أيّ مستقبلات للعرب؟
What are the Arab Futures? A Reading of Arab Futures: Three Scenarios for 2025
الملخّص
التقرير: مستقبلات العرب: ثلاثة سيناريوهات لعام 2025 Arab futures: Three scenarios for 2025 العنوان الأصلي: EU Institute for Security Studies الناشر: سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 57 صفحة
المؤلف: فلورنس غوب وألكسندرا لبان (تحرير)، (eds Laban Alexandra & Gaub.Florence)
Abstract
What are the Arab Futures? A Reading of Arab Futures: Three Scenarios for 2025
- مستقبلات العرب
- فلورنس غوب
- ألكسندرا لبان
- حمّل المادة
- Haoues Taguia
- Arab Futures
- Reading of Arab Futures
- Three Scenarios for 2025
- Download Article
قراءة يف تقرير "مستقبلات العرب: ثلاثة سيناريوهات لعام "2025 What are the Arab Futures?
جمعت الثورات العربية بين عنصرَيِ المفاجأة والتأثير الكبير والممتد؛ فأظهرت من جانبٍ حدود الدراسات المستقبلية التي فشلت في توقعها، وأبرزت من جانبٍ آخر الحاجةَ إليها لاستشراف مستقبل المنطقة العربية؛ لأنّ تأثير تحولاته المفاجئة يمتد إلى بقية أنحاء العالم. وقد كانت أوروبا أشدّ مناطق العالم انشغالً بذلك؛ وذلك لأنها مشدودة إلى المنطقة العربية برابطين على الأقل: الجوار الجغرافي، الذي يجعل الطرفين يتأثر أحدهم بالآخر كم ظهر في أزمة اللاجئين، والمصالح الاقتصادية، وخاصة في مجال الطاقة؛ إذ تلبي المنطقة العربية جزءًا كبيرًا من حاجات أوروبا، وتحصل منها، في المقابل، على دخول مهمة لتوازناتها المالية. تتكفل المفوضية العليا للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي بصياغة السياسات التي تصب في مصلحة كل أعضائه، وتحتاج لذلك إلى برج رقابة يمدّ بصره بعيدًا ليرى الأحداث القادمة في المناطق الحيوية التي يندرج العالم العربي فيها. وهذا البرج هو معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، الذي شكَّل عام 2014 فريق الاستشراف العربي، المكون من خبراء أوروبيين وعرب، يتصدون لمهمة تقديم دراسة عن مستقبل المنطقة العربية لا تترك مجالً مرة أخرى لعنصر المفاجأة الذي أربك القيادات الأوروبية في عام 2011. وكانت ثمرة بحثهم تقرير مستقبلات العرب: ثلاثة سيناريوهات لعام 025 2 الصادر عام 2015، من تحرير فلورنس غوب وألكسندرا لبان، والذي نعرض في هذه القراءة النقدية لأهم عناصره واستشرافاته، قبل أن نقدم مجموعة من الملاحظات النقدية بشأنه.
القضاء على المفاجئ
اعتمد الفريق في إنجاز مهمته على تقنية السيناريو لأنها تتميز بعدد من المواصفات يجعلها تغطي عددًا واسعًا من المستقبلات الممكنة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع حصرها في صنفين من السيناريوهات: المحتمل الذي يستند إلى معطيات راهنة، وليس إلى تخرصات، والراجح الذي يحظى بفرص أكبر من غيره في التحقق لأنه امتداد للاتجاهات الراهنة. علاوةً على أنّ السيناريو لا يزعم أنّ المستقبل أمر محتوم لا تقدر الإرادة الإنسانية على دفعه، وإنما يجمع بين العوامل البنيوية التي يسميها التقرير "الاتجاهات"؛ لأنّ قدرتها على مقاومة التغيرات كبيرة، والإرادة الإنسانية الحرة التي تستطيع أن تقتنص الفرص المتاحة لتحقيق المرغوب، وتفادي المخاطر القادمة بإجهاض أسبابها قبل تفاقمها. بعد أن استعرض الفريق عددًا وافرًا من الدراسات عن المنطقة العربية، استخرج ثمانية اتجاهات كبرى رجّح استمرارها خلال العشر سنوات القادمة في صياغة منطقة الشرق الأوسط. ثمّ استخرج ستة محولات للعبة، وهي المجالات التي يستطيع السياسيون باختياراتهم توجيه مسار الأحداث فيها. وأخيرًا، استخلص ثلاثة سيناريوهات من الجمع بين الاتجاهات الكبرى ومحولات اللعبة.
