العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إستراتيجيات التنويع الطاقوي في المستقبل: استغلال الغاز الصخري في الجزائر نموذجًا

إستراتيجيات التنويع الطاقوي في المستقبل: استغلال الغاز الصخري في الجزائر نموذجًا

Energy Diversification Strategies in Future Shale Gas Exploitation in Algeria as a Model

شاكر ظريف

الملخّص

ملخص:  تهدف هذه الدراسة إلى تقييم تأثير ثورة الغاز الصخري في البلدان التي لها احتياطات مهمة من هذا المورد الطاقوي. وفي هذا الصدد، تبرز الجزائر من بين أكثر مناطق العالم التي يحوي باطنها كميات من الغاز الصخري ذات أهمية، مركَّزة بالأساس في مناطق الجنوب ذات الطبيعة الصحراوية القاحلة. وعلى الرغم من التفاؤل بإمكانية الذهاب بعيدًا في تنويع موارد الطاقة التي تُعَد الدعامة الأساسية للاقتصاد الجزائري، من خلال تعويض الغاز الصخري لنقص احتياطات البلاد من الموراد النفطية التقليدية، فإن الاعتبارات البيئية والمقاوَمة الاجتمعية التي رافقت التجارب الأولى لبداية استغلال حقول الغاز الصخري، قد ترهن توجهات هذه الإستراتيجية الطاقوية في الجزائر، وتدفعها إلى التوسع بقدر أكثر نحو خيارات اقتصادية أخرى. كلمت مفتاحية:  الغاز الصخري، التنويع الطاقوي، البيئة، الاستدامة، الجزائر. Abstract:  This study examines the impact of the shale gas revolution in countries that have significant reserves of this energy resource. Algeria is one of the most important regions in the world having substantial shale gas reserves, mainly concentrated in the southern region, in areas of arid desert. In spite of Algeria's success in diversifying its energy resources – seen as the main pillar of Algerian economy – by compensating for the lack of traditional oil reserves in the country with shale gas, environmental concerns need to be considered. The social resistance that accompanied the first exploitations of shale gas fields, may influence the directions of this energy strategy and lead to its expansion to include additional economic options.

Abstract

This study examines the impact of the shale gas revolution in countries that have significant reserves of this energy resource. Algeria is one of the most important regions in the world having substantial shale gas reserves, mainly concentrated in the southern region, in areas of arid desert. In spite of Algeria's success in diversifying its energy resources – seen as the main pillar of Algerian economy – by compensating for the lack of traditional oil reserves in the country with shale gas, environmental concerns need to be considered. The social resistance that accompanied the first exploitations of shale gas fields, may influence the directions of this energy strategy and lead to its expansion to include additional economic options.

الكلمات المفتاحية:
  • الغاز الصخري
  • التنويع الطاقوي
  • البيئة
  • الاستدامة
  • الجزائر
Keywords:
  • Shale gas
  • Environmental considerations
  • Energy diversification
  • Sustainability
  • Algeria

استغلال الغاز الصخري يف الجزائر نموذجًا Energy Diversification Strategies in Future

مقدمة

بات واضحًا أن تطور التكنولوجيات الاستخراجية الخاصة باستغلال مخزونات الغاز الصخري1 سيغير الخريطة الجيوستراتيجية للطاقة في العالم كله، ومن ثم سيكون أحد البدائل الممكنة والمتاحة لعديد الدول التي اكتشفت هذه المادة حديثًا، وهذا ما قد يحوِّلها من دول مستوردة لموارد الطاقة إلى دول مصدرة لها؛ وهو ما ينطبق بقدر كبير على الولايات المتحدة التي انتقلت في العقدين الأخيرين من حالة التبعية للخارج من حيث استهلاك الطاقة، إلى حالة الإشباع والاكتفاء بما تنتجه منصات الغاز الصخري على أراضيها. وقد شجعت هذه التجربة، على ما يبدو، كثيرًا من الدول الأخرى التي تمتلك موارد من الغاز الصخري على تطوير إمكاناتها؛ بهدف التخلص من تبعيتها النفطية للخارج، أو الرغبة في تنويع مصادرها الطاقوية بعد انخفاض الإنتاج من الموارد التقليدية، وتزايد الطلب المحلي على استهلاك الطاقة. وفي خضم هذه التغيرات المتلاحقة في خريطة إنتاج الغاز على المستوى الدولي، برزت الجزائر من بين أكبر الدول التي تحوي كميات مهمة من الغاز الصخري. ومع حلول عام 2014، شرعت الجزائر في تطبيق القانون الجديد للمحروقات، وهو ما تجسد في أرض الواقع من خلال البدء في حفر أول بئر للغاز الصخري في كانون الأول/ ديسمبر 2014، في منطقة "حوض حنات" بعين صالح في أقصى الجنوب الجزائري. غير أن حالة الوعي غير المسبوق التي انتشرت بين سكان المنطقة لما يعتبرونه أضرارًا قد تهدد مصادر المياه الجوفية بسبب عمليات "التكسير المائي"2، التي يتضمنها هذا المشروع، عجَّلت بخروج عدد من التظاهرات عبر المناطق المعنية بعمليات التنقيب جنوبي الجزائر، وهذا ما ساهم بقدر كبير في إيقاف هذا المشروع. تحاول هذه الدراسة استشراف مستقبل تحوُّل الجزائر نحو تطوير إمكاناتها الكبيرة من الغاز الصخري واستغلالها؛ لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية (النفط) التي تعرف الجزائر انخفاضًا متواصلً في احتياطياتها منها، وتوفير الإمدادات من الغاز الصخري سواء محليًّا أو دوليًّا؛ وذلك في ظل عجز مصادر الطاقة الأحفورية3 عن تأمين احتياجات الطاقة على المديين المتوسط والبعيد. وتتضح هنا أهمية فحص الإستراتيجيات المستقبلية للتنويع الطاقوي، ومدى مطابقتها لمعايير نموذج طاقوي مستدام، يرتكز

  1. الغاز الصخريGas Shale غاز طبيعي موجود حاليًّا في صخور السجيل الغنية بالمادة العضوية، وهي التي تقع على عمق كبير. ولاستخراجها، يجري استخدام تقنية "التكسير المائي" ذات التكلفة العالية مقارنة بتكلفة استخراج الغاز الطبيعي.
  2. التكسير المائي Hydraulic Fracturing تقنية حديثة تسمح باستخراج احتياطيات من البترول والغاز كان من المستحيل الوصول إليها سابقًا، بوسائل ميكانيكية تستعمل سائلً مضغوطًا يُحدث كسورًا في الطبقات الصخرية، أي عبر شق الصخور بالمياه. ولأنه توجد كسور طبيعية في باطن الأرض، تمتلئ تلك الفراغات باحتياطيات يمكن الوصول إليها من خلال إحداث كسر جديد.
  3. الوقود الأحفوريFuel Fossil هو وقود يتم استخدامه لإنتاج الطاقة الأحفورية. ويُستخرَج الوقود الأحفوري من المواد الأحفورية، كالنفط والغاز الطبيعي والفحم. تعتمد مواد الاحتراق الأحفورية على مُركَّبات عنصر الكربون، وعند احتراق الكربون مع غاز الأكسجين تنبعث طاقة في شكل حرارة، تُستخدم في جميع المجالات، إضافةً إلى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون ومواد كيميائية أخرى.

