العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إنتاج سيناريوهاتٍ بالمئات: كيف تُجدّد المناهج الإحصائية المقاربات الاستشرافية

إنتاج سيناريوهاتٍ بالمئات: كيف تُجدّد المناهج الإحصائية المقاربات الاستشرافية

Producing Scenarios by Hundreds: How Statistical Methods Renew Futurological Approaches

سيلين غيفارش

جولي روزنبرغ

الملخّص

تتبع معظم المقاربات الاستشرافية التي تتطلّب تقييمًا كمّيًا للسيناريوهات المختارة مرحلتين: أوّلًا، استكشافٌ كيفي للمحدّدات، ثمّ اختيار عددٍ محدودٍ من مجموعات الفرضيات التي تُفضي بدورها إلى عددٍ محدودٍ من السيناريوهات؛ ثمّ بعد ذلك تطبيق نموذج رياضي يعكس عبر بيانات الإدخال الفرضيات التي تمّ اعتمادها من أجل تكميم مختلف السيناريوهات المعرّفة. بيد أنّ التعقيد المتزايد للسّياقات والتفاعلات الممكنة بين مختلف العوامل التي تدخل في مجالات الدراسة يُعيد وضع هذا النمط من الاشتغال موضع سؤال. ومن ثمّ، تقترح مؤلّفتا هذا المقال الاشتغال بطريقةٍ مختلفة؛ عبر بناء قواعد بيانات السيناريوهات من أجل استكشاف فضاء عدم اليقين، من خلال وضع النماذج موضع التنفيذ مئات أو آلاف المرّات من أجل الظفر بمثل ذلك من السيناريوهات الممكنة، ومن ثمّ إجراء الخيارات الكيفية، في مرحلةٍ ثانية، في "الفضاء- المستهدف" لهذه السيناريوهات.

Abstract

ملخص:  تتبع معظم المقاربات الاستشرافية التي تتطلّب تقييمً كمّيًا للسيناريوهات المختارة مرحلتين: أوّلً، استكشافٌ كيفي للمحدّدات، ثمّ اختيار عددٍ محدودٍ من مجموعات الفرضيات التي تُفضي بدورها إلى عددٍ محدودٍ من السيناريوهات؛ ثمّ بعد ذلك تطبيق نموذج رياضي يعكس عبر بيانات الإدخال الفرضيات التي تمّ اعتمدها من أجل تكميم مختلف السيناريوهات المعرّفة. بيد أنّ التعقيد المتزايد للسّياقات والتفاعلات الممكنة بين مختلف العوامل التي تدخل في مجالات الدراسة يُعيد وضع هذا النمط من الاشتغال موضع سؤال. ومن ثمّ، تقترح مؤلّفتا هذا المقال الاشتغال بطريقةٍ مختلفة؛ عبر بناء قواعد بيانات السيناريوهات من أجل استكشاف فضاء عدم اليقين، من خلال وضع النمذج موضع التنفيذ مئات أو آلاف المرّات من أجل الظفر بمثل ذلك من السيناريوهات الممكنة، ومن ثمّ إجراء الخيارات الكيفية، في مرحلةٍ ثانية، في "الفضاء - المستهدف" لهذه السيناريوهات. كلمت مفتاحية:  الاستشراف، المناهج الإحصائية، قواعد بيانات السيناريوهات Abstract:  Most futurological approaches that require a quantitative assessment of scenarios proceed in two stages: a qualitative exploration of the determinants to begin with, followed by the choice of a limited number of hypotheses, which in turn lead to a limited number of scenarios. Next, comes the application of mathematical models that by means of data reflect the hypotheses adopted to operationalize the various identified scenarios. Despite the near ubiquity of this model, the increasing complexity of contexts and possible interactions of the various factors involved in the fields of study are challenging its mode of operation. The paper proposes that futures foresight operate in a different way: by building databases of scenarios in order to identify areas of uncertainty. It explains the alternative method as one implemented by running models hundreds or thousands of times to ascertain possible scenarios and then conducting qualitative selection, in a second stage, in the target space of those scenarios.

