العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "صدمة المستقبل": نصف قرن من التشكّل:قراءة آلفين توفلر في واقع المنطقة العربية الحاليّ

"صدمة المستقبل": نصف قرن من التشكّل:قراءة آلفين توفلر في واقع المنطقة العربية الحاليّ

“Future Shock”: Half a Century of Formation Alvin Toffler's Reading of Present Reality in the Arab Region

عبد الهادي عياد

الملخّص

تُوفّي آلفين توفلر في 27 حزيران/ يونيو 2016 ، ووُصف أثناء تأبينه بألقاب مختلفة؛ منها "فيلسوف"، و"عالم اجتماع"، و"أنثروبولوجي". وكان توفلر، أيضًا، من أوائل الحائزين رسميًا لقب "عالم في الدراسات المستقبلية". واللافت للانتباه أنّه، وقد ساهمت زوجته هايدي توفلرمساهمةً أساسيةً في أعماله، لم يتلقَّ تعليمً يُذكر في أيّ حقل من تلك الحقول. بيد أنّ هذا لم يمنع ألّ يكون له مثيل في سعة اهتماماته الأكاديمية وفي كتاباته. ويُعزى ذلك، جزئيًا، إلى الجاذبية الجماهيرية لكتاباته، وإلى تبنّي بعض الشركات الصناعية الرائدة في العالم لعمله أيضًا. أمّا علاقة هذا العمل بواقع الدول العربية الراهن فهي مثار خلاف. صحيح أنّ العالم العربي لم يشهد مرحلة تصنيع، إلا أنّ نسبةً كبيرةً ومتزايدةً من العرب تعمل اليوم في مواضع عمل "ما بعد صناعية". ومن ثمّ، تستشرف هذه الدراسة مدى ملاءمة كتابات توفلر للمجتمع العربي المعاصر.

Abstract

Alvin Toffler died on June 27, 2016. At his funeral he was described as a philosopher, social scientist, and anthropologist, as well as one of the first to be dubbed a “futurist”. Of note, Toffler, whose wife Heidi Toffler contributed fundamentally to his work, received almost no formal education in any of those fields. Nevertheless, this did not prevent Toffler from being unrivalled in the breadth of his academic interests and writing. In part, this is due to the mass appeal of his writings and to the fact that some major industries around the world adopted his work. Whether this work is relevant to the current reality of the Arab states is debatable: true, the Arab world did not go through industrialization, but a large and growing proportion of Arabs are today working in postindustrial work places. Hence this study tries to predict how appropriate Toffler's writings are for contemporary Arab society.

الكلمات المفتاحية:
  • آلفين توفلر،
  • هايدي توفلر،
  • صدمة المستقبل،
  • العمل ما بعد الصناعي،
  • العالم العربي
Keywords:
  • Alvin Toffler
  • Heidi Toffler
  • Post-Industrial Work
  • Arab world
  • Future Shock

قراءة آلفين توفلر يف واقع المنطقة العربية الحاليّ “Future Shock”: Half a Century of Formation

Alvin Toffler's Reading of Present Reality in the Arab Region

آلفين توفلر في 27 حزيران/ يونيو 2016، ووُصف أثناء تأبينه بألقاب مختلفة؛ منها "فيلسوف"، و"عالم اجتمع"، و"أنثروبولوجي". وكان توفلر، أيضًا، من أوائل الحائزين رسميًا لقب "عالم في الدراسات المستقبلية". واللافت للانتباه أنّه، وقد ساهمت زوجته هايدي توفلر مساهمةً أساسيةً في أعمله، لم يتلقَّ تعليمً يُذكر في أيّ حقل من تلك الحقول. بيد أنّ هذا لم يمنع ألّ يكون له مثيل في سعة اهتمماته الأكاديمية وفي كتاباته. ويُعزى ذلك، جزئيًا، إلى الجاذبية الجمهيرية لكتاباته، وإلى تبنّي بعض الشركات الصناعية الرائدة في العالم لعمله أيضًا. أمّا علاقة هذا العمل بواقع الدول العربية الراهن فهي مثار خلاف. صحيح أنّ العالم العربي لم يشهد مرحلة تصنيع، إلا أنّ نسبةً كبيرةً ومتزايدةً من العرب تعمل اليوم في مواضع عمل "ما بعد صناعية". ومن ثمّ، تستشرف هذه الدراسة مدى ملاءمة كتابات توفلر للمجتمع العربي المعاصر. كلمت مفتاحية:  آلفين توفلر، هايدي توفلر، صدمة المستقبل، العمل ما بعد الصناعي، العالم العربي. Abstract:  Alvin Toffler died on June 27, 2016. At his funeral he was described as a philosopher, social scientist, and anthropologist, as well as one of the first to be dubbed a “futurist”. Of note, Toffler, whose wife Heidi Toffler contributed fundamentally to his work, received almost no formal education in any of those fields. Nevertheless, this did not prevent Toffler from being unrivalled in the breadth of his academic interests and writing. In part, this is due to the mass appeal of his writings and to the fact that some major industries around the world adopted his work. Whether this work is relevant to the current reality of the Arab states is debatable: true, the Arab world did not go through industrialization, but a large and growing proportion of Arabs are today working in post- industrial work places. Hence this study tries to predict how appropriate Toffler's writings are for contemporary Arab society.

Translator\Editor at the ACRPS, Doha.

مقدمة

كتب آلفين توفلر صدمة المستقبل  في عام  19701؛ وتعمّد عنوان الكتاب استحضار ممثلة لفكرة "الصدمة الثقافية". وكان أحد أهم الاستنتاجات التي سعى توفلر إلى الترويج لها فكرة مفادها أنّ من عاصر الحقبة الصناعية الأخيرة، في إثر الحرب العالمية الثانية، أُصيب بالحيرة والارتباك، وأنّ كثيرين أخفقوا في التعامل مع النظام العالمي الجديد ما بعد الصناعي الذي اتّسم بالمعرفة والبراعة الأكاديمية، مقابل القوة البدنية المعتمد عليها سابقًا. وأتاح هذا النظام الجديد المجال لنظام آخر يتطابق تمامًا مع رؤية توفلر؛ وهو عالمٌتربطه شبكات الحواسيب2. وأطلق توفلر على تلك الظاهرة اسم "الموجة الثالثة" من التطوّر البشري في كتاب لاحق أخذ عنوانه هذا الاسم نفسه: الموجة الثالثة3؛ وهي حقبة تلَت "الموجةَ الأولى" الموسومة باكتشاف الزراعة، وقد جرى الاصطلاح عليها – تقليديًا - بأنّها بداية الحضارة الإنسانية، و"الموجةَ الثانية" التي شهدت الثورة الصناعية والأمن البشري الذي وفّرته لاحقًا "الثورة الخضراء". اعتمد توفلر على البيانات التي وفرتها الحكومة الأميركية بشأن سوق العمل في الولايات المتحدة لتصنيف هذه الموجات الثلاث وتحقيبها. وبحسب توفلر، انطلقت الموجة الثالثة – تحديدًا - عندما تجاوز عدد الموظفين الإداريين (أو من يطلق عليهم "أصحاب الياقات البيض" workers White-collar) عدد العمّل (أو "أصحاب الياقات الزرق" workers Blue-collar) في الاقتصاد الأميركي4، في لحظة محدّدة من عام 1956. بيد أنّ هذا التحديد نفسَه، لا يصحّ إلا في سياق مفاهيم العصر الصناعي؛ أي تقسيم العاملين إلى فئات واسعة محدّدة بوضعيتهم وطبيعة توصيفهم الوظيفي، وجمع البيانات والإحصاءات على المستوى الوطني. فإلى أيّ حدٍّ تلُائِم تنبؤات توفلر، بشأن مجتمع ما بعد صناعي، المجتمعات الحالية في الشرق الأوسط، وهي التي تواجه احتمل زجّها في مستقبل ما بعد صناعي، من دون المرور بمرحلة انتقالية تتّسم بصناعات تحويلية واسعة النطاق؟ لا تسعى هذه المقالة إلى إيجاد إجابات عن أسئلة واضحة بشأن "ما كان يعنيه توفلر" بالنسبة إلى القراء العرب المعاصرين، بل إنها تتناول، بالأحرى، مدى مساهمة ما تحدّث عنه توفلر نفسُه، من أنماطٍ لابتكارات تكنولوجية والزوال الحتمي لمجتمع صناعي كمقدمة لمستقبل قائم على المعلومات، في تشكيل