على الملاءمة الاقتصادية، والقبول الاجتمعي، والسلامة البيئية. وتفترض الدراسة أن نجاح الجزائر في إستراتيجيات التنويع الطاقوي مستقبلً يتوقف على وجود بيئة تشريعية، وتكنولوجية، وبيئية، تجمع بين الكفاءة والفاعلية في إدارة الموارد المتاحة، على نحو عقلاني ومدروس.

أولً: من الغاز الطبيعي إلى الغاز الصخري: بديل طاقوي جديد

تَرافَق المشهد الدولي المتقلب للطاقة، مع حدوث مجموعة من التغيرات الجيوستراتيجية، وهذا من خلال اكتشاف احتياطات نفط وغاز جديدة، وكذا دخول مصادر طاقوية جديدة إلى السوق، بينم شهدت أسواق المحروقات تقلبات حادة في الأسعار، أثَّرت تأثيرًا كبيرًا في النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي في كثير من دول العالم، على عكس نجاح الولايات المتحدة في زيادة إنتاجها من موارد النفط والغاز الصخري؛ الأمر الذي بدأ يغير من وضع البلاد في أسواق الطاقة العالمية على نحو أعمق مم كان في أي وقت مضى منذ عقود، وإن كانت آثار هذه السياسة لمّا تتضح تمامًا، ولما تتأكد بعد المسارات المستقبلية لنمو الإنتاج.

1. الخريطة الجيوسياسية للغاز الطبيعي في العالم

أعادت أسعار النفط والغاز العالمية المتقلبة للغاية على مدى السنوات القليلة الماضية المخاوف بشأن أمن تحمُّل تكاليف إمدادات الطاقة في جميع أنحاء العالم، وموثوقيته وإمكانيته. وأصبحت أسواق الطاقة العالمية حساسة جدًّا تجاه الأحداث التي لا علاقة لها في بعض الأحيان بقطاع الطاقة، وتَركَّز توريد منتجات الطاقة الأساسية (النفط، والغاز، والفحم) في أيدي عدد محدود جدًّا من البلدان، بينم شهد عدد كبير من البلدان الرئيسة المورِّدة للطاقة مستويات من عدم الاستقرار السياسي بدرجات متفاوتة. ولا يمكن في هذا الشأن إغفال النمو السريع للطلب الآسيوي على الوقود الأحفوري (خصوصًا من طرف الصين والهند)، وتصاعُد الجدل بشأن ضرورة البحث عن مصادر الطاقة التي لا تؤثر في المناخ والبيئة المحيطة؛ غير أن كل هذه المسائل وغيرها من قضايا الطاقة الأخرى تمثّل مزيجًا معقدًا من تقاطع السياسات، والمصالح الداخلية والخارجية للدول. وبالنظر إلى وتيرة نمو إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، فضلً عن التحولات المهمة الأخرى في أسواق الطاقة، فإنه من المتوقَّع أن تبقى المصادر الرئيسة للطاقة المستخدمة لتغذية الاقتصاد العالمي مستقرة نسبيًّا في المستقبل المنظور، من خلال هيمنة الوقود الأحفوري؛ كالنفط، والغاز الطبيعي، والفحم، على نحو 80 في المئة من إجملي الطاقة المستعملة، من دون إغفال أن الطاقة النووية ستكون مصدرًا مهمًّ للطاقة في كثير من البلدان، ومن المتوقع أن تنمو نموًّا كبيرًا في الصين والهند، ولكنها ستظل غير ملبية إلا حصة معتدلة

من إجملي الطلب العالمي على الطاقة. وينطبق الأمر نفسه على مصادر الطاقة المتجددة التي تحولت إلى أسرع المصادر نموًّا في إمدادات الطاقة، ولكن من المرجح أن يظل إجملي تغلغلها في السوق ضئيلً في ظل السياسات المتبعة، وحتى لو أصبحت الطاقة المتجددة الآن أكثر قدرة على منافسة الوقود الأحفوري، حينم يتم تطوير قدرات جديدة، فإن الاستعاضة عن البنية التحتية الحالية للوقود الأحفوري تمثل تحديًا أصعب4. وخلافًا لسوق النفط المتكاملة عالميًّا، فإن أسواق الغاز الطبيعي مجزأة بسبب محدودية خطوط الأنابيب، وارتفاع تكاليف نقل الغاز الطبيعي المسال المتداول عالميًّا، على الرغم من أن أسواق الغاز الطبيعي تتجه إلى أن تكون أكثر مرونة بسبب خيارات التوريد المتنوعة على نحو متزايد، والنمو السريع نسبيًّا في الغاز الطبيعي المسال مقارنة بالأحجام المتداولة في خطوط الأنابيب، وزيادة كفاءة الأسواق5. كم أصبح الوضع الجيوسياسي فيم يتعلق بإمدادات الغاز معقدًا على نحو خاص؛ فعلى الرغم من أن الغاز أكثر انتشارًا جغرافيًّا من النفط، فإن تركيز احتياطيات الغاز هو التركيز الأعلى. وبينم تمثل المملكة العربية السعودية وفنزويلا وإيران الدول الثلاث الأولى في العالم من حيث الاحتياطيات النفطية (نحو 44 في المئة من احتياطيات النفط العالمية)، فإن روسيا وإيران وقطر تتبوأ المراكز الثلاثة الأولى من حيث احتياطيات الغاز (تسيطر فعليًا على 53 في المئة من إجملي احتياطيات الغاز العالمية)؛ وهذا ما يعني أن روسيا وإيران وقطر قد تصبح أكبر موردي الغاز في جميع أنحاء العالم بحلول عام.20306عمومًا، تشير التقديرات إلى انخفاض احتياطي الغاز الطبيعي في العالم بنسبة 0.5 في المئة، من 196.93 تريليون متر مكعب عام 2015 إلى نحو 195.9 تريليون متر مكعب عام 2016، قابله نمو ملحوظ في الطلب العالمي على الغاز عام 2015 مقارنة بالعام السابق بنسة 1.7 في المئة، وهو معدل نمو دون معدل النمو المتوسط المسجل على مدار السنوات العشر الماضية، البالغ 2.3 في المئة7، بينم بلغ إجملي الإنتاج العالمي للغاز عام 2016 نحو 3613 مليار متر مكعب، بزيادة قدرها 0.8 في المئة مقارنة بعام 2015، وقد ارتفع إنتاج الغاز منذ الأزمة الاقتصادية في عام 2009؛ وتُعَد الزيادة التي شهدها في عام 2016 (+29.1 مليار متر مكعب) هي الصغرى في هذه المرحلة8. وارتفعت حصة الغاز الطبيعي من إجملي استهلاك الطاقة الأولية في العالم ارتفاعًا طفيفًا في عام 2015، لتصل إلى 23.8 في المئة مقارنة بنسبة 23.7 في المئة عام.20149

