العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تحديات الرؤية المستقبلية

تحديات الرؤية المستقبلية

Challenges and Prospects of the Future Vision Oman 2020 An Analytical Reading:

يوسف بن حمد البلوشي

الملخّص

تتضمن هذه الورقة عرضًا وتحليلً نوعيًا للرؤية المستقبلية "عمان 2020 "، والدروس المستفادة من النجاحات التي تحققت وأوجه القصور التي شابت التنفيذ؛ وذلك لصياغة رؤية جديدة تتلاءم مع المعطيات المحلية والعالمية التي استجدت، وتلك التي يحتمل حدوثها خلال الحقبة المقبلة؛ ونستشهد في ذلك بما سبق من بحوث ودراسات في أدبيات الموضوع. وقد اقتضت طبيعة المسألة المدروسة أن نُقسّم الورقة إلى جزأين رئيسين؛ يرصد الأول الأهداف المحددة للرؤية وبيان مدى النجاح في تحقيقها، في حين يتناول الجزء الثاني الدروس المستفادة من جوانب الإخفاق حتى يمكن صياغة رؤية تتلاءم مع المعطيات المحلية والعالمية الجديدة.

Abstract

ملخص:  تتضمن هذه الورقة عرضًا وتحليلً نوعيًا للرؤية المستقبلية "عمن 2020"، والدروس المستفادة من النجاحات التي تحققت وأوجه القصور التي شابت التنفيذ؛ وذلك لصياغة رؤية جديدة تتلاءم مع المعطيات المحلية والعالمية التي استجدت، وتلك التي يحتمل حدوثها خلال الحقبة المقبلة؛ ونستشهد في ذلك بما سبق من بحوث ودراسات في أدبيات الموضوع. وقد اقتضت طبيعة المسألة المدروسة أن نُقسّم الورقة إلى جزأين رئيسين؛ يرصد الأول الأهداف المحددة للرؤية وبيان مدى النجاح في تحقيقها، في حين يتناول الجزء الثاني الدروس المستفادة من جوانب الإخفاق حتى يمكن صياغة رؤية تتلاءم مع المعطيات المحلية والعالمية الجديدة. كلمت مفتاحية:  الرؤية المستقبلية، التخطيط، عمن 2020، التنمية الاقتصادية، النفط، ما بعد النفط. Abstract:  This paper includes a review and qualitative analysis of the future vision Oman 2020, and the lessons to be learned from the successes achieved and the shortcomings in implementation. This is in order to formulate a new vision appropriate to local and global developments that have occurred and future events in the coming period, citing previous research and studies in the relevant literature. The paper is divided into two main parts: the first looks at the goals set for the vision and the level of success in meeting them; the second deals with the lessons learnt from aspects of failure to enable the formulation of a new vision that conforms with the new local and global facts.

الكلمات المفتاحية:
  • الرؤية المستقبلية،
  • التخطيط
  • عمان 2020
  • التنمية الاقتصادية،
  • النفط
  • ما بعد النفط.
Keywords:
  • Future Vision
  • Planning
  • Oman 2020
  • Economic Development
  • Post-Oil

قراءة تحليلية** Challenges and Prospects of the Future Vision Oman 2020

مقدمة

لم يعد تقدم الأمم ونهضتها يخضعان للتطور التلقائي بحسب الأوضاع، بل أصبحا يعتمدان على رؤية مستقبلية واضحة المعالم، والتخطيط السليم لحشد الموارد المادية والبشرية الوطنية، وتوجيهها نحو أفضل استخداماتها؛ خدمة لأهداف التنمية الشاملة والمستدامة في المدى الطويل. وعلى الرغم من أن سلطنة عمن كانت أول دولة خليجية تتبنى رؤية مستقبلية طويلة المدى "عمن 2020" وذلك منذ عام 1995، وساعدت هذه الرؤية في تحقيق إنجازات ملحوظة على مختلف الأصعدة، تتمثّل بمعدل النمو الاقتصادي المرتفع نسبيًا، وما ترتب عليه من تحسينات ملموسة في مستويات المعيشة في سلطنة عمن، فإن الدورة الاقتصادية المحلية ظلت معتمدة على إيرادات النفط والغاز، بوصفها مولدات رئيسة للدخل والطلب المحليين. وفي المقابل، اعتمدت السلطنة على الواردات والعملة الوافدة في تلبية الاحتياجات المحلية؛ ما أدى إلى بقاء الدورة الاقتصادية المحلية هشة وعرضة لتقلبات أسعار النفط. ومن جانب آخر، استمر الاهتمم بتنمية النشاطات النفطية على حساب تنمية النشاطات غير النفطية للقطاع الخاص الذي ظل معتمدًا على الدعم الحكومي، والنزعة الاحتكارية، والعملة الوافدة، والتجارة المستترة؛ الأمر الذي يستوجب بالضرورة إحداث تحول إستراتيجي من نموذج نمو وتنمية تقليدي يعتمد على الحكومة بصفة رئيسة إلى نموذج تتعدد فيه قاطرات النمو، وبصفة خاصة القطاع الخاص؛ وما يستلزمه ذلك بالضرورة من إجراء تغيرات جذرية في أسلوب إدارة القضايا المحورية ومعالجتها التي قد تعرقل تحقيق هذا التحول.

أولً. مسيرة الاقتصاد العمني من مجتمع الكفاف إلى مجتمع الوفرة والنمء

بدأ التطور الاقتصادي لسلطنة عمن منذ عام 1970، بعد فترة طويلة من العزلة والركود الاقتصادي. فقبل ذلك، كان الاقتصاد العمني كغيره من اقتصادات المنطقة يعاني الحرمان والتخلف، وكان قطاع الزراعة والأسمك المصدر الرئيس لتكوين إجملي الناتج المحلي، وكانت الغالبية العظمى من السكان تستمد أرزاقها من هذا القطاع. وبعد اكتشاف النفط وبدء تصديره بكميات تجارية عام 1967، أصبح هذا المورد الطبيعي يمثّل أهم الدعامات التي يرتكز عليها الاقتصاد. وعلى الرغم مم شهدته القطاعات الاقتصادية غير النفطية من نمو كبير نسبيًّا في السنوات الماضية، فإن النفط ما زال المحرك الأساسي لعجلة التنمية، كونه يمثّل الجزء الرئيس من القاعدة الإنتاجية للاقتصاد العمني1.

  1. Minister of National Economy, Forty Glorious Years 1970 - 2010 (Muscat: Ministry of National Economy of Oman Publication, 2010).

