العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الرؤى المستقبلية في عالم المسلمين :بين نهاية التاريخ وصدام النبوءات،دراسة نقدية من منظور السنن والمقاصد

الرؤى المستقبلية في عالم المسلمين :بين نهاية التاريخ وصدام النبوءات،دراسة نقدية من منظور السنن والمقاصد

Future Visions in the World of Muslims: Between the End of History and the Clash of Prophecies A Critical Study from the Per

سيف الدين عبد الفتاح

الملخّص

ملخص:  كيف ينظر المسلمون إلى مستقبلهم، رصدًا وتحليلً وتفسيرًا وتقويمًا؟ وهل مقومات النظر المستقبلي موجودة بنيانيًا في الفكر الذي يتعلق بالمسلمين؟ وهل النظر المستقبلي يتحرك صوب غايات واضحة ضمن عمليات متكاملة؟ "الكيفية، النظر، المسلمون، المستقبل، الرصد، التحليل، التفسير، التقويم"؛ مفردات تحملها هذه التساؤلات المهمة، وجب التوقف عندها لأنها تحمل في مكنوناتها معاني أخرى (أساليب التفكير، وطرائق التدبير، وعمليات التسيير، وحركة التغيير، ومداخل التأثير، وغايات التمكين… إلخ). وفي هذا المقام، نتناول قضايا الرؤى المستقبلية في عالم المسلمين، ولا سيّم رؤى نهاية التاريخ وصدام النبوءات، من خلال دراسة نقدية من منظور السنن والمقاصد، يتكامل فيها المدخل السنني في استشراف المستقبل مع المدخل المقاصدي بكل مكوناته، وتكون فيها المجالات الكلية مجالات التعامل المستقبلي، واعتبار المآلات من أهم الصياغات في الرؤية المستقبلية، وميزان الأولويات في جوهرها تأسيسًا لحركة مستقبلية. كلمت مفتاحية:  الرؤى المستقبلية، نهاية التاريخ، صدام النبوءات، المنظور السنني، المنظور المقاصدي. Abstract:  How do Muslims see the future, in observation, analysis, interpretation, and assessment? Are the components of this vision to be found structurally in Muslim thinking? And is this vision of the future moving towards clear ends within integrated processes? “Manner, vision, Muslims, future, observation, analysis, interpretation, assessment” – all these words form part of important questions which must be reflected upon since they enfold other meanings (modes of thinking, means of acting, processes of management, movement of change, avenues of influence, means of empowerment etc.). In this context, this paper considers visions of the future prevalent in the Muslim world, particularly the vision of the end of history and the clash of prophecies by means of a critical study from the perspective of laws (sunan) and purposes (maqasid). The paper considers the outcomes of the main formulations of this vision, and weighs the priorities to found a future movement.

Abstract

How do Muslims see the future, in observation, analysis, interpretation, and assessment? Are the components of this vision to be found structurally in Muslim thinking? And is this vision of the future moving towards clear ends within integrated processes? “Manner, vision, Muslims, future, observation, analysis, interpretation, assessment” – all these words form part of important questions which must be reflected upon since they enfold other meanings (modes of thinking, means of acting, processes of management, movement of change, avenues of influence, means of empowerment etc.). In this context, this paper considers visions of the future prevalent in the Muslim world, particularly the vision of the end of history and the clash of prophecies by means of a critical study from the perspective of laws (sunan) and purposes (maqasid). The paper considers the outcomes of the main formulations of this vision, and weighs the priorities to found a future movement.

الكلمات المفتاحية:
  • الرؤى المستقبلية،
  • نهاية التاريخ،
  • صدام النبوءات،
  • المنظور السنني،
  • المنظور المقاصدي.
Keywords:
  • Future Visions
  • End of History
  • Clash of Prophecies
  • Law.

دراسة نقدية من منظور السنن والمقاصد Future Visions in the World of Muslims: Between the End of History and the Clash of Prophecies

مقدمة

من خلال التذكرة بأيام الله والاعتبار بحوادثها، فإنّ عالم المسلمين معنيٌّ كغيره، بل مأمور بالقيام بعملية التعرف إلى ما مضى عليه من حقب، وموقعه في هذه الحقب الزمنية والامتدادات المكانية، ومكانته ودوره في الفاعلية والتأثير. بل ربما لا نبالغ في استنتاج أنّ "حديث التجديد"1 الذي يحرك مكامن البحث عن الفاعليات واستثمرها في عمليات تجديدية مستأنفة؛ يحيلنا دائمًا إلى "توقف" و"تدبر" و"اعتبار" على رأس كل مئة عام نتدبر فيها قوى التجديد وإمكاناتها؛ وإنّ "من" في "حديث التجديد" لا تزال تشير إلى معنى تعبئة قوى التجديد والتعرف عليها استشرافًا لمستقبل فاعلياتها وتفعيلها2. ولذا، حينم نتحدث عن العالم الإسلامي في قرنٍ مضى، فإنّ علينا، ضمنًا، أن نتعرف إلى أحواله في القرن الأخير، كمنطلق لاستشراف هذا العالم وقدراته ومكانته في زمنٍ آت. وهكذا يجب أن نتعلم معنى "العبرة" و"الاعتبار"، وحركة العبور الزمني من ماضٍ إلى واقعٍ إلى مستقبل، والتي تحرك مضامين العبرة ومغزى الاعتبار. وحينم نقارب هذا الموضوع، فليس من هدفنا أن نرصد حصرًا من تكلم عن مستقبل العالم الإسلامي وتصنيف اتجاهاته، على قيمة هذا العمل وضرورته؛ وليس من هدفنا أن نعود إلى هؤلاء الذين كتبوا عن مستقبل العالم الإسلامي طوال القرن الفائت، ثم نتعامل مع حصيلة ذلك؛ فنعرف ما تحقق من توقعات وما لم يتحقق، وما تحقق على أرض الواقع ولم يُتوقَّع. وليس أيضًا من هدف هذا الموضوع أن نرصد الحركة التاريخية طوال القرن في تدرجه في تصور عام لتاريخ المسلمين كخطٍّ صاعد، أو كخطٍّ هابط، أو شكلٍ متعرّج، أو حركةٍ دائرية، أو غير ذلك من أشكالٍ اهتم بها فلاسفة التاريخ حينم أرادوا تجريدًا للواقع في أشكال نمطية، يحاولون تسكين الحوادث التاريخية وتتابعها ومساراتها ضمن هذه الرؤى، لتصير دليلً على مسار تطور التاريخ. وهي محاولات بدا لبعضها أن تسير في سياق معمّق، وفي بعضها لم تكن إلا خواطر مسبقة أفرغت على أرض الواقع، وحشرت الوقائع والحوادث وفق تصورٍ بعينه. وعلى أهمية التعرض لذلك - ونحن بصدد التعامل مع تاريخ المستقبل ومستقبل التاريخ - فإنّ البحث فيه يتواصل، ليس فيم يتعلق بالمسلمين فحسب، ولكن غالبًا ما يتصور البعض ذلك في سياقاتٍ للبشرية من قبل نبوءات نهاية التاريخ، أو حديث النهايات الذي لا ينقطع، وحديث ال "ما بعديات" الذي لا يتوقف، وهي تصورات تحركت ضمن أحشاء بيئة الغموض، وتضارب الرؤى إلى حدّ الفوضى، وتنازع الرؤى إلى حدّ التبشير.

  1. إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" (رواه أبو داود.)

وبدلً من أن تعالج هذه الأمور ضمن رؤى علمية استشرافية، عولجت ضمن مسارات سجالية في تسابق محموم بشأن النهايات المغلقة مثل نهاية التاريخ، أو النهايات المبطنة بالشكل المفتوح مثل ال "ما بعديات" (Posts). ولم يعدم بعض المسلمين أن يشاركوا بدورٍ في السجال والجدل بشأن هذه الموضوعات نظرًا إلى ما يمثله "الإسلام بوصفه قوة احتملية"، أو ما يمثله الإسلام عند البعض بوصفه خطرًا حاليًا أو محتملً (الخطر الأخضر)3. وليس من غرض هذا البحث، على جلالة قدر القيام بهذا العمل، البحث في العوامل المحرّكة أو المفسرة لحركة التاريخ، وحركة العلاقات الدولية ومساراتها، من خلال تفسيرات هنا وهناك، يعود بعضها إلى تفسيرات كلاسيكية، والآخر إلى تفسيرات يعدّها البعض حديثة، وآخرون يفسرون على مذهب وضع الخمر العتيقة في أقنية جديدة ومستحدثة، ويحاول البعض أن يرد الحركة والتحريك، والمتغيرات والوقائع، والمسارات والمحركات إلى عامل وحيد أو عدة عوامل، أو، على أحسن الفروض، يغلب أحدها تفسيرًا، ويأتي بالشواهد من هنا وهناك، والقرائن الدالة على صحة ذلك التبني أو ذاك. ومن آخر الطبعات الذي برزت في الآونة الأخيرة؛ طبعة "صدام الحضارات" التي رددها صامويل هنتنغتون في مقالته4 ثم في كتابه المطوّل5. وبدت أهمية هذا الأمر وهذا التصور لما نحن فيه من البحث عن مستقبل العالم الإسلامي في قرنٍ آت بعد التعرف إلى خريطة قرن مضى؛ أن نتعرف إلى بعض مناهج صاعدة حول التحليل الثقافي والحضاري لما يحدث في العالم هذا من ناحية. أما الناحية الأوضح، فهي ما جعل هنتنغتون يرشح حضارة المسلمين لأن تكون طرفًا صداميًا ضمن معادلته التحليلية والتفسيرية التي تعبر عن خواطر أو أشباه نظريات، أو، على أحسن الفروض، مقولات ترقى لأن تعمل عمل النظريات، من دون أن تملك مقوماتها ضمن عملية تحركها صناعة العلم والفكر والتوجهات ومناهج النظر والرؤية6. وليس من غرض هذا البحث أن نتحدث عن رؤى مستقبلية متعددة صارت تتخذ أشكالً متعددة تتزيّا بزيّ العلم، سواء أكانت في شكل "سيناريوهات"، أم في شكل البحث عن "الرابحين" و"الخاسرين" في

  1. Samuel P. Huntington, "The Clash of Civilizations?," Foreign Affairs (Summer 1993), pp. 22 - 49.
  2. Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster,
  3. انظر في هذا المقام رؤية هنتنغتون حول صدام الحضارات وصناعة العلم: Huntington , "The Clash of Civilization?," p. 49 ff. وانظر ترجمة لهذه المقالة ومجموعة من الردود عليها في: صمويل هانتنجتون، الإسلام والغرب: آفاق الصدام، ترجمة مجدي شرشر (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1995

النظام الدولي، وفق أحاديث المكانة والتمكين، أو البحث في التحديات بوصفها مفهومًا مستقبليًا يتطلب منّا الحديث عن معاني كيفية الفهم وكيفية المواجهة، والتعامل مع تلك التحديات وما تفرضه من استشراف مستقبلي. إنّ كثيرًا من الدراسات التي صدرت – ولا تزال تصدر – تحاول أن تتعرض جزئيًا لتحدٍّ هنا أو هناك أو لتحديات تتعلق بمجال بعينه دون غيره من المجالات. يبدو لنا أننا قد بدأنا مقدمة هذا البحث باستبعاد ما لا يدخل في زاوية المعالجة لموضوع كهذا يتعلق "بمستقبل المسلمين بعد انصرام القرن العشرين"؛ ولكن هذه المقدمة مهمة لتوضيح زاوية الاهتمم بمثل هذا الموضوع، والتي تنصرف إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف ينظر المسلمون إلى مستقبلهم: رصدًا وتحليلً وتفسيرًا وتقويمًا؟ وهل مقومات النظر المستقبلي موجودة بنيانيًا في الفكر الذي يتعلق بالمسلمين؟ وهل النظر المستقبلي يتحرك صوب غايات واضحة ضمن عمليات متكاملة؟ "الكيفية، النظر، المسلمون، المستقبل، الرصد، التحليل، التفسير، التقويم"؛ مفردات يحملها هذا التساؤل المهم وجب التوقف عندها لأنها تحمل في مكنوناتها معاني أخرى (أساليب التفكير، وطرائق التدبير، وعمليات التسيير، وحركة التغيير، ومداخل التأثير، وغايات التمكين… إلخ). وفي هذا المقام، يحسن معالجة الموضوع في تلك القضايا المتكاملة.