  1. Ibid., p. 10.
  2. منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، تقرير الأمين العام السنوي الثالث والأربعون (الكويت: أوابك، 2016)، ص.211
  3. International Energy Agency, Natural Gas Information: 2017 Final Edition , p. 3, accessed on 30/3/2018, at: https:// goo.gl/ZFsNsg
  4. منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، ص.211

وفي خضم انخفاض أسعار الغاز، ظهر، خصوصًا في عام 2016، نوع من الانتعاش من قطاع توليد الطاقة الذي تأثر بحركة الأسعار، وهو ما شجع الطلب على الغاز؛ ففي الولايات المتحدة، كان توليد الطاقة التي تعمل بالغاز، في ارتفاع متواصل على مدى السنوات القليلة الماضية، متجاوزًا بذلك الاعتمد على الفحم؛ إضافة إلى ظهور توجه قوي من أوروبا للاعتمد على الغاز، خصوصًا في عام 2016، وذلك بسبب انخفاض أسعار الغاز، مقابل زيادة أسعار الفحم وطرق استخدامه10. ومع أن الطلب العالمي على الغاز واجه مجموعة من التحديات في السنوات الماضية، بسبب مجموعة متنوعة من العوامل؛ مثل تباطؤ النمو الاقتصادي، إلى جانب المنافسة القوية من الفحم، فضلً عن التصاعد المتزايد لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى، إضافة إلى الطقس الحار في مراكز الاستهلاك الرئيسة التي خفضت الطلب على الطاقة بغرض التدفئة، فإن عدة مناطق؛ مثل اليابان (بعد كارثة فوكوشيم)، والولايات المتحدة التي شهدت زيادة إمدادات الغاز، أظهرت نموًّا قويًّا في الطلب على الغاز. على العموم، سجل متوسط نمو الطلب على الغاز نسبة 1.5 في المئة في الفترة 2011 - 2015، أي أقل من مستوى النمو البالغ 3 في المئة خلال الفترة 2000 -.201011ومن المتوقع أن يزداد استهلاك الغاز الطبيعي العالمي بنسبة 43 في المئة في الفترة 2015 -2040؛ إذ ستكون الأسواق الناشئة مسؤولة عن معظم النمو في إجملي الطلب على الطاقة خلال العقود القليلة القادمة12، واعتبرت توقعات وكالة الطاقة الدولية أن الصين والهند سترفعان نمو معدلات الطلب خلال العقد القادم، ومنه أكثر من ثلاثة أرباع النفط العابر لمضيق هرمز؛ وهذا ما يؤثر في الطرق الأساسية الجيوسياسية لتجارة الطاقة في العالم. ينمو استهلاك الغاز الطبيعي في كل من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبلدان غير الأعضاء فيها خلال الفترة 2015 - 2040، خصوصًا في مجموعة البلدان الأخيرة التي تعرف توسُّعًا في القطاعات الصناعية وزيادة في حاجتها إلى الكهرباء التي من المتوقع أن ينمو الاستهلاك فيها، بما متوسطه 1.9 في المئة سنويًّا من عام 2015 إلى عام 2040، على النقيض من نسبة 0.9 في المئة سنويًّا في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وترتفع حصة استهلاك الغاز الطبيعي في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 53 في المئة في عام 2015 إلى 59 في المئة في عام.204013يبين الجدول (1) التوقعات الطويلة الأمد للطلب على الغاز بين عامي 2015 و 2040؛ إذ يُتوقع أن يزداد الطلب على الغاز من أقل قليلً من 60 مليون مكافئ برميل نفط يوميًّا في عام 2015 إلى نحو 93 مليون

  1. Organization of the Petroleum Exporting Countries, World Oil Outlook 2040 (Vienna: OPEC, 2017).
  2. Ibid., p. 81.
  3. U.S. Energy Information Administration, International Energy Outlook 2017 (September 14, 2017), accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/J99ahS
  4. Ibid. الشكل (1) استهلاك الغاز الطبيعي في العالم المصدر: U.S. Energy Information Administration, International Energy Outlook 2017 (September 14, 2017), p. 49, accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/J99ahS

مكافئ برميل نفط يوميًّا في عام 2040. وهو ما يمثل معدل نمو سنوي بمتوسط يبلغ نحو 1.8  في المئة. ومقارنة بأنواع الوقود الأحفوري الأخرى، يحظى الغاز بأعلى معدل نمو، من 21.5 في المئة عام 2015 إلى أكثر من 25 في المئة عام 2040. ومن ثم، تجاوز الفحم وأصبح ثاني أكبر وقود مهم في مزيج الطاقة، ويأتي معظم النمو في الفترة 2015 - 2040 من البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بنحو 29 مليون مكافئ برميل نفط يوميًّا، بينم يقع باقي النمو (نحو 5 ملايين مكافئ برميل نفط) في أسواق بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية14. أما تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، فمن المتوقع أن تصل إلى ثلاثة أضعافها تقريبًا، من 12 تريليون قدم مكعب إلى 31 تريليون قدم مكعب، بين عامي 2015 و 2040. وعلى الرغم من النمو القوي في تجارة الغاز الطبيعي المسال، فمن المتوقع أن تستمر تدفقات الغاز الطبيعي من خلال الأنابيب العابرة للأقاليم بنسبة 48 في المئة في عام 2040 مع زيادة تطوير البنية التحتية لخطوط الأنابيب15. يبرز، إذًا، صعود إنتاج الغاز الصخري بوصفه أحد أهم المؤشرات التي ستساهم على الأرجح في نمو إمدادات الغاز الطبيعي مستقبلً؛ فمن المتوقع أن يزداد إنتاج الغاز الطبيعي بين عامي 2015 و 2040 في الولايات المتحدة والصين أساسًا؛ وهذا بعد توجه الدولتين في السنوات الأخيرة نحو استغلال الموارد

