العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نحو نظام دولي ثنائي القطب أميركي - صيني؟قراءة في كتاب

نحو نظام دولي ثنائي القطب أميركي - صيني؟قراءة في كتاب

Towards a Bi-Polar American-Chinese International Order A Reading of Les Clés de la puissance

ياسين اليحياوي

الملخّص

المؤلف:  جون  - لوي بيفا Beffa Louis - Jean الكتاب:  مفاتيح القوة Les Clés de la puissance العنوان الأصلي: الناشر:  Seuil سنة النشر:  2015 عدد الصفحات:  168 صفحة

الكلمات المفتاحية:
  • نظام دولي
  • ثنائي القطب
  • أميركي - صيني
Keywords:
  • Towards a Bi-Polar American-Chinese
  • International Order
  • Les Clés de la puissance

قراءة يف كتاب "مفاتيح القوة"

مقدمة

يحدّد جون لوي بيفا أربعة عناصر أساسية لتعريف "القوة" في عالم الغد، وهي: التكنولوجيات الجديدة، بصلة بالنظام الوطني للابتكار، والطاقة، والصناعة، وخاصة صناعة التصدير، والقدرات العسكرية. ويكمن هنا مركز الاهتمم الأول لهذا الكتاب، من حيث إنّ المعنى الأولي الذي يُنح عادةً لمفهوم "القوة" يشدّد في الأساس على القوة السياسية، بترابطٍ مع بُعدها العسكري. في حين نجد جون لوي بيفا يركّز بالأحرى في هذا الكتاب على القوة الاقتصادية. ولا غرو في ذلك، متى علمنا أنّ جون لوي بيفا يتميز بخبرة طويلة في مجال الاقتصاد والأعمل؛ إذ إنه أدار مدةً تزيد على عشرين عامًا إحدى كبريات الشركات العالمية في مجال إنتاج مواد البناء وتصنيعها وتوزيعها، وهي شركة سان غوبان (Gobain - Saint) التي تجاوز رقم معاملاتها 42 مليار دولار في عام 20161. ومن ثمّ، تأتي الفكرة الأساس لهذا الكتاب، وهي الاستدلال على تركز "مفاتيح القوة" في المستقبل، بناءً على القوة الاقتصادية في الأساس، بين يدي الولايات المتحدة والصين، وأنّ هذه الهيمنة المزدوجة على النظام الدولي ستدوم في المستقبل أمدًا غير قصير. ذلك أنّ الصين تواصل نموها، وإن كان بنسَب نموٍّ أقل من السابق، وأنّ الولايات المتحدة بصدد إعادة التركيز على مواطن قوتها، وأنّ مصالحهم لا تبدو متناقضة، بالنظر إلى التأثير المزدوج المتناسب مع الثقل الاقتصادي والديموغرافي على التوالي لكليهم. ومن ثمّ، يمكنهم، وفقًا للكاتب، أن تعزّزا هيمنتهم المشتركة على العالم أمدًا طويلً، في حين أنّ غيرهم من البلدان والمناطق في العالم لم تف بوعودها في تبوّؤ الصدارة العالمية؛ فقد أضحت روسيا تعزل نفسها، ويقع الشرق الأوسط في شباك لا يعرف كيف يتخلص منها، ولا تفرز القارة الأفريقية أية ريادة يمكن أن تقودها في المستقبل. يمكن أوروبا فحسب أن تبرز على المستوى الدولي إلى جانب القطبين سالفَيِ الذكر (الولايات المتحدة والصين)، بيد أنها بدورها (أي أوروبا) تعيش تعقيدات في عملية اندماجها وتعرف ركودًا مؤسساتيًا.

الهيمنة الصينية - الأميركية، أو مستقبل العالم ذي الثنائية القطبية

في جغرافية القوة في عصر العولمة، يفترض بيفا أنّ الاقتصاد هو الذي سيحدّد موازين القوى الدولية. ومن ثمّ، ستُبقي الولايات المتحدة على العديد من مزاياها التنافسية؛ فمن جهة، وعلى الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية الشديدة التي عصفت بالبلد منذ نحو عقد، استطاعت الحفاظ على بنيتها الرأسملية المرنة،