الكلمات المفتاحية:
  • استباق
  • مناهج إحصائية
  • قواعد بيانات السيناريوهات
Keywords:
  • Foresight
  • Statistical Methods
  • Databases of Scenarios

كيف تُجدّد المناهج الإحصائية المقاربات الاستشرافية Producing Scenarios by Hundreds:

How Statistical Methods Renew Futurological Approaches*

مرحلتين: أوّلً، استكشافٌ كيفي للمحدّدات، ثمّ اختيار عددٍ محدودٍ من مجموعات الفرضيات التي

تُفضي بدورها إلى عددٍ محدودٍ من السيناريوهات؛ ثمّ بعد ذلك تطبيق نموذج رياضي يعكس عبر بيانات الإدخال الفرضيات التي تمّ اعتمدها من أجل تكميم مختلف السيناريوهات المعرّفة. بيد أنّ التعقيد المتزايد للسّياقات والتفاعلات الممكنة بين مختلف العوامل التي تدخل في مجالات الدراسة يُعيد وضع هذا النمط من الاشتغال موضع سؤال. ومن ثمّ، تقترح مؤلّفتا هذا المقال

الاشتغال بطريقةٍ مختلفة؛ عبر بناء قواعد بيانات السيناريوهات من أجل استكشاف فضاء عدم اليقين، من خلال وضع النمذج موضع التنفيذ مئات أو آلاف المرّات من أجل الظفر بمثل ذلك

من السيناريوهات الممكنة، ومن ثمّ إجراء الخيارات الكيفية، في مرحلةٍ ثانية، في "الفضاء - المستهدف" لهذه السيناريوهات. كلمت مفتاحية:  الاستشراف، المناهج الإحصائية، قواعد بيانات السيناريوهات Abstract:  Most futurological approaches that require a quantitative assessment of scenarios proceed in two stages: a qualitative exploration of the determinants to begin with, followed by the choice of a limited number of hypotheses, which in turn lead to a limited number of scenarios. Next, comes the application of mathematical models that by means of data reflect the hypotheses adopted to operationalize the various identified scenarios. Despite the near ubiquity of this model, the increasing complexity of contexts and possible interactions of the various factors involved in the fields of study are challenging its mode of operation. The paper proposes that futures foresight operate in a different way: by building databases of scenarios in order to identify areas of uncertainty. It explains the alternative method as one implemented by running models hundreds or thousands of times to ascertain possible scenarios and then conducting qualitative selection, in a second stage, in the target space of those scenarios.

renouvellent les approches prospectives", Futuribles , no. 398 (Janvier-Février 2014), pp. 49-56.

"لا وجود للمستقبل الأرجح." هيرمان كان

مقدّمة

هل يتعيّ بناء محطّةٍ لتوليد الكهرباء بالغاز، أو حقل توربينات الرياح، أو سدٍّ لتوليد الطاقة الكهرومائية لتوفير إمدادات الكهرباء لمنطقةٍ ما؟ وهل ينبغي حمية منطقةٍ معيّنة بالسدود ضدّ مخاطر الفيضانات أم لا؟ وأيّ إستراتيجيةٍ لتلبية الاحتياجات المائية المستقبلية لمنطقةٍ معيّنة؟ وأيّة أنواعٍ للأشجار ينبغي زرعها في هذه الغابة أو تلك؟ كلّ هذه القرارات لها عواقب جمّة، ومع ذلك يجب اتّخاذها في سياقٍ من عدم اليقين على صُعدٍ عدّة. فاتخاذ قرار "صائب" يقتضي رؤيةً كيفيةً لنطاق المستقبلات الممكنة، وتقييمً كمّيًا للمسارات المحتملة في آنٍ معًا. ففي المقاربة التقليدية، يسبق الاستكشاف الكيفي الترجمة الكمية. وبشكلٍ أكثر تحديدًا، تتمثّل الخبرة العملية الاستشرافية في انتقاء بعض مجموعات الفرضيات المتباينة، والتي تسمح ببناء عددٍ قليل من السيناريوهات ذات معنى، والتي تكون ممثّلةً لحقل المستقبلات الممكنة. ثمّ تجري عقب ذلك ترجمة الفرضيات التي تمّ اعتمدها من أجل هذه السيناريوهات إلى بيانات إدخالٍ للنمذج الرياضية التي توصّف ديناميكية النّظم قيد الدراسة، من أجل تكميم (Quantization) السيناريوهات. والحال هذه، يُسائل البحث تعقيد الأوضاع الواقعية، حيث يمكن للتأثيرات المتبادلة بين العوامل المؤثّرة المختلفة أن تؤدّي إلى مساراتٍ "ضد-ّبديهية" تمامًا، ويعيد وضع تسلسل الاشتغال هذا موضع سؤال: فتمثيلية الفرضيات التي جرى اعتمدها في مدخل العملية لم تعد تضمن تمثيلية السيناريوهات التي يجري إنتاجها في مخرجها. ويتناول البحث المقدّم هنا هذه الإشكالية تحديدًا، مقترحًا منهجًا يتلافى هذه الصعوبة؛ فعوضًا عن الانتقاء "المُسبق" لبعض مجموعات الفرضيات من أجل بناء عددٍ قليل من سيناريوهات الدراسة، يتعلّق الأمر بتشغيل النمذج لمئات أو آلاف المّرات من أجل استكشاف مجموعةٍ واسعة من المستقبلات المعقولة. وستتمّ الاختيارات حينئذٍ داخل الفضاء-المستهدف (فضاء السيناريوهات) بدلً من الفضاء- المصدر (فضاء الفرضيات).

