التعايش والعنف في القرن الحادي والعشرين
Coexistence and violence in the 21st century: Review of La guerre des civilisations n'aura pas lieu: Coexistence et violence
الملخّص
عرض كتاب: حرب الحضارات التي لن تقع
Abstract
Review of La guerre des civilisations n'aura pas lieu: Coexistence et violence au XXIe siècle Coexistence and violence in the 21 st century
- حرب الحضارات
- رفاييل ليوجيه
- التعايش
- العنف
- Coexistence
- violence
- the 21st century
- La guerre des civilisations
لا يُقدِم على الدراسات المستقبلية إلّ من تمكَّن من استيعاب دروس الماضي وثوابت الحاضر. وفي اعتقادي أنّ رفاييل ليوجيه ينتمي إلى هذه الفصيلة من المفكرين الغربيين الذين دخلوا حقل الدراسات المستقبلية من الباب الواسع، أي من باب التواضع العلمي والمعرفة. فصاحب هذا الكتاب يلمّ بنظريات عدّة وُضِعت خلال القرنين الماضيين، وآخرها نظرية العولَمة. وهو يقف على مسافة منها جميعًا ليقول، في النهاية، إنها لن تنقذ الوضع الحالي؛ لأنها لم تشكّل يومًا بديلً صالحًا لما يعدّه مسؤولية البشر أجمعين، الذين باتت تتهدّدهم مشكلات واحدة جامعة تتعلَّق بالبيئة الطبيعية كم تتعلق بالبيئة السياسية العامة؛ الأمر الذي لا يبشّ بالخير بتاتًا. ففي فساد البيئة الطبيعية، هناك فساد الهواء، وتدنّ مستويات الأوكسجين بصورة متفاقمة، وارتفاع درجة حرارة الأرض، وتوسُّع رقعة ثقب الأوزون، وهذه كلها آفات من صنع الإنسان ولن يعالجها سوى الإنسان نفسه، علمً بأنها تنال البشر كلهم، وستزداد وتيرة تأثيرها في الناس أجمعين في العقدين المقبلين. أما فساد البيئة السياسية، فيتحدّث ليوجيه بشأنه عن تراكم مشكلات أيديولوجية من صنع الإنسان نفسه؛ ما يؤدي إلى ضرب سويّة السيرورة البشرية، فيحدّ من قدراتها على استشراف مستقبل جامع مشرق، ويغرقها في صراعات وتخاصمت وحروب لا تنتهي، ولا تصب في مصلحة البشرية في نهاية المطاف. فآثار هذا التأجج الدائم للصراعات السياسية والأيديولوجية، وهي محدودة حاليًا، لن تبقى محدودة، وسوف تؤدي، إذا استمرّت، إلى اشتعال عام للأوضاع. لهذا المشهد البانورامي غير المطَمْئِ حلول يطرحها المؤلف في نهاية الكتاب. لكنه قبل ذاك يبدأ بشرح مكامن الفساد في البيئة السياسية مستعرضًا أبرز النظريات في هذا المجال ومنتقدًا إياها، من الأخطر والأشدّ انكشافًا إلى الأبسط والأشدّ تخفّيًا وتحيّدًا ظاهريًا. ويبدأ المؤلف بنظرية صدام الحضارات متسائلً: هل نحن نعيش صراعًا للحضارات فعليًا؟ ليجيب بالنفي قائلً: "كلا. على عكس ذلك، فنحن نعيش، منذ قرون عدّة، انتشار حضارة شاملة، لا تخلو بطبيعة الحال من توتّرات وتفاوتات وصراعات وأشكال من العنف الجذري غير المسبوق" (ص. 7)؛ إذ يرى أن ما كان يُنعت ماضيًا ب "الآخَر"، بات اليوم يتجوّل أينم كان في العالم ويشترك في صنع كل شيء. وفي رأيه أنّ ما آلت إليه وسائط النقل من ناحية، ووسائل الاتصال من ناحية ثانية، لم يعد يسمح بالبناء موضوعيًا على نظرية صدام الحضارات؛ فوسائط النقل جعلت البشرية كلًّ متداخلً، على الرغم من اعتمد إلزامية تأشيرات الدخول المسبقة بعد سنة 1914. فالكل يسافر من جميع أنحاء الأرض إلى جميع بلدان الأرض، والكلّ يعمل وينتج في بلده الأم كم في أي بلد آخر يهاجر إليه طوعًا أو قسرًا، بحيث غدا الإنتاج والاستهلاك شأنًا شاملً وعالميًا لا اختلاف على طبيعته المادية والإنسانية، علمً بأن العولمة هي التي نتجت من هذه الظاهرة وليس انتشار وسائل النقل هو الذي نتج من العولمة. كم أنّ انتشار وسائل الاتصال، منذ زمن ترحال المخطوطات إلى زمن الهواتف الذكية، شأن عالمي ثابت ومتواصل لم ينتظر الأزمنة الحديثة حتى يتحقّق، إضافةً إلى أن انتشار
وسائل الاتصال لم يفاقم أي نوع من أنواع صدام الحضارات، بل عمل على تقريب البشر بعضهم من بعض أكثر فأكثر، ذلك أنّ السبب الجوهري لهذا الافتراض النظري إنما هو سياسي. يلفت صاحب الكتاب بذلك انتباهنا إلى أنّ مفهوم "صدام الحضارات" الذي أطلقه برنارد لويس سنة 1957 في إحدى الجامعات الأميركية ليس بريئًا سياسيًا؛ إذ إنه يأتي في أعقاب الحملة الفرنسية-البريطانية- الإسرائيلية على قناة السويس سنة 1956، ليُضفي على صراعٍ كولونيالي قديم صبغةً ثقافية -سياسية حديثة، وكأنّ صدام الحضارات نظرية أيديولوجية ردّت بها "الحداثة الغربية" على تأميم قناة السويس في زمن الرئيس عبد الناصر. ومن ثمّ، يدخل مؤلف الكتاب في مساءلة نظرية أوسع لتركة الحداثة الغربية ككل، السيئة النتائج في نظره، على بلدان العالم أجمع، علمً بأنه يذهب إلى أن هذه النتائج هي غالبًا من صنع سياسات القوى الغربية العظمى (في أميركا وأوروبا)، بيد أنها في أحيان أخرى من صنع حكّام البلدان الفقيرة والنامية أيضًا؛ إذ عمل عبد الناصر، مثلً، ضد نظرية صدام الحضارات حين قرّر تأميم قناة السويس، مستعيدًا حقًا سياديًا مسلوبًا إلى مواطني بلاده، ومحققًا بذلك العدالة العالمية. غير أنه، بقطع بلاده عن العالم الخارجي في التعليم والتواصل، باسم الاشتراكية ومفاهيمها الحديثة والغربية المنشأ أيضًا، قد لعب، من حيث لا يدري، لعبة صراع الحضارات، لاحقًا، أي أنّ مسؤولية المفاهيم والنظريات السياسية التي تساهم في إفساد بيئتنا السياسية العامة، على المستوى العالمي، تقع على عاتق أرباب الحداثة الغربية ذات الاتجاه المنفعي الأحادي وعلى عاتق حكّام البلدان غير الغربية، سواء بسواء. ويعود بنا مؤلف الكتاب، في تأصيله لمفهوم الحداثة فلسفيًا، إلى الفرنسي أوغوست كونت، صاحب النظرية الوضعية (Positivism)؛ إذ يلاحَظ أن كونت يتعامل مع هذا المفهوم على نحو استبعادي لمن لا يعتمده، فيقول إنه بالنسبة إليه "لا تُعدّ الحداثة كحضارة من ضمن حضارات عالمية أخرى، بل إنه رآها مقياسًا للحقيقة، إذ غدت في نظره نوعًا من الزيّ المحسوبة مقاساته بدقّة الرياضيات، تسمح