الاتجاهات الكبرى
الديموغرافيا
وفقًا للتقرير، سيتنامى سكان المنطقة العربية من 357 إلى 468 مليون نسمة، على الرغم من انخفاض نسبة الخصوبة، وسيترتب على ذلك مخاطر وفرص للحكومات العربية. أما المخاطر، فلأنّ هذه الزيادة السكانية تضع على الحكومات العربية ضغوطًا متزايدة، تتعلق بتوفير المؤسسات التعليمة والصحية والإسكان والغذاء والدواء والطاقة وغيرها من الضروريات، فإذا فشلت في توفيرها، فإنها ستكون عرضةً لغضب أعداد متزايدة من مواطنيها الراغبين في تغييرها. وأما الفرص، فلأنّ هذه الأعداد المتزايدة من السكان قد تتحول إلى قوة اقتصادية وعسكرية إذا أحسنت الحكومات العربية الاستثمر فيها، كم فعلت اليابان أو الصين أو إندونيسيا، وهم الذين جعلوا من أعداد مواطنيهم الكبيرة المصدر الرئيس للثروة، ولم يعاملوهم كعبء ينبغي التخفّف منه.
التمدن
سيرتفع نصيب المواطنين العرب الذين يعيشون في المدن من 56 في المئة إلى أكثر من 61 في المئة. وهذا يوفر فرصًا سانحة، وفقًا للتقرير، لأنه يجمع أعدادًا كبيرة من المواطنين في مكان واحد، يستطيعون أن يتخصصوا في أنشطة عديدة تكون متكاملة، لكنهم قد يتحولون إلى خطر لأنّ وجودهم في مكان واحد بأعداد غفيرة يمكنهم من تحويل سخطهم على الحكومات إلى ثورة عليها.
التغير المناخي
يرى التقرير أنّ التغير المناخي سيضرب المنطقة العربية بشدة، وذلك لأنه يفاقم التحديات الماثلة حاليًا، مثل قلة المياه، والتصحّر، وندرة الموارد. علاوةً على أنّ ارتفاع مستوى البحار سيؤثر في التجمعات السكانية الكثيفة المجاورة للشواطئ العربية. ويمكن أن يكون هذا التحدي أيضًا خطرًا إذا أصاب أعدادًا كبيرة بالعطش، وأوقع أضرارًا بالغة بالزراعة تفاقم من نقصان الأغذية في الأسواق؛ فيسخط المواطنون على الحكومات التي فشلت في العناية بهم، وقد يريدون تغييرها. لكن في الوقت نفسه، قد يكون التغير المناخي فرصةً إذا استفادت بعض الحكومات العربية من إمكان تحول المناطق الصحراوية إلى مناطق ممطرة، مواتية للزراعة، أو توافق البلدان العربية على سياسة مشتركة تكاملية لمواجهة هذه التحولات؛ فعلى سبيل المثال، يحظى السودان بموارد مائية كبيرة وبأراضٍ خصبة، لكنه يفتقر إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا المتقدمة والأسواق، وهي أمور متوافرة في دول عربية أخرى أو تستطيع توفيرها.
الطاقة
ستستمر الدول العربية المنتجة للطاقة، وفقًا للتقرير، في الاعتمد على قطاع المحروقات في نشاطها الاقتصادي، لأنّ من المتوقع زيادة الطلب العالمي عليه. وقد تكون هذه فرصة إذا استثمرت الموارد في القدرات الإبداعية البشرية، وإنشاء البنى القاعدية وتطوير القدرات الإنتاجية. بيد أنها قد تكون خطرًا إذا اعتقدت الحكومات أنه يغنيها عن كل ذلك، ويمكنها من شراء الرضا العام، غافلةً عن أنّ أسواق الطاقة متذبذبة؛ فقد تنخفض الأسعار إلى ما دون الدخول الضرورية للدولة، أو قد تظهر مصادر جديدة للطاقة مثل الغاز الصخري، يزاحم الطاقة المصدرة من المنطقة العربية أو قد يُغني عنها.