ولقد استطاعت السلطنة في ظل إستراتيجية التنمية طويلة المدى الأولى (1995-1970) الانتقال من مجتمع الكفاف إلى مجتمع الوفرة والنمء، وذلك نتيجة تكثيف الجهد وما نتج منه من تحقيق نتائج ملموسة وإنجازات كبيرة في جميع مجالات وأبعاد التنمية الشاملة2. وقد ارتكز الأداء التنموي للسلطنة في المقام الأول على تدفق الموارد النفطية، ثمّ على الإنفاق الحكومي المرتفع، ومستويات عالية من الاستثمر، واستقدام أعداد كبيرة من العملة الوافدة. وعلى الرغم من الإنجازات التي حققتها السلطنة خلال الفترة المذكورة، فقد ظهرت العديد من التحديات التي واجهت مسيرة التنمية، وما تزال قائمة حتى الآن؛ نذكر منها اعتمد الاقتصاد العمني على مصدر واحد غير متجدد للدخل، وهو النفط، والذي يتأثر مباشرة بعوامل اقتصادية وسياسية وخارجية، والانخفاض المتدرج المتوقع في المخزون النفطي، وضعف التشابك بين قطاع النفط والقطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى3. ومن جانب آخر، اتسع نطاق دور الحكومة في مجال الإنتاج السلعي والخدمي؛ ما يحد من الفرص المتاحة أمام مساهمة القطاع الخاص في هذه المجالات، وقصور بعض القوانين والأنظمة عن توفير البيئة الملائمة لنمو نشاطات القطاع الخاص وتعددها، وكذلك الاختلالات القائمة بسوق العمل بسبب ضعف مساهمة العملة الوطنية، وانخفاض مستوى الكفاءة الإنتاجية وعدم قدرتها على مواكبة التطورات المتسارعة في المجال التقني، واستمرار التوسع في استخدام العملة الوافدة. وذلك إضافة إلى التغيرات الهائلة في منظومة إدارة الاقتصاد العالمي، وبداية تشكل ملامح النظام العالمي الجديد الذي تتصاعد فيه حدة التنافس الاقتصادي والتجاري والتقني، ويعتمد آليات السوق والتحرر الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص. ولمواجهة تلك التحديات، والسعي إلى تعظيم الاستفادة من التطورات الإيجابية التي طرأت على هيكل الاقتصاد الوطني خلال المرحلة الأولى من إستراتيجية التنمية (1995-1970)، ومن الموارد الطبيعة التي تزخر بها البلاد، والموقع الجغرافي المتميز للسلطنة، ومن الفرص التي تتيحها ثورة الاتصالات وعولمة الاقتصاد، وبغرض استدامة التنمية وتحسين نوعية الحياة للفرد العمني بوتائر عالية متواصلة، جرى وضع إستراتيجية التنمية طويلة الأجل (الرؤية المستقبلية عمن 2020) لتغطي الفترة (2020-1996). وكانت الأهداف الرئيسة تتمثّل بالحد من المخاطر الناجمة عن التقلبات في أسعار النفط، وخلق فرص عمل لأعداد الشباب المتزايدة بنسق سريع، والاستعداد لعصر ما بعد النفط على المدى الطويل4. والجدير بالذكر أن الرؤية المستقبلية عمن 2020 قامت على ثلاث ركائز أساسية هي: التنويع الاقتصادي، وتنمية رأس المال البشري، وتطوير القطاع الخاص. وانبثقت عن تلك الركائز الثلاث سبعة أبعاد، متمثّلة

  1. وزارة الاقتصاد الوطني/ سلطنة عمان، الخطة الخمسية الخامسة 010-1996(2) (مسقط: وزارة الاقتصاد الوطني،.)1995
  2. الرؤية المستقبلية عمان 020 2.

باستقرار الاقتصاد الكلي، وتطوير دور الحكومة، وتنمية الموارد البشرية، والتنويع الاقتصادي، وتطوير القطاع الخاص، ورفع مستوى معيشة المواطن العمني، وزيادة درجة دمج الاقتصاد العمني في الاقتصاد العالمي. وقد جرى تحديد الأهداف الكمية ومعايير/ مؤشرات قياس الأداء لكل من تلك الأبعاد من أجل تقييم النجاح المحرز في نطاقها. هذا، وتهدف إستراتيجية التنمية طويلة المدى للفترة (-1996 2020)، في المقام الأول إلى ضمن استقرار دخل الفرد عند مستواه عام 1995 كحد أدنى، والسعي إلى مضاعفته بالقيمة الحقيقية بحلول عام 2020. كم أنها تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتوازن المالي، وتهيئة الظروف الملائمة للانطلاق الاقتصادي من خلال استخدام عائدات النفط والغاز لتحقيق التنويع الاقتصادي المستمر والمتجدد وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية وتطويرها، وكذلك تدريب المواطنين العمنيين وتنمية مهاراتهم، إضافة إلى انتهاج سياسات تهدف إلى تعزيز المستوي المعيشي للمواطن العمني. وبصفة عامة، فإن هذه الإستراتيجية تهدف إلى استدامة التنمية خلال الفترة (1996-2020) وما بعدها5. وترتكز هذه الإستراتيجية طويلة المدى على تحقيق أهدافها من خلال المحاور الأساسية التالية: تنمية الموارد البشرية، وتطوير قدرات العمنيين ومهاراتهم لمواكبة التطورات التقنية، ومواجهة المتغيرات التي تحدث بكفاءة عالية. تهيئة مناخ اقتصادي كلي مستقر بغية تنمية قطاع خاص قادر على الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والطبيعية للسلطنة، بأساليب تتسم بالكفاءة والمحافظة على سلامة البيئة، والاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز للسلطنة. تعزيز المستوى المعيشي للمواطن، والعمل على تخفيض التباين بين المناطق، وبين فئات الدخل المختلفة، وضمن استفادة المواطنين كافة من ثمار عملية التنمية. المحافظة على المكتسبات التي تحققت في المرحلة السابقة والعمل على صيانتها وتطويرها واستكمل بعض الخدمات الأساسية والضرورية7. هذا، وقد سعت الرؤية المستقبلية عمن 2020 لإعادة التنظيم والتصحيح الهيكلي؛ وذلك أن الغرض الرئيس من عملية التخطيط هو الانتقال بالاقتصاد العمني من اقتصاد يعتمد على الإنفاق العام والنفط والعملة الأجنبية إلى اقتصاد يعتمد على القطاع الخاص الوطني والعملة الوطنية وموارد الطبيعة المتجددة، بخلاف النفط والغاز، وبما يؤدي إلى تحقيق تنمية مستدامة.

  1. المرجع نفسه. 6 المرجع نفسه. الجدول (1) تصورات رؤية عمان 0202 وواقع مساهمتها المصدر: وزارة الاقتصاد الوطني/ سلطنة عمان، كتاب الخطة الخمسية الخامسة (2020-1996)، النشرة الإحصائية الشهرية، تموز/ يوليو، مركز الإحصاء والمعلومات.

