استشراف التغير الديموغرافي بفلسطين في أفق 2030:قراءة في تقرير
A Reading of the Report Palestine 2030, Demographic Change Opportunities for Development
الملخّص
إنّ الحاجة إلى بلورة رؤى مستقبلية قد أضحت ضرورة حتمية، في سياق تسارع الزمن، بالنسبة إلى جميع البلدان العربية، ومن باب أولى بالنسبة إلى فلسطين الرازحة تحت نير احتلال إسرائيلي يعوق وضع أيّ إستراتيجية وسياسات متسقة للتنمية الفلسطينية وتنفيذها. وإنّ التخطيط في فلسطين، عملً بضرورة الاستناد إلى البراهين في تطوير المرافق التعليمية والصحية والمرافق الأخرى العامة، إضافة إلى إعداد الكوادر التي ستأخذ على عاتقها متابعة تقديم الخدمات العامة بما يتماشى مع إستراتيجية التنمية الفلسطينية وسياساتها، لا يمكن إعداده من دون دراسة ديموغرافية تستشرف المستقبل على المديين المتوسط والبعيد. يأتي إذًا تقرير "فلسطين 2030 " الصادر حديثًا كانون الأول/ ديسمبر 2016 ليسدّ هذه الثغرة، ويسهم في بلورة منظور مستقبلي لفرص التنمية الفلسطينية.
Abstract
ملخص: إنّ الحاجة إلى بلورة رؤى مستقبلية قد أضحت ضرورة حتمية، في سياق تسارع الزمن، بالنسبة إلى جميع البلدان العربية، ومن باب أولى بالنسبة إلى فلسطين الرازحة تحت نير احتلال إسرائيلي يعوق وضع أيّ إستراتيجية وسياسات متسقة للتنمية الفلسطينية وتنفيذها. وإنّ التخطيط في فلسطين، عملً بضرورة الاستناد إلى البراهين في تطوير المرافق التعليمية والصحية والمرافق الأخرى العامة، إضافة إلى إعداد الكوادر التي ستأخذ على عاتقها متابعة تقديم الخدمات العامة بما يتمشى مع إستراتيجية التنمية الفلسطينية وسياساتها، لا يمكن إعداده من دون دراسة ديموغرافية تستشرف المستقبل على المديين المتوسط والبعيد. يأتي إذًا تقرير "فلسطين 2030" الصادر حديثًا (كانون الأول/ ديسمبر 2016) ليسدّ هذه الثغرة، ويسهم في بلورة منظور مستقبلي لفرص التنمية الفلسطينية. الكلمت المفتاحية: فلسطين، دراسات مستقبلية، أفق 2030، التغير الديموغرافي، التنمية. Abstract: The need to formulate future visions has become inescapable in the context of time speeding up for all the Arab countries and above all for Palestine suffering under the yoke of Israeli occupation that impedes the design and implementation of any strategy and coordinated policies for Palestinian development. Planning in Palestine, based on the need for evidence to develop educational and health facilities, and other public utilities, as well as training staff to provide public services in conformity with Palestinian development strategy and policy, cannot be undertaken without a demographic study that makes forecasts for the medium and long term. The recently-published Palestine 2030 report (December 2016) fills this gap and helps formulate a future vision of Palestinian development opportunities, which could not be set out without a demographic study that makes forecasts for the medium and long term.
- فلسطين
- دراسات مستقبلية،
- التغير الديموغرافي،
- التنمية.
- Palestine
- Future Studies
- Horizon 2030
- Demographic Change
- Development
قراءة في تقرير "فلسطين 2030، التغير الديموغرافي: فرص للتنمية"
Forecasting Demographic Change in Palestine to 2030
مقدمة
جاء تقرير فلسطين 030- 2 التغير الديموغرافي: فرص للتنمية، والذي صدر في كانون الأول/ ديسمبر 2016، ثمرةً لعمل مشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)؛ وصدر التقرير بنسختيه العربية والإنكليزية عن صندوق الأمم المتحدة للسكان ودولة فلسطين1، مكتب رئيس الوزراء، واللجنة الوطنية للسكان2. ويدرس التقرير المسألة السكانية في فلسطين، بوصفها ظاهرة معقدة، ويحلل أجزاءها بطريقة تساعد على فهم ديناميكيتها والعوامل المؤثرة فيها. ومن ثمّ، فهو يستشرف الوضع السكاني وتطوره عبر الزمن، وانعكاساته على المتطلبات الضرورية من صحة، وتعليم، ومكاسب محتملة، وتحديات مهمة؛ إذ هو يؤسس بذلك مصدر معرفة لهذا الاستشراف، بعيدًا عن التنجيم، واستنادًا إلى البراهين. ذلك أنه يمكّن من مواجهة المستقبل بإستراتيجيات وخطط عمل وسياسات معدّة جيّدًا، بدلً من مجابهة وقعه المفاجئ بخطط عمل طارئة، تبّذر الموارد وتبعثر الجهد سدى. ومن هذا المنطلق، يعدّ التقرير حقيقة مصدرًا مهمً للقائمين على التخطيط في فلسطين، عملً بضرورة الاستناد إلى البراهين في تطوير المرافق التعليمية والصحية والمرافق الأخرى العامة، إضافة إلى إعداد الكوادر التي ستأخذ على عاتقها متابعة تقديم الخدمات العامة، بما يتمشى مع إستراتيجية التنمية الفلسطينية وسياساتها. إذ لا يمكن إعدادها من دون دراسة ديموغرافية تستشرف المستقبلين المتوسط والبعيد، علمً أنه لا توجد أي أوهام لدى واضعي التقرير بأولوية التخلص من الاحتلال الإسرائيلي شرطًا مسبقًا للتنمية. وسنقدم في هذه الورقة في عجالة قراءةً للتقرير تشتمل، إضافة إلى هذه المقدمة، على فكرة إنتاج التقرير وآليته، وملخص له، وقراءة نقدية لأهم النتائج التي توصل إليها، وتبعات السياسة التي تترتب على هذه النتائج بالنسبة إلى فلسطين، واستنتاجات عامة تختتم بها هذه القراءة.
أولً. فكرة إنتاج التقرير وآليته
تعدّ التقارير السكانية مصدرًا مهمً للتخطيط وصياغة السياسات المرافقة للتخطيط الإستراتيجي لمختلف البلدان. ولقد دأب صندوق الأمم المتحدة على إصدار هذه التقارير التي أصبحت تقليدًا تمارسه فرق بحثية، يشكلها الصندوق في البلدان المختلفة، عندما تتوافر لدى صانعي السياسة رغبة في الاعتمد على دراسات مدعومة بالبراهين، بصفتها مصدرًا مهمً للتخطيط3. وهذا النوع من التقارير استشرافي بطبيعته؛ أي إنه مقاربة عابرة للحقول، "وليست حقلً عموديًا قائم الذات مستقلً ومتقوقعًا حول فضائه الخاص، بل بصفته أداة بحث وتحليل وليس مجال بحث في حد ذاته... [تحمل] مخرجاته وإفرازاته أجوبة عن ظواهر وقضايا تتموج بالشأن الجاري، [وتؤدي للتساؤل] عن مآلاتها المستقبلية، لأنها ذات تبعات كبرى على الأفراد والجمعات"4. فالتقرير يؤكد أنه "لا يمكن إجراء تخطيط إنمائي سليم، إلّ إذا توافر فهم عميق للاحتياجات والإسقاطات الديموغرافية. لذا فإن هذه الدراسة تمهد السياق والبيئة المحيطة بالإسقاطات السكانية لدولة فلسطين"5. وبهذه الصفة الاستشرافية للتقرير، ينبغي لنا أن نتذكر أن "المستقبل هو مجال الحرية والقدرة والإرادة"، كم يشرح لنا هوغ دو جوفينيل6. وتتضمن هذه المقاربة فلسفة يمكن تلخيصها على النحو التالي، إنّ الاستشراف "منطقة ينبغي اسكتشافها، ومن ثم تبرز فائدة اليقظة والاستباق، وفائدة ما يسمى الاستشراف الاستكشافي على وجه الخصوص، وهو الآن في ذاته منطقة ينبغي بناؤها، ومن ثمّ تبرز فائدة الاستشراف الذي يسمى أحيانًا معياريًا، والذي لم يعد يُحيل على استقصاء المستقبلات الممكنة، وإنما على استقصاء المستقلات المرغوب فيها، والسياسات والإستراتيجيات التي تحققها... ويقتضي الاستشراف الاستكشافي التمييز بشكل يومي بين الظواهر ذات الطبيعة الظرفية الخالصة، وبين الظواهر التي نعتبرها، بوصفها الاتجاهات الحقيقية، القوية أو الناشئة إلى حدٍّ ما، ومن ثم الجذور أو البذور للمستقبلات الممكنة... فالمستقبل لا ينبثق من العدم"7، وفي هذا الإطار فإنّ الاستشراف هو محاولة تمثل الوضع الحالي من "خلال ديناميكيته الزمنية الطويلة ومجموع أبعاده"8.