ويقترح البحث استكشاف الآفاق المفتوحة التي تتيحها هذه المقاربة الجديدة، وتجسيدها انطلاقًا من قاعدة بيانات سيناريوهات تقنية وسوسيو-اقتصادية شاملة، جرى تطويرها في "الوكالة الدولية لبحوث البيئة والتنمية" بواسطة نموذج (Imaclim-R، في مجال اقتصاد التغيّ المناخي.)

بناء قواعد بيانات السيناريوهات لاستكشاف فضاء عدم اليقين

المنهج

كم هو الحال في أيّ ممرسةٍ للاستشراف الكمّي، تبدأ المقاربة بهيكلة المشكلة، التي يتمّ فيها تحديد موضوع الدراسة، والسؤال المطروح، والرهانات والسّياق، والأهداف، بالإضافة إلى المحدّدات أو أوجه عدم اليقين الرئيسة التي ينبغي أخذها في الاعتبار. وهذا يقود إلى اختيار – أو تطوير – نموذجٍ أو نماذج عدّة سديدة لإنجاز الدراسة؛ بمعنى أنها تمثّل آلياتٍ للعمل تربط بين المحّددات التي جرى التعرّف عليها وتحديدها بالسؤال المطروح. ثمّ تجري عقب ذلك ترجمة هذه المحدّدات إلى ثوابت لهذا النموذج أو هذه النمذج. ثمّ نقوم بعد ذلك ببناء مادّة العمل، أي قاعدة بيانات السيناريوهات. ويُولّد الأخذ في الاعتبار لجميع التوليفات الممكنة للقِيَم التي تأخذها كلّ ثابتة إدخال، أو كلّ مجموعة ثوابت، مجموعةً واسعة من السيناريوهات الكمّية، والتي غالبًا ما تكون بالمئات أو بالآلاف، وتغطّي فضاء أوجه عدم اليقين التي تمّ تحديدها "مُسبقًا" بوصفها مهمّةً لموضوع الدراسة.

الآفاق المفتوحة

يفتح العمل مع مجموعةٍ واسعة من السيناريوهات الكمية عددًا من الآفاق الجديدة، والتي يجري تفصيلها أو تجسيدها أدناه: تقييم درجة حساسية/ متانة النتائج إلى عدم اليقين، وتحديد السلوكيات الناشئة في مجموع السيناريوهات، والانتقاء "بَعديًّا" لعددٍ محدود من السيناريوهات السديدة من أجل دراسةٍ مفصّلة.

تأسّست "الوكالة الدولية لبحوث البيئة والتنمية" (CIRED) في عام 1973 في "مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية" (EHESS) بباريس، لدراسة إشكالية البيئة من خلال مجموعةٍ من ثلاثة متغيّات: أنماط الاستهلاك، والخيارات التكنولوجية، والتخطيط المجالي. ورافق هذه الوكالة منذ تأسيسها تحدّي تلبية أطروحات "نادي روما" بشأن حدود النمو وإستراتيجيات اتّساق البيئة والتنمية، ما أصبح يُطلق عليه لاحقًا "التنمية المستدامة". (المُترجم) (Imaclim-R) نموذجٌ ديناميكي تكراري للاقتصاد العالمي، على أساس تقسيمٍ إلى 12 إقليم و 12 قطاع؛ ويوفّر هذا النموذج إطارًا متّسقًا