حصة الطلب العالمي على الطاقة
(النسبة المئوية)
2040 2030 2020 2015
النمو
(النسبة المئوية)
2040 - 2015
المستويات
(مليون برميل نفط مكافئ)
2040 2030 2020 2015
21.1 23.3 25.7 26.70.919.7 18.6 16.8 15.8منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية في أميركا
9.6 11.2 13.1 13.20.69.0 8.9 8.6 7.8منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية في أوروبا
4.1 4.5 5.6 6.5-0.13.8 3.6 3.6 9.9منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية في آسيا وأوقيانوسيا
34.8 39.0 44.4 46.40.75.72 9.82 1.13 5.23منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية
9.7 8.9 6.9 5.64.19.0 7.1 4.5 3.3الصين
3.5 2.6 1.8 1.65.23.3 21 1.2 0.9الهند
17.3 16.5 14.8 14.32.616.1 13.2 9.6 8.4أوبك
21.1 18.2 15.6 14.43.419.7 14.6 10.2 8.6البلدان النامية الأخرى
9.53 1.93 2.64 6.153.33.12 5.52 9.63 2.84البلدان النامية
8.4 9.4 10.9 12.00.47.8 7.5 7.1 7.1روسيا
5.2 5.4 5.6 5.71.44.8 4.3 3.7 3.4دول أخرى من أوراسيا
13.5 14.8 16.5 17.70.712.6 11.8 10.7 10.5أوراسيا
100 100 100 1008.12.95 2.56 9.97 3.39مجموع العالم

الصخرية المكتشَفة على أراضيهم، فضلً عن نمو إنتاج الغاز الطبيعي في روسيا خلال الفترة 2015 - 2040، نتيجة نمو إيراداتها في المناطق القطبية الشملية والشرقية في البلد. لقد مثّل نمو الموارد الصخرية نسبة 50 في المئة من إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة في عام 2015. ومن المتوقع أن يصل إلى نحو ثلثي إجملي الإنتاج الأميركي من الغاز الطبيعي، أو 70 في المئة منه بحلول عام 2040، بعد الزيادة في عمليات الحفر الأفقي والتكسير المائي التي سمحت بتعزيز الاحتياطيات المكتشفة القابلة للاستغلال من الناحية الفنية. ومن المتوقع أيضًا أن يمثل نمو الموارد الصخرية نحو 50  في المئة من إنتاج الغاز الطبيعي في الصين بحلول عام 2040، جاعلًالصين أكبر منتج للغاز الصخري في العالم بعد الولايات المتحدة. وفي كندا، من المتوقع أن يأتي إنتاج الغاز الطبيعي في المستقبل بالأساس من الموارد الطاقوية الصخرية ضمن منطقتي كولومبيا البريطانية وألبرتا16.

2. طفرة الغاز الصخري في الولايات المتحدة: هل تنجح التجربة في دول أخرى؟

على مدى السنوات الماضية، كان صناع القرار في الولايات المتحدة يميلون إلى النظر إلى الطاقة، خصوصًا النفط، بوصفها مصدرًا للضعف. وغالبًا ما بنت الولايات المتحدة مواقفها وسياساتها الخارجية وفق

  1. Ibid.

تصورات الندرة المحلية وفقدان الأمن الطاقوي، بينم كان الاستقلال الطاقوي للولايات المتحدة بمنزلة الحلم الذي راود السياسيين منذ سبعينيات القرن الماضي، غير أن الثورة الصخرية التي بدأتها البلاد، ووصولها إلى موارد جديدة من النفط والغاز، كانت لهم آثار هائلة في إنتاجها وفي ميزانها التجاري17. فإلى غاية عام 1998، لم يكن هناك إنتاج للغاز الصخري التجاري في العالم؛ ولكن بحلول عام 2012، بلغ إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الصخري نحو 8 تريليونات قدم مكعب، أو ما يمثل ثلث إجملي إنتاج الغاز في البلاد، وأكثر من 7 في المئة من إنتاج الغاز العالمي؛ إذ إن تطور التكنولوجيا الاستخراجية لهذا المورد الطاقوي جعل استغلاله ممكنًا، وتصديره إلى الأسواق العالمية أمرًا سهلً. وأدت الإمدادات المتزايدة من الغاز الصخري في الولايات المتحدة أيضًا، إلى خفض أسعار الغاز الفوري بأكثر من النصف، وتقليص الطلب النسبي على الوقود الذي يستخرج من الفحم الذي كان سائدًا طوال الفترة الماضية18. وعلى الرغم من ارتفاع استيراد الولايات المتحدة من الغاز عام 2007 باطراد إلى 3.8 ملايين طن مكعب، فقد انخفض هذا الرقم بعد ذلك إلى 2.6 مليون طن مكعب عام 2010، وكان لذلك أثر ملحوظ في سوق الغاز العالمية؛ وينطبق الأمر نفسه على الغاز الطبيعي المسال الذي استوردت منه الولايات المتحدة 771 مليار قدم مكعب عام 2007، غير أنه انخفض إلى أكثر من النصف، ليصل إلى 349 مليار قدم مكعب خلال عام 2011؛ مع العلم أن زيادة إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة أدت إلى تغييرات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الفوري، وكانت هذه التغييرات متوقعة، بسبب البنية التحتية لخطوط الأنابيب التي يمكن ربطها بسهولة بالإمدادات الجديدة من الغاز الصخري، ومن ثم تسهيل الوصول إلى الأسواق الداخلية. وقد أدت هذه الزيادة في إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الصخري بدورها إلى زيادة الحوافز لإنتاجه، وهو ما جعل أسعار الغاز تصل إلى أدنى مستوياتها بحلول عام.201219في بداية الألفية الجديدة، كان للتراجع في أسعار الغاز الفوري انعكاسات على معدل الاستكشاف. غير أن انتعاش الطلب على الغاز الطبيعي فيم بعد ساهم بقوة في ارتفاع أسعاره، وهو ما انعكس على ارتفاع عدد منصات الحفر الموجهة للغاز التي بلغت ذروتها في عام 2008، أي ضعف الرقم في بداية العقد. وانخفض سعر الغاز الفوري مرة أخرى، مؤثرًا هو أيضًا في تراجع عدد منصات الحفر النشطة، بحلول عام 2011، بنسبة 60 في المئة مقارنة بالارتفاع الذي شهده عام 2008. وكان للزيادة الكبيرة في إمدادات الغاز، إلى جانب الانخفاض الكبير جدًّا في أسعار الغاز الفوري في الولايات المتحدة أثر كبير في اختياره وقودًا للتدفئة وتوليد الطاقة، بدلً من الفحم الذي كان يساهم في العقود الماضية بنسبة راوحت بين

  1. International Security Advisory Board, p. 7.
  2. African Development Bank, Shale Gas and its Implications for Africa and the African Development Bank (Tunisia: African Development Bank, 2013), p. 12.
  3. Ibid., p. 18. الشكل (3) إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة مقارنة بباقي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المصدر: U.S. Energy Information Administration, Natural Gas Information: Overview (2017), accessed on 17/4/2018 at: https://bit.ly/2qCZNXT

وزادت نسبة الطاقة المتجددة أيضًا من 1.4 في المئة إلى 4.2 في المئة20.