1  Alvin Toffler, Future Shock (New York: Random House, 1970). 2  اشتملت توقعات توفلر بشأن الاضطراب الاجتماعي الناجم عن الإنترنت على بُعدٍ تنبئيٍّ إلى حدٍّ تبدو فيه، مقارنةً بما هو متاح اليوم،

مبتذلةً. ولكن الجدير بالملاحظة أنّ أوضح توقعاته بخصوص الإنترنت لم ترد في كتابه صدمة المستقبل، بل في كتابه تحوّل السلطة الذي نشُر عام 1990. وفي ذلك الوقت، كان الأساس التكنولوجي للإنترنت قد بدأ يشقّ طريقه نحو الانتشار. 3 Alvin Toffler, The Third Wave (New York: William Morrow, 1980). 4  Toffler, Future Shock.

  1. Alvin Toffler, Future Shock (New York: Random House, 1970).
  2. Alvin Toffler, The Third Wave (New York: William Morrow, 1980).
  3. Toffler, Future Shock.

ما آلت إليه البلدان العربية في يومنا هذا. ومن المهمّ قبل مباشرة ذلك، وضعُ توقعات توفلر المستقبلية (للعالَم في سبعينيات القرن الماضي) في سياقها الملائم.

أوّلً. تحديد موقع الموجة الثالثة يف تفاؤل الستينيات

تبدو توقعات توفلر عن عالم يسيطر عليه التشغيل الآلي ويتنامى فيه استخدام الخوارزميات "الذكية"، وصولً إلى الروبوتات، ضربًا من الخيال بالنسبة إلى قارئ عادي في عام 1970. ولكن علينا أن نفهم أنّ تلك التوقعات الموسومة بالطموح كانت، إلى حدٍّ كبير، جزءًا من المشهد الثقافي لكتّاب الخيال العلمي في ستينيات القرن الماضي، وكان بعضهم علمءَ أساسًا. وجاءت نقطة الانعطاف في المعرض العالمي في نيويورك عام 1964، عندما طُلب من كاتب الخيال العلمي وعالم الكيمياء الحيوية إسحق عظيموف أن يتوقع حال العالم في عام 2014. وانتهز عظيموف، وقد صحّت توقعاته في رواياته "الخيالية" عن أقمر صناعية متزامنة مع دوران الأرض، فرصة المعرض المذكور للتنبؤ بانتشار شاشات حواسيب لقراءة الوثائق، إلى جانب الاتصالات التفاعلية والروبوتات، وحتى السيارات الذاتية القيادة5. وكانت توقعات معاصره وزميله في تأليف روايات الخيال العلمي آرثر سي كلارك أكثر خياليةً؛ إذ تنبأ بنهاية المدن وظهور الطبابة عن بعد. وفي الوقت نفسه تقريبًا، لمّح عالم المعلومات جي سي آر ليكلايدر، في عام 1962، إلى تصورات أولية عن الإنترنت6. وفي الواقع، عندما نشر توفلر كتابه الأول في عام 1970، كان يجري بناء هذا الشكل من "الطريق السريع للمعلومات" تدريجيًا، وببطء، في التجمعات الريفية في الولايات المتحدة، ثم توّج بتباشير كبيرة. ولم يكن ذلك مجرد شبكة واسعة من الحواسيب الصغيرة، وهو أمرٌ استخدمته المنشآت العسكرية في تلك المرحلة، بل إنّه كان نوعًا من التلفزيون "الك" (Television Cable)، أثنى عليه رالف لي سميث بلْي في مقالة نشُرت عام 1970 قبل أن تُنشر كتابًا في عام 1973. وسوف يكتشف القرّاء المعاصرون،7 بسهولة، وجود تشابه بين دعوة سميث إلى تشريع حكومي أكثر فعاليةً لشبكة التلفزيون "الكَبلي" وبين

5  انظر إجابة عظيموف في: Isaac Asimov, “Visit to the World's Fair of 2014,” The New York Times, 16/8/1964, accessed on 15/3/2017, at: http://nyti.ms/19h2nEg 6 لاستعراض كيفية نشوء الأربانيت (Arpanet) الذي تحوّل إلى الإنترنت والشبكة العالمية في نهاية المطاف، انطلاقًا من الأفكار التي زرعها ليونارد ليكلايدر، انظر: Leonard Kleinrock, “An Early History of the Internet [History of Communications],” IEEE Communications Magazine (August 2010), accessed on 15/3/2017, at: http://bit.ly/2oWpsaX 7  Ralph Lee Smith, “The Wired Nation,” The Nation (May 1970); Ralph Lee Smith, Wired Nation: Cable Television, The Electronic Communications Highway (Verlag: Joanna Cotler Books, 1973).

  1. انظر إجابة عظيموف في: Isaac Asimov, “Visit to the World's Fair of 2014,” The New York Times, 16/8/1964, accessed on 15/3/2017, at: http://nyti.ms/19h2nEg
  2. لاستعراض كيفية نشوء الأربانيت (Arpanet) الذي تحوّل إلى الإنترنت والشبكة العالمية في نهاية المطاف، انطلاقًا من الأفكار التي زرعها ليونارد ليكلايدر، انظر: Leonard Kleinrock, “An Early History of the Internet [History of Communications],” IEEE Communications Magazine (August 2010), accessed on 15/3/2017, at: http://bit.ly/2oWpsaX
  3. Ralph Lee Smith, “The Wired Nation,” The Nation (May 1970); Ralph Lee Smith, Wired Nation: Cable Television, The Electronic Communications Highway (Verlag: Joanna Cotler Books, 1973).