ثانيًا. تقييم الرؤية المستقبلية عمن 2020

بصفة عامة، يمكن القول إن الاقتصاد العمني قد نما خلال الفترة الماضية بمعدلات فاقت معدل النمو المستهدف في الرؤية؛ إذ بلغ متوسط معدل النمو الحقيقي خلال الفترة (2015-1996) ما يقارب 5 في المئة مقارنة بالمعدل المستهدف لفترة الرؤية، والمقدر بنحو 3.3  في المئة8. ويعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى التطورات الإيجابية التي شهدها قطاع النفط والغاز من حيث الأسعار وحجم الإنتاج. ولكن نظرًا لتباطؤ وتيرة النمو في القطاع الخاص والقطاع المالي وسوق العمل وقطاع الصادرات غير النفطية، وعدم نموها بالقدر المستهدف في الرؤية، استمرت تحديات الاقتصاد العمني نفسها منذ فترة صياغة الرؤية9. كم أن عددًا من التحديات والتحولات التي أفرزها المناخ الاقتصادي العالمي التي تواجه الاقتصاد العمني يتعين مواجهتها بالسياسات الملائمة، خاصة في قطاع العمل والتدريب ومحدودية مساهمة القطاع الخاص في تنمية الطاقات الإنتاجية المحلية، إضافة إلى انخفاض وتيرة نمو الصادرات غير النفطية وضرورة حث القطاع المالي على مساندة باقي القطاعات الاقتصادية.

تصورات الرؤية المستقبلية
(0202) (النسبة المئوية)
واقع المساهمة في إجمالي
الناتج المحلي (0142)
(النسبة المئوية)
المساهمة في إجمالي الناتج
المحلي (1995) (النسبة
المئوية)
القطاع
1947.535قطاع النفط والغاز
8159.965القطاعات غير النفطية
2917.510.9القطاع الصناعي
5.11.34.1الزراعة والثروة السمكية
46.941.150الخدمات

لقد استهدفت الرؤية رفع المساهمة النسبية للقطاعات غير النفطية في إجملي الناتج المحلى من 65 في المئة عام 1995 إلى 81 في المئة بحلول عام 2020. ويلاحظ أن هذه النسبة لم تتجاوز 59.9 في المئة عام 201410.

  1. World Bank, Oman Vision 2020 Assessment (Washington: World Bank, 2012).
  2. المركز الوطني للإحصاء والمعلومات/ سلطنة عمان، الكتاب الإحصائي السنوي 016 2 (مسقط: المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، يوليو.)2016
  3. البنك المركزي، سلطنة عمان، التقرير السنوي 016   2 (مسقط: ب. م. ع.،.)2016 قطاع الطاقة

ويتعين المضي قدمًا في سياسات التنويع الاقتصادي لتجنب حدوث تراجع كبير في معدلات النمو بعد انتهاء عصر النفط، وذلك من خلال توفير البيئة الملائمة لنمو القطاع الخاص وتطوره لقيادة التنمية في المستقبل، بحيث يكون غير معتمد على أدواته الثلاث (النزعة الاحتكارية والدعم الحكومي والعملة الوافدة). ومن جانب آخر، فإن الوضع الحالي يتصف بضعف معدلات الادخار والاستثمر في السلطنة، لا سيم الادخار والاستثمر الخاصين اللذين يمثلان أهم ركائز التنمية المستدامة. ويرجع ذلك إلى انخفاض الدخول وارتفاع نسبة الاقتراض الشخصي؛ الأمر الذي يحدّ من القدرة على الادخار وتوافر الأموال للاستثمر. وعلى المستوى الوطني، يُعاني هيكل ميزان مدفوعات السلطنة من ارتفاع حجم الأموال المحولة إلى الخارج في شكل أموال لتغطية قيمة الواردات من السلع والخدمات، إضافة إلى تحويلات من أجور العملة الوافدة أو تحويلات دخل الاستثمر الأجنبي في السلطنة؛ الأمر الذي يؤثر في حجم الأموال المتوافرة للاستثمر المحلي. وعلى الرغم من تغير العديد من المعطيات الاقتصادية عم جرى افتراضه عام 1995، ومنها أسعار النفط والغاز، فقد تم تحقيق نسبة كبيرة من الأهداف المحددة في الرؤية المستقبلية للاقتصاد العمني. ولقد أدى ارتفاع أسعار إنتاج النفط والغاز وحجمه إلى ارتفاع الدخل المتولد للقطاع العام؛ الأمر الذي أسهم في مواصلة الدور المهم الذي يؤديه هذا القطاع في تحريك العجلة الاقتصادية، في حين ركزت الرؤية على تنامي دور القطاع الخاص للاضطلاع بدور أكبر في خدمة التنمية الاقتصادية11. وفى قطاع الغاز، أدى انخفاض حجم احتياطيات الغاز بنسبة 40 في المئة عم كان متوقعًا أثناء صياغة الرؤية المستقبلية إلى مواجهة الحكومة تحديًا كبيرًا تمثّل بالمفاضلة بين استخدام الغاز لدعم الاستهلاك والصناعة المحلية، والتصدير لتدعيم موارد المالية العامة، والحقن في آبار النفط لتعزيز إنتاجيتها. وعلى صعيد تحفيز النشاط الاقتصادي، اتبعت الحكومة سياسة مالية توسعية (زيادة الإنفاق العام، وخاصة المصروفات الاستثمرية)، أسفرت عن نمو قطاع البناء والتشييد وكذلك قطاعي التجارة والنقل. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه من المهم تغيير السياسات الحالية في هذا الخصوص، بحيث يتسنى للحكومة أن تجني ثمار استثمراتها وتبدأ بانتهاج سياسات جديدة تساعدها على تنويع قاعدتها التصديرية؛ إذ تمثّل القيمة المضافة لقطاعات التجارة والبناء والتشييد والنقل أكثر من نصف الناتج المحلى الإجملي؛ الأمر الذي سيحد من إمكانيات السلطنة في توسيع قاعدتها التصديرية وتنويعها.

التقييم القطاعي

لقد نجح قطاع الطاقة في تحقيق إنجازات تجاوزت المخطط في الرؤية المستقبلية، ويرجع ذلك في الأساس لعاملين رئيسين: الأول هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط مقارنة بما هو مخطط له، والثاني هو

  1. Minister of National Economy, Forty Glorious. قطاع العمل

زيادة الإنتاج وارتفاع الاحتياطيات بفضل استخدام أفضل التقنيات في هذا المجال متمثّلة بأساليب الإنتاج المعززة (EOR Recovery, Oil Enhance)؛ إذ تُعدّ السلطنة البلد الوحيد على مستوى العالم الذي يستخدم بنجاح ثلاثًا من التقنيات الخاصة لاكتشاف النفط واستخراجه (الحرارة، والغاز، والمواد الكيموية)؛ الأمر الذي يتيح للسلطنة أن تكون مصدرًا مهمً لتصدير هذه النوعية من الخدمات والتقنيات الفريدة. ولقد انعكس تحسن كفاءة عمل المصافي في تعظيم الاستفادة من إنتاج النفط الخام وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية. كم نجح هذا القطاع في تحقيق نسب تعمين عالية.