ومن المنطقي أن تتوقف حريتنا في الفعل إلى حد كبير على قدرتنا على استباق الأمور. لكنّ هذه القدرة لا تكفي، "فلكي نزعم أننا قادرون على بناء المستقبل، فإنه من الضروري أن نكون قادرين على التقدير بشكل صحيح لهوامش المناورة لدينا، وأن نبني تصورًا لمستقبل مرغوب فيه وممكن تحقيقه، وأخيرًا أن نكون قادرين على أن نضع الطرق والوسائل اللازمة لتحقيقه موضع التنفيذ... ومن الخطر أن نقضي وقتنا حصرًا في وضع خطط طارئة لأن في ذلك تبديد للقدرات وتمكين للظروف من السيطرة علينا"9. ومن ثمّ، فبذرة اليوم ستشجّر، وقد تصبح عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها فتتحول إلى نقمة كان ينبغي محاصرتها في الوقت الملائم. كم أن بعض بذور اليوم قد لا يمكنها التشجّر في المستقبل لضعفها، ما يعني تفويت فرصة تقويتها عندما كان يمكن ويجب فعل ذلك، وتحويلها إلى نعمة عند نضوجها. فهل لدينا القدرة على تحويل مجرى الحوادث، إذا توافرت لدينا الرغبة في ذلك؟ وهل يمكننا التحضير بنجاح لمواجهة التحديات التي استبقنا قدر الإمكان ظهورها؟ هذه هي تحديات التخطيط الإستراتيجي التي لن نخوض فيها في هذه العجالة. في هذا التقرير بصفته دراسة مستقبلية "تتلاقح المناهج الكمية بالكيفية بحيث تأخذ منهجًا كلانيًا"10. فالتقرير إلى جانب بنائه على "مقاربات تكميمية"، فإنه يأخذ في الحسبان " 'المتغيرات الرخوة' أي تلك المتعلقة بالقيم والمعتقدات والسلوكيات، والتي غالبًا ما تؤدي، على الرغم من ذلك، دورًا أكبر بكثير مم تعتقده 'المقاربات التكميمية'. ومن مزايا الاستشرافيين أنهم يتمسكون بأخذ هذه الظواهر الاجتمعية في الاعتبار، وهي التي غالبًا ما يجري إهملها"11. ولقد أخذ التقرير بذلك؛ فالفريق اشتمل على خبراء من حقول مختلفة هي الدراسات السكانية، وعلم الاجتمع، وعلم الصحة العامة، وعلم الاقتصاد. واستند إلى حوار مجتمعي، شمل وزارات السلطة الوطنية الفلسطينية، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، واللجنة السكانية، ومنظمت المجتمع المدني، والمنظمت الدولية وجهات التنسيق للدول المانحة للسلطة الفلسطينية، في محاولتين عدا التعريف بفكرة التقرير وعمل الفريق البحثي. أولاهم لأخذ الملاحظات التوجيهية التي تتعلق بالعمل في التقرير ومنهجيته من المشاركين في هذه الجلسات الحوارية، وثانيتهم لعرض النتائج الأولية للتقرير للحصول على تغذية راجعة من الجهات المشاركة في هذه الجلسات، وكذلك لتلمس العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر في مقارباته التكميمية، وإدماجها في التقرير. فرئيس الفريق يعرف تمامًا ما قد ينتج من تجزئة العلوم الاجتمعية؛ إذ كان قد أشار إلى أن هذه التجزئة تؤدي إلى فقدان "التحليل لما ينتج من التحول الديموغرافي من تغييرات إيجابية على المستويين الاجتمعي
والسياسي، إذ أن الدراسات الديموغرافية تبحث في المسائل السكانية، في حين أن الدراسات السياسية تتناول السياسات، ونادرًا ما يرد تحليل يشرح كيفية تأثير التحولات الفردية والعائلية في السياسة مع أن فصل التغيرات على المستوى الفردي والعائلي عن التغيرات الكبرى منهج غير مجد"ٍ12. ومن المفيد الإشارة إلى ما أوضحه رولف كرايبيش وآخرون13 عن الخطوات الإجرائية الموكلة للدراسات الاستشرافية، فهي تشمل: منهج التحليل الإمبريقي الاستشكافي، يتم من خلاله توظيف المعلومات المتراكمة، والوقائع الجديدة، والبيانات والاتجاهات؛ لنمذجة التطورات الممكنة والمحتملة، طبقًا لفرضيات محددة بصورة دقيقة، وتحليلها وفقًا لقواعد منهجية محددة أيضًا (كميًا، أو كيفيًا، أو كلانيًا). المنهج الاستشرافي المعياري، ويُعتمد في خلق تصور إبداعي بناء على الخبرة الحياتية والتجارب الكامنة في المنظومة المعرفية، ويتم بناء صورة للمستقبل المرغوب فيه. منهج التواصل الإسقاطي، ويستخدم لنقل الخبرات والمعارف من مستواها النظري إلى المستوى التطبيقي، ارتباطًا بالأهداف والإستراتيجيات، بهدف دعم عمليات صنع القرار المستقبلي لبناء المستقبل المرغوب فيه. المنهج الإبداعي التشاركي، ويتم عبره إشراك باحثين من ميادين اجتمعية مختلفة، بهدف تعزيز المعرفة المستقبلية، للمساعدة على انضباط البحث العلمي نتيجة الإلمام بالجوانب المختلفة للظاهرة. ويبحث التقرير عملية التحول الديموغرافي المستندة إلى الدليل المادي - وهي ظاهرة كونية تمت دراستها في العديد من بلدان العالم - في السياق الفلسطيني وانعكاساتها الاجتمعية والاقتصادية والتعليمية والصحية للمناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية ككل والتميزات التي قد تنشأ بين مكوناتها الجغرافية. وتشمل هذه المناطق القدس الشرقية، والضفة وقطاع غزة، للمدى المتوسط (حتى عام 2030) وللمدى الطويل (حتى عام 2050)، بناء على الاتجاهات الماضية، للنمو السكاني وبخاصة معدلات الخصوبة، وتوقعاتها ضمن سيناريوهات ثلاثة، تم الأخذ بالمتوسط منها لبناء الإسقاطات المتعلقة بالحاجات من المرافق والموارد البشرية الصحية والتعليمية وحسابات الهبة الديموغرافية (dividend Demographic)، على فرض استمرار الوضع السياسي القائم.