للاقتصاد الكلّ لتقييم العلاقة بين الطاقة والاقتصاد. (المُترجم) ولتفصيل هذا النموذج، راجع: Christophe Cassen et al. , "The IMACLIM-R model, a modelling framework to simulate sustainable development pathways" (April 2010), at: http://goo.gl/Q8287z

فعندما لا نتوفّر سوى على بضع سيناريوهات، لا يمكن معرفة إن كانت التقييمت المرمّزة وآليات العمل التي تمّ تسليط الضوء عليها قوية في وجه تغيّ الثوابت المفتاحية، أو إن كنّا نوجد في حالةٍ خاصة. ومع قاعدة بيانات السيناريوهات، تقترن عمليات التكميم بهوامش الخطأ الناجمة عن أوجه عدم اليقين التي تمّ أخذها في الاعتبار. وهذا ما يسمح بتمييز النتائج القوية عن النتائج بالغة التأثّر بالثوابت الموسومة بعدم اليقين. من ناحيةٍ أخرى، يُرخّص التوفّر على قاعدة بيانات السيناريوهات بدراسة التوزيع الإحصائي للنتائج، وتطبيق منطقٍ "احتملي"، حالما نضع فرضية توزيع الاحتمل بالنسبة إلى قِيَم الثوابت، أو نعزو احتملاتٍ بالنسبة إلى السيناريوهات التي يجري بناؤها. ومن الممكن أيضًا تحليل مجموع السيناريوهات من أجل تحديد السلوكيات الناشئة. فعلى سبيل المثال، تسمح دراسة الارتباطات المتبادلة بين مختلف مؤشّات النتائج بتسليط الضوء على القرارات متعدّدة المعايير، وعلى مواضع التسويات أو التداؤبات. وللذهاب إلى أبعد من ذلك، يمكننا تسليط الضوء على شروط هذه التسويات أو "التداؤبات". ومن أجل ذلك، يتمّ استخدام أساليب "استخراج البيانات" (Datamining) لإبراز الثوابت الرئيسة المحدّدة لفئةٍ من النتائج؛ أي اقتران عوامل المدخلات التي تقود إلى النتائج في منطقةٍ معيّنة من الفضاء-المستهدف. ويمكن أيضًا تحليل مجموعة السيناريوهات بطريقةٍ ديناميكية، وذلك من أجل ربط الأمدين القصير والطويل (انظر الشكل 1). وتسمح المقاربة الديناميكية بالفعل بالإجابة عن أسئلة مثل "أين ينبغي أن أوجد في المدى القصير من أجل أن أكون في وضعٍ جيّد لتحقيق هدفٍ معيّ على المدى الطويل؟" وعلى اعتبار تنوّع المسارات التي يمكن توليدها عندما نهتمّ بالمدى الطويل، فإنّ مثل هذا السؤال ليس سديدًا سوى بالنسبة إلى مجموعةٍ واسعة من السيناريوهات. وأخيرًا، يسمح استخدام قاعدة بيانات السيناريوهات، في الأوضاع التي نكون فيها بحاجةٍ لانتقاء عددٍ قليلٍ من السيناريوهات (من أجل التواصل أو من أجل خلق تجانسٍ للدراسات التي ستعتمد على هذه السيناريوهات)، بانتقاء السيناريوهات التي ستكون الأكثر تمثيلً للخصائص التي نودّ استبقاءها.

تجسيدٌ عبر قاعدة بيانات مستخدمةٍ يف اقتصاد التغيّ المناخي

يُجسّد التطبيق العملي المعروض هنا بعض الاحتملات المفتوحة عبر مقاربةٍ تعتمد على عددٍ كبير من السيناريوهات. ويستخدم هذا التطبيق قاعدة بيانات سيناريوهات تقنية وسوسيو-اقتصادية شاملة، جرى تطويرها في الوكالة الدولية لبحوث البيئة والتنمية بواسطة نموذج (Imaclim-R)، من أجل دراسة اقتصاد التغيّ المناخي.