استهدفت الرؤية المستقبلية رفع مساهمة القوى العاملة الوطنية إلى إجملي عدد السكان العمنيين من 17 في المئة عام 1995 إلى 50 في المئة بحلول عام 2020؛ في حين لم تبلغ هذه النسبة إلا نحو 14 في المئة عام 2008. وكذلك استهدفت رفع معدل التعمين في القطاع الخاص من 15 في المئة عام 1995 إلى 75 في المئة عام 2020، إلا أن هذا المعدل لم يتجاوز 5.14 في المئة عام 2008. وعام 2015، بلغت نسبة التعمين في القطاع العام 85 في المئة، وفى القطاع الخاص 11 في المئة12. ولذلك يظهر جليًا أن احتملات تحقيق الرؤية في قطاع العمل ضعيفة؛ ما يحتم مراجعة السياسات الخاصة بهذا القطاع ووضع أهداف أكثر واقعية. وتجدر الإشارة إلى أن تركيبة سوق العمل وخصائص الوضع السكاني في السلطنة فريدة؛ إذ تتميز بارتفاع نسبة الشباب (الذين تقل أعمرهم عن 24 سنة) عن 65 في المئة من إجملي عدد السكان، والارتفاع النسبي في معدل النمو السكاني، وانخفاض نسبة مساهمة المرأة في سوق العمل، وعدم قدرة القطاع العام على التوسع في توفير الوظائف. ولذلك يتعين على السلطات المعنية أخذ التدابير الضرورية لاحتواء هذا العنصر المهم من عناصر الإنتاج؛ ذلك أن تفاقم مشكلة الباحثين عن العمل من المؤكد أن تحد من قدرة الاقتصاد العمني على النمو في المستقبل13. ويُعدّ هذا القطاع من أكثر القطاعات إخفاقًا في تحقيق الأهداف المنشودة للاقتصاد العمني في الرؤية المستقبلية؛ إذ لا تزال العملة الوافدة تمثّل ما نسبته 75 في المئة من إجملي القوى العاملة في السلطنة. ويتركز عدم التوازن هذا في تركيبة العملة في القطاع الخاص؛ إذ تمثّل العملة الوافدة أكثر من 85 في المئة من حجم العملة في هذا القطاع. ومن ثم، يتعيّ أن تأتي معظم الوظائف من القطاع الخاص في المرحلة المقبلة، الأمر الذي يستلزم بالضرورة تحسين نوعية الموارد البشرية من خلال التعليم والتدريب، بحيث تكون أكثر مواءمة لسوق العمل وزيادة الاهتمم بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك التركيز على القطاعات كثيفة العملة؛ مثل قطاع السياحة وقطاع الأسمك14.

  1. التقرير السنوي 2016.
  2. World Bank, Oman Investment Climate Assessment: Towards a comprehensive SME Development Strategy for The Sultanate of Oman (Washington: The World Bank, 2004).
  3. التقرير السنوي 2016. القطاع الخاص التنويع الاقتصادي

استهدفت الرؤية المستقبلية رفع المساهمة النسبية لاستثمر القطاع الخاص في إجملي الاستثمر من 30 في المئة عام 1995 إلى 91 في المئة عام 2020. في حين تشير الإحصاءات المتوافرة إلى أن استثمرات القطاع الخاص لم تتجاوز 35 في المئة من إجملي الاستثمر عام 2008، مع ملاحظة عدم توافر بيانات دقيقة في هذا الشأن. ومن جانب آخر، لم يحقق القطاع الخاص هدف الرؤية ليكون قاطرة النمو والمصدر الرئيس لتوظيف الباحثين عن العمل؛ إذ استهدفت الرؤية توظيف 400 ألف عمني وعمنية، في حين أنه لم يجر توظيف سوى نصف هذا العدد حتى نهاية عام 201415. ويتأكد الاهتمم بهذا القطاع ودعمه بطريقة يستطيع من خلالها المساهمة الفعالة في خدمة الاقتصاد الوطني في المرحلة المقبلة، وذلك من خلال التركيز على بناء قدرات القطاع الخاص ودفعه لتوسع نطاق مشاركته في تسيير الاقتصاد العمني؛ الأمر الذي لن يتأتى إلا بالقضاء على المعوقات التي تحد من نهضته. هذا، وتؤكد معظم التجارب الدولية أن القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي ومصدر مهم لخلق الوظائف وليس القطاع العام16. ويمكن للسلطنة الاستفادة من عدد من التجارب الناجحة للتغلب على العديد من المعوقات التي تواجه القطاع الخاص العمني، والتي توصي بضرورة تحمل القطاع المالي مسؤوليته على صعيد تمويل مؤسسات القطاع الخاص، سواء من خلال وضع سياسات توجيه وتشجيع وتوفير للتمويل اللازم لهذه المؤسسات، أو من خلال خلق سوق تمويلية رائدة في هذا المجال، أو مضاعفة حجم التمويل المقدم حاليًا من المؤسسات والبرامج التمويلية الحالية. وكذلك تنمية الموارد البشرية المحلية من خلال رفع كفاءة برامج التعليم والتدريب والتأهيل بما يتلاءم مع احتياجات سوق العمل.

لقد استهدفت الرؤية رفع المساهمة النسبية للقيمة المضافة للقطاعات غير النفطية في إجملي الناتج المحلى من 66 في المئة عام 1995 إلى 91 في المئة بحلول عام 2020. ويلاحظ أن هذه النسبة لم تتجاوز 71 في المئة عام 2015. وعلى الرغم من الزيادة النسبية للنشاطات غير النفطية كنسبة من إجملي الناتج المحلي، وإجملي الإيرادات العامة، وإجملي الصادرات السلعية، فلا يزال ثمة العديد من أوجه القصور، والتي قد تعزى إلى ارتباط نشاطات التنويع مباشرة بأداء القطاعات النفطية، وعدم الربط

  1. سلطنة عمان، غرفة التجارة والصناعة، التقرير السنوي 015   2 (مسقط.)2015:
  2. Martin Hvidt, “Economic Diversification in GCC Countries: Past Record and Future Trends,” Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States, no. 27 (London: London School of Economics and Political Science, 2013), accessed on 20/12/2016, at: https://goo.gl/dU5hMh الجوانب المضيئة للرؤية

بين سياسات التنويع وسياسات تنمية القطاع الخاص، وكذلك سياسات تشغيل القوى العاملة الوطنية، إضافة إلى أوجه القصور التي صاحبت عمليات التنفيذ والمتابعة والتقييم. ومن جانب آخر يعزى ذلك إلى البنية الاقتصادية غير المتوازنة، التي يعكسها العديد من المؤشرات الكلية مثل توزيع القوى العاملة بين النشاطات الاقتصادية المختلفة، وتركز هيكل التجارة الخارجية بدرجة ملحوظة في صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي لدفع ثمن السلع والخدمات المستوردة؛ الأمر الذي له انعكاسات سلبية كبيرة على استدامة التنمية في المدى الطويل.