ويستمد هذا التقرير أهمية من كونه الأول من نوعه في فلسطين، ولضرورته على أعتاب عملية تخطيط إستراتيجي لفلسطين، كانت الحكومة تعد لها لكي تنطلق عام 2017. ولقد عرضت النتائج الأولية للتقرير خلال صيف 2016، وجرى نقاش موسع لها، وقدم مكتب رئيس الوزراء الدعم المعنوي بغرض المتابعة ودراسة التوصيات وطُلب من الوزارات والوكالات المعنية الاستناد إليها في عملية التخطيط هذه. فالتحوّل الديموغرافي عبارة عن دورة تاريخية، تتلخّص في ارتفاع نسبة الذكور القادرين على القراءة والكتابة، فضلً عن ارتفاع نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الإناث، وزيادة سنوات تعليمهن بما في ذلك في مستوى التعليم العالي؛ وهو ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الخصوبة بسبب استعمل وسائل منع الحمل وارتفاع سن الزواج. والهبة الديموغرافية الناتجة عن هذا التحول هي ظاهرة في التنمية الاقتصادية تستند إلى الدليل، وقد درسها الاقتصاديون وخبراء الدراسات السكانية وعلمء الصحة، بصفة مركزة ومكثفة، طوال أكثر من ربع قرن. والهبة الديموغرافية هي نمو محتمل في الاقتصاد الوطني؛ نتيجة لتغير البنية العمرية للسكان. ذلك أن النمو الاقتصادي يزداد بزيادة نسبة من هم في سن العمل إلى بقية السكان خلال فترة التحول الديموغرافي؛ إذ تنخفض معدلات الخصوبة وكذلك معدلات الوفيات. ويتم تحقيق الهبات الديموغرافية مع تغييرات مميزة وديناميكية في البنية العمرية للسكان، وإنتاجية العمل، والنمو الاقتصادي. وابتداء بانخفاض معدلات المواليد وزيادة عرض القوة العاملة؛ يزداد معدل دخل الفرد شريطة ثبات بقية العوامل. وكلم كانت نسبة الأطفال من السكان أقلّ، زادت نسبة الاستثمر في الطفل الواحد أو ما يُعرف بالإنفاق على الاستثمر في رأس المال البشري (Capital Human in Expenditure Investment)، وبخاصة لما يتعلق بالإنفاق على الرعاية الصحية، والتغذية، والدراسة. وإذا وضعت السياسات الملائمة وتم تطبيقها لدعم التشغيل المنتج، تمكنت النسبة الأعلى من السكان في عمر العمل من زيادة إنتاجية العامل الواحد وكذلك للفرد الواحد من السكان مقارنة بما كانتا عليه في الماضي؛ ومن ثمّ تتحقق زيادة في معدل دخل الفرد، وهو ما اصطلح على تسميته بالهبة الديموغرافية الأولى وهي تتميز بمدى زمني محدود ومؤقت. وبما أن العاملين عادة ما يكونون هم المدخرين بفعالية، فستزيد المدخرات الوطنية ويمكن توظيف المدخرات الجديدة في استثمرات تؤدي إلى عوائد إضافية. وإضافة إلى ذلك، ومع انخفاض معدلات الوفيات وزيادة العمر المتوقع المرافقيْ لزيادة معدل دخل الفرد، سيتحفز العاملون الأكبر سنًا للاستثمر في أنظمة التقاعد والضمن الاجتمعي. وعلى الرغم من أن الزيادة في نسبة الشيوخ ستميل إلى زيادة تكاليف دعم من يكونون في سن العمل من السكان، فإنها تؤدي إلى زيادة في الأصول؛ الأمر الذي يساعد على تحمل هذه التكاليف ويؤدي إلى زيادة إنتاجية العاملين. ومثل هذه التحويلات من الثروة
ستؤدي إلى إطالة أمد منافع الهبة الديموغرافية لفترة أطول من الوقت، في ما اصطلح على تسميته الهبة الديموغرافية الثانية المتميزة بالديمومة.
ثانيًا. محتوى التقرير
يشتمل التقرير على تسعة فصول وملحقين إحصائيين. ويعالج الفصل الأول الواقع السياسي والاقتصادي والاجتمعي والثقافي في فلسطين14، والقدس الشرقية حيثم توافرت بيانات تخصها، وأشار التقرير إلى منطقة (ج) بصفتها وضعًا خاصًا عندما تمكن من عمل إسقاطات تخصها15. ويركز هذا الفصل على أثر الاحتلال الإسرائيلي طويل المدى وسياساته الاستيطانية وإجراءاته القمعية المتعددة والمتراكمة لخنق الاقتصاد الفلسطيني وحرمانه من أسباب تطوره وتنميته. كم يدرس هذا الفصل التغيرات التي طرأت على البنية الاقتصادية الفلسطينية منذ إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وكذلك على الاستثمر في الصحة والتعليم، وفرص العمل وإنتاجية القوى العاملة، والتشغيل ونسب البطالة، ومعدلات الفقر وسياسات مكافحته بأنظمة الحمية والرعاية الاجتمعية، وبرامج التشغيل الطارئ. كم يلخص التقرير التقدم الحاصل في اتجاه تحقيق الأهداف التنموية الألفية. وفضلً عن ذلك يدرس هذا الفصل السياق الاجتمعي - الثقافي في بيئة النظام الأبوي في فلسطين، وآثارها في الدور الإنجابي للمرأة، وتعليمها، ومشاركتها في قوة العمل، وآفاقها القانونية. في حين يدرس الفصل الثاني الديناميكيات السكانية في فلسطين، مركزًا على اتجاهات النمو السكاني، والتغير الديموغرافي والتغيرات في البنية العمرية للسكان، وكذلك التغيرات في معدلات وفيات الرضع والأطفال
والأمهات، والزواج والطلاق وتنظيم الأسرة، واتجاهات الخصوبة ومحدداتها الاجتمعية - الاقتصادية، وهيكلية الأسرة، وحركة السكان من هجرة داخلية ودولية. أمّا الفصل الثالث، فيدرس وضع الصحة الجنسية والإنجابية من حيث جودتها، والحقوق الخاصة بها؛ من رعاية الحمل، والتوليد والنفاس، وتنظيم الأسرة، وغيرها من القضايا الخاصة بالصحة الجنسية والإجهاض والمباعدات بين الولادات والرضاعة الطبيعية. ويعالج الفصل الرابع موضوعة فئة الشباب في فلسطين، بصفتها فئة سكانية ناشئة، وظروفها التعليمية والتشغيلية، وعسر الأوضاع الاقتصادية المؤثرة فيها، وتوجهاتها بخصوص الهجرة وتأثرها بها، وأوضاعها الصحية بما فيها الجنسية والإنجابية، وقضاياها النفسية الاجتمعية، ومشاركتها في الأنشطة العامة. ويقوم الفصل الخامس بوضع الإسقاطات السكانية على المديين المتوسط (2030) والطويل (2050)، ابتداء من عام 2015 وبناء على افتراضات الدراسة في ثلاثة سيناريوهات لمعدل الخصوبة (ثابت، ومتوسط، ومرتفع)، وبحسب العمر والجنس؛ وإسقاطات الخصوبة بناء على التحصيل التعليمي وذلك لدولة فلسطين ككل، ومن ثم على مستويات الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، والمحافظات الفلسطينية. كم تم وضع إسقاطات تتعلق باللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة في المناطق الفلسطينية، وكذلك بالإسقاطات الخاصة بمنطقة (ج). ويتناول الفصل السادس الديناميكيات السكانية وأثرها في سوق العمل؛ إذ تم وضع الإسقاطات المتعلقة بالمشاركة في سوق العمل، وتوفير فرص العمل وحاجاتها، والقوى العاملة بحسب المنطقة، اعتمدًا على السيناريو المتوسط. أمّا في الفصل السابع، فيعرض التقرير الديناميكيات السكانية وآثارها في التعليم؛ إذ تم وضع الإسقاطات بخصوص الالتحاق بالتعليم، وأعداد المدارس والمعلمين. وتمت دراسة جودة التعليم من حيث عمليات التعلم والبيئة التعليمية، والتكيف مع سوق العمل، والإصلاحات اللازمة لتحسين الجودة وربط مخرجات النظام التعليمي بسوق العمل. ويتطرق التقرير في الفصل الثامن إلى الديناميكيات السكانية وآثارها في الصحة؛ فقد تم توضيح الروابط بين هذه الديناميكيات والخدمات الصحية، والآثار المترتبة على هذه الخدمات، وفضلً عن ذلك تم وضع إسقاطات للموارد البشرية الصحية والمرافق الصحية والموارد الأخرى اللازمة. ويتمثّل محور الفصل التاسع بموضوعة الهبة الديموغرافية وكيفية استفادة فلسطين منها؛ إذ تم استعراض نظرية الهبة الديموغرافية، وتم تتبعها بالنسبة إلى فلسطين ومناطقها، وتقديرها كميًا، ودراسة أبعادها من فرص وتحديات، وبخاصة ما يتعلق بتشغيل الشباب وزيادة مشاركة الإناث في القوى العاملة.