الخلافات الدائرة حاليًا بشأن احتكار الشركات للإنترنت؛ مثل شركتَي "غوغل" و"فايسبوك". أمّا الإنترنت نفسه، فيمكن تأكيد أنّه تبلور في عام 1976، عندما نقل مهندسون عسكريون معلومات عبر شبكة للاتصالات السلكية واللاسلكية. ليس المقصود ممّ سبق أنّ توقعات توفلر لم تكن مبتكرةً أو مميزةً، بل إنّ الأمر المقصود هو القول إنّ لقبه الشائع، بوصفه متفردًا بالنبوة، هو في أحسن الحالات مثار خلاف، وإنّه يجب بدلً من ذلك فهْم نزعته المستقبلية ضمن سياقها الزمني. فقد وُلد توفلر في حقبة زمنية تميزت بنظام اقتصادي (في أميركا الشملية التي عرفت ازدهارًا اقتصاديًا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها)، شهد تقدّمًا تكنولوجيًا مميزًا، وصفها كلارك بالقول: "لا يمكن تمييز كلّ تكنولوجيا متقدمة من السحر تمييزًا كافيًا"8. وتتجلى عبقريته في أنه ذهب أبعد ممّ تنبأ به بعض معاصريه، مثل كلارك وعظيموف. إذ تجاوز توقع ابتكار معدّات أكثر قوةً وحداثةً، إلى توقع (قابل للتفنيد نسبيًّا) لآليات تكيّف المجتمعات مع تلك التكنولوجيات، إضافةً إلى تصوّر التطور المستقبلي للمنتوجات. وفي هذا الصدد، كان لجنسية توفلر أهمية كبيرة؛ إذ لا تزال الأعراف الثقافية لأميركا الشملية تحدّد أولويات مُصمِّمي المنتوجات ومُصنِّعيها ومستهلكيها، وليس ذلك في الولايات المتحدة فحسب، بل في جميع أنحاء العالم أيضًا. وتستعرض هذه الدراسة، لاحقًا، تأثير الثقافات الوطنية في التطور التكنولوجي. يمكن القول إنّ تنبؤ توفلر الأكثر تبصًّا ووضوحًا ينطلق من فكرة أنّ "الموجة الثالثة" ستكون نقلةً نوعيةً حقيقيةً، لا مجرد استمرار وفق خطوط ممثلة تؤدي إلى زيادة كمية أنماط الإنتاج الموجودة آنذاك فحسب. وقد تصور توفلر، تحديدًا، عالمًا لن يكون مشابهًا لما كان عليه في مرحلة التصنيع. وبالنسبة إليه، لن تخضع الآثار الاجتمعية في المستقبل لتعاقب خطِّي ينجم عن الثورة الصناعية. وهنا، يبدو جليًا تأثير انخراط توفلر السابق في الحركات الماركسية في تصوّره للتاريخ؛ إذ تبنّى في ذلك الوقت سيرورةً ديالكتيكيةً واضحةً أدّت إلى نشوء الأسرة النووية، والعمل مدى الحياة في شركة واحدة. وفي الواقع، كانت أخلاق العمل مدى الحياة في صميم صورة عملت جاهدةً شركات صناعية كثيرة على تكريسها. وبدا ذلك واقعًا ملموسًا في اليابان؛ البلد الذي طالما افتتن به توفلر، حيث قامت تكتلات صناعية وإلكترونية كثيرة على أساس عائلي عُرفت ب "زايباتسو" (Zaibatsu)، تعود بجذورها إلى ما قبل عصر الميجي9. ولكن على خلاف ذلك، توقع توفلر أن تسود في المستقبل ما بعد الصناعي شركات مجزّأة أصغر حجمً لا تعتمد على الجهد العضلي الجمعي في خطوط التجميع، بل على التفكير اللمح لأفراد ولمجموعات صغيرة، حتى أنه أطلق عليها اسم "البيت الإلكتروني" (cottage Electronic)، في إحالة على "الصناعات المنزلية"

8  Arthur C. Clarke, Profiles of the Future: An Inquiry Into the Limits of the Possible , Revised edition (New York: Harper and Row, 1973), p. 21‬.‫ 9  Cf. Mikiso Hane, Japan: A Short History (London: One-World Publications, 2000).

  1. Arthur C. Clarke, Profiles of the Future: An Inquiry Into the Limits of the Possible , Revised edition (New York: Harper and Row, 1973), p. 21‬.‫
  2. Cf. Mikiso Hane, Japan: A Short History (London: One-World Publications, 2000).

(industries Cottage) التي طبعت المرحلة السابقة مباشرة للثورة الصناعية بحسب المؤرخين؛ إذ كان الأفراد وأُسرهم يعملون، في نطاق ضيّق، انطلاقًا من بيوتهم ومنازلهم10. واللافت للانتباه أنّ توفلر توصّل إلى توقع تأثير ذلك في المجتمع البشري، وأنّه قال في أحد أبرز توقعاته عام 1990: "إذا توافر لأيّ شخص حاسوب شخصي و'مودم'، فإنه يستطيع من منزله الوصول إلى قواعد بيانات، كالفهرس الطبي (Medicus Index) مثلً، والحصول على دراسات علمية تتناول المواضيع كلّها من الألف (مرض أديسون disease Addison's) إلى الياء (الفطريات العفنية Zygomycosis)، بل يستطيع في الواقع، جَمْع معلومات عن مرض أو علاج معيّ أكثر من الطبيب العادي الذي لا وقت لديه للقراءة"11. لم تتزعزع توقعات توفلر تقريبًا طوال 26 عامًا الماضية. فبحلول عام 2008، استوعب علمء الأوبئة تمامًا قيمة محركات البحث ومصطلحاته التي استخدمها الأفراد في مواسم الإنفلونزا للتأكد من تفشي الفيروس ومداه12. وعلى مستوى آخر، يقول العاملون في الحقل الطبي، في جميع أنحاء العالم، إنّ المرضى يميلون إلى دراسة حالاتهم من خلال الإنترنت، على نحوٍ فرديّ، قبل ذهابهم إلى المعاينة الأولى. ولم يتوقف اهتمم توفلر عند المهارة التكنولوجية المتنامية للمواطنين في جميع أنحاء العالم التي تطلّبتها هذه الترتيبات الجديدة، بل إنّه اهتم كذلك بالطريقة التي ستُقلب فيها الهرمية الاجتمعية رأسًا على عقب. فبعد انتزاع احتكار الأطباء للمعرفة، ستضمن العملية التي جعلت المعرفةَ أفقيةً، أيضًا، تخفيف خضوع المرضى لمن يقدمون لهم الرعاية الطبية، وحتى زيادة تحديهم. ذكرَ توفلر توقعات أخرى تتناول مدى انعكاس التغييرات الناجمة عن تقدّم تكنولوجيا الاتصالات

الإلكترونية على الوقائع الاجتمعية والسياسية التي تتجاوز المستوى الفردي، وتشمل أممً معيّنةًُ. وتوقع توفلر، تحديدًا، كيفية تشظّى المجتمعات القومية التي كانت قد تشكّلت في القرن التاسع عشر إثر اندلاع الثورة الصناعية؛ إذ يقول: "تنهال اليوم ضربات مطارق الثورة الفائقة التصنيع على المجتمع، فتشظّيه تمامًا. وتتكاثر بين ظهرانينا هذه الجيوب الاجتمعية والقبائل والجمعات الدينية الصغيرة [...] وإنّ قوى التنويع نفسها التي توسّع مجال الاختيار الفردي للمنتوجات، والسلع الثقافية، تعمل على تنويع البنى الاجتمعية أيضًا [...] وفي الواقع نحن نعيش 'انفجار الثقافات الفرعية"'13.

10  Toffler, The Third Wave , Chapter 16. 11  Alvin Toffler & Heidi Toffler, Powershift: Knowledge, Wealth and Violence at the Edge of the 21st Century (New York: Bantam Books, 1990), Chapter 1. 12  Jeremy Ginsber et al., “Detecting Influenza outbreaks using Search Engine Query Data,” Nature , no. 457, 19/2/2009, at: https://www.nature.com/nature/journal/v457/n7232/full/nature07634.html 13  Toffler, Future Shock, Chapter 13.