إخفاقات رؤية عمن 2020 وجوانبها المضيئة

شهدت الفترة المنقضية من الرؤية المستقبلية 2020 تنفيذ العديد من البرامج لتحقيق الأهداف المرسومة؛ نذكر منها تطوير البنية الأساسية واستكملها من المطارات والطرق والبنية الأساسية المرتبطة بموانئ صحار، وصلالة والدقم، وإنشاء العديد من الصناعات البتروكيموية، وإنشاء المناطق الصناعية والمناطق الحرة، وكذلك إنشاء العديد من المشاريع السياحية المتكاملة. ويمكن رصد التطورات الإيجابية التي شهدها الاقتصاد العمني من خلال التغيرات التي طرأت على عدد من المؤشرات مثل إجملي الناتج المحلي، ودخل الفرد ومستوى معيشته، ومدى تنوع الهيكل الاقتصادي، ونمو الاستثمر بمعدلات كبيرة أتاحت المزيد من فرص العمل للمواطنين. هذا، وقد نجحت الرؤية المستقبلية 2020 في تحقيق العديد من النجاحات يأتي على رأسها استقرار الاقتصاد الكلي، خاصة فيم يتعلق باستدامة النمو الاقتصادي، ورفع مستوى المعيشة، والحفاظ على الاستقرار النقدي وسعر الصرف. ومن جانب آخر، نلاحظ نجاحًا نسبيًا يتمثّل بزيادة مشاركة المرأة في قوة العمل، والتحسن في مستوى المعيشة، وزيادة المشاركة في التعليم العالي، ونمو القطاعات غير النفطية17. وعلى الصعيد الاجتمعي، رفعت منظمة الأمم المتحدة تصنيف السلطنة في تقريرها عن التنمية البشرية لعام 2006 إلى مجموعة الدول ذات التنمية البشرية العالية، بناء على ما تم إحداثه من نقلة نوعية في مجالي الصحة والتعليم. وعلى الصعيد الاقتصادي، صنفت لجنة النمو والتنمية التابعة للبنك الدولي السلطنة ضمن الثلاث عشرة دولة في العالم التي حققت نموًا متواصلً وبأعلى المعدلات في خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية18.

  1. Minister of National Economy, Forty Glorious.
  2. World Bank, Oman Vision 2020. جوانب الإخفاقات

على الرغم من الإنجازات المحققة على مختلف الأصعدة، وتضاعف الناتج المحلي الإجملي أكثر من 6 مرات، وارتفاع نصيب الفرد منه من 2491 ريالً عمنيًا عام 1995 إلى 7876 ريالً في نهاية عام 2014، فثمة العديد من جوانب القصور؛ إذ لم توفق الرؤية في تحقيق عدد من الأهداف الرئيسة: من بينها إدارة دورة النشاطات التجارية، وإعادة هيكلة الاقتصاد العمني الذي مازال معتمدًا بصفة ملحوظة على الإنفاق الحكومي المتأتي من تصدير النفط والغاز، ومن جانب آخر، تلبية الطلب المحلي للسلع والخدمات من خلال الاستيراد والعملة الوافدة. وبالنسبة إلى إدارة السياسة المالية، لم يتحقق الهدف طويل الأمد للفصل بين ميزانيات الحكومة، وارتفاع أسعار النفط. أضف إلى ذلك أن النمو في الإنفاق الحكومي عند المستويات الحالية غير قابل للاستمرار. كم لا يزال للحكومة الدور الرئيس في مجال الإنتاج، ولم يجر سوى تقدم محدود على طريق تنويع القطاع الخاص وتنميته. وعلى الرغم من الأهداف الواضحة لتطوير القطاع الخاص، فلا تزال الصناعات تعتمد اعتمدًا كبيرًا على المبادرات الحكومية. وقد أدى عدم وجود قطاع خاص ديناميكي إلى الحد من توفير فرص العمل، ونمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وعلاوة على ذلك، لم يشارك القطاع الخاص بفعالية في جهود التنويع، وهو ما يتضح من المساهمة المحدودة للقطاعات غير النفطية. ومع أن رؤية عمن 2020 تهدف إلى التوسع، فإن القطاع الخاص يميل إلى تركيز الموارد في النشاطات الأقل إنتاجية، مثل البناء والخدمات المحلية. وكانت مشاركته في النشاطات ذات القيمة المضافة العالية محدودة؛ ومن ثمّ فقد شهد القطاع الخاص القليل من الابتكار والتطور التكنولوجي19. ولا شك في أن هذا أمر في غاية الأهمية، في ضوء جهود سلطنة عمن الرامية إلى تحقيق مزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي، من خلال الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف. فلكي تصبح الشركات العمنية منافسة للشركات الأجنبية عالميًا ومحليًا، فعليها أن تصبح مبتكرة وديناميكية. ومن جانب آخر كان للضعف في تنمية القطاع الخاص تداعيات سلبية على اتجاهات العملة؛ فالعملة الوطنية تفضل المناصب الحكومية التي تقدم امتيازات أكبر. ولم تنجح السياسات حتى الآن في جعل وظائف القطاع الخاص أكثر جاذبية. وتتفاقم صعوبة توظيف المواطنين في القطاع الخاص من خلال فجوة المهارات بين المواطنين الباحثين عن العمل، ومتطلبات سوق العمل. ولقد أسفر الجهد المتواصل للحد من هذه الفجوة، من خلال تطوير مهارات قوة العمل التنافسية وإصلاح التعليم والتدريب، عن نتائج متباينة20.

ثالثًا. قراءة في التجربة التنموية العمنية يف ضوء الرؤية المستقبلية عمن 2020

تعددت الأسباب التي أدت إلى تحقيق النتائج المذكورة منها المحلية والإقليمية والعالمية، نذكر منها الأزمات العالمية مثل؛ انهيار أسعار النفط عام 1998 وكذلك عام 2014، والأزمات المالية والاقتصادية