62 في المئة في عام.201621

مجموعة عوامل متنوعة يمكن حصرها فيم يلي: 52 في المئة و 42 في المئة في إنتاج الكهرباء، في حين ارتفعت حصة الغاز من 16 في المئة إلى 25 في المئة،

ولم يفتأ الإنتاج الأميركي من الغاز ينمو منذ عام 2013، وذلك بالأساس بفضل ثورة الغاز الصخري الذي ارتفعت حصته مقارنةً بإجملي الاحتياطي الأميركي من الغاز الطبيعي، من 54 في المئة في عام 2015 إلى

يمكن أن نعزو هذا الزخم الكبير والتطور السريع في صناعة الغاز الصخري في الولايات المتحدة إلى

المعرفة الجيولوجية بالرواسب الصخرية وموارد الغاز المحتملة: كان وجود المعلومات حول التشكيلات الصخرية والاحتياطيات المحتملة من الغاز الصخري القابل للاستغلال معروفًا

  1. Ibid., p. 19.
  2. U.S. Energy Information Administration, U.S. Crude Oil and Natural Gas Proved Reserves, Year-end 2016 (February 2018), accessed on 1/7/2018, at: https://goo.gl/789Vjr

ومحدَّدًا جيدًا في الولايات المتحدة قبل بداية الشروع في عمليات التكسير المائي، وذلك بفضل المسوحات الجيولوجية الواسعة النطاق، والحفر للغاز التقليدي، والنفط، وغيرها من الموارد التي كانت تقوم بها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية USGS؛ وهذا ما شجع الحكومة الأميركية على دعم المشاريع الميدانية لاستكشاف الموارد المتاحة، وتطوير التكنولوجيات الخاصة بها22. وإذا كانت هذه الدراية العلمية المتخصصة تميز التجربة الأميركية وتعطيها عوامل النجاح للمضي نحو استغلال مواردها من الغاز الصخري، فإن كثيرًا من دول العالم الأخرى تفتقر، على النقيض من ذلك، إلى هذه الجوانب، ولا سيم ما تعلق منها بدقة مسوحاتها الجيولوجية لمواردها الطاقوية المتاحة، وعدم تحكمها بما يكفي في تقنيات الحفر الأفقي والتكسير المائي، وهو ما دفع وكالة الطاقة الدولية في عام 2012، إلى اعتبار أنه إلى غاية عام 2035، سيبقى إنتاج الغاز الصخري محصورًا بين دول قليلة هي الولايات المتحدة، وكندا، والصين، والهند، وأستراليا23. دور شركات الاستكشاف والإنتاج الصغيرة المستقلة: هيمنت بعض الشركات الصغيرة المستقلة في المراحل الأولى من الثورة الصخرية على نشاطات استخراج الغاز الصخري في الولايات المتحدة، وأبدت استعدادها لتحمل المخاطر المرتبطة بهذا النشاط الجديد، على اعتبار أن هذه الشركات كانت عالية التخصص في الاستكشاف والإنتاج، وتركز عملها على نطاق محدد، وكانت على استعداد دائم لتغيير منصات الحفر بحسب الاستكشافات التي تُظهر أهمية الحقول الجديدة، فضلً عن اكتساب هذه الشركات خبرات ميدانية للتعامل مع بعض المخاطر البيئية المرتبطة بمنصات الغاز الصخري، لتدخل شركات النفط الوطنية في الولايات المتحدة، وبعض الشركات الكبرى الأخرى على هذا الخط24. جودة الموارد وكميتها وتكلفة الإنتاج: كانت المخاوف الأولى للولايات المتحدة في استغلال الغاز الصخري تتعلق بضمن الاستغلال الكامل لكل الموارد الصخرية المتاحة. ومع تراكم الخبرة، واتساع نطاق المعلومات الجيولوجية الدقيقة، وتطور التكنولولجيات الاستخراجية، أصبحت هذه الإمكانية متاحة؛ إذ بات في الإمكان حساب الجدوى الاقتصادية لأي بئر قبل الشروع في عملية الحفر الأفقي، خصوصًا أن حفر آبار الغاز الصخري أعلى تكلفة من حفر آبار الغاز التقليدية. وكان من العوامل الحاسمة في تطوير الغاز الصخري الأميركي وجود أسواق للغاز الطبيعي؛ إذ هناك أسواق ثابتة، لا تقتصر على توليد الطاقة والتدفئة المنزلية، ولكنها تشمل

  1. Kavalov & Pelletier, p. 12.
  2. African Development Bank, p. 27.
  3. Elizabeth Bomberg, "Risks and Risk Governance in Unconventional Shale Gas Development," Environmental Science & Technology , vol. 48 (2014), p. 8290.

أيضًا الاستعملات الصناعية (تحويله إلى صيغة الإيثيلين الذي يدخل في عديد الصناعات الكيميائية والمنتجات المرتبطة به كالغاز الطبيعي المضغوط السيارات)25. البنية التحتية (النقل، والتخزين... إلخ): من المعروف أن الولايات المتحدة تمتلك بنية تحتية واسعة النطاق لنقل الموراد الطاقوية إلى المستخدمين، خصوصًا خطوط نقل الغاز التي يُعَد بناؤها مكلفًا جدًّا؛ لذلك فإن ربط منصات جمع الغاز الصخري بشبكة خطوط الأنابيب ونقاط التخزين كان ممكنًا. وعلى غرار التجربة الأميركية، فإن البلدان التي لديها بالفعل شبكة أنابيب الغاز ومرافق التخزين كانت لها أفضلية أكثر لاستيعاب الإمدادات الإضافية من اكتشافات الغاز الصخري. وعلى الرغم من أن هناك حاجة إلى تدعيم البنية التحتية الموجودة لربط الإنتاج الجديد بالشبكة، فإن التكلفة الإضافية لهذا تكون صغيرة عمومًا، مقارنة بتكلفة إنشاء شبكة جديدة كاملة. أضف إلى ذلك أن اكتشاف الغاز الصخري في المناطق النائية يقلل فرص استغلاله بسبب زيادة تكلفة نقله. الوضع القانوني للموارد تحت الأرض: بموجب قوانين الولايات المتحدة، فإن حقوق الملكية في الموارد تحت الأرض، ومنها رواسب الغاز الصخري، ملك لأصحاب الأراضي. ومن ثم، فإن ملاك الأراضي في الولايات المتحدة لديهم مصلحة اقتصادية في تنمية موارد الغاز الصخري التي تقوم عليها ممتلكاتهم عن طريق الإيجار. وغالبًا ما يمثل الغاز الصخري فرصة رئيسة، إن لم تكن الفرصة الاقتصادية الوحيدة، لكي يحصل مالكو الأراضي على عائد معقول من هذه الممتلكات26. ومم لا شك فيه أن هذه البيئة المناسبة، وتوالي الابتكارات التقنية التي طبقت أول مرة على الغاز الصخري، ثم النفط لاحقًا، من الأسباب التي أحدثت ثورة هائلة في احتياطات الطاقة الأميركية، ودفعتها لتكون الأسرع نموًّا في إنتاج النفط في العالم، وتحقيق ما لم يمكن تصوره قبل بضع سنوات؛ وهذا ما شجع، في وقت قصير، كثيرًا من البلدان في أنحاء العالم للعمل على استكشاف إمكانات مواردها الصخرية. ومن ثم، يطرح هذا التساؤل عن مدى قدرة دول أخرى، كالجزائر، على إنشاء نسخ خاصة بها من ثورة النفط والغاز الأميركية، ولا سيم أن الجزائر تمتلك احتياطيات من الغاز الصخري أكبر من الاحتياطات الموجودة في الولايات المتحدة.