أولً. الرؤى المستقبلية: مقدمات ومقومات

يحيلنا التاريخ الإنساني، بامتداده وتفاعلاته، دائمًا وعلى نحوٍ فطري إلى النزوع لاكتشاف المستقبل؛ ذلك أنّ الزمن الآتي ظلّ هاجسًا ملحًّا رافق البشرية في رحلتها عبر الحياة، وهدف الإنسان إلى البقاء والاستمرار في سياق مواجهاته لتحديات تواصلت أو استجدت، وظلّ الإنسان مدفوعًا بفطرته للاستعداد للمستقبل بصورة عملية. وحين توسعت مدارك الإنسان وارتقى، عمد إلى محاولة اكتشاف مجاهيل المستقبل بطرائق أشدّ تطورًا، فابتكر التنجيم والتكهن والتنبؤ وغيرها، وصار من يقومون بهذه الوظائف هم الأشدّ حظوة، بالنظر إلى ما ينطوى عليه اكتشاف المجهول الآتي من أهمية كبرى لدى الجميع من دون استثناء. وفى المقابل، سعت الأديان السموية لصرف أنظار الإنسان عن المناهج الخرافية في تبصر المستقبل، فوضعت له مناهج تربط المستقبل بالغيب ورؤيا الأنبياء وتحديد ميدان حركته وفعله في إطار الإرادة الإلهية والجزاء الأخروي. ثم جاء الإسلام خاتمةً للرسالات متصفًا بالكمل والتكامل والتمم والتوازن بين التنظير والعمل، مانحًا الإنسان منهجيةً صادقة وراقية وفاعلة في التعرف إلى المستقبل، بل المساهمة في صنعه، دافعًا إياه نحو رؤية عمرانية شديدة العمق والفاعلية، تجعل من الكون ساحته الحضارية، يحقق الإنسان فيه هدفه في الاستخلاف وإعمر الأرض وبناء الدنيا للآخرة: ﴿يَا أيُّهَا الِْنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ﴾ (سورة الانشقاق: 6)؛ وقد جعل هذا الكدح الحضاري الموصول بالله،

من أهم تكليفات الإنسان المؤمن؛ ذلك الاستشراف المستقبلي ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظَُر نَفْسٌ مَّا قدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر:.)18 بيد أنّ المسلمين في عصور تراجعت فيها فاعليتهم ووهنت قدراتهم، انساقوا بعيدًا عن هذا المنهج الاستشرافي المحرك لعناصر تفكيرٍ وتدبرٍ وتغييرٍ فاعلة، وعاشوا حالات الانفعال والاستسلام، وتجاهلوا مكامن الفاعلية وعيًا وسعيًا ورعايةً؛ ما أدى إلى وهن علاقاتهم وإدراكهم في الحاضر والمستقبل، واقترن ذلك بأنماط عليلة في التدبير والتفكير. إلا أنّ ذلك لم يكن ليعني التوقف عن ممرسة الاستشراف المستقبلي، بل ظلّ الحكمء والمؤرخون والعلمء يواصلون جهودهم في محاولات اكتشاف مناهج لدراسة المستقبل. وقد خصلت محاولاتهم إلى وضع معايير ومعادلات، بعض منها انطلق من معتقداتهم الدينية أو رؤاهم الفلسفية والعلمية، فظهرت آثار لذلك في علوم الفلسفة، وفلسفة التاريخ، وعلم اجتمع الحضارات، وتاريخ الأفكار ومسيرتها وصيرورتها، حتى أسفرت هذه المحاولات عن نظريات عصر النهضة الأوروبية والتقدم وصولً إلى الدراسات المستقبلية الحديثة. وبدت هذه الدراسات المستقبلية في تطورها مستمسكةً بفلسفة التقدم ومعايير التطور، ومحاولة استنباط قوانين له، وفقًا لنظرة علمية إستراتيجية في سياقات مفهومها للعلم؛ هادفةً إلى اكتشاف المستقبل وتحديد خياراته وبدائله، وظلت الدافعية النظرية تنتج بمرور الزمن – واستشرافًا للمستقبل – أنساقًا ومناهج علمية، اختلفت في محتواها وأهدافها الكلية، فارتكزت الحضارة الغربية في حديثها عن المستقبل إلى مناهج وأنساق علمية خاضعة لتصورها الكوني الوضعي وغاياتها المادية في الحياة، وإن تغلف في بعض صوره وتصوراته بأبعاد دينية أو رؤى معنوية غير مادية، اكتسبتها من دون أن تشكل صلب هذه الرؤية الاستشرافية، وعدّت هذه الدراسات المستقبلية رهان الغرب في السيطرة على المستقبل، بل عدّها آلفن توفلر ضمنًا لاستمرار حياة المجتمعات في المستقبل، وأطلق عليها تسمية "إستراتيجية البقاء"7؛ وكأنه يريد القول إنّ المجتمع الذي يفتقد التخطيط الإستراتيجي في إطار دراسة المستقبل دراسة علمية معمّمة، ومواجهة متغيراته؛ مجتمع لا يريد البقاء، وربما - من طرف خفي - لا يستحق البقاء؛ ذلك أنّ احتملات بقائه ستتقلص بشدة في خضم موجات التغيير السريعة وصدماتها المتلاحقة. وهذه الرؤية - على الرغم من أبعادها الوضعية المادية المتضمنة والكامنة في رؤيتها، كم أنها لم تكن مهملة في الرؤية الإسلامية - كانت موصولة بسنّةٍ كونية قائمة واسترشاد يحفز الفاعلية والدافعية: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"، فتؤكد مسار هذه الفاعلية ووصلها باليوم الآخر المحرّك الدائم لفاعليات الإنسان في سياق المسؤولية والأمانة والاستخلاف

  1. انظر في ذلك ببعض التصرف: علي المؤمن، "المستقبلية ورهانات التحكم بعالم الغد"، المستقبلية (مجلة فصلية)، المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية، العدد 1 (ربيع 2001)، ص 5 وما بعدها.

العمراني في الكون؛ وهو أمرٌ يتأكد وظيفيًا في مقولة مأثورة لعلي بن طالب: "من استبصر الأمور أبصر، ومن استدبر الأمور تحير"8. إنّ هذه الكلمت الجامعة تدل على تفسير كثير من وضع الحياة الذي يعيشه عالم المسلمين؛ ذلك أنّ المستقبل تفكيرًا وتدبيرًا وصناعةً صار أمرًا هامشيًا على أرض الواقع. ولا يمكن أمر الاستعداد للمستقبل أن يكون ناجحًا فاعلً ومؤثرًا استنادًا إلى أساليب عفوية أو دراسات عشوائية أو اهتممات آنية، أو بلغة وعظية، أو بحديث عن آمال وأمانيّ، تكتسي ثوب نصوص دينية، تؤول من كل طريق، وبكل طريق متعسف، يحرك كل معاني الانتظار والقعود عن الفاعلية. بل وجب تأسيس مناهج علمية لدراسة المستقبل تستند إلى رؤيتنا للعالم (الرؤية الكونية التوحيدية؛ استخلافًا وإعمرًا)، وتستقي من أصولنا الإسلامية، وما تؤصله من قواعد ومناهج للنظر والتفكير والتدبير، ومن تاريخ البشرية وخبراتها وتجاربها؛ ﴿قُلْ سيِرُوا فِ الْ رْضِ فَانظرُوا...﴾ (العنكبوت).20: وإذا كان عالم المسلمين قد تراجع في مساهمته في استشرافه المستقبلي، وإذا كانت الحضارة الغربية قد ابتكرت أشكالً متعددة ومتنوعة من الدراسات المستقبلية، وفقًا لتصوراتها وغاياتها، منسجمةً مع تطلعات تلك الحضارة وما تريد من المستقبل، وربما هذا في ذاته يشكل نقطة كاشفة وفارقة في آن واحد، فإنّ أهم عناصر كاشفيتها تكمن في إشارتها إلى عناصر الضعف الذي اعتور العقل المسلم، وعدم قدرته على مواجهة تحدياته، وعدم مناسبة استجاباته لتلك التحديات التي تتراكم وتتعقد؛ وهو أمرٌ لا بدّ أن يدفع عالم المسلمين إلى أن يعتقدوا أنّ التفكير المستقبلي ضمن صياغاته العلمية والتوحيدية صار من أهم فروض الوقت لتحقق للعقل المسلم قدراته وفعالياته في مواجهة تحدياته، وأن تكون استجاباته على المستوى المطلوب تفكيرًا وتدبيرًا وتغييرًا وتأثيرًا. وليست هذه الرؤية الهادفة إلى استشراف المستقبل في منظوره الإسلامي حديث أمانيّ وآمال، أو حديث توقعات ونبوءات، أو حديث مراهنات على سقوط الحضارات والمدنيات الأخرى التي سيكون الإسلام بديلً منها، بل إنها تعبير عن نظر عميق وعمل دقيق؛ حديث علم ومعرفة موصولة بحبلٍ من الله (الإيمان والأمانة)، وبحبلٍ من الناس (الاستخلاف والعمران)؛ وكل ذلك ضمن الصلة الأكيدة بين حياة الإنسان الدنيوية وحياته الأخروية9. إنّ بناء المستقبل تتحرك أوصاله في صلة حميمة بين الحلقات الزمنية؛ الماضي والحاضر والمستقبل؛ "لأننا مهددون في حاضرنا فلا خيار لنا إلا ببناء مستقبلنا، وبناء المستقبل هو قرار الحاضر، فحاضرنا كان المستقبل بالنسبة لماضينا، وفى حينه لم نتخذ قرار بناء الحاضر، فبتنا مهددين [...] وتتمثل العلاقة

  1. المرجع نفسه، ص.7
  2. المرجع نفسه، ص 8 وما بعدها.