  1. World Bank, Oman Investment.
  2. Ibid.

التي عصفت باقتصادات عدد من الدول في مختلف أنحاء العالم. ويجب ألا نغفل ما يسمى "أزمة الربيع العربي" عام 2011. وقد تضافرت تلك الأزمات لإعاقة تنفيذ أهداف الرؤية المستقبلية. كم أن الرؤية وضعت أهدافًا طويلة المدى، ولكنها لم تتطرق إلى الإستراتيجيات، والخطط التنفيذية، ومؤشرات قياس الأداء، وأدوات التقييم والمراجعة. أضف إلى ذلك أنه لم يجر إشراك أصحاب العلاقة، وخاصة القطاع الخاص وأطياف المجتمع، لضمن حدوث التحول المطلوب. كم أن الرؤية لم توضح لأصحاب العلاقة بالتنفيذ الأدوار والمسؤوليات؛ ومن ثمّ، لم تنجح في بناء أطر التنسيق بين الأطراف المعنية، وظلت الشفافية والمساءلة مفقودتين. ومن جانب آخر، افتقدت الرؤية إلى الديناميكية ونظم التفاعل مع المتغيرات المحلية والعالمية، وظلت أهداف الرؤية متصلبة وغير مترابطة مع الخطط الخمسية والسنوية والإطار المالي. ومم يؤخذ على هذه الرؤية كذلك، عدم وجود جهاز معني بتنفيذها. ويضاف إلى ما سبق عدم توافر بيانات ومعلومات إحصائية لقياس الأداء وتقييم التقدم المحرز، وتركيزها على الكم وليس الجودة فيم يتعلق بتنمية رأس المال البشري والابتكار. وهو الأمر الذي يمكن رصده من خلال عدم التوافق بين الوظائف المتوافرة ومخرجات مؤسسات التعليم والتدريب. نستعرض فيا يلي الصورة الكلية للتجربة التنموية العمنية، والتي قد تساهم في توضيح الجذور الرئيسة لهذه الإخفاقات، بما يساعد على التعامل معها. وفى هذا الإطار، يُعزى تباين نتائج الرؤية المستقبلية 2020 إلى عدد من العوامل تتمثّل بمحدودية النجاح في تنويع مصادر الدخل، وتنمية الموارد البشرية الوطنية، وبناء قطاع خاص قوي وتنافسي، والاعتمد المفرط على الاستيراد والعملة الوافدة، ومن ثمّ هشاشة تركيبة الاقتصاد، وتعرضه لضغوط ملحوظة كالتي نشهدها اليوم جراء انخفاض أسعار النفط. وتنعكس هذه العوامل سلبيًا على إنتاجية دورة النشاطات التجارية المحلية، ومدى توازن العلاقة بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص وتكاملها، وحكمة السياسات المتبعة في السنين السمن والسنين العجاف للدورة الاقتصادية المحلية في الأجل البعيد.

دورة النشاطات التجارية المحلية

لقد ظلت دورة النشاطات التجارية المحلية معتمدة على إيرادات النفط والغاز بوصفها مولدات رئيسة للدخل والطلب المحلي؛ وفي المقابل، اعتمدت على الواردات والعملة الوافدة في تلبية الاحتياجات المحلية؛ ما انعكس في بقاء الدورة الاقتصادية المحلية هشة وعرضة لتقلبات أسعار النفط. ومن جانب آخر، كان الاهتمم بتنمية قطاع النشاطات النفطية على حساب تنمية القطاع الخاص. ومن المهم أن تركز سياسات المرحلة المقبلة على معالجة أوجه الخلل في جانبي دورة النشاطات التجارية المحلية، بحيث تعضد وتعزز الجوانب الإنتاجية، والتي تتمثّل بتعزيز الصادرات بأنواعها، وزيادة الاستثمرات، سواء كانت حكومية أو خاصة أو محلية أو خارجية. وفي المقابل، ستعمل على الحد من النزيف الخارجي المتمثّل بالواردات من السلع والخدمات، وكذلك التحويلات الجارية، سواء في صيغة تحويلات العملة

أو أرباح للشركات العاملة. وتجدر الإشارة إلى وجود اعتمد وتأثير متبادلين، ولو بدرجات متفاوتة، بين مكونات أي اقتصاد. وتكمن صعوبة إدارة الاقتصاد في معرفة مدى التأثير المتبادل بين المتغيرات الاقتصادية المختلفة وطبيعته: من يؤثر؟ ومن يتأثر؟ تلجأ الدول لإدارة دورتها الاقتصادية إلى العديد من الوسائل؛ من بينها دراسة هيكل التبادل التجاري، والعمل على تلبية السلع والخدمات المطلوبة محليًا من خلال إيجاد قطاع خاص (شركات) قادر على إنتاجها. وفى حالة ضعف قدرات القطاع الخاص، تتدخل الحكومة بالعديد من الوسائل لتعززها والدخول في شراكات إستراتيجية، سواء مع شركات محلية أو اجتذاب شركات عالمية (الاستثمر الأجنبي المباشر) متخصصة في النشاطات المطلوبة، سواء كانت زراعية أو صناعية أو خدمية؛ بحيث تدخل الحكومة بصفة مساهم مباشر في رأس المال والإدارة لضمن تحقيق الأهداف المبتغاة في استدامة التنمية في الأجل الطويل22.

العلاقة بين الحكومة والمجتمع والشركات

تمثّل طبيعة العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة قوة داعمة وركيزة أساسية لإنجاح أي رؤية مستقبلية. ذلك أنّه توجد بين هذه الأطراف الثلاثة تقاطعات مهمّة؛ فالمجتمع يبحث عن بيئة آمنة ومستوى معيشي ملائم وخدمات كافية ومتوافرة، في حين أن أفراد المجتمع مطالبون بأن يكونوا مبادرين ومنتجين، والحكومة تسعى لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتوفير إيرادات كافية لتمويل عملياتها. وفى الجانب الآخر، يتطلع قطاع الشركات إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات التي ينتجها، وتحقيق عوائد مجزية على الاستثمر، في حين أنه مطالب بتوفير فرص عمل لأفراد المجتمع، وتمويل عمليات الحكومة من خلال الضرائب. والجدير بالذكر أن نجاح العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة يعتمد على ثلاثة مقومات أساسية هي الثقة المتبادلة، والشفافية، والمساءلة. وتواجه الدول النفطية تحديًا كبيرًا يتمثّل بإيجاد توازن وتكامل في هذه العلاقة، خاصة عندما يؤدي بعض أفراد المجتمع أدوارًا مختلفة في الوقت نفسه، بحيث يكونون متخذي قرار وأصاحب أعمل؛ ما يتيح الفرصة لفئة محدودة من أفراد المجتمع لأخذ الأفضلية على حساب البقية. ولقد نجم عن نموذج النمو القائم على النفط أن أصبحت الحكومة هي الطرف الأقوى؛ ومن ثمّ كان تحديد أفضلية ترتيب أولويات التنمية بما تراه ملائمًا، وهو ما قد لا يتوافق بالضرورة مع ما تراه الأطراف الأخرى. وهنا يتعين التنويه إلى أهمية تحقيق التوازن؛ إذ أدت تداعيات العولمة والتغير في مراحل التنمية وزيادة عدد السكان ومستوى تعليمهم وتوقعاتهم إلى تغيرات كبيرة في العلاقة بين الحكومة والمجتمع في الدول النفطية. وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن عدم نجاح العديد من الدول الريعية في بناء اقتصادات قوية وتنمية شاملة مستدامة، مع أن الإيرادات

  1. Ibid. الشكل (1) المصدر: من إعداد الباحث

وفيرة، يعود لسببين؛ يكمن الأول في أن العلاقة بين الحكومة والمجتمع والشركات ظلت غير متوازنة بما يسمح بالاستفادة من هذه الإيرادات على نحو أمثل وأكثر فاعلية، بخلق قواعد متينة واستخدام أمثل للموارد. ولقد أنتج هذا الوضع عقدًا اجتمعيًا بين الطرفين في الاقتصادات الريعية، يشير إلى أن مدى تمتع الحكومة بالسلطة والنفوذ يتأثر بدرجة ملحوظة بكيفية توزيع الإيرادات على أفراد المجتمع؛ بحيث يحصل المواطنون على قدر من ريع النفط مثلً، بينم تتمتع الحكومة بقدر ملحوظ من السلطة والنفوذ. ويتمثّل السبب الثاني بأن الإنفاق الحكومي الذي أدى إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات لم يؤد إلى تنمية حقيقية للقطاعات الإنتاجية، وإنما اعتمد على الاستيراد؛ وهذا ما يسمى بعدم توازن المدخلات مع المخرجات للاقتصاد، وقد سبقت الإشارة إليه في دورة النشاطات التجارية المحلية.