  1. Kavalov & Pelletier, p. 14.

ثانيًا: توجه الجزائر لاستغلال الغاز الصخري: الاقتصاد على حساب البيئة

لطالما نُظِر إلى الثروات الأحفورية في الجزائر، ولا سيم الثروة الغازية منها، بوصفها أحد مقومات الاستقرار الاقتصادي داخليًّا وخارجيًّا؛ بفضل خصائصها التقنية (قلة تلويث البيئة، مقارنة بالنفط)، والاقتصادية (توليد الكهرباء)، ويبدو أن هذا هو التوجه الذي أرادت البلاد مواصلته من خلال محاولة استغلال احتياطيات الغاز الصخري المكتشَفة حديثًا؛ إلا أن هذه الرغبة اصطدمت بتحديات مرتبطة، أساسًا، بالأضرار البيئية التي من الممكن أن يخلفها هذا الاستغلال، وارتدادات ذلك على المستوى الاجتمعي.

1. الغاز الطبيعي في الجزائر: الأهمية الداخلية والخارجية

تُعَد الجزائر أكبر منتج للغاز الطبيعي في أفريقيا، وهي ثاني أكبر مزوِّد لأوروبا بالغاز الطبيعي. وقد أنتجت المحروقات حتى قبل الاستقلال عن فرنسا في عام 1962، وأصبحت الجزائر عضوًا في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) في عام 1969 بعد سنوات من بدء إنتاجها النفطي في عام 1958، كم بُني اقتصادها بأكمله حول هذه الموارد، وهذا ما جعل جل صادراتها من النفط والغاز الطبيعي، بعد الاستثمرات الكبرى في هذا الميدان في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ وسرعان ما نمَت قدرة الجزائر على إنتاج النفظ والغاز لتصبح المورِّد الرئيس لهذه المنتجات الطاقوية، ولا سيم أنها كانت أول منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم عام 1964. ويقع معظم احتياطيات الجزائر من النفط والغاز في الجزء الشرقي من الصحراء جنوب البلاد، إذ يأتي 75  في المئة من إنتاج المحروقات من حقلَ حاسي مسعود وحاسي الرمل؛ حيث يمثل الغاز الطبيعي 64 في المئة من إجملي حجم الإنتاج، والنفظ 26 في المئة، والمكثفات 6 في المئة، وغاز البترول المسال 4 في المئة. وفي عام 2010، كانت الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك تستحوذ على 72  في المئة من حجم الإنتاج29، والباقي للشركات الأجنبية30. وترجع أهمية الجزائر في سوق الطاقة العالمية إلى عوامل عدة؛ إذ إنها تحتل المرتبة الحادية عشرة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، ب 159 تريليون قدم مكعب، وهذا ما يجعلها من

  1. استنادًا إلى بيانات شركة ريستاد للطاقة Energy Rystad، فإن شركات النفط الدولية التي لها حصص ملحوظة في حقول النفط والغاز الطبيعي هي Cepsa (إسبانيا)، وBP (المملكة المتحدة)، وEni (إيطاليا)، وRepsol (إسبانيا)، وTotal (فرنسا)، وStatoil (النرويج)، وnadarko (الولايات المتحدة). كما أن أصول شركة سوناطراك في الجزائر تجعلها أكبر شركة للنفط والغاز الطبيعي ليس في البلاد فقط، ولكن في أفريقيا أيضًا. وتعمل الشركة في مناطق عدة من العالم؛ منها: أفريقيا (مالي، والنيجر، وليبيا، ومصر)، وأوروبا (إسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، والمملكة المتحدة)، وأميركا اللاتينية (بيرو)، والولايات المتحدة.
  2. Azzedine Layachi, The Geopolitics of Natural Gas: The Changing Geopolitics of Natural Gas: The Case of Algeria ([Houston, Texas]: The James A. Baker III Institute for Public Policy of Rice University, 2013), p. 9, accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/MXHjX4 المصدر: Ministère de l'Energie (Algérie), Bilan du réalisation du secteur 2016 (Septembre 2017), p. 10, accessed on 17/4/2018 at: https://bit.ly/2qAdiYk

بين الدول العشر الأولى عالميًّا في إنتاج الغاز الطبيعي، وثالث أكبر البلدان الأعضاء في منظمة أوبك بعد إيران وقطر؛ حيث تصدر الغاز عبر خطوط الأنابيب وناقلات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وكثير من بلدان العالم الأخرى31. وقد بلغ إنتاج الجزائر من المحروقات نحو 166.1 مليون مكافئ طن نفط، بنمو قدره +7.3 في المئة عم كان في عام 2015، خصوصًا الغاز الطبيعي والنفط الخام. الجدول (2) حصيلة القطاع الطاقي في الجزائر (2016)

التطور20162015الوحدةالمورد الطاقي
النسبة
المئوية
املكمية
+3.6+1.851.049.2مليون طنالنفط الخام
+12.3+10.495.084.6مليار متر مكعبالغاز الطبيعي

بلغت عائدات تصدير النفط والغاز الطبيعي 35.7 مليار دولار في عام 2015؛ أي بانخفاض قدره 41 في المئة مقارنة ب 60.3 مليار دولار في عام 2014. كم بلغ متوسط سعر النفط الخام المنتج في الجزائر 52.79 دولارًا للبرميل في عام 2015، أي بانخفاض قدره 47 في المئة عن عام 2014. وانخفض احتياطي النقد الأجنبي من 194 مليار دولار في كانون الأول/ ديسمبر 2013 إلى 153 مليار دولار في أواخر عام 201532. ويظل اقتصاد الجزائر يعتمد اعتمدًا كبيرًا على الإيرادات الناتجة من قطاع النفط والغاز الذي يمثل نحو 25 في المئة من إجملي الناتج المحلي، وأكثر من 95  في المئة من عائدات التصدير، و 60 في المئة من إيرادات الميزانية، وفقًا لصندوق النقد الدولي33. وتعتمد الجزائر على إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي للاستهلاك المحلي؛ ويمثل الغاز الطبيعي والنفط تقريبًا إجملي استهلاك الطاقة الأولية في الجزائر. وتُعَد أسعار المنتجات النفطية (الديزل، والبنزين، وغاز البترول المسال) والغاز الطبيعي في الجزائر من بين أرخص الأسعار في العالم؛ ويقدر صندوق النقد الدولي أن تكلفة الإعانات الضمنية على المنتجات النفطية والغاز الطبيعي بلغت 22.2 مليار دولار في

  1. Ibid., p. 7.
  2. U.S. Energy Information Administration, "Country Analysis Brief: Algeria," March 11, 2016, accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/9jbbmi
  3. Ibid.