النظرية للمضي بالمستقبل [...] في اكتشاف تطبيقات سنن التاريخ"10، وتلمس سنن القوة والضعف، والنظر إلى التاريخ كمعمل تجارب. وليست هذه الرؤية ذات طبيعة تراجعية نحو الماضي، ولكنها عودة متكاملة الأركان إلى أصول مرجعيته، تجعل من الدين ومرجعيته حافزين إلى الاهتمم بصياغة الحياة وإعمرها بمنهج تلك المرجعية، واهتممها بالواقع، لتكون مجمل هذه الرؤية المنطلق والمحرك والهدف في بناء المستقبل. ومن هنا تبدو هذه الرؤية الاستشرافية في عودة إلى الماضي لا للجمود عليه بل للاعتبار به، ولا تهرب من ضغوطات الحاضر للمستقبل فتتحدث حديث الأماني أو الانتظار، بل هي أصول فعل وفاعلية. إنها تعبيرٌ عن الوعي المتكامل لمعادلة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ فهذه المعادلة الموصولة والمتواصلة هي التي في إمكانها وضع الأسس العلمية والتربوية لبناء المستقبل. لقد أوضح النص القرآني أن أمر الله قد أتى ﴿أتَٰ أَمْرُ اللَّهِ فلَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحلَ: 1). إنها العظمة القرآنية في التعبير بالماضي، ثم المضارع، ليحول النظر الإنساني إلى أنّ أمر الله آتٍ لا محالة، وأن ليس على الإنسان استعجاله، بل العمل حتى بلوغه. وها هو النبي الأكرم يحيلنا إلى العمل المتواصل "إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها"11. إنّ هذه الأمة قد تنكفئ على نفسها وتبدأ في الاستغراق في استحضار أمجاد الأمة في الضمئر والعقول، لأنها لم تعد ترى من جدوى في الحديث عن المستقبل أو الاستعداد له؛ فالذي يشارف على الموت يعلم أنّ مستقبله هو اللحظة التي يعيشها بأزماتها وأوجاعها، فتبقى هذه اللحظة بالنسبة إليه استعراضًا لشريط الذكريات. كم أنّ هذه الأمة قد تجعل من الحديث عن عمر أمة الإسلام وقرب أجلها وما يترتب على ذلك من تكثيف الأحداث في الأعوام المتبقية ما يورث ثقافة انتظار لا ثقافة نظر، وثقافة قعود واتكال لا ثقافة فعل وفعالية؛ ينتظرون البشارة فتقع في أيديهم باردة، ولا يتفاعلون مع النذارة عادّين أنفسهم غير معنيين به، بل غيرهم هم المعنيّون (بالدمار والهلاك). بينم تريد مجتمعات أخرى ضمن نظرها العليل وفعلها الكليل؛ ﴿كَلٌّ علَٰ مَوْلَهُ أيْنمَ يُوَجِّههُّ لَ يأَتِ بِخَيٍْ﴾ (النحلْ: 76)، أن ترى في ذلك نظرية لخرق المراحل والمسافات والقفز عبر الزمان والمكان، فتحاول رسم صور مستقبلها بالتشبه بمجتمعات تختلف عنها، مارست سيرها الطبيعي في جادّات التاريخ والجغرافيا، واكتشفت صور مستقبلها بالمناهج التي أفرزتها مسيرتها. وعندها لا يكون هذا التشبه سوى صور كاريكاتورية لا تعبر عن الواقع بشيء: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة وذراعًا بذراع، حتى إذا دخلوا جحر الضب لدخلتموه معهم"12.

  1. المرجع نفسه، ص.9
  2. رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد.
  3. رواه البخاري ومسلم.

ومن هنا، ليس استشراف المستقبل وبناؤه تجاوزًا للحقائق الكونية، ولا خرقًا للزمن والواقع أو الاستغراق في واحدة من حلقات الزمن، من ارتكانٍ إلى الماضي، أو وقوعٍ في أسر الواقع وضغوطاته، أو انطلاقٍ إلى المستقبل بلا عمل، ركونًا إلى حديث الأماني؛ بل هو نظرٌ بعيد، وحركة تدبير تمتلك ثلاث عيون بصيرة، عينٌ تنظر إلى الماضي وتستلهم منه، وأخرى تتأمل الحاضر وتنطلق منه، وثالثة تتبصر المستقبل وتستشرفه، في إطار نظرة تكاملية واحدة13.

ثانيًا. حركة التاريخ والرؤى الإسلامية للمستقبل

فى سياق التفاعل بين السنة التاريخية، وعناصر الفعل التاريخي، وجانبَيْ عملية التغيير (الثابت والمتحرك)، والاستخلاف الذي يحدد مسار الحركة، والتوحيد الذي يشكل المقصد الأعلى والنهائي لكلّ حركة؛ تقدم الرؤية الإسلامية تصورًا متميزًا لفلسفة التاريخ؛ بحيث لا تنزلق هذه الرؤية إلى وصف الحركة التاريخية بالخط الجامد، سواء في صعود أو نكوص، أو في شكل دائري يرتبط بالمراحل، ولكنها تجعل هذا الشكل يتخذ صورة العلاقة الشرطية صعودًا وهبوطًا وفق حركة الإنسان وفاعليته في إطار فقه السنة التاريخية وعملها، والتمييز بين الحدود الثابتة والجوانب المتغيرة في عملية التغيير في الإطار المكاني والوعي بالزمن، متخذًا مسار الاستخلاف منهجًا ومن التوحيد مقصدًا. ومن ثمّ، فإنّ هذه الرؤية تتحفظ على فكرة الخطوط الصاعدة والهابطة. ويبدو ذلك في اختلاف التضاد الذي لازم التفكير في فلسفة التاريخ بين من وُصفوا في هذه الكتابات بالمتشائمين أو المتفائلين، وبين من فسر التاريخ بأنه سائرٌ إلى تدهور، وبين من أكد أنه صاعد إلى تقدم. ولا تحترم فكرة فلسفة التاريخ وفق مسارها في الفكر الغربي منطق الواقع، ولا تعتمد على المشاهدة والملاحظة والمقارنات في دراساتها، وإنما تنظر إلى تطور الإنسانية من خلال منظار واحد، وفكرة معينة، هي فكرة التقدم، وأحيانًا التدهور. وهي تنبت في رأس فيلسوف التاريخ على نحو نظري فرضي، ثم يحور هؤلاء الفلاسفة حقائق التاريخ ويبدلون فيها لتلبس تلك القوالب العقلية التي يفرضونها عليها فرضًا، وهي قوالب وأفكار لا تفسر لنا لماذا يتطور التاريخ في اثنين أو ثلاثة أو أكثر من العهود. إنّ فلسفة التاريخ لا تعطينا الأسباب لتطور المجتمعات البشرية، وإنما ترسم لنا صورةً نظرية لا تفهم أسبابها لاختلاف النزعات الشخصية، ووجهات النظر عند فلاسفة التاريخ، وفعل السنن الشرطية في تحديد المسار؛ بحيث تشكل هذه الرؤية رؤيةً مهتدية بالأصول الإسلامية، وتستند في ذلك إلى حقائق الواقع والنمذج التاريخية التي تقوم بعرضها، لا على شكل افتراضات نظرية أو نزعات شخصية أو وجهات نظر قيمية.

  1. المؤمن، ص 11 وما بعدها (بتصرف.) الاتجاه الجبري في تفسير التاريخ وحركته

وعلى أهمية إبراز التوجهات المختلفة لرؤية حركة التاريخ وتفسيرها في الفكر الغربي، وخاصة أنها تقوم على مجرد افتراضات نظرية، فإنها تحولت لدى البعض إلى مناهج لدراسة الظواهر والقضايا المتعلقة بالتطور التاريخي، وعلى وجه الخصوص قضايا التغيير والتطور والتقدم، وهو ما حدا بالبعض إلى توجهات معينة في دراسة التاريخ الإسلامي وفق هذه الرؤى الافتراضية، ما أدى إلى تشويه دراسته14. ويمكن الباحثَ أن يميز – بدرجة نسبية – بين مجموعة من الاتجاهات في إطار التراث الإسلامي، تشمل معلمت رئيسية يمكن مراجعتها وفق أصول الرؤية الإسلامية للتفسير التاريخي، أهمها:

وينطلق هذا الاتجاه من أنه لا قدرة للعبد أصلً، لا بالتأثير ولا بالكسب؛ بل هو بمنزلة الجمدات فيم يوجد منها. وإذا نسبت الأعمل إلى المخلوقين فإنما تنسب مجازًا. وهذا الموقف على وضوحه، هو في جوهره موقف ضعيف يحاول تبسيط المشكلة أكثر من اللازم، وتبدو خطورة هذا الاتجاه في تكريس الأمر الواقع أيًّا كانت صورته وطبيعته، وبعدِّ حوادثه أمرًا جبريًا قدريًا لا يسأل عن الأسباب والمسببات فيها، بما ينتج جملة من التفسيرات الخاطئة من ربط الحوادث بغير مسبباتها الحقيقية، فضلً عن أنّ هذه الرؤية الجبرية تعطي تكييفًا للفساد في المجتمع، كم تغيّب فاعلية الإنسان وحركته في الوجود، بما يتنافى مع أصول الرؤية الإسلامية، ويعطل مجموعة من القيم الإسلامية المرتبطة بالحركة والتغيير، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر15. الاتجاه الإرجائي في تفسير التاريخ ويتركز هذا الاتجاه على الاعتقاد بأنّ الإيمان قول بلا عمل، وأنّ من ارتكب كبيرة من معاصي الله مؤمن كامل الإيمان عند الله بعد أن يكون مُقرًّا بالتوحيد. وحقيقة الأمر أنّ القول بالإرجاء – بوصفه تفسيرًا للتاريخ وحركته – ذهابٌ بالإسلام كله؛ فهذا التوجه يحمل الترخيص في المعاصي، والطمع في الجنة بلا رجوع ولا توبة، وتشكيك الخلق في وعيد الله. كم أنه يجرد التوحيد من آثاره العملية والاجتمعية والسياسية، بما يؤدى إلى انتهاك حرمات الله، وتعدي حدوده، والاستخفاف بحقه، والفساد في الأرض، والعمل بالظلم في عباده وبلاده. فهذا الاتجاه، وإن اختلف مع الجبر - سندًا وتفسيرًا – يؤول إلى

  1. Cf. Jochen Hipplar & Andrea Lueg (eds.), The Next Threat: Western Preceptions of Islam (London: Pulto press and transitional Institute, 1995).
  2. سيف الدين عبد الفتاح، الجانب السياسي لمفهوم الاختيار لدى المعتزلة: بين الإدراك الذاتي والفهم الاستشراقي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة،.1985

النتائج المترتبة على القول بالجبر ذاتها، من تكريس الأمر الواقع وتبريره، والإبقاء على فساده، وشل الفاعلية الإنسانية جملة16. عقيدة المهدي الشيعية والاتجاه الأسطوري بوصفه الواقع الإسلامي متدهورًا في سيرة، هابطًا في خطة، فإنّ هذا الاتجاه يقرّ بذلك تصرف الغاصب لأمر الأمة، ويبرّر الخضوع بالتقية، ويمنع الثورة والخروج إلا خلف الإمام الغائب المنتظر عندما يظهر. وقد وجدت هذه الرؤية من الفكر السياسي الشيعي الحديث تطويرًا جادًا جعلها أقرب إلى الرموز، لكنها لم تجعله معيقًا للحركة ومستسلمً للفساد، وذلك من خلال فكرة ولاية الفقيه17. الاتجاه العضوي الطبيعي (الاتجاه الخلدوني) على الرغم من أنه يمكن تصنيفه في نظرية التعاقب الدوري للحضارات، وأن الحضارة التي تتعاقب على الأمم تأخذ أربعة أطوار، هي طور البداوة ثمّ طور التحضر ثمّ طور الترف ثمّ طور التدهور الذي يؤدى إلى السقوط، على اعتبار أن الحضارات والدول لها أعمر طبيعية كالأفراد، وعلى الرغم من قيمة توجه ابن خلدون وتفسيره في هذا المقام لحركة التاريخ، واعتمده في كثير من الأحيان على مبدأ حرية الفعل الإنساني في التاريخ، فإن هذا التوجه في بعض جوانبه شدّد فيه ابن خلدون على حتميةٍ هي أقرب إلى اتجاه الجبر، تنفي الدور الإنساني وفاعليته؛ بل إنه يؤكد في بضعة سطور من مقدمته عدم جدوى ذلك الجهد الإنساني في وقف التدهور الذي يصيب الدولة حتمً، إذ قرّر أنّ العوائد المستقرة يستحيل تعديلها أو تغييرها؛ وهذا التعميم على إطلاقه غير موفق من ابن خلدون، وكان الأجدر به أن يشير إلى صعوبة ذلك، وهو أمرٌ لا مراء فيه، لا إلى استحالته؛ فيقول إنّ "[...] العوارض المؤذنة بالهرم وأسبابه تحدث للدولة بالطبع، وأنها كلها أمور طبيعية لها، وإذا كان الهرم طبيعيًا في الدولة كان حدوثه بمثابه حدوث الأمور الطبيعية، كم يحدث الهرم في المزاج الحيواني، والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها، ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل"18. وتؤكد هذه الرؤية الخلدونية، والتي أفرد لها ابن خلدون فصلً كاملً، "[...] أنّ الهرم إذا نزل لا يرتفع"، ويردّ عليها تحفظات أساسية، وخاصة في النتائج التي توصلت إليها. فهذه النتائج، على الرغم مم تصطبغ به من عملية وملاحظة دقيقة، فإنها تبالغ في تصورها "الطبيعي"، وفي مشابهتها "العضوية"، ورتب النتائج هي حادثة بفعل الزمان وحركته من هرم أو مرض؛ ولكن الدولة، من حيث تتكون من

