الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل
Book Review: Futuring: The Exploration of the Future
الملخّص
المؤلف: إدوارد كورنيش Edward Cornish الكتاب: الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل العنوان الأصلي (بالإنكليزية): Futuring: The Exploration of the Future المترجم : حسن الشريف الناشر: الدار العربية للعلوم - ناشرون - بيروت سنة النشر: 2007 عدد الصفحات: 407 صفحة
Abstract
المؤلف: إدوارد كورنيش Edward Cornish الكتاب: الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبل العنوان الأصلي (بالإنكليزية): Futuring: The Exploration of the Future المترجم : حسن الشريف الناشر: الدار العربية للعلوم - ناشرون - بيروت سنة النشر: 2007 عدد الصفحات: 407 صفحة
- استشراف
- مناهج
- دوارد كورنيش
أولى السّمت المميّزة لهذا الكتاب أنه جرت ترجمته على يدي حسن الشريف، العضو في "جمعية المستقبل العالمية" منذ ثلاثة عقود، ممّ يُضفي قيمةً خاصة على اتّساق الترجمة مع لغة الاستشراف ومنظومته المفاهيمية الخاصة. ويُساهم هذا الكتاب في سدّ ثغرة مهمة في المكتبة العربية التي لا تزال معوزةً إلى تراكمٍ علمي جاء في مجال الدراسات الاستشرافية، ولا سيّم إذا نظرنا إلى أهمية كتاب إدوارد كورنيش الاستشراف: مناهج استكشاف المستقبلالمنشور في عام 2004، والذي يُعتبر تحديثًا ومراجعة7شاملة لكتابه السابق دراسة المستقبلالصادر في عام 1977407. وباتصاله على هذا النحو بتجربةٍ طويلة في مجال الاستشراف، يأخذ هذا الكتاب شكل وصيّة حياةٍ وتمريرٍ للشعلة للأجيال القادمة، بعد مسار غني أسّس فيه كورنيش في عام 1966 "جمعية المستقبل العالمية" (Society Future World) التي تضمّ اليوم نحو 25000 عضو. وقد ترأس إدوارد كورنيش هذه الجمعية الدولية حتى نيسان/ أبريل 2004، كم ترأس تحرير مجلة المستقبلي (The Futurist) التي تصدر عنها، والتي تعدّ إحدى أهمّ مجلات الاستشراف في العالم، فضلً عن أنه عمل مستشارًا لثلاثة رؤساء للولايات المتحدة الأميركية. "تسارع التاريخ" أو "تسارع التغيّ" هي ربما الكلمة المفتاحية الأساسية لفهم ضرورة وضع الاستشراف في مقدمة اهتممات البشرية من منظور إدوارد كورنيش. ومن ثمّ، بعد أن يستعرض الكاتب نماذج من مستكشفي المستقبل والدروس المستقاة منهم (الفصل الأول)، نجده ينكبّ على الفكرة المركزية لهذا الكتاب، وهي "التحوّل العظيم" الذي يتناوله المؤلّف على مدى الخمسين سنة الماضية (الفصل الثاني)، من خلال عرض الثورات التكنولوجية الرئيسة الثلاث (الزراعية والصناعية والسيبرانية) واستكشاف الثورات المستقبلية من قبيل الهندسة الوراثية. ومن أجل فهم هذا التحوّل العظيم، يعمد كورنيش إلى تبسيطه عن طريق اختيار "الاتجاهات العظمى الفائقة" الستّة (الفصل الثالث): التقدّم التقني، والنمو الاقتصادي، وتحسين الصحة، وزيادة القدرة على التنقل، وتدهور البيئة الطبيعية، وتراجع الثقافات الشعبية، معتبرًا أنّ هذه الاتجاهات الفائقة هي روافد التغييرات الهائلة في حياتنا. وإن كان الخيال يفتح المسارات، فإنّ كورنيش يؤكّد أنّ الماضي هو الدليل على المستقبل. فلأنه "يمكن التفكير في الاستشراف بوصفه فنّ تحويل المعرفة بالماضي إلى معرفةٍ بالمستقبل"، ينأى كورنيش بنفسه بعيدًا عن مواقف بعض المستقبليين الذين يطوون صفحة الماضي ويعتقدون أنّ المستقبل ليس سوى ثمرةٍ للإرادة والابتداع (الفصلان الرابع والحادي عشر). فالماضي القريب هو مصدر للاتجاهات التي تدلّ