أسعار الغذاء
تستورد كل الدول العربية الغذاء؛ ومن ثمّ، يرى التقرير أنها ستظل عرضةً لمخاطر ارتفاع أسعاره، ما قد يؤدي إلى "انتفاضة الخبز" مجدّدًا1، كم حدث في تونس والمغرب عام 1984، ومصر عام 1977، والأردن عامي 1989 و 1996، والجزائر عام 1988. ويذكّر التقرير أنه ليس من المحتوم فشل الحكومة العربية في توفير الغذاء لمواطنيها، بل قد توفر كفايتها وزيادةً إذا صاغت سياسات تكاملية فيم بينها، ونفذتها، كم ذكرنا سابقًا بخصوص السودان.
تزايد نسب المتعلمين
يذكّر التقرير بالتزايد المتوقع لنسب المتعلمين في البلاد العربية، لتصل في المتوسط إلى نسبة 90 في المئة عام 2025. ويقرر أنّ ذلك من شأنه أن يوفر يدًا عاملة مؤهّلة تستطيع المساهمة في تكوين اقتصاد منتج إذا أحسنت الحكومات العربية توظيفها، أو أن تتحوّل إلى قوى ثورية خطرة توظف ذكاءها ومعرفتها في تغيير الأنظمة السياسية القائمة.
ولوج الإنترنت
يُتوقع وفقًا للتقرير أنّ الولوج في المنطقة العربية إلى الشبكة العنكبوتية سيرتفع من 25 في المئة حاليًا إلى 50 في المئة عام 2025؛ ما يعني، من جهة، فرصًا مثل التجارة الإلكترونية، أو مخاطر مثل إفلات الساخطين على الحكومات العربية من رقابتها، وقدرتهم على التواصل بينهم لتشكيل موقف موحد
تجاهها. وقد أثبتت الثورات العربية أنّ أحد عوامل انتشارها هو العدوى عن طريق نقل المعلومات والشبكات الاجتمعية العصية على الرقابة والتحكّم.
المساواة بين الجنسين
مع أنّ التطور بطيء، يتزايد عدد النساء في السياسة ومجال الأعمل بثبات في البلاد العربية، وهذا أيضًا يوفر فرصًا قد تكون اقتصادية مثلً، في الدول التي تفتقد الوفرة السكانية كدول الخليج، أو قد يمثل خطرًا على الحكومات لأنها تواجه مزيدًا من المطالب في التعليم والشغل مثلً. فإذا أخفقت في تلبيتها، فلن تتعرض لسخط المحتجين فحسب، وإنما المحتجات أيضًا، كم وقع في الثورات العربية، إذ أدّت النساء دورًا مركزيًا، حتى في اليمن الذي يصنف عادة ضمن المجتمعات المحافظة. في الحصيلة، يرى التقرير أن الاتجاهات السابقة قد توفر للحكومات فرصًا أو تعرضها لمخاطر، ويتوقف رجحان كفة أحدهم على "محولّات اللعبة" (changers Game)، وهي العوامل أو الأطراف التي تدفع الأحداث إلى جهة دون أخرى، وقد حصرها التقرير في خمسة محولّات.