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، اعتنى به هيثم جمعة بلال (بيروت: مؤسسة المعارف، 2007)، ص.320

مجموعة من الكائنات العاقلة المفكرة الفاعلة، فهي تستطيع من خلال فاعليتها التحكم في حركة التغيير كمًّ وكيفًا، من خلال التعامل مع القوانين التي تحكم عملية التغيير. وعلى هذا، فليس الأمر كم قال ابن خلدون؛ ذلك أنّ ما أكد استحالته يقع في دائرة الإمكان، "إذا أخذ بأسبابه وسيطر عليها البشر"، فإنه في نسبته الأمور إلى العوائد، وإطلاقه أنها غير قابلة للتغيير أمرٌ يتحفظ عليه؛ فإنّ العائد قابل للتغير؛ أحيانًا طبيعيًا وأحيانًا أخرى بالتدخل المقصود، لأنّ الزعم بفعل العوائد القاطع والمطلق بما يصير الإنسان موضوعًا لا فاعلً يؤدي إلى التمس العذر لجميع اللئام وجميع المقصرين وجميع الفاسقين والضالين، والعادات يجوز انتقاضها ووقوع الخُلف فيها بالأزمان والأماكن، كم يذهب إلى ذلك المعتزلة. وكل هذه الرؤى لا تفطن في تعليلها وتفسيرها للتاريخ حركة ومغزى إلى جوهر السنة الشرطية التي تعبّ عن جوهر الرؤية الإسلامية للتغيير. وتأسيسًا على هذا، فإنه ليس من العيب تصور حركة التاريخ أنها تسير إلى خط هابط، على أن يكون هذا التقرير وصفًا لحركة الواقع، مستندًا إلى حقائق تاريخية وقعت وانقضى زمانها؛ إلا أن ذلك لا يبرر إطلاقًا تكوين مجموعة من الأحكام القيمية لحركة التاريخ وتعميمها بصورة غير منضبطة على حركته في المستقبل19. كم أنها، أخيرًا، ترفض ذلك التوجه القائل إنّ تفسير حركة التاريخ في الرؤية الإسلامية يتمثل في تزكيتها للحركة النكوصية للتاريخ؛ وذلك استنادًا إلى بعض الأحاديث النبوية. ويستند هذا الرفض إلى أنّ تفسير هذه الأحاديث قد جرى بصورة قاصرة؛ يعود ذلك إما إلى الجهل بضوابط علم الأصول في ذلك المقام، أو الجهل بالأدوات لتفسيرها. فقد أكد بعض المستشرقين، وشايعهم في ذلك بعض الباحثين العرب22، أنّ الإسلام ينظر إلى التاريخ نظرة تشاؤمية تقوم على التدهور كقدر مقدور، وحتم لا فكاك منه. واستندت في رؤيتها تلك إلى مجموعة من الأحاديث النبوية تتصل بواقع الإسلام أو التنبؤ بواقع المسلمين؛ فقد أولت معظم هذه التوجهات أحاديث "غربة الإسلام" أو الأحاديث الأخرى التي أشارت إلى تفضيل العصور بالنسبة إلى علاقتها وتفاعلها مع المثل الأعلى ومعايشته والعيش به وبمقتضاه، إلى أنها تتبنى نظرة تشاؤمية نكوصية لحركة التاريخ.

  1. انظر: سهيل عناية الله، "استشراف مستقبل الأمة: مراجعة لنماذج المحاكاة ومداخل دراسة المستقبلات البديلة"، مجلة إسلامية المعرفة، السنة الخامسة، العدد 17 (صيف 1999)، انظر خاصة ص 87 - 88. وانظر للمؤلف نفسه: Sohail Inayatullah, "Whom am I to When am I?", Future , vol. 25, no 3 (April 1993); Sohail Inayatullah, "Deconstructing and Reconstructing the Future", Futures , vol. 22, no. 2 (March 1990); Sohail Inayatullah, "Beyond the Postmodern: Any Futures lift?" Islamic Periodica , vol. 5, no. 1 (1995); Sohail Inayatullah, "Islamic Civilization in Globalization: From Islamic Futures to Postwestern Civilization," Metafuture , accessed on 12/4/2017, at: https://goo.gl/KceVNS

وواقع الأمر، كم أشرنا إلى ذلك إجملً، أنّ هذه التوجهات لم تفهم مناسبة الحديث ومقصود الصادق الأمين، بل فسرتها وفق هواها البشري، من دون ضابط ولا رابط. وأوضح الأحاديث التي استندت إليها تلك الرؤية حديث "خير القرون قرني "[...]23؛ وحديث "لتنقضن عرى الإسلام "[...]32، وحديث "بدأ الإسلام غريبًا "[...]42. ويعود خطأ التفسير لهذا الحديث أو الأحاديث الأخرى المرتبطة به والمتعلقة بنفس السياق إلى الغفلة عن: البحث في اتساق الرؤية القرآنية مع الرؤية النبوية للتغيير، وحركة التاريخ وفق قواعد التعارض والترجيح. ضرورة ملاحظة الأحاديث الأخرى؛ تآلفها وتناسق بعضها مع بعض، لتكوين رؤية متكاملة. ربط الحديث عامة بتنوع وظائف الرسالة والنبوة وتكاتفها في تحقيق الغرض والمقصود. وبيان ذلك أولً أنّ المنهج التجزيئي في إيراد الدليل والخروج به (قرآنًا كان أم سنةً صحيحة) إلى حكم كلي أمرٌ يتنافى والنظر السليم للشرع بوصفه وحدة كلية شاملة، وأنّ هذه الرؤية الشاملة التي تتميز بها الرؤية الإسلامية هي المؤدية إلى التعميم الحكمي الصحيح، والاجتزاء مؤدٍّ إلى تعميم خاطئ أو على الأقل قاصر. ومن هنا؛ لا يجوز انتقاء الأدلة لاستظهار الرأي المسبق بما يعكس منهجا تجزيئيًا انتقائيًا لا يقوم على أساس من القواعد المنهاجية في علم أصول الفقه لفهم الدليل من الكتاب والسنة52. ولا يعنى المنهج الكلي الشامل في استقراء الأدلة بحالٍ افتراض التناقض بين النصوص الإسلامية؛ ذلك أنه أمرٌ بعيد عن مقتضى تلك الرؤية التي تؤكد ضرورة الاستقراء المنهجى لمعظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ بحيث يجري التنسيق بينها لرفع تعارض موهوم بفعل قصور في الإدراك يبدو من النظر الأول من دون تفحص. وإضافة إلى ذلك، يفسر ذلك الأمر ويتساند معه ضابط منهجي مهم في التعامل مع السنة النبوية، يخرج عن إطار الضبط لدرجة الحديث وروايته وصدق متنه؛ ولكنه يسير خطوة أبعد من ذلك بربط جملة

  1. لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضًا: الحكم، وآخرهن الصلاة" (رواه أحمد والطبراني وابن حبان).
  2. بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (رواه مسلم). وانظر في شرح الحديث: ابن رجب الحنبلي، كشف الكربة في وصف أحوال أهل الغربة، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز (القاهرة: المكتبة القيمة، 1982)، ص 3 - 8 (مقدمة المحقق)، ص 10 - 12 (شرح ابن رجب للحديث)؛ مسلم، صحيح الإمام مسلم بشرح النووي، ط 2 (القاهرة: المطبعة المصرية، د.ت)، ص 177 وما بعدها؛ الشاطبي، الاعتصام، تحقيق محمد رشيد رضا (القاهرة: دار التراث العربى، د.ت.)، ص.35 - 18
  3. انظر فى هذا: الشاطبي، الاعتصام، ص 247، حيث يقول: "ذلك أنّ التعارض إذا ظهر لبادي الرأي فى المقولات الشرعية، فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلً، وإما أن يمكن؛ فإن لم يمكن فهذا الفرض بين قطعي وظني أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع فى الشريعة ولا يمكن وقوعه؛ لأنّ تعارض القطعيين محال؛ فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني؛ وإن وقع بين ظنيين منها، للعلماء فيه الترجيح، العمل بالأرجح متعين، وإن أمكن الجمع فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع".

الأحاديث بوظائف الرسالة والنبوة، بما يرفع تناقضًا قد يتوهم أو لبسًا قد يقع. ويستند تفصيل ذلك الأمر إلى القرآن في تحديد وظائف أربع للنبوة هي الشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله. وما يهم في هذا المقام، ذلك اللبس الواقع بالفصل بين وظيفتي البشارة والإنذار من ناحية، أو الخلط بينهم من ناحية أخرى؛ ذلك أنهم يتكاملان في تحقيق مقصود الدعوة رهبًا ورغبًا. فالاقتصار على موضوع البشارة قد يحول النفس إلى ركون وقعود تحت دعوى الثقة بالله وإحسان الظن به، "لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل". وأما الاقتصار على موضع الإنذار، فقد يوجد ظنًّا خاطئًا لا يقلّ خطورةً عم سبقه، إذ يتصور أنه يؤدّي إلى التعجيز، فيعدّ ركونًا من نوع آخر يستند إلى اليأس ﴿إِنَّهُ لَ يَيْأسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف).87: وعلى هذا، كان الفهم المتكامل والمتفاعل لمهمتي البشارة والإنذار في إطار من فقه جوهر سنن الله الشرطية، يجعل من البشارة تحفيزًا إلى الحركة بمقتضى الشرع لا ارتكانًا إليها، ويجعل من الإنذار تحذيرًا من الوقوع في حال يعقبها سوء عاقبة وشرّ مآل؛ فهو إعانة على الحركة البصيرة المهتدية، وتحقيق مقتضى الاعتبار من الإنذار، حتى لا تنزلق الحركة الإنسانية إلى انحراف أو تتوه عن طريق؛ وكل ذلك في إطار ابتغاء مرضاه الله؛ ﴿يَا أيُّهَا الِْنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ﴾ (الانشقاق).6: وفي هذا الفهم المتكامل والمتفاعل لمهمتي البشارة والإنذار، يؤكد الشاطبي في تعبير دقيق يعبر عن فهم عميق: "فإذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه، وبالعكس؛ وعلى هذا النهج من الضرورى فهم السنة [...] وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال، فيرد التخويف ويتسع مجاله لكن لا يخلو من الترجية، وترد الترجية أيضًا ويتسع ذلك في مواطن القنوط ومظنته، ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب كان جانب التخويف أغلب، وذلك في مظانه الخاصة لا على الإطلاق، فإنه إذا لم يكن هناك مظنة هذا ولا هذا أتى الأمر معتدلً [...] فلكل موطن ما يناسبه [...] على البشارة والنذارة، وهو المقصود الأصلي [...] ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء، لأنّ حقيقة الإيمان دائرة بينهم [...] فإن غلب عليه طرف المخالفة فجانب الخوف عليه أقرب، وإن غلب عليه التشدد والاحتياط فجانب الرجاء إليه أقرب، وبهذا كان النبى عليه الصلاة والسلام يؤدب أصحابه"72.