  1. Toffler, The Third Wave , Chapter 16.
  2. Alvin Toffler & Heidi Toffler, Powershift: Knowledge, Wealth and Violence at the Edge of the 21st Century (New York: Bantam Books, 1990), Chapter 1.
  3. Jeremy Ginsber et al., “Detecting Influenza outbreaks using Search Engine Query Data,” Nature , no. 457, 19/2/2009, at: https://www.nature.com/nature/journal/v457/n7232/full/nature07634.html
  4. Toffler, Future Shock, Chapter 13.

وفي الكتاب نفسه، يلاحظ توفلر كيفية مساهمة التكنولوجيات في تشكيل الوعي القومي وصوغ السياسة العالمية، لافتًا الانتباه إلى الفضل الكبير لأجهزة الراديو في صعود القومية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين14. ومضى أبعد من ذلك؛ حين تكلّم بوضوح على تداعيات مباشرة للتكنولوجيات الجديدة التي تكون قيد التطوير على القيم الاجتمعية والثقافية. وفي وقت يشوب فيه الغموض هذا الاتجاه الأخير، فإنّه من الواضح تمامًا أنّ طبيعة التكنولوجيا الحالية قد أتاحت نشوء وعيٍ مغايرٍ لوعي الدولة القومية. فبفضل الرأسملية، لن يقتصر الحديث عن "الشباب الكويتي" على سبيل المثال، بل سيتناول ثقافات فرعيةً متنوعةً ومتخيّلةً ينتمي إليها كثيرٌ منهم.

ثانيًا. تكنولوجيات المستهلك وتأثيرها يف المنطقة العربية

طورت شركة الإلكترونيات اليابانية "سوني" بين عامي 1978 و 1979، "جهاز الاستمع المحمول" (Walkman)؛ وهو عبارة عن جهاز تسجيل نقّال. وجرى تسويق نماذجه الأولى في اليابان كأجهزة للزوجين، فجُهزت بقابسين منفصلين وقاطعٍ، على نحوٍ يمكن فيه لشخصين اقتسام جهاز استمع واحد، وإيقاف شريط الموسيقى؛ باستخدام مفتاح "الخط الساخن" لاستئناف الحديث في ما بينهم. أمّا المستهلكون الأميركيون الأوائل الذين كانوا سيشترون هذا الجهاز من "متجر متخصّص" رائد في مدينة نيويورك – وهي فكرة قلدتها منذ ذلك الحين علامات تجارية عديدة أشهرها شركة "آبل" – فلم يستخدموا قابس الصوت الثاني، أو مفتاح الخط الساخن، بل قرروا اقتناء جهاز الاستمع المحمول كرمز للمكانة الفردية، لا كجهاز يربط بين زوجين، ما جعل الصانع الحريص على الحصول على موطئ قدمٍ في السوق الأميركية يسعى لتخفيف تكاليف الإنتاج؛ عبر تبسيط التصميم وتحويله إلى جهاز فردي تمامًا، مخصَّصٍ لشخص واحد. وتمكّنت شركة "سوني"، بعد إلغاء ميزة الاستخدام المشترك، من تلبية احتياجات الزبائن الأميركيين من ذوي الوزن الاقتصادي المهمّ، وخفْض التكاليف في آنٍ واحدٍ15. وتتعدى الواقعة في حدّ ذاتها المنطق الاقتصادي، لتؤكد الترابط العميق بين تكنولوجيات الاستهلاك الشخصي والقيم الثقافية. ويدّعي الكاتب أنّ استخدام أجهزة الاستمع - واستخدام أجهزة ممثلة أيضًا - قد ترك أثرًا ثقافيًا في المنطقة العربية بُعيد دخوله إليها في ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ ساهم، بوصفه جهازًا يقتصر استخدامه على شخص واحد، في تعريف جيلٍ كامل من الشباب العربي بالتكنولوجيات الشخصية

14  Ibid. , Chapter 19. 15 لاستعراض كيفية قيام شركة "سوني" بتعديل جهاز الاستماع المحمول الأصلي لملاءمة الأسواق غير اليابانية، انظر: Akio Morita, Made in Japan: Akio Morita And Sony (London: Penguin Books, 1986).

  1. Ibid. , Chapter 19.
  2. لاستعراض كيفية قيام شركة "سوني" بتعديل جهاز الاستماع المحمول الأصلي لملاءمة الأسواق غير اليابانية، انظر: Akio Morita, Made in Japan: Akio Morita And Sony (London: Penguin Books, 1986).

الفردية. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، حتمية تغير القيم الثقافية بدخول تكنولوجيات جديدة، ولكن تعزيز تكنولوجيات الاستهلاك الشخصي للسلوك الفردي فكرةٌ تصعب معارضتها. فإذا توافرت للفرد فرصة شراء جهاز استمع شخصي، فإنّه سوف يشتريه، على الأرجح، ويَعُدّه ملكيةً فرديةً، كم أنّ هذا الجهاز، في نهاية المطاف، سوف يترك آثارًا في سلوك المستهلكين. وسبق للباحثة والناشطة الكويتية، العنود الشارخ، أن أوضحت هذه النقطة بطريقة مؤثّرة، وذلك في معرض تذكّرها اقتنائها لجهاز استمعٍ ما إن توافر بدولة الكويت؛ إذ قالت "امتلكت أوّل جهاز استمع في الكويت [في عام 1984]. [وكان] رمزًا رئيسًا للمكانة بمعناها 'اللطيف' لا المادي. كم وفّر لي في النهاية ذريعةً مقبولةً لموقفي النافر جدًّا من المجتمع. لقد أحببت قدرتي على الفرار من بيئتي بمجرد ضغط مفتاح التشغيل"16. ويقدّم كلام الشارخ، على الرغم من طابعه القصصي الرمزي، فكرةً قيّمةً عن كيفية اضطلاع التكنولوجيا الشخصية بدور داعم للسلوك الاجتمعي، بطرق قد تكون غير متوقعة. أمّا فصل قصة الشارخ عن البيئة النخبوية التي كانت تعيش فيها، ففيه مجازفة، ولكن من غير المنطقي كذلك أن نعُدّ أنّ التكنولوجيا الشخصية لا تجسّد إلّ قيم المجتمعات التي أنتجتها؛ وذلك لأنّها تحمل إمكانية إحداث صدى في المجتمعات التي استوردتها، وإمكانية التأثير فيها أيضًا. وكم لاحظ توفلر، أدّت بعض تلك التكنولوجيات الرائدة دورًا فعليًا في بلورة الجمعة العربية الحالية. وعلى الرغم من ميْل التكنولوجيات الحالية إلى تشظية المجتمعات، فإنّ احتمل تعزيز التوافق العربي من خلال التكنولوجيا الشخصية أمرٌ بادٍ للعيان. وما تنامي أهمية اللغة المكتوبة، بوصفها وسيلةَ اتصال، سوى مثالٍ واضح دالّ على ذلك. وينبغي للعرب، مع تزايد أعدادهم، عدم الاكتفاء بتوحيد مقاربتهم باعتمد لغة مشتركة رفيعة المستوى فحسب، بل ينبغي لهم أن يسعوا لِبَلورة لغة عربية ملائمة لتبادل الأفكار عبر منتديات الإنترنت. وتغدو الحاجة المتنامية إلى اعتمد تكنولوجيات التعرف إلى الصوت، المدمجة حاليًا في ساعات اليد والهواتف الذكية، دافعًا لتوحيد صيغة اللغة العربية المحكية أيضًا17. ومع أنّ عملية إدخال تكنولوجيات التحويل من صوتٍ إلى نصٍّ وإدماجها في الساعات الذكية لم تحدث في حياة توفلر، فإنّها لم تسلّط الضوء فحسب - إلى جانب أجهزة الاستمع - على إمكانات غير مستهدفة أساسًا، بل إنّها نبّهت، أيضًا، لتداعيات لم تكن في الحسبان في ذلك الوقت، لتنعكس على المجتمعات المعنيّة بها.