ويحتوي التقرير أيضًا ملخصًا تنفيذيًا بيّ أهم النتائج والتوصيات المنبثقة عنها. ولضيق المساحة المتاحة لهذه القراءة لن يكون ممكنًا عرض نتائج التقرير16، وسنكتفي بعرض سريع لأهم هذه النتائج:
عدد السكان
بناء على السيناريو المتوسط لانخفاض الخصوبة - وهو السيناريو الأكثر احتملً وأخذًا في الحسبان لعملية الزخم السكاني التي ينطوي عليها النمو السكاني والنسبة العالية للإناث في سن الإنجاب والبنية اليافعة للسكان - ستنخفض الخصوبة من 4.1 عام 2014 إلى 3 عام 2030، و 2.17 عام 2050؛ إذ ستصل النسبة في الضفة الغربية إلى نسبة الاستبدال 2.1، بينم ستكون أقل من ذلك في القدس، وأعلى من ذلك في قطاع غزة. وسيتضاعف عدد السكان في دولة فلسطين (بما فيها القدس الشرقية) خلال أقل من خمسة عشر عامًا من 4.7 ملايين نسمة عام 2015 إلى 6.9 ملايين عام 2030، وإلى 9.5 ملايين عام 2050. وعام 2050 سيتفوق قطاع غزة على الضفة الغربية من حيث عدد السكان قليلً، وستتضاءل الأهمية النسبية لحصة القدس الشرقية من مجموع السكان، ما لم تتحول إلى عاصمة للدولة قبل تلك السنة.
البنية السكانية
سيجلب هذا النمو معه تغيرًا في التركيبة السكانية؛ إذ ستنخفض نسبة مَن أعمرهم دون 15 عامًا من 39 في المئة عام 2015 إلى 34.8 في المئة عام 2030، وإلى 25 في المئة عام 2050. في حين ستزداد نسبة كبار السن فوق سن الخامسة والستين بأكثر من الضعف لتبلغ 7.7 في المئة عام 2050 مقارنة بنسبة 2.9 في المئة التي بلغتها عام 2015. أمّا نسبة السكان في عمر العمل (64-15) فستزيد من 57.8 في المئة عام 2015 إلى 60.8 في المئة عام 2030، و 67.1 في المئة عام 2050. وهذا الأمر سيخلق الأرضية لانخفاض نسبة الإعالة في المجتمع الفلسطيني، وزيادة نسبة الدعم الاقتصادي كم سنرى لاحقًا.
قوة العمل
ستزداد قوة العمل من مليون و 300 ألف عامل عام 2015 إلى مليونين و 300 ألف عام 2030، و 3.8 ملايين عام 2050. وهذه زيادات كبيرة؛ ستخلق ضغوطًا إضافية في سوق العمل. وسترتفع مشاركة النساء في قوة العمل من 21.4 في المئة عام 2015 إلى 28 في المئة عام 2030، و 32.4 في المئة عام 2050، ولكنها مع ذلك ستبقى نسبة متواضعة. وبناء على ذلك، ستزيد فرص العمل الجديدة المطلوبة سنويًا من 58 ألف فرصة عام 2015 إلى 69 ألف عام 2030 وإلى 76 ألف عام 2050، فضلً عن الفرص التي ينبغي خلقها لأولئك المتبقين في الجيش الاحتياطي من العاطلين عن العمل. في حين يميل معدل زيادة القوة العاملة
في الضفة الغربية إلى الانخفاض، فإنه يميل إلى الزيادة في قطاع غزة. وبحلول عام 2050 سيكون لزامًا فتح 50 في المئة من فرص العمل الجديدة في قطاع غزة تحديدًا.
قطاع التعليم
سيزداد عدد السكان في سن التعليم من الحضانة وحتى التعليم العالي بنسبة 48 في المئة مقارنة بتضاعف عدد السكان خلال الفترة حتى عام 2050. ويعدّ هذا الأمر مواتيًا للانتقال من "الاستثمر السكاني" إلى "الاستثمر الاقتصادي"؛ ما يُعدّ مرتكزًا لزيادة الناتج المحلي الإجملي. وسيكون النمو أعلى ما يكون عليه في الصفوف العليا؛ ما يعني أن تكاليف التعليم ستنمو بدرجة كبيرة. ففي عام 2030 سيتجاوز عدد تلاميذ المرحلة الثانوية المليون، وسيرتفع إلى مليون و 300 ألف بحلول عام 2050. وبحلول عام 2040 سيتجاوز عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي عدد التلاميذ في المرحلة الأساسية؛ فسيقفز عددهم من 224 ألف طالب عام 2015 إلى 412 ألفًا عام 2030، وإلى 673 ألفًا بحلول عام 2050. ولجميع المراحل التعليمية (من الحضانة إلى التعليم العالي) سيقفز عدد المقيدين على مقاعد الدراسة من مليون ونصف المليون (32 في المئة من السكان) عام 2015، إلى مليونين و 400 ألف عام 2030، ومليونين و 900 ألف (30 في المئة من السكان) بحلول عام.2050 وسيتطلب ذلك زيادة عدد المدارس بواقع 1650 مدرسة جديدة بحلول عام 2030 بواقع 110 مدارس جديدة سنويًا، و 1050 مدرسة جديدة بحلول عام 2050 بواقع 70 مدرسة جديدة سنويًا، إذا حافظنا على النسبة نفسها من المدارس للتلاميذ. وهذا يشير إلى تأثير الخصوبة المنخفضة؛ ما سيعني نقلة نحو التعليم النوعي. وسينمو القيد في كل المراحل في الضفة الغربية بنسبة 1 في المئة سنويًا، بينم سينمو في غزة بنسبة 2.8 في المئة سنويًا؛ ما سيجعل عدد التلاميذ المقيدين في المراحل التعليمية المختلفة في قطاع غزة يتجاوز عددهم في الضفة الغربية بعد عام 2030، وبفجوة متزايدة. وهذا يعني أن الجزء الأعظم من استثمرات التعليم يجب توجيهها إلى قطاع غزة. وينطبق الأمر نفسه على أعداد المدرسين؛ إذ ستكون هناك حاجة إلى 23 ألف مدرس إضافي بحلول عام 2030، و 15 ألفًا بحلول عام 2050. وابتداء من عام 2030 سيكون أغلب الزيادة في قطاع غزة بفارق سيصل مداه بنحو 20 ألف مدرس عن الضفة الغربية. وتتحمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والقطاع الخاص التكاليف الناجمة عن قيد ثلث الطلبة؛ ما يخفف الأعباء المالية عن السلطة الفلسطينية وبخاصة في قطاع غزة؛ لأن أغلب السكان مسجلين هناك بصفتهم لاجئين لدى الأونروا.