محولات اللعبة
بطالة الشباب: هل ستتخذ الحكومات العربية الإجراءات الضرورية لخفض نسب البطالة؟ يترتب على فشلها أو نجاحها في هذا الرهان الأساسي تداعيات مختلفة، تساهم في رسم مسارات مختلفة، تظهر في صياغة السيناريوهات والتي سنعرضها فيم يأتي. الارتهان بتقلب أسعار الغذاء: هل ستكون الدول العربية قادرة خلال فترة دراسة التقرير -2015(2025) على التحكم في الاضطرابات المحتملة المترتبة عن تذبذب أسعار الغذاء؟ إنّ هذا السؤال مركزي أيضًا بالنسبة إلى تحديد مسارات السيناريوهات المستقبلية للبلدان العربية (الغليان/ الانفجار العربي/ الطفرة العربية). انعدام الأمن: هل تستطيع الحكومات العربية احتواء الإرهاب، أو هزيمته، وبسط الأمن؟ وبأيّ ثمن؟ ذلك أنّ فشلها قد يدفع بقطاعات من المواطنين إلى تشكيل جمعات مسلحة ليست خاضعة للدولة أو الاحتمء بجمعات تحارب الدولة نفسها، كم دل على ذلك استيلاء تنظيم الدولة على الموصل، لأن الحكومة العراقية فشلت في حمية السكان من بطش المليشيات الطائفية. الانعكاسات الإقليمية: الدول العربية التي نجحت حتى الآن في احتواء انعدام الأمن، هل تستطيع حمية نفسها من المناطق المجاورة التي تعاني انعدام الأمن على نحو واسع في سورية وليبيا والعراق؟ وكيف
تردّ الدول العربية إذا قرّرت إيران امتلاك السلاح النووي؟ ويعني السؤال الأول الأردن أكثر من غيره في المنطقة العربية، لأنه محاط بثلاث مناطق مشتعلة بدرجات متفاوتة، سورية والعراق وفلسطين. وعلى الرغم من نجاحه النسبي في احتواء العنف في داخله، فإنه ربما يقوى على الاحتمء من العنف في جواره. وأما بخصوص النووي الإيراني، فإنّ الدولة العربية المعنية على نحو مباشر في المقام الأول هي السعودية، وهي التي قد تجد أنّ حصولها على رادع نووي حقٌّ مشروع، ما يؤدي إلى مزيد من انتشار السلاح النووي في المنطقة، وزيادة مخاطر استعمله. التحول الديمقراطي: هل ستدمج قوى الإسلام السياسي في مؤسسات الحكم أم ستتعرض للقمع وكيف سيكون ردّها؟ وهل سيخلق المثال الديمقراطي التونسي حوافز لمزيد من الدمقرطة في المنطقة؟ أم أنّ هزيمة مشروع التحول الديمقراطي ستسمح للمزيد من القمع؟ إنّ الاختيار بين الأمرين سيحدّد سيناريوهات مختلفة للمنطقة في خلال العشر سنوات القادمة.
المستقبلات المعقولة والبجعات السوداء
يحدد التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة للمنطقة العربية في أفق عام:2025 سيناريو الغليان: في هذا السيناريو المعقول حدوثُه جدًّا، تدار القضايا الاقتصادية والسياسية ولا تعالَج، أي تبقى الأوضاع على ما هي عليه، ويصل السخط إلى نقطة الغليان، لكن من دون أن يتجاوزها؛ ما يؤدي إلى قوع انتفاضات واضطرابات. سيناريو الانفجار العربي: يتعلق بأسوأ الحالات التي من المعقول أن تقع للمنطقة العربية، حيث تفشل الحكومات في علاج أهم القضايا الاقتصادية، وتركز على الأمن وحده؛ ما يؤدي إلى تذمر شعبي، يصير باديًا للعيان، ومفضيًا إلى اضطراب واسع. سيناريو الطفرة العربية: تعي الدول العربية الحاجة الملحة إلى الإصلاح، فتبادر إلى تطبيق واسع له، ما يؤدي إلى التعافي الاقتصادي، فتمهد الطريق المؤدي إلى مستقبل مضيء. كم يشير التقرير إلى احتملات ليس من المرجح حدوثها، لكنها ليست مستحيلة؛ فذكر ثلاثة عشر منها: وقوع أسلحة كيميائية في يد قوى غير حكومية، وانهيار الملكية السعودية، ووقوع حرب بين السعودية وإيران، ووقوع ثورة في التكنولوجيا تتمكن من تطوير طاقة نظيفة ورخيصة وآمنة، وخوض روسيا حروبًا بالوكالة في عدد من دول المنطقة، مثل مصر، أو ليبيا، أو اليمن، فترد عليها الدول الغربية، وموت بشار الأسد؛ ما يفتح الباب أمام مفاوضات على مستقبل النظام، ووقوع هجمت كبيرة لتنظيم الدولة على
الدول الغربية، وتفتّت مجلس التعاون الخليجي؛ ما يعطل أكثر جهد الاندماج العربي، وظهور ناصر جديد، يستطيع أن يجمع المنطقة مجدّدًا حول قيادته، وقد يدفعها إلى النهوض أو يورطها في صراعات تستنزفها، وقد يظهر في مصر أو العراق أو تونس؛ وقوع كوارث تعجل بالتعاون بين دول المنطقة العربية، وقد يكون سببها التغير المناخي، مثل فيضانات أو عواصف رملية، أو قوع زلزال يفجر مفاعل بو شهر الإيراني، الواقع على مسافة تتراوح بين 300 - 500 كم من دول الخليج، واندلاع حرب بين مصر وإثيوبيا، لخلافهم على اقتسام حصة مياه النيل، ونجاح تنظيم الدولة في تأسيس دولة وترسيخها، وتحوّل كردستان العراق إلى دولة كاملة السيادة.