  1. الشاطبي، الموافقات فى أصول الشريعة، ط 3 (القاهرة: دار الفكر العربى، د.ت.)، ص 358 - 366. ومفهوم الإنذار نجده مبثوث ا فى كتابات كثيرة؛ انظر على سبيل المثال: ابن تيمية، أحكام عصاة المؤمنين، جمع وتقديم مروان كجك (القاهرة: دار الكلمة الطيبة، 1985)، ص 15 - 16. وعن مهمة الإنذار، انظر: محمد إبراهيم نصر، الإعلام وأثره فى نشر القيم الإسلامية وحمايتها، ط 2 (الرياض: دار اللواء، 1980)، ص 17-10؛ أحمد حمد، الجانب السياسي فى حياة الرسول (الكويت: دار القلم، 1982)، ص 26 -.28

إنّ القيام بوظائف النبوّة الأربع التي تشكل الوعي بأصول هذه الوظائف وامتدادها في الزمان والمكان، والفهم الصحيح لوظائف الرسالة على مر الزمان؛ هو الذي يعصم الذهن المسلم من أي تفكير فاسد أو مختل لا يضبط النسب أو يتعرف إلى مآلات الأفكار وتأثيراتها إن سلبًا أو إيجابًا. تشير هذه الوظائف إلى "عالم الشهادة" بوصفه عالمًا أساسيًا يرتبط بواقع الإنسان وشهوده شاهدًا ومشهودًا بما يعبر عن الاهتمم اللائق بعالم الحضور والشهادة، بحيث يعمل في هذا العالم عوالم البشارة والنذارة والدعوة ليحقق الشهود والشهادة على العالمية. وهذا يرتبط بالأدوات التي تتعلق بإرسال الرسل، أدوات تفعل الوظائف المختلفة: البينات التي مصدرها الكتاب، والميزان الذي يزن الفاعليات، والحديد الذي يحمي الحق المتمثل ببينات الكتاب، وميزان العدل، القوة تحمي الحق وتؤيده. وهذه الرؤية الكلية للرسالة وظائف (البشارة، والنذارة، والدعوة)، وأدوات (البينات، والكتاب، والميزان)، ولغايات (ترتبط بإضاءة الوعي "السراج المنير" وعدل السعي "ليقوم الناس بالقسط")؛ فهم وظيفة البشارة لحفز الفعل الحضاري لئلا ييأس، وفهم وظيفة النذارة لدافعية الفعل الحضاري لئلا يركن أو يغفل، وفهم وظيفة الدعوة التي تحرك فاعليات الإنسان المسلم في كل علاقاته وفاعلياته، فتكون مجال شهوده الحضاري مستخدمًا كل الأدوات من بينات واضحة، وكتاب منير، وميزان قائم، والقوة الحامية للحق بوعى بصير، وعدل مكين82. إنّ هذه الأحاديث كم تتضمن إنذارًا تشتمل بشارةً تحفز الهمم من خلال القياس على غربة الإسلام الأولى، فإنّ بروز الإسلام غريبًا وعودته غريبًا من دون تحديد زمن إنما يؤكد أنّ الغربة ليست مفتتح الصلاح فحسب، وإنما هي كذلك أمر مرغوب ومطلوب، ما يعنى ضرورة عدم اليأس، وبقاء طائفة من الأمة قائمين بالحق موعودين بالنصر والإظهار. وهذه الرؤية، إذ تعتبر في الحقيقة عناصر الوعي بالزمن ومسؤولية التغيير وعملية تراكم الفساد وأثرها في عملية التغيير؛ يجب ألا ينصرف إلى الرؤية النكوصية للتاريخ، بل يجب أن تُرد أساسًا إلى فعل السنن الشرطي المرتبط بحركة الإنسان إخفاقًا أو نجاحًا، صعودًا أو هبوطًا. وكم أشرنا آنفًا في عناصر الفعل التاريخي (الزمان، والمكان، والإنسان)، فإنّ رؤية الزمان تعبر عن رؤية ناضجة تعني البصر بتتابعه، وما يؤديه ذلك من الابتعاد عن التواصل مع الشرع والأصول: ﴿فخَلفَ مِن بَعْدهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأخُذُْونَ عرضَ هَٰذَا الْ دْنَٰ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لنَا وَإِن يَأتهِمْ عرَضٌ مِّثْلهُ يَأخُذُْوهُ ۚ ألَمْ يُؤْخَذْ علَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّ يَقُولُوا علَ اللَّهِ إِلَّ الْحقَّ ودرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْخِرَةُ

خَيٌْ لِّلَّذِينَ يتَّقُونَ ۗ أفلَ تَعْقِلُونَ؛ وَالَّذِينَ يَُسِّكَُونَ بِالْكِتَابِ وَأقَامُوا الصَّلةَ إِنَّا لَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحيِنَ ﴾َ (الأعراف: 170-169)، ﴿فخَلفَ مِن بَعْدهِمْ خَلْفٌ أضَاعُوا الصَّلةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهوَاتِ ۖ فسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا؛ إِلَّ مَن تَابَ وَآمنَ وعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخلُونَ الْجنَّةَ ولَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (مريم: 60-59). والفطنة لهذا الأمر بصر بالحق واتباعه، واعتبار بنمذج سابقة، وإنذار ليس من بعده إعذار ﴿ألَمْ يأَنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تَخْشعَ قلُوبهُمْ لذِكَْرِ اللَّهِ ومَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ ولَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فطَالَ علَيْهِمُ الْ مَدُ فقسَتْ قلُوبهُمْ ۖ وكَثيِرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 16). ذلك أنّ الوعي بالإطار الزماني (الماضي والحاضر والمستقبل) في عناصره، له قيمته الحضارية الكبرى؛ إذ يربّ الإنسان المؤمن على محاسبة نفسه على كل يوم يحياه، بل على كل لحظة من العمر ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظَُرْ نَفْسٌ مَّا قدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ خَبيِرٌ بَِا تَعْمَلُونَ؛ ولَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنسَاهُمْ أَنفُسَهُمَْۚ أُولَٰئِكَ همُ الْفَاسِقُونَ؛ لَ يَسْتَوِي أصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الْجنَّةَِ ۚ أصْحَابُ الْجنَّةِ همُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشرَ: 20-18)؛ ﴿وَقِفُوهُمْۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ؛ مَا لَكُمْ لَ تنَاصَُونَ؛ بَلْ همُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ (الصافات: 26-24). وتأتي بعد عمر الإنسان المحدود على هذه الدنيا الفانية حياة خالدة في الدار الآخرة الباقية، سوف يكون فيها حساب وجزاء على ما قدمت يداه في كل لحظة من لحظات حياته في الدنيا من قبل ﴿فمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عمَلً صَالِحًا ولَ يُشِْكْ بعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ (الكهفَ: 110). وهكذا ترهف عقيدة الحساب والجزاء في الآخرة إحساس المؤمن بالزمن من جهة، كم تكفل استمرار الجد في السعي لآخر لحظة من العمر، ما يجعل لأثر الإيمان باليوم الآخر ضمن الاستمرارية لاتصال النشاط الحضاري، وتراكم الجهود المتضافرة. ويحتاج بناء الحضارة إلى وعي بالزمن من جهة وطاقة "دينامية" تملأ الزمن بالحركة والحياة المتجددة التي تتباين مجالاتها وأساليبها وفقًا لظروف الواقع المتغير واحتياجاته على هدي مبادئ الإسلام وتعاليمه.

ثالثًا. نهاية التاريخ يف رؤية بعض المسلمين

من المهم أن نرصد اتجاهًا مهمً في تصور التحديات وطرائق مواجهتها يتمثل في كتابات بدأت تبرز مؤخرًا، وكأنها تمثل نسخةً جديدة، من بعض الباحثين المسلمين، بشأن نهاية التاريخ؛ وهي تصورات باتت تجابه التحديات المتعلقة بالنظام العالمي الجديد، وبالولايات المتحدة، وبالصراع العربي الإسرائيلي، وبالفتن المتعلقة بعالم المسلمين، وبتفسيرات لعامة الأحداث السلبية، وبالتبشير ببعض الأحداث الإيجابية، وبظهور المهدى أو التهيئة لظهوره، وبقرب نهاية العالم وما يعنيه ذلك من بشارات ونبوءات، لمقولات الأصول وما في حكمها... إلخ. ونجد ضمنها كتبًا ترصد أحاديث الفتن والملاحم، وأحاديث ترصد النبوءات

  1. انظر فى هذه المعانى: فتحي عثمان، القيم الحضارية في رسالة الإسلام (جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1982)، ص 91 -.101

أو العلامات، وكتبًا تبشر بدمار أميركا القادم، وربما الوشيك، وكتبًا تبشر بهزيمة إسرائيل ودمارها، وكتبًا تبشّ بانتصار العرب والمسلمين، وما يعنيه ذلك من هزيمةٍ للغرب، وكتبًا تتحدث عن عمر أمة الإسلام وما يرتبط بذلك من جدال، وظهور المهدي الذي سيملأ الأرض عدلً بعد أن ملئت جورًا، وغير ذلك من كتابات. وبدا هؤلاء يستندون إلى النبوءات وإلى مصادر من كتب الحديث، يفسرونها ويؤولونها. وتبدو هذه الكتابات تتحرك ضمن مفاهيم أربعة ذات تعلق بالتحديات: مفهوم الفتن، ومفهوم العلامات، ومفهوم البشارة، ومفهوم التنبؤ بعالم الأحداث المستقبلي. يرتبط كل هذا بعالم الأحداث، سواء في شكل التعبير عن إرهاصات الحدث أو توقع حدوثه، وقد يسرف البعض في تحديد زمان وقوع مثل هذه الأحداث، استنادًا إلى أمارات أو علامات يؤول لها أو بها. والخطر الذي نود أن ننبّه إليه ليس في عملية إثبات صحة النقل؛ فلهذا رجاله الثقات القادرون على ممرسة هذا المنهج المتميز، والذي اختص به العلمء المسلمون، ولكن في لفت الانتباه إلى مناهج النظر والتفكير والتدبير والتغيير ضمن تأويلات نظن أنها قد أخطأت الطريق هدفًا وتوظيفًا. وربما يحسن أن ننبه ضمن الخريطة الإدراكية لعالم التحديات الآنية والمستقبلة وعملية الاستجابات والتعامل معها إلى خطورة هذا النمط من التفكير ومناهج النظر. وواقع الأمر أنّ هذه الاتهامات تقود إلى نتيجة غير مباشرة؛ إذ تكرّس عقلية "الانتظار" و"الإغراء" به، وتحوّل "الوعد" و"البشارة" و"العلامة" في واقع الأمر إلى عالم الأحداث المعاصر وإمكانات التنبؤ بمساراته، وتحوّل الأمور إلى التفكير في التحديات ومواجهتها من خلال أسلوب "الأمانيّ" ﴿لَّيْسَ بِأمَانيِّكَُمْ ولَ أمَانِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بهِ ولَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا ولَ نَصيِرًا﴾ (النساء: 123). ونظن أنّ منهج نظر هذه الكتابات يلقى رواجًا في أذهان "العامة"، وكثير صاروا يروجون هذه التأويلات والأفهام، وصارت محلّ جدلٍ شديد. وإنّ كثيرًا من هذه الكتابات تلهي الإنسان المسلم عن الفطنة إلى عالم الأحداث الذي يجرى أمامه، وتشير إلى الدخول إلى منطقة خطرة قد تنقل معاني الغيب ووظيفته، وباعتباره من أصل البنية المعرفية الإسلامية في إشارة إلى القصور البشرى والإنساني ﴿ومَا أوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّ قَلِيلً﴾ (الإسراءُ: 85)، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمً﴾ (طه: 114)؛ ﴿وعلَمّكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وكَانَ فَضْلُ اللَّهِ علَيْكَ عَظِيمً﴾ (النساء).113: إنّ الغيب يقدم النسق المفتوح للعلم وتحصيله، والإحساس المستمر بقصور العقل الإنساني في إدراك مساحات كثيرة من الكون وما يحدث فيه. وإنّ هذه الكتابات بما يحيل بعضها إليه من علامات، قد تزكّ عناصر ثقافة الانتظار، حتى يقع التنبؤ، من دون ردة فعل إنساني؛ إن النبوءات واقعة لا محالة، وعلينا انتظار وقوعها فحسب. إنّ هذه الثقافة الانتظارية تؤدي إلى حالة تحذيرية في حركة البشر وفعلهم الحضاري؛