عام 2012، أي ما نسبته 10.9 في المئة من الناتج المحلي الإجملي. كم تضمَّن قانون الميزانية لعامَي 2016 و 2018 زيادة أسعار البنزين والديزل والغاز الطبيعي والكهرباء، أول مرة منذ أكثر من عقد من الزمان، في إطار محاولة الحكومة الجزائرية التكيف مع انخفاض الإيرادات. يساهم الغاز الطبيعي بنسبة 93 في المئة من توليد الطاقة في الجزائر (2013)؛ وتحاول الحكومة الجزائرية خفض اعتمد البلاد على الغاز الطبيعي في قطاع الطاقة من خلال زيادة حصة الكهرباء المولدة من الطاقات المتجددة، ويبلغ الطلب على الطاقة في الجزائر أعلى مستوياته خلال أشهر الصيف؛ وقد وصل إلى ذروة جديدة بلغت 12.4 غيغاواط في آب/ أغسطس 2015، وارتفع إلى 12.8 غيغاواط في 2016، بنسبة نمو تقدر ب +3.7 في المئة34. اعتزمت شركة سونلغاز (الشركة الوطنية للكهرباء والغاز) إضافة أكثر من 12 غيغاواط من الطاقة الإنتاجية بحلول عام 2018. وتتركز توسعات التوليد في ثماني محطات توليد بتوربينات غازية مجتمعة، وقد بدأت في تشغيلها عام 2015. كم أضافت الجزائر قدرة تبلغ 256 ميغاواط من الطاقة الشمسية في عام 2015، وهي جزء من 400 ميغاواط مخططة في برنامج الطاقة الشمسية الذي بدأ عام 2013. وقامت شركة سونلغاز أيضًا باقتناء 12 توربينة لتوليد 10 ميغاواط من الطاقة في مزرعة رياح في أدرار عام 2014؛ وهو مشروع رائد لبرنامج طاقة الرياح التي تخطط لجلب 639 ميغاواط بحلول عام 2023. ومع ذلك، حتى لو زادت حصة الجزائر من استهلاك الطاقة المتجددة، فم زال من المتوقع أن تزيد البلاد من استهلاكها للغاز الطبيعي أيضًا. وقد وضعت وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية أهدافًا لتوليد 40 في المئة من الكهرباء في الجزائر من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام.203035لكن، ما زالت الجزائر تؤدي دورًا مهمًّ في سوق قطاع الغاز العالمي بوصفها ثاني أهم مُورِّد للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بعد روسيا، بما يمثل 20 في المئة من واردات القارة، أو أكثر من 90 في المئة من صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي، بمتوسط 2.118 تريليون قدم مكعب36. كم تصدِّر البلاد الغاز الطبيعي، عبر ثلاثة خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي العابر للقارات، إلى إيطاليا عبر خط الأنابيب إنريكو ماتي Mattei Enrico (1983)، وهو مملوك ملكية مشتركة بين شركة سوناطراك، والحكومة التونسية، وشركة إيني الإيطالية، وكذا خط أنابيب بيدرو دوران فاريل Farell Duran Pedro (1996)، إضافة إلى خط أنابيب مدغاز Medgaz (.2011)37

  1. Ministère de l'Energie, République Algérienne, Bilan des réalisations du secteur année 2016 (Alger: Ministère de l'Energie, 2017), p. 33, accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/fwsMnB
  2. U.S. Energy Information Administration, "Country Analysis Brief: Algeria."
  3. Ibid.
  4. Ibid. المصدر: U.S. Energy Information Administration, "Country Analysis Brief: Algeria," (March 11, 2016), accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/9jbbmi

الجدول (3) خطوط أنابيب نقل الغاز الطبيعي بين الجزائر وأوروبا

اسم خط الأنابيبسنة البدءالطريقالطول
(بالأميال)
القدرة
(بمليار قدم
مكعبة في السنة)
Pipeline Enrico Mattei2013الجزائر إلى إيطاليا عبر تونس1.0251.340
Pedro Duran Farell pipeline
(GPDF)
1996الجزائر إلى إسبانيا عبر المغرب325390
MEDGAZ pipeline2011الجزائر إلى إسبانيا عبر البحر
الأبيض المتوسط
125280
إجمالي تصميم قدرة التصدير خط أنابيب 2.010
خطوط الأنابيب المقترحة
GALSI Pipeline/الجزائر إلى إيطاليا534282
Trans-Saharan Gas Pipeline
(TSGP)
/نيجيريا إلى الجزائر عبر النيجر2.6021.059 - 706

وعلى الرغم من أن البلاد تُعَد مصدرًا رئيسًا للغاز، فإن تزايد الطلب المحلي على استهلاك الطاقة، مع انخفاض الإنتاح من الموارد التقليدية - وفي ظل الاعتمد الكبير على الغاز بوصفه من دعائم الاقتصاد - يرجح أن احتياطيات الغاز الصخري الإضافية التي تم الكشف عنها في البلاد قد تعوِّض عن الموارد الأحفورية الأخرى، وتجلب مكاسب اقتصادية جديدة، خصوصًا أن الجزائر منتِج رئيس للغاز الطبيعي منذ فترة طويلة، ولديها البنية التحتية والتقنية، والخبرة في إدارة التوسع الكبير في القطاع، من خلال وجود خطوط أنابيب الغاز، وكذلك خطوط أنابيب التصدير الدولية، ومحطة للغاز الطبيعي المسال، والطبيعة الثابتة لأسواقها المحلية والخارجية، وهذا ما يرجِّح أن تكون بيئة جذابة للمستثمرين المحتمَلين. لقد أعلنت الجزائر في شباط/ فبراير 2012 أن لديها احتياطيات مهمة من الغاز الصخري، يمكن أن تكون مساوية لاحتياطات الولايات المتحدة منه. وتأتي الجزائر في الرتبة الثالثة (بعد الصين والأرجنتين) ضمن المراكز العشرة الأولى من حيث موارد الغاز الصخري القابلة للاسترداد تقنيًّا. وفي أيار/ مايو 2013، قُدرت هذه الإمكانات ب 707 تريليون متر مكعب؛ وفي حزيران/ يونيو 2012، ذكرت سونطراك أن الدراسات التي أجريت في أيار/ مايو 2012 على مساحة 180 ألف كيلومتر مربع أظهرت وجود كميات هائلة