قطاع الصحة
ستكون لهذا النمو والتحول الديموغرافي انعكاسات على القطاع الصحي. وبحسب المعايير وبناءً على السيناريو المتوسط لانخفاض الخصوبة وانعكاساته على النمو السكاني، وباستخدام المقاييس الصحية
السائدة نفسها (والتي يقع أغلبها دون الحد الأدنى)، ستكون هناك حاجة إلى زيادة عدد أسرّة المستشفيات بنحو 2500 سرير إضافي (أو 36 مستشفى)، و 347 مركز رعاية صحية أولية، و 4220 طبيبًا، و 1860 طبيب أسنان، و 6800 ممرضة، وذلك بحلول عام 2030. أمّا بحلول عام 2050، فستكون هناك إضافة 3266 سريرًا (أو 44 مستشفى)، و 422 مركز رعاية صحية أولية، و 4270 طبيبًا، 1620 طبيب أسنان، و 7000 ممرضة. ويتطرق التقرير كذلك إلى تفصيلات تتعلق بأنواع محددة من الخبرات والمرافق الصحية. وبالطبع إذا توافرت إرادة لتحسين المقاييس، ستكون الزيادات المطلوبة أكبر وذلك بحسب المقاييس التي قد تتوخى الدولة الوصول إليها. فرفع نسبة أسرّة المستشفيات لكل ألف من السكان من نسبتها الحالية (1000/1.3) إلى نسبة (1000/2) ستكون الزيادة المطلوبة صعفين ونصف الضعف مقارنة بالتقدير المذكور أعلاه عام 2030، وضعفًا ونصف الضعف للتقدير الخاص بعام 2050، وهكذا. وطبعًا سيعني ذلك استثمرات أكبر لا بد من توفير مواردها للتمكن منها، كم أن الزيادات في الموارد البشرية اللازمة للقطاع الصحي ستعني زيادة في التكاليف الصحية عند السعي لتحسين المقاييس؛ ما يتطلب التأكد من توفير التغطية الكاملة لتأمين استدامة النظام الصحي الأعلى من حيث المقاييس. ويشير التقرير إلى وجود اختلال في تغطية التكاليف الصحية؛ ذلك أن 41 في المئة منها تتم تغطيتها من مداخيل الأسر الفلسطينية، في حين تتحمل السلطة الفلسطينية حوالى 37 في المئة، والمنظمت غير الحكومية تتحمل حوالى 18 في المئة، والبقية تتحملها جهات أخرى. في حين أنّ هذه النسب في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية هي على النحو التالي: 72 في المئة من القطاع العام، و 20 في المئة من الأسر، والباقي من جهات أخرى.
الهبة الديموغرافية
سيرافق الانخفاض في معدل الخصوبة تغير مهم في التركيبة العمرية للسكان؛ إذ سترتفع نسبة المنتجين الفعالين (producers Effective) إلى المستهلكين الفعالين (consumers Effective)، وهو ما يعرف بنسبة الدعم (ratio Support). والنسبة المئوية للتغير في نسبة الدعم هذه تترجم إلى زيادة في معدل الناتج المحلي للفرد، وهو ما يعرف بالهبة الديموغرافية الأولى، وهي ذات طبيعة مؤقتة مع أنها تمتد عقودًا، ومآلها أن تنتهي. ولكن وبسبب هذا التحول الديموغرافي ثمة إمكانية لهبة ديموغرافية ثانية تتصف بالديمومة، وتنتج مم يعرف بتعمق رأس المال (deepening Capital). وهو الأمر الذي سيحدث بسبب زيادة الاستثمر الاقتصادي بدلً من الاستثمر الديموغرافي؛ إذًا سيزداد التوفير، وإذا ما ترجمت الزيادات في التوفير إلى زيادات في الاستثمر في رأس المال المادي، فستزداد إنتاجية العمل؛ ومن ثمّ سيزداد الناتج المحلي للفرد بصفة ثابتة ومستدامة.
ولقد قدمت الدراسة تقديرًا للهبة الديموغرافية الأولى للفترة حتى نهاية 2050، بناء على السيناريو المتوسط لانخفاض نسبة الخصوبة، وضمن سيناريو (متشائم) تستمر فيه نسبة البطالة على معدلاتها الحالية المرتفعة في فلسطين، بينم في سيناريو آخر (متفائل) تم افتراض انخفاض بالتدريج في نسبة البطالة لتعود إلى مستواها الطبيعي (بين 5 و 7 في المئة). وفي الحالتين تم افتراض زيادة مشاركة الإناث في قوة العمل بحسب الإسقاطات التي بناها الباحثون. وبحسب السيناريو المتشائم، قدرت الهبة الديموغرافية الأولى بحوالى 31.7 في المئة للفترة 2050-2015؛ ما يعني زيادة بنسبة تصل إلى 1 في المئة سنويًا في معدل الناتج المحلي الإجملي للفرد، بينم ستكون الهبة في السيناريو المتفائل 51 في المئة، ما يعني زيادة بنسبة تصل إلى 1.5 في المئة سنويًا في معدل الناتج المحلي الإجملي للفرد. وستكون الهبة الديموغرافية أكبر فيم يتعلق بقطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية، كم أنها ستكون أعلى في الخمس عشرة سنة الأولى أي حتى نهاية عام 2030، ثم تتضاءل بعد ذلك، ولكنها تبقى موجبة ومهمة. وقدرت الدراسة أن هذه الهبة ستنتهي بعد عام 2050 بسنوات في الضفة الغربية أولً، ثم في قطاع غزة. أمّا بالنسبة إلى الهبة الديموغرافية الثانية، فالبيانات المتوافرة في دولة فلسطين لا تتيح تحليلً من هذا النوع. ولكن باستخدام تقديرات أجراها أندرو ميسون17 لمنطقة الشرق الأوسط وشمل أفريقيا، فقد جرى تقدير هذه الهبة بزيادة سنوية في معدل الناتج المحلي الإجملي للفرد بنسبة 0.7 في المئة. ويمكن افتراض أنّ ذلك ممكن التحقيق في فلسطين، شريطة تحفيز الادخار الخاص، وتطوير أنظمة التقاعد للقطاع الخاص بصفتها آليةً لتحفيز هذا الادخار؛ وهو أمر تم إقراره في فلسطين أخيرًا وبضمن الحكومة. وبذلك يمكن أن يراوح مجموع الهبة الديموغرافية في فلسطين بين 1.7 في المئة (السيناريو المتشائم)، و 2.16 في المئة (السيناريو المتفائل). غير أنها يمكن أن تكون أكبر من ذلك، إذا وضعت السياسات الملائمة لتحفيز الشباب وتمكينهم ومشاركتهم، وزيادة فرص العمل لهم، وكذلك لزيادة مشاركة المرأة في قوة العمل زيادة على ما تتوقعه الدراسة. وبيّ التقرير أخيرًا وجود فرصة لتحسين توزيع الدخل القومي في فلسطين بسبب هذه الهبة؛ إذ يمكن لزيادة مشاركة المرأة في قوة العمل، وزيادة فرص العمل للشباب، وتخفيض البطالة، أن تنعكس إيجابيًا على توزيع الدخل. وتم تقدير انخفاض في معدل جيني (coefficient Gini) من 0.40 عام 2011 إلى 0.337 بحلول عام.2050