  1. فى ثقافة الانتظار، انظر: سلمان بين فهد العودة، "الانتظار عقدة أم عقيدة"، موقع الإسلام اليوم، شوهد في 2017/4/11، في: https://goo.gl/jwAvzC

ويطلبون بل يعوّلون على النبوءات لكثير من مشكلاتهم التي تفوق طاقتهم، تبريرًا لوهنهم وضعفهم؛ وقد يزينون ذلك الفهم الكسول والمنتظر بأنه ﴿لَيْسَ لهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: 58)، وأنّ هذه الأمور في وقوعها وانتظارها ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ (الطور: 8)، على الرغم من أنّ الآيات العمدة في هذا المقام تشير إلى عالم السنن المتعلقة بالتغيير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَ يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حتَّىٰ يُغَيُِّوا مَا بِأنفُسهِمْ﴾ (الرعدَ: 11)؛ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أ: 165 نفُسِكَُمْ﴾ (آل عمران)، ﴿ولَوْ أرَادُوا الْخرُوجَ لَ عَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (التوبة).46: تخطئ هذه الكتابات في تفهّم العناصر الوظيفية لمثل هذه الأحاديث والصحيح منها. وإنّ أحاديث الفتن، وعلامات القيامة، وما يقع في مقامها، هي من مقام الوظيفة الإنذارية للنبوة والرسالة؛ والأحاديث التي تشير إلى ملء الأرض عدلً بعد أن مُلئت جورًا هي في مقام وظيفة البشارة ﴿إِنَّا أرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشًِّا ونَذِيرًا؛ ودَاعِيًا إِلَ اللَّهِ بإِذْنهِ وَسَِاجًا مُّنيِرًا﴾ (الأحزاب).46: إنّ في تكامل وظائف الرسالة (الشهادة، والبشارة، والإنذار، والدعوة إلى الله) وأدوارها تتحدد النتيجة والثمرة في أن تكون الأدوار بمنزلة السراج المنير الذي يستضاء به وعيًا وسعيًا. والبدء بالشهادة (وعالم الشهادة) هو عالم الحضور في قبالة عالم الغيب، ولا تُرى وظائف البشارة والإنذار إلا ضمن عالم الشهادة ﴿وكذَٰلِكَ جعَلْنَاكُمْ أمَّةًُ وسَطًا لِّتَكُونُوا شُهدَاءَ علَ النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ علَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة). 143: وإنّ هذه المعاني تحرّك أصول الدافعية والحفز للفعل الحضاري (الشهادة)، والاهتمم بالواقع وعالم أحداثه وسننه، والقدرة على التأثير فيه وفي مساراته، والحضور والشهود الحضاري القادر على تقديم هذه الرسالة ضمن مجالها الحيوى للبشرية، بل للعالمين ﴿ومَا أرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمةًَ لِّلْعَالَميِنَ﴾ (الأنبياء: 107). والبشارة معنى تحفيزي لا تقع إلا بتحرك الفعل الحضاري نحوها، وبسننها الفاعلة والدافعة؛ فهي ليست قعودًا، بل هي معنى يتطلب من المؤمنين عملً يهيئ البنية والوسط، ليس لتقبل البشارة فحسب، ولكن لتحققها؛ والإنذار هو الوظيفة التحذيرية للبشر من أن يقعوا في زمان تلك العلامات. ومن ثمّ، على المسلمين أن ينتبهوا ويترقبوا هذه المؤشرات الدالة على فساد الزمان وتتبعها بالمواجهة والإصلاح؛ إنها حال من التنبه الدائم القادر على البصر بالواقع والبصيرة في التعرف إلى تحدياته حالً واستقبالً، وطرائق التعامل معها. تمثّل إذًا الدعوة حالةً إصلاحيةً تتكامل فيها وظائف أدوار "الشهادة" و"البشارة" و"الإنذار" وتبصير الإنسان بهذه الحقائق؛ وهذا كله يحقّق الوظيفة في السراج المنير في الظلمة أو في الحلكة أو في الفتن، أو في كل أمرٍ هو محل التباس أو اختلاط أو عمء. إنه السراج المنير لجملة المناشط الحضارية والسير في طرقها بلوغًا للمقاصد بأقصى درجات الفاعلية والتأثير. يبقى بعد ذلك أنّ هذه الكتابات وفق هذه التأويلات الصادة عن الفعل، المنتظرة للتنبؤ، الشالّة للفاعلية، تقصي مناهج التفكير السنني، وتعوّق فاعلياته وتأثيرها في تأصيل مناهج التفكير والتدبير والتغيير؛ وهي بهذا المعنى يجب أن تحتكم إلى قواعد وكليات الوعي بالسنن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَ يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حتَّىٰ يُغَيُِّوا مَا بِأنفُسهِمْ﴾ (الرعدَ: 11). ومن هنا، تبدو لنا عناصر فهم الفعل الحضاري التي لا

تتحقق عدته إلا من خلال السنن والعمل لها وبها، فضلً عن الوعي بأصولها وجوهرها. ذلك أنّ السنن تشير إلى منهج لوصف الواقع الذي نعيشه، والبحث عن مقاصده وحركته، وتتعلم سنن فقه الحال، وسنن فقه المجال، وسنن فقه المآل لتحرك عناصر تفكير مستقبلي يفضي إلى الوعي حينم يتحرك وفق جوهر السنن الشرطية. وفى هذا الإطار، يبدو لنا أنّ التفكير بعالم التحديات (من أزمات، وفتن، وتنبؤات، وأحداث... إلخ)، وكذلك التفكير بنمط التعاملات والاستجابات معها ولها (الوعي، والسعى، والفاعلية)، وتواصل مناهج التفكير بالتدبير، وبالتيسير، وبالتغيير، وبالتأثير والتمكين؛ لتعبّ بذلك عن هذا الإمكان الكبير في دراسة التحديات، لا انتظار انتهائها أو إنهائها خارج دائرة الفعل البشري، لأنّ ذلك في الحقيقة يعني: التأويل الخرافي باسم الغيب. التفريط في قواعد المنهج السنني وكلياته. امتهان معاني "التكليف"، و"الأمانة"، و"الاستخلاف"، و"المسؤولية"، و"الكرامة الإنسانية"، و"الشهادة"، و"الواقعية"، و"اقتحام العقبة". تبديد منظومة مناهج التفكير ومناهج التدبير، والتسيير، والتغيير، والتأثير، والتمكين؛ باعتبارها منظومة متراتبة ومتكاملة الحلقات والتأثيرات. إنّ التنحي عن الفعل، وثقافة الانتظار، والاستقالة الحضارية، وتحويل الغيب من دافعية إلى تأويلات خرافية، وتحويل التنبؤات إلى أمنيات، وتحويل الفعل الحضاري إلى أضغاث أحلام النائمين وخيالات المتوهمين أو كوابيس العاجزين الخائفين المبتعدين لا تغني من شيء في الوعي بالتحديات أو السعي للتعامل معها أو مواجهتها، وإنّ هذه الأمور جميعًا إنما تكرس عقلية اللامسؤولية واللامبالاة والانتظار، مخالفةً بذلك ما تعنيه الآية ﴿وَأن لَّيْسَ لِلِْنسَانِ إِلَّ مَا سعَىٰ؛ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجمَ).40-39: إنّ هؤلاء الذين روّجوا نهاية التاريخ على الطريقة الغريبة ما هم في الحقيقة إلا مبشرين بالانتصار المؤزر للحضارة الغربية وأنساقها الليبرالية، ومحذرين كل من يتحدى ذلك، مؤكدين أنّه ما من أحد قادر على التحدي فضلً عن مواجهة ذلك الانتصار، وأن من يتحدى سيكون مصيره الهزيمة النكراء، وأنّ التاريخ قد انتهى بتربع الحضارة الغربية على عرشها، وأنّ تداول التاريخ قد توقف، مستبطنين حتميةً كامنةً على غرار حتميات ماركس في مسيرة التاريخ وحركته فكريًا وثقافيًا، ضمن هندسة القبول البشري والإذعان، أو، بمعنى أدق، الإذعان في ثوب القبول، أو القبول في ثوب الإذعان. وعلى خطورة هذا النمط

  1. 9 2 ﴿ فلَ اقْتحمَ الْعقَبةَ؛ ومَا أدْرَاكَ مَا الْعقَبةَُ﴾ (البلد.)12-11:

من التفكير الذي يشيع قبول الهيمنة، ويقنّط المتحدين، ويهوّن من إمكاناتهم في المواجهة، فإنّ هؤلاء الذين يبشرون أو ينذرون بنهاية التاريخ في بعض الكتابات الإسلامية التي انتشرت في الآونة الأخيرة لا يقلّون عن سابقيهم خطرًا في تبرير واقع الوهن في عالم المسلمين، وشلّ فاعليات الفعل الحضاري؛ وأيّ الفريقين لا يؤدي بأفكاره إلا إلى شلّ الفاعليات والفعل والتفعيل. وغاية الأمر أن يتوارى الفهم السنني ويستعاض عنه بالتفكير المتعلق بالتمنيات ﴿لَّيْسَ بِأمَانيِّكَُمْ ولَ أمَانِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بهِ ولَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا ولَ نَصيِرًا﴾ (النساء: 123)؛ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أنفُسِكَُمْ﴾ (آل عمران: 165)؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَ يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حتَّىٰ يُغَيُِّوا مَا بِأنفُسهِمْ﴾ (الرعدَ: 11)، وكلها أمور تنافي إعداد العدة ﴿ولَوْ أرَادُوا الْخرُوجَ لَ عَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (التوبة.)46:

رابعًا. الرؤى المستقبلية من المنظور الإسلامي: رؤية نقدية سننية

فى إطار ذلك الرصد الأولى للتوجهات المختلفة للرؤى المستقبلية في منظوراتها الإسلامية، تبدو على بعضٍ من هذه التوجهات تحفظات وانتقادات مهمة؛ وتكرس هذه التحفظات في الوقت ذاته ذلك التوجه السنني في الدراسات المستقبلية – في رأينا – يجمع معظم المزايا التي تمثلها بعض هذه الاتجاهات، بينم ينفي كل العناصر السلبية التي تكمن في بعض هذه التوجهات. ذلك أنّ هذا التوجه السنني يتحرك صوب العمليات المنهجية الدقيقة مستشرفة المستقبل، فإنه يعتمد على صدق الوصف من غير زيف أو تزييف، وعمق التحليل، وجامعية التفسير وشموله، وقدرات التقويم المحركة لكل عناصر الاستشراف والتدبر المستقبلي. إنّ هذا التوجه السنني يتحفظ على توجهات، لقصور تساؤلاتها واقتصارها على جهة بعينها دون الرؤية الكلية الشاملة من مثل التساؤل الذي قفز بحدة بعد الاحتكاك بالغرب المتفوق بعد نهضته، وبعد هزيمة عالم المسلمين من بعد كبوته، فتحرك السؤال: لماذا تخلف وضعف المسلمون وتقدم غيرهم؟ أو التصور الذي يقوم على محاكاة الغرب واللحاق بركبه الحضاري ضمن تصوراته لمستقبل عالم المسلمين. كم يتحفظ هذا التوجه على الاستجابات التي تتمثل في التوجهات الانفعالية والبلاغية، والإغفالية أو الافتعالية، وتلك التوجهات المتمركزة على فكرة المؤامرة، مع ما تتركه من آثار في العقل المسلم وطرائق تفكيره وتقدير إمكاناته وقدراته في الممرسة والحركة، وتحاول أن تحيل مكامن قصورها في التفكير والممرسة إلى عوامل خارجية فحسب، من دون أن ترى فعل القابليات ضمن علاقة منضبطة بين الداخل والخارج؛ ذلك أنّ الخارج لا يمكَّن له إلا بمقدار ما يمكِّن له ضعف الداخل ووهنه، فهذا التمكين لا يجد شرطه إلا في استجابات الداخل وضعف إرادته وقدرته في تعظيم إمكاناته وتحويلها إلى تمكين ومكانة.