الدورة الاقتصادية المحلية خلال الأجل الطويل

كم هو معلوم، تحكم الدورة الاقتصادية قوانين التأرجح بين فترات الطفرة والركود؛ ولا يخفى أن مدى النجاح في التصدي للتحديات التنموية مرتبط إلى حد كبير بمدى إحكام إدارة الدورة الاقتصادية، ورصانة السياسات المتبعة في مراحل الازدهار (السنين السمن)، ومراحل الانكمش (السنين العجاف)، كم هو موضح في الشكل (2). وبالنسبة إلى السلطنة، تبرهن هذه الدورة على نجاح التصدي لمختلف الأزمات التي مرت بها في مسيرتها، سواء كانت نفطية، أو مالية، أو تقلبات إقليمية، واستطاعت التعامل معها باستخدام آليات مختلفة تتلاءم مع مرحلة النمو والجاهزية. والجدير بالذكر أن النمو المحقق في الحقبة

الماضية كان معتمدًا على الاستهلاك بدرجة كبيرة؛ ومن المهم العمل في المرحلة المقبلة على تحقيق نمو قائم أساسًا على الاستثمر وليس على الاستهلاك. هذا، وتمر سلطنة عمن بمرحلة انتقالية أفرزتها مستجدات العولمة، وما صاحبها من ثورة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، إضافة إلى قصِر عمر الموارد النفطية المحلية نسبيًا، وتقلبات أسعارها، ومتطلبات سوق العمل المحلية، ونموذج التنمية القائم على إدارة الحكومة للقاطرة الاقتصادية، وما نتج من ذلك من تداعيات على بيئة الأعمل بصفة عامة. وينطوي ذلك بالضرورة على عدد من التحديات نبرزها كالتالي: التحدي الديموغرافي: ويتمثّل بتزايد أعداد الباحثين عن فرص عمل، وصعوبة استيعابهم في القطاع الحكومي، وعدم جاهزية القطاع الخاص، وزيادة عدد الطلبة الباحثين عن فرص التعليم العالي، وعبء تمويل تكلفة دراستهم على ميزانية الحكومة سواء محليًا أو خارجيًا. أضف إلى ذلك الأعداد الكبيرة غير المنتجة نسبيًا والعاملة في القطاعات الحكومية العسكرية والمدنية، والكيفية يمكن بها حشد هذه الطاقات وتوجيهها إلى القطاعات الإنتاجية. هذا فضلً عن تزايد عدد المواليد بمعدل 30 في المئة سنويًا منذ بداية 2012، وانعكاساته على طلب خدمات التعليم والصحة وغيرها في المرحلة المقبلة25. التحدي المالي: ينجم عن الانخفاض الكبير في الإيرادات العامة للدولة بما يقدر بأكثر من 45 في المئة، نتيجة انخفاض أسعار النفط، وما يمثله ذلك من تحدٍ مزدوج للميزانية العامة لتمويل الإنفاق العام (الجاري والرأسملي)؛ وكذلك ضرورة تكوين احتياطيات كافية لدى البنك المركزي العمني لتغطية عجز الحساب الجاري من ميزان المدفوعات الناجم عن الاعتمد المفرط على العالم الخارجي لتلبية الطلب المحلي من السلع والخدمات. التحدي الاقتصادي: ويتمثّل بدورة النشاطات التجارية المحلية والمعتمدة بدرجة ملحوظة على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي؛ ما أسفر عن خلل كبير في هيكل الاقتصاد، وضعف القطاع الخاص، واعتمده إلى حد كبير على الدعم الحكومي والعملة الوافدة والنزعة الاحتكارية. ومن الإنصاف القول إن هذه التحديات ليست مقصورة على السلطنة؛ إذ تعاني غالبية اقتصادات الدول الريعية الظاهرة نفسها، وتهيمن إيرادات النفط على المالية العامة؛ ما حد من الحاجة إلى الاهتمم بباقي القطاعات. ولكنّه من الضروري إحداث نقلة نوعية في مختلف نظم إدارة الاقتصاد العمني وآلياتها حتى تتمكن السلطنة من التعامل مع عصر ما بعد النفط بفكر يتلاءم مع المعطيات الجديدة، ولا سيم أن الإنجازات المحققة خلال الحقبة الماضية وما تزخر به السلطنة من موارد طبيعية وإمكانات توفر أرضية صلبة للانتقال السلس إلى طور ثانٍ من التنمية. ومن المؤكد أن التعامل مع هذه التحديات

  1. 12 الكتاب الإحصائي السنوي 2016.

ليس مهمة سهلة ويتطلب تكاتف الجميع، ومعرفة حقيقة جذور هذه التحديات وتشابكاتها، وأهمية التعامل معها بشفافية ومهنية عالية.

الخاتمة

لا يخفى أن هيكل الاقتصاد العُمني ليس هيكلً مثاليًا؛ ويعزى ذلك إلى هيمنة قطاع وحيد هو قطاع النفط والغاز على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد، وما ينتج من ذلك من تأثير سلبي في حالة انخفاض الإنتاج أو/ وانخفاض أسعار النفط؛ الأمر الذي من شأنه أن يعوق تحقيق التنمية المستدامة بصفتها عملية ديناميكية تعتمد على أداء قطاعات الاقتصاد كافة. ومن المعروف أن هيكل الاقتصاد العمني، كغيره من الاقتصادات الخليجية، يتكون من عدد من المقومات الأساسية التي يجب أن تُبنى عليها خططه؛ ومن المهم فهم كيفية تداخل العلاقات فيم بينها في ضوء المزايا النسبية للسلطنة واحتياجات كل مرحلة32. وعلى الرغم من الاختلافات بين هذه الاقتصادات، فإن القاسم المشترك بينها هو سعيها لخلق قطاع خاص قادر على إنشاء صناعات تنافسية، والترويج العلمي المنظم للاستثمر والصادرات. وقد اتضح لنا جليًّا من خلال هذه الورقة أن اقتصاد السلطنة يعاني فقد حلقة تربط النمو الاقتصادي المحقق مع دور فاعل للقطاع الخاص42؛ إذ تخفي معدلات النمو الكبيرة والمرتكزة على النشاطات النفطية (النفط والغاز) اختلالات جوهرية في جميع عوامل الإنتاج الأربعة المعروفة (رأس المال، والعمل، والأرض، والتنظيم). وما يُؤخذ على مسار الإنفاق العام على مشاريع البنية الأساسية، والذي يحتل الصدارة في بنود صرف الموازنات الخليجية، أنه لا يتوافق مع الإنفاق على إعداد حقيقي للكوادر البشرية القادرة على إدارة تلك المشاريع العملاقة بكفاءة عالية لتحقيق العوائد المرجوة منها. ولقد أثبتت التجارب التنموية على مستوى العالم أن تدخل الدولة ووضعها للرؤية المستقبلية وما يتبعها من خطط وبرامج ليسا كافيين للوصول إلى التنمية الشاملة والمستدامة، وما يستلزمه ذلك من ضرورة قيام الدولة ببناء مؤسسات وقاطرات نمو تقود وتقوم بدور مفصلي، وتأمين التحول إلى ما بعد عصر النفط. وتجدر الإشارة إلى أن سلطنة عمن تبنت العديد من النمذج الناجحة – للتغلب على المعوقات التي تحول دون انطلاق الاقتصاد العمني بالدرجة المنشودة – والتي من بينها إنشاء بنك التنمية العمني، والمحطة