ثالثًا. توصيات الدراسة
لقد حدد التقرير في ملخصه التنفيذي خطين عامين لتدخلات السياسة، ثم قدّم أربع عشرة توصية. يتعلق الخط الأول بالنساء؛ فثمة أهمية بالغة في النهوض بالمساواة بين الجنسين، وتعزيز مكانة المرأة، وحميتها الاجتمعية، بما يشمل القضاء على جميع صور العنف والتمييز القائم على النوع الاجتمعي. كم أنه من الضروري الاستثمر في تحسين الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية ذات الجودة، بما يشمل ذلك تنظيم الأسرة، من أجل تلبية الحاجة غير الملبّاة وتوسيع القدرة على الاختيار؛ الأمر الذي يتيح للنساء والأزواج اتخاذ القرار بشأن توقيت إنجاب الأطفال وعددهم والمباعدة بينهم. أمّا في الخط الثاني، فيجد في تمكين الشباب، ولا سيم الفتيات المراهقات، من تحقيق طاقاتهم والتمتع بحقوق الإنسان الخاصة بهم، مدخلً رئيسًا لتسخير الهبة الديموغرافية. ولتحقيق هذه الغاية، تقوم السياسات بدور أساسي في تخفيض الزواج المبكر، والإنجاب المبكر، وزيادة إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية ذات الجودة والتعليم النوعي، من أجل ضمن تكافؤ الفرص في الأمن الوظيفي. علاوة على ذلك، يجب تعزيز إستراتيجيات تشغيل الشباب مع ضمن التكافؤ في وصول الشبان والشابات إلى وظائف منتجة وإلى المواطنة النشطة. وتشمل التوصيات الأخرى توفير الموارد الضرورية بما فيها الاعتمدات المالية المطلوبة للاستثمر العام، والتعاون مع الأونروا في هذا المجال، وتحفيز الاستثمر الخاص في المجالين التعليمي والصحي، وتقوية العلاقة بين التعليم وسوق العمل وقطاع الأعمل، وتوجيه المصارف لتوجيه القروض في اتجاه الاستثمر أكثر من الاستهلاك، وخصوصًا دعم المشاريع الريادية للشباب والنساء، وتأسيس حاضنات أعمل توظف النساء، والحد من الازدواجية في تقديم الخدمات الصحية للتمكن من تحسين الكفاءة في تقديم خدماتها وتوجيه الإنفاق باتجاه الصحة الوقائية، والتصدي للمحددات الاجتمعية للصحة والاستجابة للتغيرات الوبائية، والاهتمم بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية وتقديم خدمات الرعاية بما قبل الحمل وأثناءه وبعده، وتعزيز أنماط الحياة الصحية، وإيلاء المناطق المهمشة والقدس الشرقية ومنطقة (ج) أهمية خاصة، وتعزيز الدراسات السكانية وقضايا الهجرة وتحسين جمع البيانات باستخدام أفضل للسجلات الرسمية، وإجراء مسح ديموغرافي اجتمعي - اقتصادي للفلسطينيين في العالم.
رابعًا. قراءة نقدية للتقرير
لقد تأخر التحول الديموغرافي في فلسطين عن العديد من البلدان الآسيوية وكذلك عن البلدان العربية، ففلسطين تشغل المرتبة الخامسة بين البلدان الأعلى خصوبة، مع أنه توجد بعض مؤشرات التنمية
المواتية مثل ارتفاع معدلات القراءة والكتابة. ولقد كانت الخصوبة مرتفعة في السبعينيات من القرن الماضي ثم انخفضت إلى النصف، فبلغت 4.1 عام 2013. ولكنها ظلت أعلى بقدر ملموس عم هي عليه في الضفة الغربية وكذلك في القدس الشرقية، مع أنها الآن تنخفض بسرعة أكبر في قطاع غزة. ومع ذلك، فلا يزال المعدل الكلي في فلسطين أعلى بمقدار الضعف عم هو عليه في البلدان العربية الأكثر تقدمًا؛ وهو ما يشير إلى بطء عملية التحول الديموغرافي. لقد دخلت فلسطين مرحلة التحول الديموغرافي منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وستتواصل هذه المرحلة خلال العقدين المقبلين؛ إذ ظلت فلسطين تشهد تحولً مستمرًا في البنية العمرية لسكانها. وسيتيح هذا الأمر فرصًا وسيخلق تحديات، وسيؤثر في توافر الموارد البشرية والمادية للتنمية والطلب على الخدمات العامة. وسيكون من شأن السياسات السليمة - إن توافرت - تحديد الكيفية التي ستتدبر بها فلسطين مع التغير الديموغرافي باتجاه التنمية والاستثمر في الفئات الشابة والسكان في عمر العمل، من خلال تقديم خدمات تعليمية وصحية أفضل، فضلً عن تمكين النساء من المشاركة بصورة أكبر في قوة العمل، وتوفير القاعدة للنمو الاقتصادي من خلال خلق فرص العمل وبخاصة للفئات الشابة، وغير ذلك من السياسات. وتواجه فلسطين تحديات مهمة، لا بد من إبرازها في محاولتها الاستفادة من النافذة التي تفتحها عملية التحول الديموغرافي، وتتلخص في ثلاثة تحديات هي التالية: الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي المستمر، واحتمل استمراره خلال الفترة التي ستنفتح فيها هذه النافذة، وكل إجراءاته القمعية التي تسعى لإخضاع الشعب الفلسطيني وتحويله إلى أقلية معزولة وغير متمسكة، وخاصة في منطقة القدس الشرقية، وحرمانه من حقه في السيطرة على موارده الطبيعية وفي مقدمتها الأرض والمياه. الحيّز الضيق المتاح للنمو الاقتصادي وإمكانية خلق فرص العمل؛ فبسبب العامل الأول أعلاه، والقيود التي تفرضها إسرائيل على حرية حركة التجارة مع العالم الخارجي، والاستمرار في سياسة تهويد القدس الشرقية وعزلها عن الضفة الغربية وقطاع غزة، والسيطرة على مناطق (ج)، يواجه الاستثمر في القطاعات الاقتصادية المولدة لفرص العمل مخاطر عالية. انتشار الفقر في مناطق الدولة الفلسطينية؛ إذ تتجاوز نسبته 26 في المئة من السكان، والأمر أشدّ قساوة في قطاع غزة منه في الضفة الغربية. أضف إلى ذلك أنّ جزءًا مهمً من قوة العمل تنخرط في أعمل في القطاع غير الرسمي وفي فرص عمل هشة وفقيرة؛ ما يعني استمرار الأجور على مستواها المنخفض.