16 العنود الشارخ، مقابلة شخصية بالبريد الإلكتروني (تشرين الأول/ أكتوبر - تشرين الثاني/ نوفمبر،.)2016 17 بتفصيل أكبر، تسمح تكنولوجيات تحويل الصوت إلى نص لأصحاب "الساعات الذكية". ومن أمثلة ذلك إملاء "بيبل ووتش Pebble(" Watch)، و"آبل ووتش" (Watch Apple)، لرسائل نصية عن طريق الصوت على الساعة نفسها. ومن ثمّ، يجري إعادة بثّها إلى الهاتف الذكي في شكل رسالة نصية من خلال رابط بلوتوث. وعلى الرغم من توافر هذه التكنولوجيا حاليًا بعدة لغات، فإنّه لا توجد تكنولوجيا موثوقة لكشف اللغة العربية المحكيّة ونقلها إلى نصّ؛ وذلك بسبب التباين في نطقها.

  1. العنود الشارخ، مقابلة شخصية بالبريد الإلكتروني (تشرين الأول/ أكتوبر - تشرين الثاني/ نوفمبر،.)2016
  2. بتفصيل أكبر، تسمح تكنولوجيات تحويل الصوت إلى نص لأصحاب "الساعات الذكية". ومن أمثلة ذلك إملاء "بيبل ووتش Pebble(" Watch)، و"آبل ووتش" (Watch Apple)، لرسائل نصية عن طريق الصوت على الساعة نفسها. ومن ثمّ، يجري إعادة بثّها إلى الهاتف الذكي في شكل رسالة نصية من خلال رابط بلوتوث. وعلى الرغم من توافر هذه التكنولوجيا حاليًا بعدة لغات، فإنّه لا توجد تكنولوجيا موثوقة لكشف اللغة العربية المحكيّة ونقلها إلى نصّ؛ وذلك بسبب التباين في نطقها.

ثالثًا. ماذا كان آلفين توفلر سيقول عن المنطقة العربية؟

وُلد توفلر قبل الحرب العالمية الثانية، وتُوفي بعد انطلاق الربيع العربي. ونظرًا إلى نطاق اهتمماته الواسع، لم يكن مستغربًا أن تكون بعض كتاباته وثيقةَ الصلة بالتجربة العربية الحالية، مع أنه تناولها تناولً عابرًا. وتكشف شذرات كتاباته عن تحاملٍ لا ريب فيه؛ ربّا يكون غير لافتٍ للنظر بسبب المشاعر المعادية للعرب والمتفشّية على نطاق واسع في أميركا18. أمّا الحقيقة الأخرى، فهي أنّ المنطقة العربية لا تزال لغزًا بالنسبة إلى طلاب دارسات التطور الاجتمعي والتكنولوجي. يمكن العثور في كتابات عالِم النفس الاجتمعي الهولندي والموظف في شركة "آي بي إم"، غيرت هوفستيد، على طريقة موثوقة "تُسوّغ" مدى تلقّي مجتمعٍ معيّ للتغيرات التكنولوجية. فقد اعتمد هوفستيد عينةً شملت أكثر من مئة ألف موظف موزعين بين سبعين دولةً تعمل فيها الشركة؛ وذلك أثناء إعداده نموذج حتمي لافت للنظر، يحكُم العلاقة التي تربط بين الثقافة الوطنية والسلوك الفردي. ووفق هذا النموذج، تتأثر الأفعال الفردية بدرجة اعتمد التدابير التي يتخذها الفرد تجاه مجموعة متميزة من العوامل، هي: "المسافة من السلطة" (المسافة الفاصلة بين الفرد وبين صنّاع القرار)، ومستوى النزعة الفردية داخل ذلك المجتمع و"الذكورية"؛ وهي تعني، في هذا السياق، مستوى تركيز الأفراد على المهمّت، لا على الأشخاص، والتوجه المستقبلي. ويوضّح هذا، تمامًا، البون الشاسع بين المجتمعات العربية والبلدان المتقدمة تكنولوجيًا في جميع تلك التدابير. ونستنتج بسهولة أنّ المجتمعات العربية ستكون أقل ميلً من الألمان، على سبيل المثال، إلى تبنّي تكنولوجيات جديدةً بسبب اتساع "المسافة من السلطة" التي يشعر بوجودها الفرد العربي، والتي تفصل بينه وبين رموز السلطة في الدولة القومية والمؤسسات. بيد أنّ رجحان الأدلة وحده لا يدعم مثل هذا الاختلاف في مقاربة التكنولوجيا. ويمكن التمس أكبر شاهد على ذلك في الدور الذي يُعزى، عمومًا، إلى التكنولوجيا في أحداث الربيع العربي (حتى المحاولات التي تسعى إلى نفي مساهمة مواقع التواصل الاجتمعي، أو التقليل من شأنها، أو من دورها الحاسم في انطلاقة الربيع العربي، تُعدُّ في حدّ ذاتها دلالةً معبِّة). بعبارة أخرى، يتحدّى التقبّل الواسع لتكنولوجيات المستخدمين في العالم العربي توقعات العلوم الاجتمعية. وحتى العيش في مجتمعات هرمية يحتل فيها الفرد مكانةً ثانويةً بالنسبة إلى الجمعة، لم يمنع الدول العربية من البرهنة، مرات عديدةً، على أنها ليست متقبلةً لتكنولوجيا الكمبيوتر فحسب، بل على أنّها قادرة، أيضًا، على التكيف معها وابتكار أشكال جديدة مختلفة. غير أنّ ذلك كلّه لا يحُول دون التنويه بمشكلات بنيوية خطِرة لا تزال تعرقل التطور التكنولوجي/ العلمي في المنطقة العربية. وتجدر

18 على سيبل المثال، انظر المناقشة بشأن احتشاد "المتوسّلين" الذين غصّت بهم ردهات فنادق أبوظبي والكويت، في الفصل الخامس من كتابه Powershift.

  1. على سيبل المثال، انظر المناقشة بشأن احتشاد "المتوسّلين" الذين غصّت بهم ردهات فنادق أبوظبي والكويت، في الفصل الخامس من كتابه Powershift.