  1. Saint-Gobain in Figures", accessed on 15/3/2017, at: http://bit.ly/1Nnbnac

وتعزيز ريادتها التكنولوجية، ولا سيم في مجال التكنولوجيا الرقمية، كم أنّ التميّز العسكري الأميركي لا يمكن إنكاره؛ وأخيرًا، إنّ الأميركيين بصدد تحقيق استقلالهم في مجال الطاقة، وليس هذا بالأمر الهين. وفي الآن ذاته، إذا كان الانتعاش الاقتصادي الملحوظ يسمح بالحفاظ على مستوى عال من التوظيف، بفضل مرونة سوق العمل الأميركي على نحو خاص، فإنّ الأجور تعرف ركودًا، ويزداد عدم المساواة حدّةً، وتتفاقم الديون، على نحوٍ لم تعرفه البلاد من قبل. ولكن على الرغم من ذلك، يؤكد بيفا أنّ التوافق الاجتمعي بشأن الأسس الثقافية للأمة الأميركية يظلّ ثابتًا، ويظلّ الأميركيون فخورين بنموذجهم، على الرغم من الآثار العميقة لأزمة عام 2008. ويعدّ جون لوي بيفا هذا يمثّل عاملً أساسًا للقوة الأميركية، والتي يمكنها، فضلً عن ذلك، الاعتمد على أسس أخرى قوية جدًا، من مثل التفوق التكنولوجي لنظام الابتكار الأميركي، والهيمنة التي لا نظير لها على شبكة الإنترنت، واستمرار استقطاب الجامعات والشركات الأميركية للكفاءات من جميع أنحاء العالم، والتأثير الثقافي الكبير (السينم، والموسيقى، والفن، والأدب) في مجتمع المعلومات العالمي. يضاف إلى كل ذلك الاستثمر في المواد الطاقية غير التقليدية، والتمكّن المتزايد منها على نحوٍ يسمح للبلاد بتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة في المستقبل. ومع ذلك، تجد هذه القوة الأميركية نفسها على نحو متزايد إزاء منافسة قوية قادمة من آسيا، ومن الصين على وجه الخصوص. بالنسبة إلى جون لوي بيفا، لم يجعل "نهوض الصين" العالم يهتز2، وذلك لأنها كانت أحرص على الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستقرار نظامها السياسي المركزي، منها على تعزيز نفوذها الإقليمي أو الدولي. ومع ذلك، فإنّ "نهوض الصين" يظلّ أكيدًا، وفي الآن ذاته فريدًا من نوعه من جهة سرعته واختراقه جبهات عديدة؛ تجارية، وصناعية، ومالية، وسياسية، ودبلوماسية، وثقافية، وعسكرية. كم أنّ الانفتاح الدولي للصين، على الرغم من مخاوف النخب الأوليغاركية، لم يولّد تحديًا أيديولوجيًا حقيقيًا للنظام، ولا سيم أنّ الازدهار الاقتصادي وارتفاع متوسط مستويات المعيشة قد حدّا – إلى الآن – من الصراعات الداخلية. ولئن كانت الصين لا تزال متخلفة إلى اليوم عن الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا عمومًا، فإنّها بصدد اللحاق بالركب في مجالات تكنولوجية دقيقة بفضل مواردها المالية واستثمراتها الإنتاجية (السيارات الكهربائية، والسيارات الضوئية، وتكنولوجيا "النانو"). وفي هذا الصّدد، يعدّ جون لوي بيفا الصين قادرةً في المستقبل على الانتقال من صيغة "صنع في الصين" (in Made China) التي عُرفت بها، إلى صيغة "خُلق في الصين" (China in Created)، كناية عن الانتقال الصيني في مجال الابتكار والخلق والإبداع. بيد أنّ التنيّن الصيني سيواجه في الآن ذاته تحديات بنيوية كبرى، من قبيل الشيخوخة الديموغرافية المتزايدة، والارتفاع السريع في تكاليف الأجور في بعض المناطق التي عرفت

  1. في إشارة إلى نبوءة آلان بيرفيت، في كتابه الشهير يوم تنهض الصين، سيهتزّ العالم، إثر دراسة ميدانية معمّقة لعدة أشهر في الصين في عام:1971 Alain Peyrefitte, Quand la Chine s'éveillera, Le monde tremblera (Paris: Fayard, 1973).

نهوضًا في الماضي في الأساس بفضل انخفاض تكلفة اليد العاملة، والإكراهات المتزايدة للتشريعات البيئية، والتوترات الاجتمعية الكامنة، وغير ذلك من الإشكالات التي سينبغي لها رفع تحديها في المستقبل.