قراءة نقدية يف التقرير
تعامل التقرير مع المنطقة العربية بوصفها كيانًا واحدًا، يتشارك في الاتجاهات والسيناريوهات، ويمكنه إذا تضافر جهد دوله التصدي للمخاطر وانتهاز الفرص، مع أنّ الأدبيات الأوروبية في الدراسات المستقبلية لم تتعامل معه من المنظور نفسه2. وقد تكون الثورات العربية التي عمّت المنطقة بدرجاتٍ مختلفة، ولم تتعدّها إلى غيرها، هي التي بيّنت أنّ عوامل التمثل بين الشعوب العربية تتغلّب على عوامل التميز، وأنّ بحث مستقبل جزءٍ منها بإهمل باقي الأجزاء أثبتت الوقائع خطأه. يمكن أن نجد في الدراسات الغربية تصورات لمستقبل المنطقة، تعتدّها كيانًا واحدًا، لكنها تحكم عليه بالخيبة والفشل المسبقين؛ لأنه بحسب افتراضاتها ارتبطت أجزاؤه بهوية ثقافية مشدودة إلى الماضي، وعصية على قيم الحداثة، وقد أفاض إدوارد سعيد في نقد هذه الرؤية في كتاب الاستشراق. بيد أنّ ما يميز التقرير الذي نراجعه هو تخلصه من هذه الأحكام المسبقة، وتشديده على أنّ مستقبل المنطقة يصنعه أهلها، وليس قدرًا محتومًا أملته ثقافتها. و من حسنات التقرير أن يبيّ حدود تقنية السيناريو التي استعان بها في رسم سيناريوهات المنطقة العربية. فمن جهة، يبيّ التقرير ما تتيحه المنطقة من إمكاناتٍ في الجمع بين مروحة واسعة من الممكنات، وحصرها في الوقت نفسه في نوعين؛ المحتمل والمرجح، فهو يحرص من جانبٍ على ألا يترك مجالً للمفاجأة، لكنه في الآن ذاته لا يوقع صناع القرار والرأي العام في حيرة، لا يدرون أيها يحظى بفرص حدوث أكبر، حتى يحشدوا الموارد والجهد لاقتناص فرصه وتجنب مخاطره. لكن من جهة أخرى، يوضح
أنه يركز عن قصد على عدد من العوامل المفتاحية أو المهمة، ويلغي أخرى. ولذلك فإنّ احتمل تحقّق أحد السيناريوهات الثلاثة متساوٍ. غير أنّ التقرير يعاني التباسًا منهجيًا، يبدو في تعميم الاتجاهات على دول المنطقة العربية من دون بحث في التفاوتات بينها. إضافة إلى افتراض وقوع مآلات متشابهة إذا اتخذت موقفًا مشتركًا، غير أنّ المعطيات غير ذلك؛ فهناك دول، مثل قطر، لا تعاني البطالة، وتتصدر دول العالم في دخل الفرد، ويمكنها أن تحافظ على مستويات المعيشة الراهنة سنوات طويلة. وكذلك يغفل التقرير نقاش أسباب تكامل الجهود العربية إذا كانت الضغوط متفاوتة فيم بين بلدان المنطقة، بل إنّ بعض الدول العربية قد تساهم في إضعاف دول عربية أخرى إذا حسبتها خطرًا على أمنها أو منافسًا لزعامتها. ثمّة التباس آخر بخصوص الزمن؛ فقد بيّنت الدراسات المستقبلية أنّ إيقاع التحول يختلف داخل البلد الواحد، وبين البلدان؛ فمثلً، لا يزال بعض اليمنيين في المناطق الجبلية يقيس الزمن بأوقات الصلاة، بخلاف اليمني الذي يسكن مدينة عدن، ويشتغل مثلً في البنك، فإنه يقيس الزمن