الإشارة إلى أنّ تأخر التنمية بوجه عامٍّ، لم يؤثّر سلبيًا في حمسة الجمهور العربي تجاه الإمكانات الكامنة في التكنولوجيات الجديدة. بطريقة ممثلة، أبدت المجتمعات العربية استعدادها التامّ للترحيب بالفن "المفاهيمي" ما بعد الصناعي. وتعليقًا على الحمسة الشعبية الواسعة التي رافقت انتظار معرض أعمل الفنان البريطاني داميان هيرست، قالت القيّمة الفنية الفلسطينية ريم فضة: "اعتمد فنانو موسيقى البوب الأميركيون في ستينيات القرن الماضي على التصوير الأيقونوغرافي في التصنيع والإنتاج الواسع النطاق في فنّهم. وهذه التقنيات لم تكن متوافرة في الشرق الأوسط، ولا يزال مدى ملاءمتها قابلً للنقاش. غير أنّ هيرست استخدم التصوير الأيقونوغرافي لدى فنّاني موسيقى البوب لمناقشة الحياة والموت، والبُعدَين الوجودي والتجريبي؛ وهم بُعدان يحتفظان بأهمية بالغة في منطقة الشرق الأوسط، ومن المؤكَّد أنّهم يلاقيان صدى واسعًا [لدى الجمهور هنا"]19. يؤكد المؤلف أنّ نمطًا ممثلً ينطبق على إدخال تكنولوجيا الحواسيب إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمل أفريقيا؛ إذ إنّ التوق إلى استيعاب تقنيات الإنترنت والاتصالات، كالرسائل القصيرة مثلً، لَهُو دلالة على تقبّل الشعوب العربية لتكنولوجيات جديدة، حتى عندما تنهمر عليهم دفعةً واحدةً؛ وهو أمرٌ لا يمكن استنتاجه إطلاقًا من قراءة أدبيات العلوم الاجتمعية عن المجتمعات العربية. وفي ضوء ذلك، ما الذي قد تقوله مجمل أعمل آلفين وهايدي، توفلر، عن المجتمعات العربية في الوقت الحاضر؟ من اللافت للنظر أنّ اهتمم الزوجين توفلر بالمنطقة العربية الأكثر تفصيلً ورد في كتابهم الحرب ومناهضة الحرب20؛ إذ تحدثَا فيه عن حرب "الموجة الثالثة " التي ميزت عملية "عاصفة الصحراء"، ولا سيم الطريقة المتطورة تكنولوجيًا التي هاجمت من خلالها الولايات المتحدة مراكزَ القيادة والسيطرة في العراق. وأقرّ المؤلفان بأنه إلى جانب التغطية التلفزيونية المتبجّحة في استخدام "القنابل الذكية"، جرى اللجوء إلى مقاربة حربية لم تعرف تغطيةً إعلاميةً واسعةً هي مقاربة "الموجة الثانية"، وقد أتت من خلال جحافل دبابات وجنود ضمن هجومٍ على العراقيين في مواقعهم الدفاعية (تسببت، فعليًا، بسقوط أغلبية الضحايا العراقيين). وعلى حدّ تعبير المؤلِّفين، "كانت فكرة أنّ حرب الخليج هي حرب 'تكنولوجيا عالية' جرى فيها إلغاء العنصر البشري ضربًا من الخيال"21. وقد عرضَا بعض التفاصيل بخصوص ما تعنيه زيادة التطور

19 ريم فضة، مقابلة شخصية بالبريد الإلكتروني (آب/ أغسطس.)2013 20  Alvin Toffler & Heidi Toffler, War and Anti-War: Making Sense of Today's Global Chaos (New York: Warner Books Edition, 1993). 21  Ibid., p. 85.

  1. ريم فضة، مقابلة شخصية بالبريد الإلكتروني (آب/ أغسطس.)2013
  2. Alvin Toffler & Heidi Toffler, War and Anti-War: Making Sense of Today's Global Chaos (New York: Warner Books Edition, 1993).
  3. Ibid., p. 85.

التكنولوجي لجيوش الدول المتقدمة في كلمت عملية، هي: "في البداية نفّذ الطيارون الأميركيون في حرب فيتنام ثمانمئة طلعة جوية، وفقدوا عشر طائرات في محاولة فاشلة لتدمير جسر 'ثان وا'. وفي وقت لاحق، نفذت المهمة في طلعة واحدة أربعُ طائرات 'فانتوم 4 إس' F-4s مزوّدة ببعض أقدم نماذج القنابل الذكية"22. يكشف هذا الوصف التفصيلي مدى استناد التطور الذي أحرزته الدول المتقدّمة إلى النتائج من جهة، (كانت النتائج المقصودة هدفًا مروّعًا تمثّل بتدمير البُنى التحتية بالقصف الجوي)، وإلى المثابرة والأبحاث المتأنية القائمة على التجربة والخطأ من جهة أخرى. وتتجسد المفارقة في تجاهل نخبة المثقفين العرب لكل ذلك، وفي تبنّي رؤية تبسيطية ترى أنّ مجتمعاتهم على درجة من البدائية، على عكس تنوّر الغرب الأساسي، على الرغم من عنفه. ويستشهد الزوجان توفلر، في كتاب الحرب وضد الحرب، بالباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، قائليَن "لا يعود تفوّق الغرب إلى عتاده العسكري بمقدار ما يرتبط بحقيقة أنّ قواعده العسكرية هي مختبرات، وقواته هي جيوش من الباحثين والمهندسين"23. والمرنيسي التي أشاد بها الزوجان، بوصفها "عالمة اجتمع مغربية ومناضلة نسوية ذكية جدًّا"، هي رمزٌ لظاهرة أوسع في المنطقة العربية، ترى في البراعة التكنولوجية والعملية العقلانية لصنع القرار صفتين غربيتين أساسًا، ما يفسّ أيضًا الضعف النسبي للدول العربية. يرجع التبجيل الكبير الذي تُبديه المرنيسي تجاه الغرب، وتقدّمه التكنولوجي والعلمي، إلى تراكم أجيال من التجارب العربية، بدءًا من حملة نابليون على مصر، وربما قبل ذلك، وصولً إلى تكريس القوى الأوروبية تفوّقها البحري في البحر الأبيض المتوسط في فجر عصر الحداثة. أمّا الحقيقة التي قد تضيع أثناء استرجاع ذلك التاريخ، فتكمن في أنّ تلك الجوانب من الحضارة الغربية هي، فقط، الجوانب المحدّدة التي تلمسها بشدة شعوب البلدان العربية؛ إذ لا يوجد مبررٌ حقيقي للاعتقاد أنّ "الغرب" يسوده التخطيط العقلاني والعلمي المستنير. فجيوشه وحدها هي التي تحظى بتلك الميزات الخاصة. وبطبيعة الحال، يشكّل ذلك نسقًا لرواية الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية التي تنضح منها كتابات توفلر. ويعزّز هذا النسق، أيضًا، تاريخ الإنترنت؛ أي إنّ الجيش كان محرّكًا لتعزيز التصنيع، بل إنّه كان – فضلً عن ذلك – حافزًا على عقلنة المجتمع الأوسع. وبما أنّ المجتمعات العربية اختبرت الغرب من خلال مؤسساته المفرطة العقلانية، المتمثّلة بالجيوش، وشركات النفط، والمقاولين الكبار من أمثال "بكتل"، يأتي تصوّر الشرق الأوسط للإنسان الغربي المحكوم، في أغلب الأحيان، بالمنهج العلمي والخيارات العقلانية.