سيكون لهذه العوامل مجتمعة دور معاكس لما يتوقعه التقرير من استمرار انخفاض معدلات الخصوبة؛ ومن ثمّ في عدم تمكن الفلسطينيين من الاستفادة من الهبة الديموغرافية التي يتيحها التحول الديموغرافي، ولكنّ التقرير يشير بصراحة ووضوح إلى هذه التحديات (التقرير، ص 12). فقد أدرك فريق البحث الذي أعد التقرير أن التنمية في ظل الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي وهْم، وأنها لن تكون ممكنة إلا بالتخلص منه وإلى الأبد. ولعل السؤال الذي قد يطرحه بعض القراء هو: لماذا لم يتم استخدام هذا التوصيف (أي الكولونيالي) للاحتلال الإسرائيلي؟ هذا الأمر قد يؤخذ على التقرير، ولكنه صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان - وفي مجال السياسة تصنف اللغة السياسية إلى مقبولة أو غير مقبولة - وهذه حالة من الحالات التي لم يُقبل فيها هذا التوصيف. ولا يمكن اتهام واضعي التقرير بالجهل بطبيعة هذا الاحتلال ومقاصده وسياساته. يمكن أن يأخذ بعضهم على التقرير فرضيته عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي خلال المديين المتوسط (2030) والطويل (2050)؛ وفي الواقع دار جدل واسع حول هذه المسألة في الجلسات التمهيدية لإطلاق مشروع البحث. فعندما تحدث تغيرات جوهرية أثناء الفترة الزمنية التي يجري عمل الإسقاطات لها، فإنّ ذلك يمثّل منعطفًا مهمً لا يترك لأيّ إسقاطات طويلة المدى جدوى. ولكنّ الأمر عندما يتعلق بالإسقاطات السكانية فإن عملً مستترًا يؤدي دوره سواء وجد احتلال الإسرائيلي أم لم يوجد، ويتمثّل بالزخم السكاني (momentum Population)؛ فهذا الأمر يعني أنه حتى لو وصلت نسبة الخصوبة إلى حد الاستبدال، فإن عدد السكان يحتاج إلى جيل (أي 25 عامًا) حتى يستقر. كم أنّ تغيرات الخصوبة معقدة ولا تحدث فجأة ولكنها مرتبطة خاصة بالتعليم؛ ما يجعل احتمل انخفاضها في الحالة الفلسطينية خلال المديين المذكورين ممكنًا. ولكن وهذا السؤال بيت القصيد: إذا انتهى الاحتلال الكولونيالي البغيض، وتم تطبيق خطة لعودة اللاجئين الفلسطينيين واستيعابهم في الدولة الفلسطينية على خلفية حل دائم للمسألة الفلسطينية، فهل تصلح نتائج البحث للاستمرار في تنفيذها؟ بالطبع لا، والأمر الجوهري هنا هو أنه لا بد من عمل دراسة جديدة. وفي واقع الحال، وفي ضوء التعداد السكاني المخطط في نهاية عام 2017، يمكن إعادة النظر في نتائج البحث، وخاصة ما يتعلق منها بالموارد البشرية والمادية، وتقديم تقديرات أكثر ملاءمة وصوابًا. وذلك ممكن قبل وضع الخطة الخمسية الإستراتيجية المقبلة للسلطة الوطنية الفلسطينية. ما هي حقيقة مصدر الهبة الديموغرافية؟ لقد دار هذا الجدل أثناء مراجعة زملاء للتقرير؛ وقد أشار الفصل السابع والمتعلق بالديناميكيات السكانية وأثرها في التعليم إلى أن بحثًا جديدًا يشير إلى أن الهبة
الديموغرافية ما هي في الحقيقة إلّ هبة تعليمية18. فبحسب كواريزما وآخرون، فإن النظرة التقليدية للهبة الديموغرافية يكون فيها دور التعليم وسيطًا ثانويًا إلى جانب عوامل أخرى؛ إذ يؤدي انخفاض الخصوبة في النهاية إلى الهبة الديموغرافية بزيادة الإنتاجية، ويلخصها الشكل:)1(وتعتقد النظرة الحديثة أن التعليم هو الذي يحفز الهبة الديموغرافية؛ ذلك أن التغير في هيكلية التعليم يؤدي إلى انخفاض الخصوبة، وهي تؤدي إلى تغيير في التركيبة العمرية. ومن جهة أخرى يؤدي التعليم إلى زيادة الإنتاجية عبر عوامل وسيطة أخرى، في حين ترتبط الإنتاجية بالتركيبة العمرية للسكان ارتباطًا قويًا. غير أنّ هذا الجدل في أولوية التعليم في تحقيق الهبة الديموغرافية أمر لم يُحسم بعد. ونحتاج إلى دراسات أكثر لحسم هذا الجدل الحديث نسبيًا. وعلى أي حال، فإن المنظور الجديد لا يتنافى والمنظور التقليدي في الحاجة إلى تعزيز نوعية التعليم وتوسيع تعليم الإناث. ومن الناحية الضمنية وجدت الدراسة أن التعليم هو العامل الأهم في انخفاض معدلات الخصوبة في فلسطين، وقد نكون في حاجة إلى إعادة تركيب توفيقية بين المنظورين، غير أن ذلك يتجاوز حدود هذه القراءة. ويستنتج التقرير أنّ "القوى العاملة التي تملك المهارات المطلوبة من أجل تحسين الإنتاجية تُعدّ عاملً رئيسًا في ضمن نمو الدخل بمعدلات أعلى. لذا فالتعليم هو الذي يظهر في أساس التأثيرات الإيجابية للعائد الديموغرافي، مسببًا التغيير في الهيكلية العمرية وفي معدل نمو الدخل في وقت واحد" (التقرير، ص.)219 ثمة ملاحظة جوهرية تتعلق بمنهجية توقع تكاليف النفقات الجارية في القطاع الصحي؛ إذ يفترض التقرير في بنائه لتوقعاته زيادة سنوية في هذه النفقات، وكذلك للنفقات على المنتجات الصيدلانية بنسبة 6 في المئة، مستخدمًا في ذلك نسبة نمو هذه النفقات في دول منظمة التعاون والتنمية OECD (التقرير، ص 229-228)، متوقعًا نموًا فلكيًا في هذه النفقات لتصل إلى 5.3 مليارات دولار عام 2030، ثم 23.4 مليار دولار عام 2050. ومقارنة بالناتج المحلي الإجملي، والذي يصل إلى 12.7 مليار دولار عام 2015، وبحساب السنوات اللازمة لتضاعف حجم الناتج المحلي الإجملي عند معدل نمو سنوي ثابت بنسبة 5 في المئة، سيصل إلى 25.4 مليار دولار عام 2030، و 50.8 مليون دولار بحلول عام 2050. وهذا يعني أن النفقات الصحية الجارية ستنمو من 11 في المئة من الناتج المحلي الإجملي بحسب عام 2014 إلى 20 في المئة بحلول عام 2030، و 46 في المئة بحلول عام 2050. وهذا ببساطة أمر غير معقول؛ فحتى في دول المنظمة المذكورة لا تبلغ النفقات الصحية الجارية هذه النسبة، ولا يمكن لاقتصاد فلسطين أن يتحملها. وعمومًا تمتاز طبيعة الحياة في فلسطين بالانتمء إلى منطقة ذات صحة جيّدة عمومًا، هي
منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وليس هناك ما يبرر هذه الفرضية في نمو النفقات، وكان يمكن افتراض نسبة نمو معتدلة فيها. وكان يمكن للتقرير كذلك التركيز على ضرورة الاستثمر في تربية العادات الجيدة، وتعزيزها لحياة نشطة بالنسبة إلى كبار السن الذين سيزيد عددهم بأكثر من الضعف ليصلوا إلى أقل من 8 في المئة من مجموع السكان بحلول عام 2050؛ وهو ما قد يخفف الضغوط على المرافق الصحية مستقبلً؛ إذ تتوافر الآن فرصة لكي يجري الاستثمر في مرافق رياضية تشجع كبار السن على ممرسة الرياضة، وتهتم بثقافة الغذاء الصحي الملائم لهم، وتشجع مبادرات تكوين مجموعات للحياة النشطة بما في ذلك رياضة المشي، فضلً عن تشجيع التأليف والنشر بينهم، وغيرها من الإجراءات التي تجعلهم يحافظون على نمط حياة نشط وصحي. ويمكن توجيه انتقاد للتقرير يخص ما لم يتحدث عنه؛ مثل إسقاطات الطلب على الطاقة (الكهرباء والماء والوقود)، والإسقاطات على قطاع المساكن، والإسقاطات على قطاع المرافق الدينية، والثقافة غير المنهجية وغيرها كثير. ولكنّ مثل هذه الانتقادات على أهميتها تغفل عوامل الوقت والموارد المرصودة لإعداد مثل هذا التقرير. وحقيقة، فإن كل هذه الإسقاطات الأخرى تتطلب من الوزارات الفلسطينية، ومصالح المياه، وشركات الكهرباء، وغيرها أن تستفيد من الإسقاطات السكانية وتدرس الآثار المترتبة عليها في تخطيطها الإستراتيجي، ووضع جدول أعملها السنوي المرافق لتحضير المرافق، وتدفقات الخدمات العامة، بما يتلاءم مع النمو المتوقع في الطلب. وفي هذا الباب قدم التقرير خدمة لا يستهان بها إلى هذه الوزارات والمؤسسات والمصالح.