بالتقلبات في أسعار الصرف في السوق الدولية. ولذلك فإنّ عدّ الدول العربية تشترك في الزمن نفسه، وتصل معًا إلى أفق 2025، هو أمرٌ مناف للوقائع من الناحية المنهجية. ذلك أنّ هذا التباعد بين الدول العربية يؤثّر في حاجات بعضها إلى بعض، وقد يجعل بعضها أشدّ ارتباطًا بدول غير عربية. ويمكن بسهولة قياس التفاوتات من مقارنة حركة الطيران؛ إذ سنجد أنّ ارتباط المنطقة العربية بالخارج أكبر من ارتباط بلدانها فيم بينها. ونلحظ أيضًا غياب البعد الجيو-سياسي في بحث مسارات الدول العربية؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تظلّ دول المغرب العربي مشدودةً بدرجةٍ أساس إلى اهتممات إقليمية من مثل مشكلة الصحراء الغربية، أو الاضطرابات في جوارها الأفريقي، وإشكالات الإرهاب المترتبة عنه، وليست معنية كثيرًا بالصراع الدائر في المشرق بين السعودية وإيران، والعكس صحيح. كم يفترض التقرير أنّ التذمر الشعبي سيكون العامل الحاسم في رسم مسارات المنطقة، وهو بذلك يغفل استعانة الحكومات العربية بالقوى الإقليمية أو الدولية للقضاء على الثورة، مثلم استعان النظام السوري بإيران وروسيا لمنع الثورة من إطاحته، وقد يؤمن الدعم الخارجي له فترة طويلة من البقاء، شبيهة بنظام كوريا الشملية، الذي ظل صامدًا على الرغم من المجاعات بفضل الدعم الصيني. وفي سياق مترابط، يشير التقرير إلى الحروب بالوكالة في الاحتملات البعيدة، مرجّحًا اعتمد روسيا عليها. لكن مجريات الأحداث قد بيّنت أوّلً أنّ إيران هي المتبني الرئيس لهذا النوع من الحروب في المنطقة. وقد استثمرت في وكلائها منذ فترة طويلة، لتتفادى المواجهة المباشرة في قتالها لأعدائها، مثل حزب الله اللبناني، وحزب الدعوة العراقي، والحوثيين باليمن. وثانيًا، ليست هذه الحرب ضمن الاحتملات المستبعدة، وإنما يمكن عدُّها ضمن الاتجاهات التي ستدوم فترة طويلة؛ فحزب الله صار واقعًا لا يمكن
تخطيه في لبنان، والمليشيات الشيعية المرتبطة بإيران باتت جزءًا من أجهزة الدولة في العراق. ويبدو صعبًا تصور مستقبل المنطقة من دون بحث مفصل لدور هؤلاء الوكلاء، وقدرتهم على تعطيل كل مسعى لبناء أجهزة أمنية توفر الحمية للمواطنين، أو لأيّ تكاملٍ قد تعدّه إيران يقوي خصومها اقتصاديًا وعسكريًا. كذلك، كيف يمكن أن يتحقق سيناريو الصحوة العربية الذي يتعلق بالمبادرة إلى عملية إصلاح شامل إذا كانت إيران وروسيا ترفضان أيّ عملية إصلاح سياسي قد تطيح حلفاءهم، وتتوعدان بالتصدي لها بالقوة، كم يجري في سورية. وختامًا، إنّ هذه الملاحظات لا تطعن في قيمة التقرير بل تضيف إليه؛ ذلك أنّ هذا التقرير يقدم أرضيةً جيدة للنقاش يمكن إثراؤها والبناء على أساسها، إلى أن نجد رأس الخيط الذي يهدينا في متاهة المستقبل.