أما التوجهات التي مارست نهاية التاريخ على طريقة بعض المسلمين، فهى في غالبها تعلقت بمنطق الغيب وتأولت معاني البشارة والنذارة على غير أدوارها ووظائفها في تشكيل العقل المسلم، بما تهدف إليه من حالة ل "تزييف السنن"، وربما تعطيلها بالكلية. فوضع هؤلاء ضمن تأويلاتهم في حالة المتنبئين بالمستقبل، محددين أزمانًا وأحداثًا على نحو يسوّغ القعود لمن يريد أن يفعل أو الانتظار لمن يريد ألا يفعل مبررًا له انتظاره هذا العقل المتنبئ الذي اختلط فيه الغيب بالأسطورة تأويلً من المتنبأ ضمن مناهج شديدة الإشكال ابتداءً، وكأنه يبشر بأحداث يتلقاها من هو في حالة الوهن أو الكسل العقلي أو المرتكن إلى سلوك يشير إلى اللافعالية من غير جهد واجتهاد. والآية العمدة في مقام تأسيس دراسات مستقبلية هي ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظَُرْ نَفْسٌ مَّا قدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبيِرٌ بَِا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18)؛ إنها آية لافتة إلى ذلك المنظور السنني والمقاصدى في آنٍ واحد، وتستحقّ مزيدًا من التأمل والدرس والتحليل لتحديد جملة العناصر المعادلة المستقبلية وأهم مقاصدها ومكامن تفعيلها؛ ذلك أنّ هذه الآية تمثِّل مدخلً تأسيسيًا لعناصر التكامل بين المدخل السنني والمدخل المقاصدي.

خامسًا. مشكلات حضارية: سنن الحركة والقوة والضعف والتقدم هل يمكن الأمةَ الإسلاميةَ اليوم أن تتحول من حالة العجز والوهن الى حالة الشهود الحضاري؟ أي تساهم في إنتاج الحضارة ولا تكتفي بالاقتصار على استهلاكها؟ إنّ الإجابة بالإيجاب، ولكن هذا النهوض لن يأتي بمعجزة، ولن تحققه الأماني، وإنما للتقدم الحضاري قوانين وسنن إلهية عبّ عنها العديد من الآيات القرآنية. بيد أنّ المشكلة أنّ غالبية المسلمين يتعاملون تعاملً سلبيًا مع هذه السنن؛ فهم إما يجهلونها، أو يغفلون عن آثارها، أو يزيفونها. إنّ الإنسان المسلم يستطيع في حال قوته أن يتفاعل مع هذه السنن فيستثمر كلّ مكوناتها، بحيث يحدث فعلً حضاريًا إيجابيًا؛ أما المسلم الواهن، فيقف من هذه السنن مواقف متعددة هي في جملتها الفعل الحضاري السلبي. وتوضح هذه المواقف السلبية للتعامل مع السنن الإلهية أنّ المسلم المعاصر يجهل فعل السنن أحيانًا، وفي أحيان أخرى يغفل عن أثرها، وفي موقف ثالث يتعامل معها بضعف، فلا تعطى له، وفي موقف رابع يزيف هذه السنن. ويأتي تزييف السنن عندما يزيف الإنسان فهمه لها، ويحدث ذلك في تعامله مع منتجات الحضارة لا إنتاجها، فيقول مثلً: إنّ الله تعالى قد سخر لنا الغرب بتقنياته وعالم أشيائه، فهو ينتج ونحن نستهلك هذا الإنتاج. وهذا الفهم بالطبع لا يمتّ بأيّ صلة لسنة التسخير التي تعبر عن التفاعل الخلاق مع الطبيعة لإنتاج الحضارة أو التفاعل مع الجانب الحي منها.

أما مجرد تكديس عالم أشيائها فهو تزييف لسنة التسخير من جانب بعض الذين يفهمون السنن على غير معناها الحقيقي، فيسوغون من خلال هذا الفهم الخاطئ لها ولواقعهم. استشراف المستقبل، إذًا، ليس رجمً بالغيب، ولا يتأسس على عناصر مصادفة. كم أنه – أي الاستشراف – ليس فعل الأماني الهائم في خيالات وتهويمات من غير فعل التمكين الحضاري. كم أنه ليس فعل التقليد للآخر، أيًّا كانت قاعدته أو رؤيته أو وجهته، فعل جحر الضبّ الذي يقوم على تقليد أمم بالتقدم، حتى لو دخلوه لدخل هؤلاء المقلدون وراءهم. إنّ فعل الحضارة في إطار فهم خاطئ للحاق بالركب الحضاري إنما يعبر عن جوهر التقليد المذموم الذي يصل بالكيان الحضاري إلى حال من استهلاك الحضارة لا إنتاجها، واللهاث وراء منتوجاتها، زاعمً أنّ امتلاك أشياء الحضارة يعني امتلاك أصول الحضارة وأسبابها؛ وهذا لا يفرز في النهاية سوى مُسوخ حضارية مشوهة، هي على النقيض من عناصر استشراف حضاري، ""تعني - ضمن ما تعني - الوعي بالذات الحضارية، وتأسيس قواعد علاقات معه تتسم بالمساواة والندية والقدرة عليها. وإنّ هذا وذاك يؤسّس بدوره وعيًا بالموقف بكلّ أصوله وتكويناته وامتداداته الحضارية. وإنّ السنن المجتمعية والحضارية بذلك تعبّ عن حقيقة حضارية ممتدة، لأنها تعبر عن عناصر التفكير الشرطي ولوازمه ومناهجه، والمترتبة عليه حركة مآلات هذه العناصر وتدبّرها، وتربط بين أصول الوعي وعناصر الفعل والسعي، وحقائق الفاعلية التي تعني الاستمرارية والتجذير والشمول والكلية. ولذلك فإنّ هذه السنن تحرك مكامن الفعاليات المنهجية وقدراتها، فتقدم عناصر الوصف الشامل، والرصد الواعي، وتفاعل عناصر الوصف متغيراته وثوابته؛ وكل ذلك يترك دلالاته على استشراف معالم المستقبل في العلاقات، وموضع عالم المسلمين منه، على نحو متميز يعطي المعاني الحضارية المقام اللائق بها، وفق رؤية السنن التي تعبر عن أقصى فعاليات التفكير المنهجي الذي يؤسس علاقات السببية، ووفق منهج منضبط يتعامل بالأسباب وأوزانها فهمً ووعيًا وفعلً؛ وكل تلك عناصر ترى المستقبل وتستشرف مآلاته بمنظور سنني وبمنهج تفكير سنني. وربما يكون الواقع العربي وواقع المسلمين في النظام الدولى، وهو في حالة مفترق طرق وأزمات متواترة مركبة، يحتاج إلى هذا النهج في التفكير السنني استشرافًا للمستقبل، وبما يوضح الفاعليات المنهجية للرؤية السننية وإمكاناتها البحثية التي تولد مناطق بحث مهمة ومتجددة. إنّ هذا المدخل الذي يعتدّ بفقه السنن، وتأصيل قواعد منهج التفكير السنني، يحدد عناصر الدراسة المستقبلية لا في إطار معاني المفعولية فحسب، ولكن في سياقات الفاعلية. وإن المعاني التي تتحرك صوب "شرطية السنن" هي التي تجعل من استشراف المستقبل معنى علميًا في إطار صناعة فعل الشرط وتحصيله وتمكينه، حتى يمكن بلوغ جواب الشرط في إطار اعتبار عناصر الإمكان والإرادة والعدة. ويعطي هذا المدخل السنني للمدخل القياسى أبعادًا استشرافية علمية تتحرك ضمن إشكالات بحثية حقيقة وأجندة بحث تعبر عن جوهر هموم الأمة والبحث عن عناصر فاعليتها المستقبلية. وإنّ هذا

المدخل السنني يعلمنا كيف نقرأ ونتعامل مع المادة التاريخية في إطار رؤية الواقع من جهة، واستشراف المستقبل من جهة أخرى، في إطار تتواصل فيه حلقات الزمان وتتفاعل ضمن مناهج التفكير والتدبير والتسيير والتغيير والتأثير جميعًا. وأخيرًا، إنّ هذا المدخل السنني يحرك عناصر معادلات الفاعلية وإمكانات تحصيلها وتمكينها في إطار المستقبل، وهو في ذلك يتحرك في وسط الواقع فهمً واعتبارًا. يتكامل مع ذلك المدخل السنني في استشراف المستقبل المدخل المقاصدي بكل مكوناته، في الحفاظ في هذا السياق على عملية دائمة تمتد إلى المستقبل، وتكون فيها المجالات الكلية مجالات التعامل المستقبلي، واعتبار المآلات من أهم الصياغات في الرؤية المستقبلية، وميزان الأولويات في جوهرها تأسيسًا لحركة مستقبلية.

خاتمة

ضمن سوق النبوءات، وفى سياق نفسيات واهنة يائسة بائسة قابلة لمثل هذه التصورات وصناعة التنبؤات، بدأ هذا يسري مسرى النار في الهشيم، في ظلّ أسواق الحيرة التي حملت من أزمات متتالية، "وفتن كقطع الليل المظلم البهيم تذر الحليم حيرانًا". في ظلّ هذا المناخ النفسي، عرض هذا التوجه نفسه على نحو متراكم، ومن تراكمه مثّل توجهًا وظاهرة وجب الوقوف عندها. وإنّ هذه النظرة بشأن "نهاية التاريخ" على طريقة بعض المسلمين لا تقلّ خطورةً في آثارها وتأثيرها عن مقوله نهاية التاريخ عند فوكوياما، وكذا تلك النظرة حول "صدام النبوءات" لا تقلّ في تضميناتها ومكنوناتها من تأثيرات خطرة عن مقوله هنتنغتون بشأن "صدام الحضارات". إنّ ثقافة الحيرة والانتظار تجعل المستقبل يفلت من بين أيدينا، لأنّ صناعة المستقبل علم واسع الأرجاء ويجب النهوض به. وإنّ صياغة علم مستقبلي جزء لا يتجزأ من صناعة المستقبل ذاته، وهو علم يقوم بتأسيس مستقبل يكون لنا لا علينا، نمتلك فيه أزمّة مستقبلنا، لا يعبث بها غيرنا أو يتحكم بها، وحتى لا يصنع غيرنا مستقبلنا لنا. أما ثقافة التدبر والفاعلية، فهي أسس الصناعة المستقبلية الدقيقة والثقيلة (التخطيط، الوقت، الإستراتيجية). وتجعل هذه الثقافة عينها على الأمة بعوالمها المختلفة، وتجعل شهودها غايتها، سواءٌ أكان هذا الشهود يتعلق بدنيا المسلمين موصولة بأخراهم من حساب ومسؤولية، فالمستقبل موصول