أيّ دورٍ لأوروبا ولروسيا يف عالم ثنائي القطبية؟

وفقًا لجون لوي بيفا، إنّ عوامل تراجع الاتحاد الأوروبي، وعدم إمكان تبوّئه مكانة ريادية على المستوى الدولي إلى جانب الولايات المتحدة والصين، هي ذاتية في الأساس؛ ذلك أنه خلال العشرية الأخيرة، لم يفتر الأوروبيون يتراجعون على مستويات عديدة، بدءًا من عملية الاندماج الأوروبي التي عرفت تعثرًا منذ توسع الاتحاد الأوروبي إلى دول أوروبا الشرقية والوسطى في عام 2004، ليصبح مؤلفًا من 25 دولة، قبل ضمّ رومانيا وبلغاريا (2007) وكرواتيا (2013)3. وفي هذا الصدد، يؤكّد الكاتب الفرنسي أهمية الثنائي الفرنسي - الألماني في الدفع بمسلسل الاندماج، ولا سيم من باب إصلاحات اقتصادية بنيوية واسعة تدعم الشركات الأوروبية فيم يسميه الكاتب "الحقبة الجديدة من العولمة" ومتطلباتها التنافسية. أما بالنسبة إلى روسيا، فإنها تعطي الانطباع في عهد فلاديمير بوتين، وفقًا لجون لوي بيفا، بأنها تنطوي على نفسها في محيط جغرافي محدّد، وتحافظ على نموذج اقتصادي ريعي قائم على تصدير الطاقة، يظلّ في الأساس رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز، في حين أنها تمتلك بالتأكيد القدرة العلمية للحصول على مزيد من النفوذ في الثورة الرقمية الجارية اليوم. وإضافة إلى ذلك، تنجرف روسيا نحو تبني نظام سياسي تسلطي على نحوٍ متزايد، يقوضه الفساد والبيروقراطية، بترابط بمصالح أوليغاركية جامحة؛ وتتحول تدريجيًا إلى قوة عسكرية وإلى قومية عدوانية، بترابط ب "الماضي المجيد" للبلاد، وبسياسة حمئية قائمة على المصالح القوية الضيقة؛ وهي جميعها عوامل تجعل روسيا تفقد، وفقًا لجون لوي بيفا، الريادة على المستوى الدولي في قابل أيام الألفية الجديدة.

ماذا عن باقي مناطق العالم؟

بالنسبة إلى باقي أقاليم العالم، ولا سيم باقي دول "البريك" (BRIC، يعتقد جون لوي بيفا أنه لا)4توجد قوة أخرى قادرة على زعزعة هيمنة الصين والولايات المتحدة في المستقبل. وهكذا نجده يعدّ الهند لا تمتلك القدرة على الريادة الدولية في الوقت الراهن، لأنها لا تزال منطويةً على سوقها المحلية، أكثر بكثير من الصين، من جهة اعتمدها على الاستهلاك المحلي كمحرك أساس للاقتصاد. كم أنّ بلد المليار

  1. ولا شكّ أنّ مستجدّات "البريكسيت" أو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في عام 2016 د فروضات الكاتب في هذا الصّدد تؤكّ.
  2. وهي دول البرازيل والهند، بالإضافة إلى الصين وروسيا سالفتي الذكر.