خاتمة
قد يكون استشراف مستقبل فلسطين السياسي أمرًا يقارب المستحيل؛ نظرًا لما يكتنف هذا المستقبل من عدم اليقين الناتج عن الصراعات على مناطق النفود. وحتى المخطط السياسي الذي وضعه اتفاق أوسلو ما كان بإمكانه أن يفتح الطريق أمام عملية مفاوضات على التسوية النهائية، فقد تم إجهاضها ولم تستكمل، فيم قامت إسرائيل باستيطان المزيد من الأراضي الفلسطينية، وبعثرت القوى السياسية بتشظية المناطق الفلسطينية إلى كانتونات يسهل التحكم فيها. ولكنه من الممكن استشراف التغيرات السكانية ضمن هذا الوضع السياسي المعقد في حال استمراره، مع أنّ التشكيك في إمكانية استمراره أمر وارد ومقبول. ولقد وضع التقرير الذي أعده باحثون فلسطينيون بقيادة الديموغرافي يوسف كرباج، الشهير عربيًا وعالميًا، سيناريوهات المستقبلات السكانية المحتملة لفلسطين، وتم احتساب تبعاتها الصحية والتعليمية، وكذلك على سوق العمل، والهبة الديموغرافية التي يحملها معه التحول
الديموغرافي الذي تشهده فلسطين منذ بداية عام 1990، متأخرة بذلك عشرين عامًا عن الجزء الأعظم من الدول العربية. ولقد استعرضنا التقرير وأهم نتائجه في هذه القراءة النقدية، وأشرنا إلى التحديات التي تعوق جني ثمار هذا التحول، وبخاصة الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي لفلسطين، وضيق الحيّز الذي تتيحه سياساته القهرية أمام النمو الاقتصادي المستدام، فضلً عن انتشار الفقر فيها، ما يمكن أن يعرقل عملية التحول الديموغرافي نفسها. ويضع التقرير مسؤولية إعادة تخطيط الأوضاع الاقتصادية والاجتمعية والسياسية والصحية والثقافية في فلسطين في ضوء نتائجه وفي قلب هذه العملية، الحاجةَ إلى سياسات تؤدي إلى فتح فرص العمل المنتج أمام الشباب الذين سيتدفقون بغزارة تتجاوز قدرة السوق المحلية على خلق فرص تكفيهم، وعلاوة على ذلك ضرورة إشراكهم في الحياة العامة بما يتلاءم مع مستويات التعليم العالي التي يحققونها، وتمكينهم من خلق مشاريع ريادية وترجمتها في استثمرات منتجة. وعلى القدر نفسه من الأهمية، يطرح التقرير ضرورة وضع السياسات التي تؤدي إلى زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة، وتمكينها من الاختيار الواعي لحجم الأسرة، والعمل على تحقيق المساواة مع الرجل، وتوفير ما يساعدها على تحقيق صحة جنسية وإنجابية، وتوفير خدمات الرعاية المرافقة. وإلى جانب ذلك، بيّ التقرير حجم المرافق اللازمة صحيًا وتعليميًا، وأشار إلى ضرورة تعاون القطاع الخاص ووكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، ومع القطاع العام في حشد الموارد اللازمة لذلك. والأمر لم يكن كميًا فقط؛ إذ أوضح التقرير أيضًا أهمية تقديم خدمات نوعية، سواء تعلق الأمر بالتعليم على مراحله كافة، أو بالخدمات الصحية التي لا بد من إعادة تركيز مواردها في الصحة الوقائية. وعلاوة على ذلك، أشار التقرير إلى أهمية وضع القوانين التي توفر الإطار لخلق صندوق تقاعد للعاملين في القطاع الخاص لحشد الموارد في اتجاه الاستثمر الاقتصادي الذي يحل محل الاستثمر السكاني، ويوفر الأساس لزيادة النمو الاقتصادي واستدامته، والتمكن من إعادة توزيعه لمجتمع أكثر عدالة، وأقل فقرًا. إن التقرير يفتح الباب واسعًا أمام دراسات تحليلية معمقة للسكان في فلسطين، وفي حقول مختلفة، سواء منها التي عالجها التقرير أم لم يعالجها، ويثير تحديات مهمة أمام الباحثين في هذه الحقول. ولقد كان التقرير استشرافيًا بامتياز، واتبع منهجًا عابرًا للحقول، وأثار سجالات جدلية في أسبقية التعليم على الخصوبة في تحقيق الهبة الديموغرافية، أو في أسبقية الخصوبة في هذه العملية. وحقيقة، فإنه أشار إلى إعادة تركيب لهذا السجال؛ ذلك أنه بيّ أن التعليم هو العامل الحاسم في تخفيض الخصوبة، ومن ثمّ وفي كل الأحوال فإن التعليم في علاقة جدلية مع سير عملية التحول الديموغرافي والهبة الديموغرافية. كم اتسم التقرير بالمرونة بالنسبة إلى إعادة عمل الإسقاطات، إذا توافرت بيانات أكثر حداثة، وهي من الممكن أن تتوافر بالإحصاء السكاني المتوقع في نهاية عام 2017. وفي الوقت نفسه، تصلح إسقاطات التقرير لإطلاق عملية تخطيط إستراتيجية لفلسطين للفترة الممتدة على سنوات الخمس المقبلة.
المراجع
References
العربية
دو جوفنيل، هوغ. "الاستشراف والسياسة". استشرافللدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي الأول).2016(صندوق الأمم المتحدة للسكان. تحليل حالة السكان: دليل مفاهيمي ومنهجي. نيويورك: صندوق الأمم المتحدة للسكان،.2010
صندوق الأمم المتحدة للسكان ودولة فلسطين، مكتب رئيس الوزراء - اللجنة الوطنية للسكان. فلسطين 2030 - التحول الديموغرافي، فرص للتنمية. تقرير ملخص. كانون الأول/ ديسمبر 2016. في: http://bit.ly/2oRgcaT عبد الحي، وليد. "تكامل التقنيات المنهجية الكمية والكيفية في الدراسات المستقبلية". استشراف للدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي الأول.)2016(
كرباج، يوسف. "هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية؟ نموذجا الشرق الأوسط وشمل أفريقيا". عمران. العدد 3 (شتاء.)2013
اليحياوي، يحيى. "المستقبل في فكر مهدي المنجرة". استشرافللدراسات المستقبلية. الكتاب السنوي الأول.)2016(
الأجنبية