على عالمٍ قيد الحركة، ويمكن إذًا استخدامها للتوقّع والاستشراف؛ ومن ثمّ، ضرورة الإلمام بطبيعة التغي وأنماطه والدور المركزي للتكنولوجيا في هذا الصّدد. وعلى اعتبار أنّ البُعد الإبداعي هو بُعدٌ أساسي في أي مقاربةٍ استشرافية، يسعى كورنيش لكشف أسرار العبقرية والنبوغ، ملخّصًا ثماني قنوات لتوليد الأفكار الإبداعية، ومبرزًا على وجه الخصوص دور الصدفة والفوضى في عملية الإبداع من خلال عرض أمثلةٍ شهيرة (الفصلان الخامس والعاشر)، ومناقشة أدواته الأساسية، ولا سيم الخرائط الذهنية. وثمة ميزةٌ أخرى لهذا الكتاب، وهي أنه يلخّص بدقّة مناهج الاستشراف؛ أي الأساليب العقلانية التي يمكن استخدامها لاستكشاف المستقبل (الفصل السادس). وتتعدّد هذه الأساليب من استشارات الخبراء إلى ألعاب الحرب في السياسة العسكرية، إلى النمذج والمحاكاة، بالإضافة إلى "تصوّر" (Visioning) الرّؤى المستقبلية، أي الخلق المنهجي لرؤى المستقبل المرغوب فيه. كم يتطرّق المؤلف أيضًا لظهور طريقةٍ تسمى "استشراف المستقبل المفضّل" (futuring Preferred)، وهي تهدف إلى توليد الأفكار، وتشجيع التفاعل ضمن مجموعةٍ، وتوجيهها نحو الأهداف المشتركة. ثم تأتي في أعقاب ذلك التقنيات المعروفة ل "المسح" (Scanning)، وتحليل التوجّهات ومراقبتها وإسقاطها على المستقبل، واليقظة، والسيناريوهات، والاستفتاء، والعصف الذهني، والنمذجة، والألعاب، والتحليل التاريخي. ويسرد إدوارد كورنيش تطوّر طريقة السيناريوهات (الفصل الثامن) واستخداماتها، منذ الأعمل الرائدة لهيرمان كان ولمؤسّسة راند التي كانت وراءها الطلبات العسكرية في سياق الحرب الباردة. والنقطة الأكثر إثارة للاهتمم هنا هي المقارنة بين "الاستقراء" (Forecasting) و"الاستقراء إلى الوراء" (Backcasting)، الذي هو في الواقع السيناريو المعياري الذي يفترض وجود معيار أو هدف، في حين أنّ حركة الفكر تتبع المسار العكسي، من المستقبل المنشود نحو الزمن الحاضر. ويعود إدوارد كورنيش أيضًا على نموذج التقدّم الذي يوضّح جيدًا التوقعات الحداثية الساذجة لأواخر القرن التاسع عشر، والتي يتتبّع تاريخها. فإن كانت الثورة الصناعية والمنهجية الوضعية قد ميّزتا انتصار عقيدة التقدّم، بالإضافة إلى الخيال العلمي والمثاليات الطوباوية من أنواع شتّى، فإنّ الحرب العالمية الأولى، والكساد العظيم المرتبط بأزمة 1929، وتوطّد الأنظمة الشمولية في ثلاثينيات القرن الماضي، وخاصة الحرب العالمية الثانية واحتملات حدوث محرقة نووية، قد أدّت جميعها إلى تغيّ هذه النظرة الخطّية والتفاؤلية لعقيدة التقدّم من أجل وضع سؤال: "إن لم يكن المستقبل سوى رؤية للتقدم الذي لا مفرّ منه، فم عساها تكون هذه الرؤية الجديدة؟" إنه السؤال الأساسي الذي حدّد مسار الفكر المستقبلي في أعقاب الحرب العالمية الثانية (الفصل الثالث عشر). وهي مقاربة قد تبدو ما-بعد حداثية تقطع مع البديهيات الرئيسة للحداثة، خاصّةً "أسطورة التقدّم"، باعتبارها حركةً "صعودية وضرورية" للمجتمع، وهو ما يجعل هذا الفصل الذي يتناول هذه القضايا أحد أنجح فصول الكتاب.
وأخيرًا، يعرض كورنيش في فصلٍ عنوانه "الثورة المستقبلية" (الفصل الرابع عشر) لأهمّ مدرستين في مجال الاستشراف: المدرسة الفرنسية، مع برتران دو جوفنيل ومدرسة فوتوريبل (المستقبلات الممكنة)، ومدرسة المستقبلية الأميركية التي كان للجيش الأميركي والاحتياجات العسكرية والفضائية الأميركية الدور الكبير في بلورتها، لا سيم من خلال تأثير شركة راند الكبرى، مبُرزًا أهمّ خصائصهم المميّزة وإضافاتهم النوعية للدراسات الاستشرافية. وفي المحصّلة، يظلّ هذا الكتاب مرافعةً جيدة لمصلحة الاهتمم بالاستشراف وبالمستقبل بشكلٍ عام، وإن كانت تغلب عليه في أجزاء عديدة نزعةٌ "إثنية مركزية" غربية، وأميركية على وجه التحديد، ليس من شأنها أن تجد لها صدى لدى القارئ العربي.