22  Ibid., p. 84. 23  Ibid.

  1. Ibid., p. 84.
  2. Ibid.

رابعًا. القراءة العربية لتوفلر يف عام 2017

يطرح انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة في أواخر عام 2016، ظاهريًا على الأقل، بعض التحديات لعقلية "المستقبليين" التي ينافح عنها آلفن توفلر. فقد وصل ترامب إلى السلطة متبنّيًا التراجع عن الحدود المفتوحة التي "يُزعم" أنها أفضت إلى نهاية الصناعة في أميركا الشملية. فالاتجاهات التي احتفى بها توفلر؛ كتنامي التشغيل الآلي الروبوتي المتقدّم، ونقل قطاع الصناعات التحويلية إلى آسيا، هي، تحديدًا، ما قايضه دونالد ترامب بنجاح مع نسبة كافية من الناخبين الأميركيين ضمنت وصوله إلى البيت الأبيض. وفي الواقع، بادر في أولى خطواته، بوصفه رئيسًا، إلى توضيح أنّ إدارته الجديدة ستكون مشكّكةً في العلم، ولا سيم في ما يتعلّق بالإجمع العلمي بشأن التغير المناخي24. وفي هذه الحال، قد تشكّل رئاسة ترامب ذروة التدخل السلبي للمحافظين في الولايات المتحدة في سياسات العلوم، ودلالةً على نهاية دعم بحوث العلوم البحتة والهندسة التي أتاحت لأميركا، سابقًا، فرْض سطوتها في جميع أنحاء العالم. فهل ثمة حيِّزٌ لانتخاب ترامب في رؤية توفلر للمستقبل؟ يمكن القول إنّ توفلر، في سياقٍ بعينه، توقَّع انتخابَ ترامب، أو نشوءَ البيئة التي جعلت انتخابه أمرًا ممكنًا، على أقلّ تقدير؛ إذ وصف في الموجة الثالثة25 تحديدًا، كيف تُنبئ نهاية الإنتاج الواسع النطاق بولادة حيّز ثقافي مُشظًّى ومتنوّع، بدلً من ثقافة واحدة كبيرة وسائدة. وقال إنّ "مجتمعات الموجة الثالثة" سوف تستند إلى خليط من ثقافات فرعية مفتّتة، تحظى كلّ منها، إلى حدٍّ ما، بمنظومات قيمٍ وأولويات مختلفة. وقد اتضح جيّدًا، من خلال تلاعب ترامب الناجح بالتكتيكات الانتخابية، مدى صحة ذلك عمومًا، وأكّد درجة تحققه الكبيرة في أميركا. والجدير بالملاحظة أنّ دونالد ترامب فاز في انتخابات الرئاسة الأميركية، في عام 2016، بطريقة شرعية من خلال كسب أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، مع أنه خسر التصويت الشعبي. وبتحقيق الفوز بالرئاسة من دون الفوز في التصويت الشعبي، يكون ترامب قد عكس على نحوٍ حادٍّ الاتجاه السابق للمجمع الانتخابي؛ إذ أضاء على الفارق في التصويت الشعبي بين المرشحين الرئيسيين. ولطالما عمل المجمع الانتخابي على تضخيم الأغلبية التي يحصل عليها المرشحون في سباق رئاسي ثنائي، أو تضخيم تعدّدية المرشحين في سباق ثلاثي. وتقدِّم الأوضاع القائمة، المذكورة سابقًا، رؤيةً أوضح عن مدى تجانس المجتمع الأميركي؛ ذلك أنّ مرشح الرئاسة الأساسي إمّا أن يحصل على أغلبية النصاب القانوني في عدد

24  Ashley Parker, “Trump signals changing priorities, revises White House website to remove climate change,” Chicago Tribune, 20/1/2017, accessed on 15/3/2017, at: http://trib.in/2iKCcm9 25  Toffler, The Third Wave. 6 2  جاءت أكبر "مضاعفة" لأصوات الناخبين مع انتخاب رونالد ريغان في عام 1984، إذ حصل على أكثر من 95 في المئة من أصوات المجمع الانتخابي (525 من أصل 548 الناخبين)، وعلى 55 في المئة فقط من التصويت الشعبي في جميع الولايات.

  1. 6 2  جاءت أكبر "مضاعفة" لأصوات الناخبين مع انتخاب رونالد ريغان في عام 1984، إذ حصل على أكثر من 95 في المئة من أصوات المجمع الانتخابي (525 من أصل 548 الناخبين)، وعلى 55 في المئة فقط من التصويت الشعبي في جميع الولايات.
  2. Ashley Parker, “Trump signals changing priorities, revises White House website to remove climate change,” Chicago Tribune, 20/1/2017, accessed on 15/3/2017, at: http://trib.in/2iKCcm9
  3. Toffler, The Third Wave.

من الولايات، ما يؤدي إلى حصوله على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، وإمّا أنّه لا يحصل على أي أغلبية. وقد أدّى تمكّن ترامب من كسب أصوات المجمع الانتخابي من دون إقناع أغلبية الناخبين بالإدلاء بأصواتهم لمصلحته، إلى انقلاب هذا الاتجاه رأسًا على عقب، وسلّط الضوء على انقسام المجتمع الأميركي إلى مجموعة مجتمعات متنوّعة لا يوحّدها قاسم مشترك من الأولويات السياسية، وهو أمرٌ ينبغي ألّ يفاجئ من قرأ صدمة المستقبل؛ إذ أظهر ترامب قدرته على بناء تحالفات عابرة للمجتمعات الأميركية المتنوعة الأساسية في عدد كافٍ من الدوائر الانتخابية المحدّدة، من دون الاضطرار إلى مناشدة الثقافة الأميركية السائدة المشتركة. على المدى البعيد، تكتسب كيفية انعكاس هذه الظاهرة الجديدة في الغرب على المنطقة العربية أهميةً ممثلةً. ومع دخول ترامب البيت الأبيض، تبدو المجتمعات العربية متشظيةً، كالولايات المتحدة على الأقل، إن لم يكن أكثر منها. ويتّسم التشظي بفصل اجتمعي اقتصادي بالدرجة الأولى، وبانقسامات مهمّة أخرى قد تكون مرتبطةً بالمسار الاجتمعي الاقتصادي. ولا شك في أنّ قياس مدى هذا الاستقطاب العربي الداخلي يطرح، في ظل غياب بيانات قابلة للمقارنة بشأن الانقسامات الانتخابية، تعقيدات كثيرةً، وإن كان ثمة أدلة كافية تتيح إثارة هذا النقاش. ويشكّل دور اللغة الإنكليزية في الحيز العامّ في منطقة الشرق الأوسط أحد أمثلتها البارزة. فنظرًا إلى أنّ تعليم اللغة الإنكليزية بجودة عالية يقتصر على مؤسسات خاصةٍ ليست في متناول كثيرين، يبدو غريبًا توافر فضاءات عامة كثيرة في العواصم العربية تجذب إمّا حصرًا، أو إلى حدّ كبير، المحتاجين إلى التحدّث بلغات أجنبية. وتتجلى النتيجة النهائية لذلك التفاوت، في أنْ يؤدي تفاوت الحصول على الموارد الاقتصادية والفرص إلى ثقافات متباينة؛ ما يعني أنّ الأمر لا يتعلّق بسمت ونُظم ثقافية مختلفة، بل يتعلّق بأنظمة قيمٍ متباينة. وفي بعض المناطق، لا يكون الانقسام اجتمعيًا اقتصاديًا. ففي لبنان، على سبيل المثال، وصلت التوترات بين المجموعات الطائفية المختلفة إلى حدٍّ طلب فيه البرلمانيون المسيحيون إنشاء هيئة ناخبة منفصلة تشمل حصرًا جمعتهم الدينية.