الشكل:1 نوافذ المرور السّانحة

يعدّ الأخذ في الاعتبار لأوجه عدم اليقين مهمًّ وحرجًا على نحوٍ خاصّ عندما يتعلّق الأمر بالتغي المناخي. فليست عوامل عدم اليقين متعدّدةً فحسب، ولكنها تتوافق مع "أوجه عدم اليقين الجذري"، والتي يجري تعريفها هنا بوصفها الأوضاع التي لا يعرف فيها صنّاع القرار أو لا يتوافقون فيها على بنية النموذج الذي يربط الأفعال والنتائج، ولا على التوزيعات الاحتملية للثوابت المفتاحية للنموذج أو للنمذج. وعلاوةً على ذلك، يتضمّن الموضوع قيد الدراسة؛ أي التفاعلات بين الاقتصاد والأنظمة التقنية والمجتمعات والمناخ، العديد من ضروب المفعول الرجعي واللّخطية. وهكذا، فنحن نوجد بالفعل في حالةٍ يكون فيها من السّديد استخدام المقاربة المقترحة أعلاه. ولبناء قاعدة بيانات السيناريوهات، تمّ ترتيب مجموع الثوابت التي جرى تحديدها باعتبارها تؤدي دورًا في اقتصاد التغيّ المناخي (المتّصلة بالعولمة، والدينامية الاجتمعية، والبيئة... إلخ) في سبع مجموعات. وقد ولّدت حينئذٍ مختلف تركيبات الفرضيات 286 من السيناريوهات.  وتسمح قاعدة البيانات هذه، عبر معالجاتٍ إحصائية، بتوفير إجابةٍ جديدة (أو بتوفير إجابة ببساطة) عن الأسئلة التي تُطرح في إطار "اللجنة الدولية للتغيرات المناخية"، والتي سيجري عرض مثالين عنها في ما لي:

" اللجنة الدولية للتغيّات المناخية" أو "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّ المناخ IPCC(") هي منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة تتألّف من مئات الخبراء في مجالات المناخ، ومسح المحيطات، والاقتصاد، وغيرها. وتسهر هذه اللجنة - التي جرى إنشاؤها عام 1988 وأصدرت خمسة تقارير حتى الآن - على إجراء تقييمات مفصّلة للمعلومات والمعارف العلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية بشأن تغيّ المناخ وأسبابه وآثاره وإستراتيجيات معالجته. وقد حازت هذه اللجنة جائزة نوبل للسلام لعام 2007، مناصفةً مع آل غور، من أجل جهدها في دراسة ظاهرة الاحتباس الحراري. (المُترجم)

تقدير الفائدة الاقتصادية المتبادلة للسياسات المناخية

السؤال الأول الذي يجد له جوابًا من خلال منطقٍ احتملي، وبفضل قاعدة بيانات السيناريوهات، هو "الفائدة المتبادلة" للسياسات المناخية من حيث التأمين ضدّ عدم اليقين بشأن الموارد الأحفورية. فصانع القرار السياسي قلقٌ بالفعل بشأن معرفة إن كانت القرارات التي سيتّخذها مجرّد عبءٍ مالي جديد، أو إنها ستكون جالبةً لفوائد بعد حين أيضًا. ويمثّل الشكل (2) تغيّ الناتج المحلي الإجملي العالمي بين عامي 2010 و 2050 (مع معدّلٍ للخصم يساوي 3 في المئة)، والذي يأتي نتيجةً لنضوب الموارد الأحفورية، بالنسبة إلى مجموع السيناريوهات. ويصف الرسم البياني ذو اللون الرمادي السيناريوهات من دون سياسةٍ مناخية، في حين يمثّل الرسم البياني ذو اللون الكستنائي السيناريوهات مع سياساتٍ تسمح بالحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري في 3 درجات حرارية. تمثّل الرسوم البيانية التردّدات النسبية لمختلف القِيَم بالنسبة إلى خسائر الناتج المحلي الإجملي، وتمثّل المنحنيات وظائف الكثافة الاحتملية المعدّلة المناسبة لها. وفي المتوسط، يجري تقليص الخسائر بشكلٍ ملموس في السيناريوهات مع سياساتٍ مناخية (تتمّ إزاحة الرسم البياني إلى اليسار). وبالإضافة إلى ذلك، تقضي السياسات المناخية على السيناريوهات ذات الخسائر القوية جدًا (ذيل اليمين من التوزيع الإحصائي الرمادي)، وذلك بخلقها قدرةً على مواجهة الضغط في مقابل ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، من خلال إشارة- سعر مبكّرة أكثر ومتوقّعة بشكلٍ أفضل. ويمكننا علاوةً على ذلك تكميم هذا التأمين، الذي يبلغ في المتوسط، في هذه السيناريوهات، 11500 مليار دولار أميركي؛ أي 19 في المئة من الناتج المحلي الإجملي العالمي في عام.2009