ومئتين وخمسين مليون نسمة (2015) لا يزال معاقًا بالتعقيدات الإدارية والبيروقراطية والسياسية، وإكراهات احترام التوازنات الإقليمية، وضعف البنية التحتية للصحة والتعليم. وتظلّ الازدواجية البنيوية (بين النخب الحضرية المنفتحة على الغرب في مراكز النمو الحضرية والكتلة الديموغرافية الواسعة التي لا تزال فقيرة جدًا ولا تستفيد من عائد النمو الاقتصادي) إحدى أهم تحديات الهند في المستقبل، إضافة إلى ضرورة اجتراح نموذج اقتصادي جديد يزاوج بين الاستفادة المكثفة من اليد العاملة الوفيرة وزيادة إنتاجية البنيات الاقتصادية والشركات المصدّرة. أما بالنسبة إلى البرازيل، فعلى الرغم من أسسها الصناعية، والزراعية، والطاقية، وجاذبية الاستثمر الأجنبي، والتي لا تزال متينة، وعلى الرغم من نجاحاتها الأكيدة في تحقيق الانتعاش الاقتصادي في أعقاب الأزمة العالمية وفي الحدّ من الفقر، فإنها تواجه اليوم أزمة نموذجها الاقتصادي. فالاقتصاد البرازيلي قد فقد جزءًا من قدرته التنافسية في ظلّ ارتفاع تكاليف الإنتاج على نحو حادّ مقارنةً بالبلدان الناشئة الأخرى، وأصبحت البنية التحتية عرضةً للتهالك في ظلّ سياسة التقشف المالي التي انتهجتها حكومة ديلم روسيف، إضافة إلى عوامل فضائح الفساد5 وضعف الإدارة والمشكلات الأمنية التي زادت من حدّة التوتّر الاجتمعي. ويستخلص بيفا الخلاصة ذاتها بالنسبة إلى اليابان، من جهة انحداره النسبي والبطيء ولكن الأكيد. وإن كانت بلاد الشمس المشرقة تحاول جاهدةً إبطاء تدهورها في المحفل الدولي، فإنها لا تزال عرضةً للركود الاقتصادي وللضغوط الانكمشية، على الرغم من جهود الحكومة القومية التي يقودها شينزو أبي (من عام 2012 إلى اليوم) لإعادة الانتعاش لاقتصاد البلاد. ذلك أن اليابان تظلّ تأبى إجراء إصلاحات بنيوية كبرى، من مثل إصلاح سوق العمل أو دعم تحقيق المساواة بين الجنسين. وإذا كان نظام الابتكار الياباني والتفوق التكنولوجي تظلّ أوراقًا رابحة لا يمكن إنكارها (في مجال الروبوتات أو تكنولوجيا "النانو" على سبيل المثال)، فمن الواضح أنّ نموذج اليابان القائم على التضامن وثقافة الإجمع، مع سياسة التوظيف مدى الحياة في الشركات مثلً، قد بدأت قواه تتضعضع. وأخيرًا، لا يرى جون لوي بيفا أنه من المرجح أن تؤدي مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا دورًا رياديًا على المستوى الدولي في الألفية الثالثة. فعلى الرغم من موارده الطبيعية الوفيرة، ليس في إمكان الشرق الأوسط، وفقًا للكاتب، أن ينافس على المستوى المحفل الدولي، بسبب كونه غارقًا في الصراع السياسي العنيف والصراعات الدينية المزمنة التي تعوق تطوّر الدول ونموها الاقتصادي. في حين أنّ القارة الأفريقية، وعلى الرغم من الأداء الجيد لنيجيريا وجنوب أفريقيا في بعض القطاعات المصدرة، فإنها لا تزال تواجه صعوبات جمّة في سبيل تحقيق استقرار دائم وتنمية مستدامة. يضاف إلى ذلك عامل اعتمد هذه الاقتصادات على المواد الخام والمنتجات الزراعية التي تظلّ دائمًا عرضةً لتقلب أسعارها.

  1. مسّت مثلً هذه الفضائح الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا بتهم الفساد وتبييض الأموال، وأيضًا الرئيسة السابقة ديلما روسيف التي جرت إقالتها بسبب ذلك في عام.2016

خاتمة

في الحصيلة، يبدو منظور الكاتب اختزاليًا من جهة تركيزه القوي على البُعد الاقتصادي لشرح مفاتيح القوة في المستقبل، فضلً عن أنه لا يبدو أنه يأخذ في الاعتبار بما فيه الكفاية بعض نقاط الضعف لدى الصين (من مثل عدم إمكان استدامة النظام التسلّطي القائم، والآثار الديموغرافية لسياسة الطفل الوحيد، وآثار التلوث، والتمدّن، وأنماط الحياة الجديدة...إلخ)، والولايات المتحدة (من مثل الشرخ الاجتمعي والسياسي العميق، والذي كشف عن بعض معالمه انتخاب دونالد ترامب مؤخرًا). وكذلك الشأن بالنسبة إلى افتراض المؤلف التحوّل في البراديغم القائم في مجال العلاقات الدولية، من عالم تسود فيه المواجهة إلى عالم قائم على التعاون، أو، على بحسب تعبير الكاتب، التحوّل من "عالم فرساي" إلى "عالم ويستفاليا"6. ويضاف إلى ذلك عامل عدم الاستقرار المالي الذي لا يزال يمثّل خطرًا كبيرًا في السنوات المقبلة وعلى الصعيد العالمي؛ والذي لا يعيره المؤلف كثيرًا من الاهتمم. وربما تكون الصدمة المالية القادمة أخطر من كلّ الصدمات المالية والأزمات الاقتصادية السابقة، بما فيها الأزمتين الاقتصاديتين لعامي 1929 و 2008، ولا سيم مع تنامي "التداول المالي عالي التردّد" الذي أصبح يناهز 40 في المئة من مجموع التعاملات المالية الدولية، والذي يخرج على نحو شبه كلّ عن سيطرة البشر لتقوم به كمبيوترات فائقة القدرات وفق خوارزميات معقدة. ظاهرة الاحتباس الحراري هي أيضًا نقطة سوداء في مقاربة الكتاب، فضلً عن ظواهر الجفاف وإدارة ندرة المياه في المستقبل. وبترابطٍ بذلك، تظل أيضًا إشكالية إدارة الطاقة، ولا سيم في عصر ما بعد الطاقة الأحفورية، مركزية، ولا يجري إيفاؤها حقها في هذا الكتاب.