خاتمة

سيكون من الصعب محاولة تحديد إنْ كانت التكنولوجيا الشخصية هي التي أفرزت الحالةَ الراهنة؛ أي هل أفسحت الهواتف النقالة، وريثة جهاز الاستمع المحمول الذي صنعته شركة "سوني"، المجال للنخب الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط لعزل أنفسهم عن المجتمع كلّه؟ أم هل أنّ تلك التكنولوجيات الفردية ما هي إلّ انعكاس للانقسامات الاجتمعية القائمة بالفعل؟ إنّ انتشار الإنترنت يؤدي – من دون شك - إلى تفاقم هذا الوضع. فالعلاقة بين الولوج في شبكة الإنترنت والثروة بادية للعيان من خلال

بيانات مؤشر الرأي العامّ العربي؛ إذ تشير إلى أنّ الأغلبية الساحقة من مواطني البلدان العربية الغنية؛ كالسعودية والكويت، تستخدم الإنترنت استخدامًا يوميًّا، وكذلك وسائل التواصل الاجتمعي. في حين أنّ معدل انتشار الإنترنت في بلدان أخرى قلّم يتجاوز 40 في المئة. ولم يَغِب ذلك كلّه عن "غرف الصدى" الذاتية الاستدامة التي ساعدت ترامب – كم تقول بعض السرديات – على تبوُّء السلطة، والتي أقنعت خصومه، في الوقت نفسه، بإمكانية قبول كثيرين به. على المنوال نفسِه، ثمّة احتمل متمثّل بأنّ عالمًا جديدًا أعلن عنه توفلر قد يؤدى إلى تحقيق الإمكانات العربية، ويتيح إعادة تنظيم علاقات العرب بالعالم في نهاية المطاف. وفي الوقت الراهن، وفي ظل تقدّم تكنولوجي غير مسبوق تُعبّ عنه أنشطة لا تحتاج نسبيًا إلى رؤوس أموال كبيرة؛ كالذكاء الاصطناعي، والطباعة الثلاثية الأبعاد، مع تراجع العوائق التي تحُول دون انخراط يسمح لمتعهّدي الأعمل العرب بمثل هذه الأنشطة، فإن ذلك ليس من أجل بدئهم بتغيير منطقتهم فحسب، بل من أجل تعزيز مساهمتهم العالمية أيضًا. يقدّم الأردن، وهو أحد بلدان المنطقة الفقيرة نسبيًا من جهة رأس المال، أكثر الأمثلة إقناعًا في هذا الصدد، إذ وفرت شركة تُعرف ب "أويسس "500 (500 Oasis)، وهي شركة تُعنى بتمويل المراحل الأولية وتسريع الأعمل في مجال التكنولوجيا والصناعات الإبداعية، "حاضنةً" لمشروعات ريادية، وأمّنت لها رأس مالٍ أوليّ أتاح انطلاق عشرات شركات التكنولوجيا الإقليمية الناجحة، وطوّر بعضها (مثل شركة "طمطم") ألعابًا للهواتف الذكية واللوحية التي صُممت لأسواق المنطقة خاصّةً. في حين أعدّت شركات أخرى حلولً ل "الدفع عبر الإنترنت" تتخطى العقبات التي لا تزال، حتى الآن، تعرقل تطور التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا. وتُعَدُّ مبادرة "اِعزف" (Izif) مثالً دالًّ على تكنولوجيا ناشئة مثيرة للاهتمم، تتداخل فيها السياسة الثقافية وفشل انطلاقة العرب، وهي برنامج لتعليم الموسيقى لأطفال المدارس العربية؛ من خلال أشرطة فيديو تُنشر على موقع "يوتيوب". وتشكّل هذه المبادرة نموذجًا مثيرًا للاهتمم لأسباب متعددة. فمن خلال حلول هذه الشركة محلّ المدارس التقليدية المدعومة من الحكومة التي تخلّت تدريجيًا عن تعليم الموسيقى، نجد أنّها تستهدف شريحةً واسعةً من السكان لتعلِّمها نوعًا من الفنون كان حكرًا على البرجوازية، وهي تخوض غمر مجال تراجعت عنه الدولة من ناحية أخرى. إضافةً إلى كلّ ما سبق، تبقى حقيقة مفادها أنّ مبادرة "اِعزف" تساهم في إنشاء حيّز موسيقي عربي موحّد. وسيؤدي تقديم فيديوهات تعليمية، انطلاقًا من الحاجة إلى تبسيط التعليمت، ومن ثمّ إلى سيرورة حتمية في اتجاه نموذج موسيقي موحّد يتنامى باطّراد، ينبع من مشهد موسيقي سابق أكثر تنوعًا، ومن أنماط محلية تسيطر عليها الخصوصيات والتاريخ، ويسترجع - على نحوٍ مكثّف - قصة راديو الترانزستور ومساهمته في توحيد اللغة العربية.

بطبيعة الحال، لا تزال الحكومات العربية وآلية تكيّفها مع رياح التغيير هي "العقبة المسكوت عنها". كم أنّ البنية التحتية للإنترنت التي ضمنت التفوق الأميركي في عالم التكنولوجيا طوال العقدين الماضيين لم تكن لتتحقق، لولا دعم الحكومة، ووجود بيئة قانونية ملائمة، ومساهمت أصحاب المشروعات الفردية. فعلى الحكومات العربية أن تضطلع بدور فاعل استباقي، إذا أرادت لاقتصاداتها أن تتبوَّأ مكانةً في المستقبل. وهذا يتطلّب، إضافةً إلى ضمن وجود بنية تحتية ملائمة، التأكد من أنّ فرص التعليم متوافرة بالنسبة إلى الكتلة الأساسية من المهندسين؛ لتتيح لهم الحصول على تكنولوجيا جديدة، وتحفزهم على البقاء في أوطانهم. والأهم أنّ الأمر يعني، أيضًا، أنّ الاقتصادات العربية سوف تضطر إلى اعتمد نماذجَ تُكافِئ المجازفةَ والإبداع، بدلً من الاكتفاء بمكافأة شريحة الوكلاء التجاريين المرتبطة بالسلطات الحاكمة.

المراجع

References Hane, Mikiso. Japan: A Short History. London: One-World Publications, 2000. Kleinrock, Leonard. “An Early History of the Internet [History of Communications].” IEEE Communications Magazine (August 2010). Morita, Akio. Made in Japan: Akio Morita And Sony. London: Penguin Books, 1986. Smith, Ralph Lee. “The Wired Nation.” The Nation (May 1970).. Wired Nation: Cable Television, The Electronic Communications Highway. Verlag: Joanna Cotler Books, 1973. Toffler, Alvin & Heidi Toffler. Powershift: Knowledge, Wealth and Violence at the Edge of the 21st Century. New York: Bantam Books, 1990.. War and Anti-War: Making Sense of Today's Global Chaos. New York: Warner Books Edition, 1993. Toffler, Alvin. Future Shock. New York: Random House publishers, 1970.. The Third Wave. New York: William Morrow and Company, 1980.