  1. 1 3  في إطار الفروض التضامنية والكفائية، انظر: عبد الفتاح، ص 533 وما بعدها؛ وانظر فى تعريف الفروض الكفائية: ابن بدران الحنبلي، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (القاهرة: إدارة المطبعة المنيرية، د.ت.)، ص 104-103؛ وانظر أيضًا: عبد العلي الأنصاري، فواتح الرحموت فى شرح مسلم الثبوت، طبع مع المستصفى من علم الأصول للإمام الغزالي (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1322 ه)، ص.63

بحبل من الله وحبل من الناس، وحبل من الدنيا موصول بالآخرة، والبحث في المستقبل بحث في عالم الإمكان والطاقات والاستثمر. وإذا كان عالم الإمكان يعبّ عن طاقات كامنة متنوعة ممتدة، وإذا كان امتدادها وتنوعها الطبيعي يحيلنا إلى ضرورات التكامل، وإذا كان العصر يدفعنا إلى فرضية التعاون فرضًا في عصر العولمة الاقتصادية والتكتلات الاقتصادية عبر الدول، وإذا كان التاريخ يحيلنا إلى ذاكرة تؤكد وجود بنى أساسية واعية لذلك التكامل والتعاون وداعمة له، وإذا كان الدين والرابط العقيدى يحرك كل عناصر التوحيد، والوحدة في إطار التنوع والخروج من اختلاف التنوع إلى ائتلاف الاختلاف، وإذا كان الواقع الفعلي على غير ذلك، والابتلاء تعدد في عالم المسلمين بين "نقص في الأنفس"، "ونقص في الثمرات"، و"حالات من الجوع والمخمصة"، و"حالات من افتقاد الأمن وتأكّله"، وإذا كان منطق كفران النعمة يكمن في عدم استثمرها الاستثمر اللائق، أو إهدارها بأي من صور الإهدار، أو تعني احتكار النعمة وحجبها بعدم الدوران المحرك لطاقة العمل فيم بينها وتوزيع العائد على المجموع والأفراد"؛ إذا كان هذا وغيره قد يشكل عناصر لظواهر وتجليات يشهدها عالم المسلمين، وإذا كانت العلاقات بين عالم المسلمين في أدناها، بينم مقارنتها بعلاقات بينية (بينهم فرادى وبين الخارج، الغرب أو خلافه) يعني أنّ حجم العلاقات البينية الإسلامية لا يقارن بحجم العلاقات الغيرية، وإذا كانت المؤسسات تنشأ على الورق ولا تؤسس في عالم الواقع، أو كانت فاعلةً وتآكلت مستويات فاعليتها، أو تكتفي بالحد الأدنى من العلاقات الرمزية ذرًّا للرماد في العيون، وقيام مؤسسات إبراء الذمة، وأنّ السيادات لا يصدع بها إلا في العلاقات البينية، وتستباح في العلاقات الغيرية، وأنّ شبكة العلاقات في عالم المسلمين قد ترهلت بحيث صارت خالية من المعنى والمغزى، أو تقطعت وتشرذمت فصارت أقرب ما يكون إلى علاقة الإخوة الأعداء، يجترون كل عناصر الصراعات المانعة من الجامعية، والخاذلة لكل دافعية. وإذا كانت الاستجابات في كل الأحوال ومع تواترها تؤكد عيوبًا في الإدراك وصدعًا في الوعي وتباطؤًا في عمليات السعي، وإذا كانت خرائط التجزئة يركن إليها وعيًا وسعيًا، وشروط التبعية يذعن لها من دون محاولة لتعديلها، وحقائق التخلف باديةً للعيان لا تخطئها عين أيًّا كان هذا التخلف (من فقر، وجهل، ومرض)، هدرًا لإمكانات، أو استهلاكًا لمنتوجات الحضارة، لا مساهمة في صنعها وإبداعها؛ إذا كان كل ذلك كذلك؛ فإننا حقًّا أمام تحدٍّ حضاري يتعلق في جوهره بمدى الإرادة الحضارية وأنماط صنع القرار الإستراتيجي الحاضن لكل الفاعليات والمحرك لها، والقدرة على تحويل الإمكان إلى عدة تقوم بأدوارها الوظيفية (الإمكانية – الإمكان – المكنة – المكانة – التمكين)، ويعني كيف يرتبط التحدي الحضاري في شرطه الداخلي بشرطه الخارجي ضمن القابليات الداخلية للتمكين الخارجي، وقابليات استمرارية عناصر الضعف والوهن، وقابلية إهدار عناصر القوة والقدرة والفاعلية، ويعنى أنّ المستقبل "صناعة" تتطلب مناهج تفكير، ومناهج تسيير، ومناهج تدبير، ومناهج تغيير، ومناهج تأثير، ومناهج تمكين؛ وهى صناعات ثقيلة تسير على قدمين، وهي الضامنة لحركيتها وفاعليتها من مدخل الرؤية السننية ومدخل

الرؤية المقاصدية في رؤية حلقات الزمن المترابطة والمتكاملة (التاريخ، والحاضر، والمستقبل)؛ وهي رؤية تؤصل المقصد والعلاقة بينه وبين الوسائل، والسنن والعلاقة بينها وبين الطرائق، تلخصها المعادلة القرآنية للتحدي والاستجابة والفاعلية والتمكين ﴿ولو (أرادوا) (الخروج) (لأعدوا) له (عدة)﴾. فإذا امتنعت الإرادة امتنع الخروج وضاعت العدة أو ضيعت، وإذا تعاظمت الإرادة كان ذلك مفتاح الخروج واستثمرت العدة أو عظمت. وبدت صنوف الحفظ متكافلة متساندة من حفظ الابتداء، وحفظ البقاء، وحفظ البناء، وحفظ النمء، وحفظ الارتقاء، محفوفة جميعًا بحفظ الأداء الحاضر معها وفيها جميعًا. ولصنوف الحفظ سننٌ تتعلق بامتدادات الزمن، وبتنوعات الاجتمع وبصياغات النفوس، وبمؤشرات الوعي بالسنن الكونية، وسنن استشراق المستقبل وذلك ضمن صياغة معادلة أخرى تأسيسية تكمل سابقتها ﴿إنّ (الله) (لا يغير) ما (بقوم) حتى (يغيروا) ما (بأنفسهم)﴾، في صياغات المعادلات السننية الشرطية في إطار فعل الشرط وتحقُّق جواب الشرط، وضمن هذا السياق ترى التحديات الحضارية والسياسية منها والداخلية والدولية فيها. فهل آن للمسلمين مع توالي أزماتهم، وترافقها مع تفاقم حيرتهم، وتراكم فتنهم، وتعاظم تحدياتهم، وتراكم مشكلاتهم، أن يتعلموا درس السنن في صياغة المستقبل، أم سنظل ننتظر الأزمة تلو الأزمة تتحرك فيها الشجون والانفعالات والافتعالات والإغفالات؛ وقبل أن نخرج من أزمة تفاجئنا أخرى، لأننا لم نتعرف إلى سنن الصياغة المستقبلية ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظَُرْ نَفْسٌ مَّا قدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبيِرٌ بَِا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18). وإنّ ما نحصده في الزمن المستقبل ليس إلا زرعنا في الزمن الحاضر، وليس إلا نتاجًا لاعتبارنا بخبرة الماضي ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أنفُسِكَُمْ﴾ (آل عمران).165:

  1. في فكرة الضغوط الحضارية، انظر: سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية فى الإسلام (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، ص 203 -.205

المراجع

References

العربية

ابن تيمية. أحكام عصاة المؤمنين. جمع وتقديم مروان كجك. القاهرة: دار الكلمة الطيبة،.1985 ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. اعتنى به هيثم جمعة بلال. بيروت: مؤسسة المعارف،.2007 الأنصاري. عبد العلي. فواتح الرحموت فى شرح مسلم الثبوت. طبع مع المستصفى من علم الأصول للإمام الغزالي. القاهرة: المطبعة الأميرية،.1322 ه

باروت، محمد جمل. "ضمن ملف ما بعد الحداثة". مجلة الكرمل. العدد 52 (صيف.)1997

برنيري، ماريا لويزا. المدينة الفاضلة عبر التاريخ. ترجمة عطيات أبو السعود. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطنى للثقافة،.1997

الجرجاوي، محمد المراغي. بغية المتتدين ومنحة المجدين على تحفة المهتدين للسيوطى. القاهرة: دار الكتب المصرية، المخطوط رقم 1987/ تاريخ، ميكروفيلم.10647

الجرجاوي، محمد بن حجازي. عقود الدرر في الجيد في نظم أسمء ذوي التجديد. القاهرة: دار الكتب المصرية، المخطوط رقم 1555/ تاريخ، ميكروفيلم.15012

حمد، أحمد. الجانب السياسي فى حياة الرسول. الكويت: دار القلم،.1982

الحنبلي، ابن بدران. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل. القاهرة: إدارة المطبعة المنيرية، د.ت. الحنبلي، ابن رجب. كشف الكربة في وصف أحوال أهل الغربة. تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، القاهرة: المكتبة القيمة،.1982

الخولي، أمين. المجددون في الإسلام. القاهرة: المعرفة،.1965

الشاطبي. الاعتصام. تحقيق محمد رشيد رضا. القاهرة: دار التراث العربى، د.ت.

الشاطبي. الموافقات فى أصول الشريعة. ط 3. القاهرة: دار الفكر العربى، د.ت.

الصعيدي، عبد المتعال. المجددون في الإسلام. ط 2. القاهرة: مكتبة الآداب، 1955[] د.ت.

عبد الفتاح، سيف الدين. مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية فى الإسلام. القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.1996

. الجانب السياسي لمفهوم الاختيار لدى المعتزلة: بين الإدراك الذاتي والفهم الاستشراقي. رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة،.1985

عثمن، فتحي. القيم الحضارية في رسالة الإسلام. جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع،.1982

عناية الله، سهيل. "استشراف مستقبل الأمة: مراجعة لنمذج المحاكاة ومداخل دراسة المستقبلات البديلة". مجلة إسلامية المعرفة. السنة الخامسة. العدد 17 (صيف.)1999

الفارابي. آراء أهل المدينة الفاضلة. تحقيق ألبير نصري نادر. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1959

فوكوياما، فرنسيس. "هل هى نهاية التاريخ؟". ترجمة عن مجلة ناشيونال إنترست (صيف 1989)، القاهرة: دار البيان للنشر،.1990

مسلم. صحيح الإمام مسلم بشرح النووي. ط 2. القاهرة: المطبعة المصرية، د.ت.

المنجرة، المهدي. "موقع العالم الإسلامي من الدراسات المستقبلية". المنعطف. العدد).1996(12 المؤمن، علي. "المستقبلية ورهانات التحكم بعالم الغد". المستقبلية (مجلة فصلية). المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية. العدد 1 (ربيع.)2001

نصر، محمد إبراهيم. الإعلام وأثره فى نشر القيم الإسلامية وحميتها. ط 2. الرياض: دار اللواء،.1980 هانتنغتون، صمويل. الإسلام والغرب: آفاق الصدام. ترجمة مجدي شرشر. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1995

الأجنبية

Huntington, Samuel P. "The Clash of Civilizations?" Foreign Affairs (Summer

. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New

York: Simon & Schuster, 1996.

Inayatullah, Sohail. "Beyond the Postmodern: Any Futures lift?" Islamic

Periodica , vol. 5. no. 1 (1995).

".Deconstructing and Reconstructing the Future." Futures. vol.

22. no. 2 (March 1990).

".Islamic Civilization in Globalization: From Islamic Futures to

Postwestern Civilization." Metafuture , accessed on 12/4/2017.

".Whom am I to When am I?" Future. vol. 25. no 3 (April 1993).

Hipplar, Jochen & Andrea Lueg (eds.). The Next Threat: Western Preceptions of

Islam. London: Pulto press and transitional Institute, 1995.