تكمن بطبيعة الحال الفائدة الأولى للسياسات المناخية في الحدّ من الأضرار الناجمة عن التغيّ المناخي. يسمح معدّل الخصم بمنح القيمة الحالية للتدفّقات النقدية التي ستطرأ في المستقبل.

تحديد المسارات السوسيو-اقتصادية المرجعية

إطار سيناريوهاتٍ جديدة للأبحاث بشأن المناخ.

الشكل:2 تغيّ الناتج المحلي الإجمالي العالمي (050-20102) وفقًا للسيناريوهات)*(

(*)  Adapted from Julie Rozenberg et al. , "Climate Policies as a Hedge Against the Uncertainty on Future Oil Supply", Climatic Change , vol. 101, no. 3 - 4 (August 2010), pp. 663 - 668.

يتعلّق السؤال الآخر الذي يجد له جوابًا هنا بالتوصيف - على شكل سيناريوهات صريحة - للمسارات السوسيو-اقتصادية المرجعية الخمسة ("المسارات السوسيو- اقتصادية المشتركة") التي تمّ اعتمدها في

" المسارات السوسيو -اقتصادية المشتركة" (SSP Pathways, Socioeconomic Shared) هي سيناريوهاتٌ للمسارات السوسيو- اقتصادية مكمّلة ل "مسارات التركيز النموذجية" (RCP Pathways, Concentration Representative)، على اعتبار أنها أكثر توجّهًا نحو وصف المسارات المناخية. وتهتمّ "المسارات السوسيو-اقتصادية المشتركة" بمتغيّات مثل السكان، والناتج القومي الإجمالي، وتوزيع الثروة، ومستويات التعليم، والصحة العامة، ودرجة التحضّ، وتوافر التقنيات. ولمزيد من التفصيل بشأنها. (المُترجم) راجع: Elmar Kriegler et al. , "The need for and use of socio-economic scenarios for climate change analysis: A new approach based on shared socio-economic pathways", Global Environmental Change , vol. 22, no. 4 (2012), pp. 807 - 822.

الشكل:3 المسارات السوسيو-اقتصادية الخمسة المرجعية التي طرحها "مُسبقًا" فريق العمل بشأن السيناريوهات الجديدة للأبحاث بشأن المناخ