  1. إنّ ما قد يؤثر في مسار اقتصاد دولة ما إيجابيًا قد لا يؤثر بالضرورة في اقتصاد دولة أخرى بالطريقة نفسها، ولذا يتعيّ ربط النتائج بمسبباتها.
  2. Economic and Social Commission for Western Asia/United Nations, Economic diversification in the oil-producing countries: The case of the Gulf Cooperation Council Economies (New York: United Nations, 2001).
  3. على سبيل المثال، دور وزارة التجارة الدولية والصناعة في التجربة اليابانية، وبنك التنمية السنغافوري في نهضة سنغافورة، والمعهد الكوري للتنمية في قيادة نهضة كوريا الجنوبية.

الواحدة، وصندوق رفد، ومبادرات تنمية الموارد البشرية، وغيرها؛ إلا أن تأثيرها في إحداث التغيير المطلوب ظل محدودًا. ويعزى ذلك إلى أنها تطبق على نطاق ضيق، سواء لعدم كفاية الأموال المخصصة لها أو لعدم إدارتها بالكفاءة المطلوبة، إضافة إلى أنها تديرها قيادات حكومية مثقلة بالأعباء الأخرى. وإنّ دوام الحال من المحال؛ ولذا لا بد من اتخاذ خطوات عملية تضمن مستوى عيش كريم للأجيال المقبلة، وتحويل الاقتصاد العمني من الريعية إلى الإنتاجية. ومن المؤكد أن نجاح العديد من الدول في هذا المضمر لم يكن وليد الصدفة والتمني، وإنما من خلال إيجاد مؤسسات لديها نظرة شمولية، وتعمل على هندسة هذه العملية، وتعي أهميتها وتعمل على توجيه جميع الموارد والطاقات لتحقيق هدف مشترك في ظل خصوصية كل اقتصاد. وعلى الرغم من تصاعد تعقيدات الحياة، فإن سلطنة عمن تملك العديد من المقومات لتجاوز التحديات الآنية، والأرضية ملائمة لإحداث تغيير هيكلي، وتمهد الطريق لمرحلة ما بعد النفط والاقتصاد القائم على التنوع، وتطوير قدرات الإنسان ومهاراته، والاعتمد على الشباب لأخذ زمام المبادرة في المرحلة المقبلة. تبدو حاجة ملحة إذًا إلى إيجاد قنوات تواصل بين جميع أطراف العملية التنموية، ليدرك الجميع جسامة التحديات، وأن المنافسة صعبة، وأن تحقيق مستقبل أفضل للجميع مرهون بتعاون الجميع. ويتطلب ذلك تبني أساليب ملائمة لتغيير القناعات المتأصلة، والتي تحد من استنهاض روح الشباب وإقبالهم على مزيد من العطاء، من خلال التركيز على العوامل النفسية (السمت الشخصية، والذكاء، واحترام الذات)؛ والعوامل الاجتمعية (الثقة، والموقف، والمعتقدات، والتعليم، والمعارف العامة عن وظائف في القطاع الخاص، والقدرات والمهارات الشخصية)؛ والعوامل المحفزة (قانون العمل والتنظيم، والنظرة الاجتمعية، والدخل والأجور، والفوائد وسياسة التقاعد، والمعاشات التقاعدية). وهي التي تعوق مشاركة الشباب العمني عن العمل في القطاع الخاص. وثمة حاجة إلى فكر خلاق قادر على تشغيل محركات النمو وتشمل الحكومة، والقطاع الخاص والجامعات، مع منح الأولوية للقطاع الخاص ليكون القاطرة الرئيسة للنمو والتنمية المستدامة، وتكون فيه العملة الوطنية في الصدارة، وأن يعتمد على سياسات استباقية تعتمد على دراسات ومبادرات مجتمعية.

  1. Miklos Koren & Silvana Tenreyro, “Volatility, diversification and development in the Gulf Cooperation Council countries,” Kuwait programme on Development, Governance and globalisation in the Gulf States, Research Paper no. 9 (London: London School of Economics, 2010).

المراجع

References

العربية

البنك المركزي العمني/ سلطنة عمن. التقرير السنوي 016 2. مسقط.2016:

غرفة التجارة والصناعة/ سلطنة عمن. التقرير السنوي 015 2. مسقط.2015:

المركز الوطني للإحصاء والمعلومات/ سلطنة عمن. الكتاب الإحصائي السنوي 016 2. مسقط: المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، يوليو.2016

وزارة الاقتصاد الوطني/ سلطنة عمن. الخطة الخمسية الخامسة 010-1996(2). مسقط: وزارة الاقتصاد الوطني،.1995

. الرؤية المستقبلية للاقتصاد العمني – عمن 020 إستراتيجية التنمية طويلة 2، المدى الثانية (020-1996 2). مسقط: وزارة الاقتصاد الوطني،.1995

الأجنبية

United Nations, Economic and Social Commission for Western Asia. Economic

diversification in the oil-producing countries: The case of the Gulf Cooperation

Council Economies. New York: United Nations, 2001.

Hvidt, Martin. “Economic Diversification in GCC Countries: Past Record

and Future Trends.” Kuwait Programme on Development, Governance and

Globalisation in the Gulf States. Research Paper, no. 27. London: London School

of Economics and Political Science, 2013.

Koren, Miklos & Silvana Tenreyro. “Volatility, diversification and development in

the Gulf Cooperation Council countries.” Kuwait programme on Development,

Governance and globalisation in the Gulf States. Research Paper no. 9. London:

London School of Economics, 2010.

Sultanate of Oman, Minister of National Economy. Forty Glorious Years

1970 - 20 10. Muscat: Ministry of National Economy of Oman Publication, 2010.

World Bank. Oman Investment Climate Assessment: Towards a comprehensive

SME Development Strategy for The Sultanate of Oman. Washington: The World

Bank, 2004.

. Oman Vision 2020 Assessment. Washington: World Bank, 2012.