بقياس الثقافات الأخرى وتبويبها جميعًا" (ص. 30). وبوضع كونت الحداثة الغربية فوق الحضارات السابقة والمعاصرة كافة، فقد قام بتأسيس إطلاقية نظرية ساهمت بقوة بعد ذاك في تقسيم الشعوب إلى قسمين (على غرار التقسيم المناخي الذي نقرؤه عند صاعد الأندلسي بين "الأمم النابهة" و"الأمم غير النابهة"، كم على غرار تقسيم مونتسكيو بين "المجتمعات العقلانية" الغربية و"المجتمعات الانفعالية" الشرقية)؛ إذ غدا شائعًا، بعد كونت، أنّ تميُّزَ الحداثة من بقية أنظمة الحياة والعمل يبرِّر تقدّم الغرب على أساس تأخر ما يقع خارج نطاقه، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، أي أنّ كونت جعل من الحداثة، بشعاره الشهير "النظام والتقدّم"1، فاصلً معرفيًا بين الغرب المتقدّم ومَن لا ينتمي إليه. وبقدر ما يصحّ أن الحداثة إنجاز حضاري متميّز وهائل، لا يصحّ في المقابل عدّها الشكل الأوحد للتقدّم الإنساني، وخصوصًا
في ضوء الكوارث التي تسبّبت بها الحداثة – ولمّا تزل – على مستوى البيئتين الطبيعية والسياسية عبر العالم؛ أولَم تُعمِّم نظرية الانتشارية (Diffusionism) فكرة صدام الحضارات على نحو ما، وهي المذهب الأنثروبولوجي الأشدّ انتشارًا على مدى ما يقرب من قرن في الجامعات الأنغلوساكسونية ثم الفرنكفونية؟ يحمِّل صاحب الكتاب معتمدي هذه النظرية والعاملين بها مسؤولية أساسية في تعميم فكرة الحداثة كحقيقة شبه مطلقة على نحو ملتوٍ؛ إذ تعتمد الانتشارية، وتتعمد، غموضًا يسمح لها بعدم إطلاق فكرة تفوّق النموذج الغربي الحديث على النمذج الأخرى كافة، في قالب من المسايرة الثقافية البّانية؛ إذ إن الانتشارية، في جوهرها، مبنية، في نظره، على مبدأين: الأول، هو التشديد الدائم على عمليات الاقتراض الثقافية من الغرب الحديث، في وقت ما من الأوقات، وبناء مجتمعات الأرض غير الغربية على عمليات الاقتراض هذه، بحيث تغدو ثقافاتها ملحقة وتابعة بصورة من الصور، لا أنها فقط مجتمعات مقترضة ثقافيًا، ضمن منطق أنظمتها الذاتية؛ الأمر الذي ينفي أصالة ثقافات هذه المجتمعات وحضاراتها. الثاني، هو التشديد البنيوي على الفوارق، بحيث تغدو المجتمعات غير الغربية من تركيب نوعي مختلف عن المجتمعات الغربية؛ الأمر الذي يصبّ في النظرية القائلة بالمجتمعات العليا والمجتمعات السفلى. ومن ثمّ، فإنّ النظرية الانتشارية التي اعتمدتها الأنثروبولوجيا الغربية لا تأخذ بمبدأ الشفافية العلمية، بل على عكس ذلك، تعتمد غموضًا غير بريء ساهم في توسيع الهوة أيديولوجيًا بين الغربيين وغير الغربيين. وفي هذا الصدد، يرى رافايل ليجيه أن نظام الأبرتهايد الذي ساد طويلً في دولة جنوب أفريقيا ينتمي فكريًا إلى المذهب الانتشاري، من حيث إنه بنَى نظريته بشأن فصل الأعراق في أمكنة السكن والطعام والخلاء، على مبدأ "التنمية الثقافية" المزعوم. فغرض الفصل الثقافي هو، من هذا المنظور الأيديولوجي، المحافظة على خصوصية كل ثقافة، والسمح لها بالتطوّر والنموّ ضمن قواعدها الخاصة. هنا ننتقل من غموض الانتشارية إلى وقاحة الفصل العرقي، والتنظير للتفوّق العرقي الأبيض، على خلفيّة اعتمد المكوِّن الأبيض على الحداثة الغربية، وعدم اعتمد المكوِّن الأسود على هذه الحداثة. أما الخروج من هذه المطبّات المفاهيمية والسياسية التي تعيق بلوغ شاطئ الأمان البشري العالمي، فكيف يكون؟ يرى المؤلف في خاتمة كتابه الفكري الشائق أنّ الخلاص لا يمكن أن يكون فرديًا، في حالة متميّزة في النرويج أو في حالة أخرى متميزة في اليابان، ولن يكون الحلّ المنشود سوى حل عالمي. لذلك، على الرغم من أنّ الفكرة تبدو اليوم طوباوية، يعدّ ليجيه الحل الموضوعي الأنسب يبدأ بتشييد "حَوكمة جديدة على المستوى العالمي" (ص 217)، إذ إنّ اهتممات الحكومات المحلية تأتي دومًا أحاديّة المنفعة وأنانية في الشأنين البيئي والسياسي، فضلً عن الشأن الاقتصادي والثقافي. ونظرًا إلى أنّ المشكلات باتت
تطرح نفسها على مستوى يتجاوز حدود الدول والبلدان، ونظرًا إلى التهديد الإستراتيجي البشري العام، لا يرى المؤلف سوى حلّ الحوكمة العالمية. لكننا بدورنا نتساءل: هل هذا الحلّ المنشود قابل للتحقّق؟ ففي ضوء تجارب الماضي والحاضر، يبدو الأمر مستحيلً؛ فالحوكمة العالمية متمثّلة حاليًا، على صعيد القانون الدولي، في هيئة الأمم المتحدة؛ ذلك أنّ هذه الهيئة تُعدّ – أو على الأقل تَعدّ نفسها – حكومةً عالمية مسؤولة عن الحكومات كافة عبر العالم أجمع، وعن الحكومات المحليّة كلها. ولكن، إلام أدى هذا الأمر حتى اليوم؟ هل أوقف الحروب والنزاعات، وهل حدَّ من الغنى الفاحش والفقر المدقع، وهل حقق العدالة الدولية والمحو الكامل للأميّة؟ كلا، ولائحة الإخفاقات تطول وتطول، باستثناء ما يتعلق بالمستوى الصحّي الذي تمكنت منظمة الصحة العالمية، التابعة للأمم المتحدة، من أن تنجح فيه في القضاء على الأوبئة وفي مكافحة أمراض كانت في ما مضى واسعة الانتشار ومستعصية. لذلك، من حقنا أن نتحفّظ بشدّة على هذه الحال الطوباوية إلى حد بعيد في الوقت الحالي؛ بيد أنّ مؤلف الكتاب يسارع إلى القول: وهل من حلّ آخر؟ هل في إمكاننا أن نستمر في هذه السياسات التي تمعن في إفساد الطبيعة وإفساد السياسة من دون أن نتوقّع دفع ثمن عالمي لتجاوزاتنا المستدامة بعضنا تجاه بعض كم تجاه الطبيعة؟ إنّ ميزة الإنسان هي أنه يستنبط على الدوام حلولً لمشكلاته، ولو بعد حين، لكن التوصيف المطروح في هذا الكتاب بشأن صدام الحضارات في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى حكمة عالمية تقف في وجهها سياسيات ومصالح وذهنيات عصية على التغيير. وتفترض الحوكمة العالمية وجود إنسان – قائد مترفّع عن جميع الارتباطات، وبيده القرار والقدرة على تنفيذ القرار، ضمن تآلف دولي متكامل، يشمل البلدان الغنية والفقيرة على حدّ سواء. لكن هذا الحلّ لن يحصل لمجرّد وعي المشكلة؛ فالمصالح العالمية تقف له بالمرصاد.