الشكل:4 مقاربة المجموعات الخمس للسيناريوهات بالمسارات المبدئية

فقد وضع فريق العمل على هذه السيناريوهات الجديدة بشكلٍ "مُسبق" مبدأ هذه المسارات الخمسة بالفعل، والتي تتميز وفقًا لقدرتها على رفع تحديات التخفيف من التغيّ المناخي من جهة، والتكيّف مع هذا التغيّ من جهةٍ أخرى (الشكل 3). والمسألة المطروحة حينئذٍ هي التحديد بشكلٍ ملموس لما هي عليه هذه المسارات المرجعية بالنسبة إلى الأبحاث بشأن المناخ. ومن ثم، تأتي فكرة تحديد وضع ال 286 سيناريوهًا للقاعدة في نظام إحداثيات مرجعية محوراه ممثلان لمحوري المخطّط المبدئي (الشكل 4). فبالنسبة إلى محور الفواصل، نسجّل هنا درجة الفقر بالنسبة إلى ال 20 في المئة الأكثر فقرًا في البلدان النامية (تُقاس انطلاقًا من الناتج المحلي الإجملي للفرد الواحد). وبالنسبة إلى محور التراتيب، نسجّل الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون. وبحساب قيمة كلٍّ من هذين المؤشّين في كلّ واحدٍ من هذه السيناريوهات، يمكننا تحديد وضعهم في نظام الإحداثيات المرجعية هذا. يتمّ توحيد قياسات قِيَم المؤشّات بين صفر وواحد، على اعتبار أنّ هذين الحدّين يمثلّان القيم الدنيا والقصوى للمؤشّات بالنسبة إلى التوزيع الإحصائي لنتائج السيناريوهات ال  286. ومن أجل حصر مجالاتٍ متمثلة للوضعيات المبدئية ل "المسارات السوسيو-اقتصادية المشتركة" الخمسة، نقوم عندئذٍ بتحديد عتبتين بالنسبة إلى كلّ محور، بحيث يقع ثلث السيناريوهات تحت العتبة الأولى، وثلثها فوق العتبة الثانية. وهكذا تظهر خمس مجموعاتٍ من السيناريوهات، وهي التي نقاربها ب "المسارات السوسيو-اقتصادية المشتركة" الخمسة. ثمّ يتمّ استخدام الخوارزمية "بريم" للعثور على الخصائص المحدّدة لكلّ مجموعة. فعلى سبيل المثال، يتميّز "المسار السوسيو-اقتصادي الأول" (SSP1) (الذي سيكون فيه من السهل التكيّف والتخفيف من التغيّ المناخي) بساكنةٍ ضئيلة نسبيًا، وبتقدّمٍ من حيث الإنصاف، وبتكنولوجياتٍ "منخفضة-الكربون" رخيصة، وبرصانةٍ طاقية كبيرة. وقد تبدو هذه النتائج بديهيةً إلى حدٍّ ما، ولكن من المثير للاهتمم أيضًا أن نلاحظ أنّ المحدّدات الأخرى التي جرت نمذجتها - على سبيل المثال سرعة نمو إنتاجية العمل - ليس لها تأثيرٌ على كون هذا السيناريو أو ذاك يوجد أو لا يوجد في هذا المجال من فضاء "المسارات السوسيو-اقتصادية المشتركة". ويمكننا أيضًا أن نلاحظ أنه لا يوجد سيناريو في أعلى الزاوية اليمنى، أي في الزاوية التي من شأن مشاكل الفقر أن تُحلّ فيها، في حين تكون انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عاليةً جدًا. وبعبارةٍ أخرى، ليس من الممكن، وفقًا للنموذج المستخدم، التغلّب على مشاكل التنمية والفقر المدقع من دون بذل جهدٍ في

" بريم " (PRIM Method, Induction Rule Patient) هي تقنية لاستخراج البيانات ضمن فضاء مدخلات عالي الأبعاد، مع قيمٍ كبيرة لمتغيّ المخرجات. لتفصيل هذه الطريقة. (المترجم) راجع: Wolfgang Polonik & Zailong Wang, "Prim Analysis", Research paper, University of California Davis/ Department of Statistics (2009), at: http://goo.gl/PYmcLJ

مجال نجاعة استخدام الطاقة وتطوير الطاقات البديلة، وذلك بسبب محدودية فرص الحصول على الموارد الأحفورية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين. وبطبيعة الحال، تعتمد النتائج على المؤشّات التي جرى اعتمدها لقياس تحدّيات التخفيف والتكيّف. ويمكننا تكرار التحليل مع مؤشّاتٍ بديلة أو مؤشّاتٍ مركّبة. وانطلاقًا من المعلومات التي يتمّ الحصول عليها بشأن المحدّدات الرئيسة لكلٍّ من "المسارات السوسيو-اقتصادية المشتركة"، فمن الممكن حينئذٍ اختيار سيناريوهات تمثيلية حقًّا لكلٍّ من هذه المسارات.

