر، (أيار/ مايو).1990
" ,__________ Cultural Communication: Major Challenge of the Future", in UNESCO/UNU, Tokyo Symposium " Science and Culture ": A Common for
__________، "الانتفاضة والنخبة"، مداخلة باللجنة المحلية للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، المحمدية، (9 كانون الثاني/ يناير.)2001
" ,__________ What Future for Islam in Europe?", Club of Rome (with: Centro
References
and Faber, 1973.
المنجرة، مهدي. الحرب الحضارية الأولى: مستقبل الماضي وماضي المستقبل، ط 7، الدار البيضاء:
the Path Future, Tokyo, (1995).
Cultural Islamico de Valencia), Valencia (15 September 2005).
الموقع الرسمي على شبكة الإنترنيت
www.elmandjra.org
ثانيًا. المراجع العربية
حسيب، خير الدين وآخرون. مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات، التقرير النهائي لمشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988
ثالثًا. المراجع الأجنبية
Jouvenel (de), Hugues. Invitation à la prospective , Futuribles: collection Perspectives, Paris: Editions Futuribles, 2004. Sardar, Zuaiddine. The Future of Muslim Civilization , London: Croom Helm Ltd, 1979. Wan Zakaria, Wan Fariza AlyatiBinti. "Futures Studies in Contemporary Islamic and Western Thought: A Critical Study of the Works of Ziauddin Sardar, Mahdi Elmandjra, Alvin Toffler and Daniel Bell", A thesis submitted to The University of Birmingham For the degree of Doctor of Philosophy, University of Birmingham (February 2010). __________, "Mahdi Elmandjra and the Future of the Muslim World", International Journal of Islamic Thought , vol. 3 (June 2013).