خاتمة

يرفع بناء قواعد بيانات السيناريوهات واستخدامها المنهجي التحديات التي يفرضها أخذ أوجه عدم اليقين العديدة في ممرسات الاستشراف الكمّي في الاعتبار. فبالانتقال من عددٍ قليل من السيناريوهات، والتي تجسّد رؤى بديلة من المستقبلات الممكنة، إلى قاعدة بياناتٍ تستكشف فضاء أوجه المعقول، تسمح قواعد بيانات السيناريوهات بالتحرّر من الاختيار "المُسبق"، والذي غالبًا ما يكون صعبًا ومقيّدًا، بشأن الفرضيات الاستهلالية التي ينبغي اعتمدها. ومن خلال تحليل قاعدة بيانات النتائج، من الممكن العثور على نتائج من شأنها أن تكون "ضد-بديهية" وتتجاوز وضعياتٍ مصمّمة سلفًا. وتمنح هذه المقاربة إضاءاتٍ جديدة بالنسبة إلى القرار: تقييم مدى متانة النتائج وآليات العمل التي جرى تسليط الضوء عليها. تحديد "السلوكيات" الناشئة في مجموعةٍ من السيناريوهات، والتي تسمح باستخلاص معلومات أكثر ثراءً من أجل اتخاذ القرار، مثل شروط التسويات أو "التداؤبات" بين معايير متعدّدة في إطار قرارٍ متعدّد المعايير، أو تحليل ديناميكي من أجل ربط الديناميات على المدى القصير مع التطوّرات على مدى أطول. انتقاء عددٍ قليل من السيناريوهات السديدة من أجل دراسةٍ مفصّلة. تعدّ أصالة هذه المقاربة الجديدة أيضًا عكس الأدوار المعتادة في الوصل المفصلي بين الكيفي والكمّي؛ فالكمّي يصبح استكشافيًا، من أجل استخلاص دروسٍ كيفيةٍ من الاستكشاف المنهجي لمجموعاتٍ كبيرة من المسارات التي جرى تكميمها. وقد جرى تجسيد هذه المقاربة هنا من خلال حالة التغيّ المناخي، بمساعدة نموذج (Imaclim-R). ولكن يمكن بالطبع تطبيقها مع أيّ نموذجٍ وعلى أيّ موضوع. وستكون منيرةً على نحوٍ خاصّ في الحالات التي تكون فيها أوجه عدم اليقين العديدة معنيةً وحيث تتضمّن الآليات قيد العمل ضروب اللّخطية والمفعول الرجعي.

المراجع

References

أوّلً: بشأن المناهج

مناهج استخراج البيانات واكتشاف السيناريو

Bryant, Benjamin P. & Robert J. Lempert. "Thinking Inside The Box: A Participatory, Computer-assisted Approach to Scenario Discovery", Technological Forecasting & Social Change , vol. 77, no. 1 (January 2010), pp. 34 - 49. Groves, David G. & Robert J. Lempert. "A New Analytic Method for Finding Policy-Relevant Scenarios", Global Environmental Change , vol. 17, no. 1 (2007), pp. 78 - 85.

مناهج القرار المتين

Lempert, Robert J. et al. Making Good Decisions Without Predictions: Robust Decision Making for Planning Under Deep Uncertainty , Santa Monica: RAND Corporation, 2013.

ثانيًا: بشأن التطبيقات

دراسة درجة الحساسية والمنطق الاحتملي

Rogelj, Joeri et al. "Probabilistic Cost Estimates for Climate Change Mitigation", Nature, vol. 493, no. 7430 (January 2013), pp. 79 - 83. Rozenberg, Julie et al. "Climate Policies as a Hedge Against the Uncertainty on Future Oil Supply", Climatic Change , vol. 101, no. 3 - 4 (August 2010), pp. 663 - 668.

القرار متعدّد المعايير وتسليط الضوء على التسويات

Guivarch, Céline, Stéphanie Monjon, Julie Rozenberg & Adrien Vogt- Schilb. ÉLIPSE: Évaluer les interactions entre politique climatique et sécurité énergétique en Europe , Paris: Rapport final du projet ELIPSE financé par le Conseil supérieur de la formation et de la recherche stratégiques, 2013, at: http://goo.gl/IkeT69

استخراج البيانات وتسليط الضوء على شروط النتيجة

Mcjeon, Hawon C. et al. "Technology Interactions among Low-carbon Energy Technologies: What Can We Learn from a Large Number of Scenarios?" Energy Economics , vol. 33, no. 4 (July 2011), pp. 619 - 631.

Rozenberg, Julie et al. "A Scenario Elicitation Methodology to Map the Space of Possible Future Mitigative and Adaptive Capacity", En cours d'évaluation auprès de Climatic Change.

القرار المتين

Dixon, Lloyd, Robert J. Lempert, Tom Latourrette & Robert T. Reville. The Federal Role in Terrorism Insurance: Evaluating Alternatives in an Uncertain World, Santa Monica: RAND Corporation, 2007. Lempert, Robert J. & David G. Groves. "Identifying and Evaluating Robust Adaptive Policy Responses to Climate Change for Water Management Agencies in the American West", Technological Forecasting and Social Change , vol. 77, no. 6 (July 2010), pp. 960 - 974.