من الغاز الصخري، تزيد على 600 مليون متر مكعب لكل كيلومتر مربع، وهذا ما يعني أنه يمكن استخراج أكثر من تريليونَ متر مكعب. وقد شجع هذا الأمر الجزائر على التخطيط لإنفاق 12 مليار دولار لتطوير احتياطيات الغاز الصخري، بالشراكة مع عدد من الشركات الأجنبية42. وتحتفظ أحواض الهيدروكربونات في الجزائر بتشكيلين كبيرين من الغاز والزيت الصخريين، منتشرَين في سبعة أحواض على مستوى البلاد، هي: حوض غدامس بركين، وحوض إليزي في شرق البلاد، وأحواض تيميمون، وأحنات، ومويدير في وسط الجزائر، وحوضا رقان وتندوف في جنوب غرب الجزائر43. جغرافيًّا، تتداخل أغلب الموارد غير التقليدية تداخلً كبيرًا مع المواقع المعروفة للموارد التقليدية، ما عدا حوضَ مويدير وتندوف اللذين يقعان في أقصى غرب الجزائر. وأهم مواقع الغاز الصخري المذكورة منعزلة، وعدد السكان المحليين فيها محدود جدًّا، كم هي الحال بالنسبة إلى أغلب موارد الدولة التقليدية. لكن ذلك لا يعني عدم معارضة السكان، وهو ما أثبتته التظاهرات والاحتجاجات غير المسبوقة ضد قرار استغلال الغاز الصخري في البلاد، أو حتى التنقيب عنه، خوفًا من أضراره على البيئة وأضراره الصحية؛ وهو الأمر الذي أفسد، على ما يبدو، فرحة السياسيين في الجزائر، لما عُدَّ "هبةً من السمء" جاءت في الوقت المناسب لتعوض بداية التراجع في إنتاج الموارد النفطية الأخرى التي تُعَد الدعامة الأساسية للاقتصاد الجزائري.

2. استغلال الغاز الصخري في الجزائر بين التفاؤل الرسمي والرفض الشعبي

مثَّل النفط والغاز الصخريان فرصة للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ألقت بظلالها على الجزائر بعد انخفاض الإنتاج المعد للتصدير، وارتفاع الطلب المحلي بسبب النمو السكاني، وانهيار أسعار النفط عام 2015، وظهور بوادر انهيار مالي مع مستويات الإنفاق العالية، مع التأكُّل المتسارع لاحتياطي النقد الأجنبي في الجزائر، ولا سيم أن صندوق ضبط الموارد44 فرغ من كل الإيرادات المالية التي كان يحويها المصرف المركزي، على الرغم من أنها كانت ثاني أكبر كتلة من العملة الصعبة في المنطقة بعد نظيرتها في المملكة العربية السعودية45. وكان ذلك من بين الأسباب الرئيسة التي دفعت مجلس الوزراء الجزائري للموافقة في أيار/ مايو 2014 على الشروع في تطبيق قانون المحروقات الجديد الذي يسمح باستكشاف

  1. Layachi, p. 12.
  2. U.S. Energy Information Administration, "Country Analysis Brief: Algeria," p. 4.
  3. مؤسسة مالية أقرها في عام 2002 الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، تقوم على أساس ادخار الفارق المالي لفائض بيع برميل النفط الخام في السوق العالمية وسعره المعتمد في قانون الموازنة العامة لكل سنة.
  4. كانت احتياطيات الصرف قد عرفت خلال السنوات الماضية، ولا سيما منذ عام 2006، ارتفاعًا كبيرًا قُدِّر ب 77.8 مليار دولار في نهاية عام 2006، و 162.2 مليار دولار في نهاية عام 2010، و 194 مليار دولار في نهاية عام 2013. غير أنها هوت من 192 مليار دولار في النصف الأول من عام 2014 (قبل أزمة النفط)، إلى 144.13 مليار دولار في نهاية عام 2015، وإلى 114.14 مليار دولار في نهاية عام 2016، ليبلغ احتياطي الجزائر من الصرف الأجنبي 98 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر.2017 شوهد في 2018/3/30، في: الشكل (4) أحواض الغاز الصخري في الجزائر المصدر: U.S. Energy Information Administration, Technically Recoverable Shale Oil and Shale Gas Resources: Algeria (Washington: U.S. Department of Energy, 2015), p. 9.

الشركات النفطية العاملة في الجنوب الجزائري أواخر عام.2014 الغاز الصخري واستغلاله، وبحفر آبار عدة خلال فترة ال 12 سنة المقبلة، بوصفها مرحلة تمهيدية لمعرفة القدرات الباطنية للجزائر في هذا المجال في آفاق عام 2026، وعلى إثر هذا أعلنت شركة سوناطراك الجزائرية عن حفر أول بئر للغاز الصخري بحوض أحنات بعين صالح في كانون الأول/ ديسمبر 201446. وعندما أعلنت السلطات الجزائرية رسميًّا عن السمح باستغلال الغاز الصخري بوصفه بديلً من الغاز الطبيعي في 21 أيار/ مايو 2014، شهدت المناطق المعنية بعمليات التنقيب جنوبي الجزائر، ظهور أهم حركة احتجاجية بيئية في البلاد، بل حتى في المنطقة المغاربية كلها، من حيث التفاعل الشعبي معها، وما رافقها من زخم سياسي وإعلامي، بهدف وقف عمليات التنقيب عن الغاز الصخري التي شرعت فيها

  1. 0 4  عبد القادر بن مسعود، "استغلال الغاز الصخري.. المعركة القادمة بين الشعب والنظام في الجزائر"، ساسة بوست، 2017/10/7، https://goo.gl/3aoHCa

ولم يكن ثمة ما يدفع إلى الاعتقاد أن مدينة عين صالح التي تقع على بعد 1200 كيلومتر جنوب الجزائر (العاصمة)، ويقطنها أقل من 40 ألف نسمة، ستصبح مركزًا لحركة بيئية على مستوى البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 2014، خصوصًا أن سمح السلطات لشركة النفط الفرنسية توتال باختبار تقنيات استخراج نفط غير تقليدية ممنوعة قانونيًّا في فرنسا، قابله استياء حاد في منطقة عين صالح التي تحولت إلى مركز هذه الحركة الاحتجاجية البيئية الرافضة لاستغلال الغاز الصخري في الجزائر47. كان المطلب الراهن للمحتجِيّن هو الحفاظ على ثروتهم البيئية الهشة بالأساس، والمستنزَفة بالاستغلال التقليدي للغاز والنفط؛ فهذا المجتمع الزراعي، شديد الارتباط بأرضه، يعي تلقائيًّا أهمية هذه الأرض التي تغذيه؛ ويعي بالأساس أهمية المياه التي تعلَّم إدارتها بفاعلية أشبه بالتقتير. وفي ظل تصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية واتساع نطاقها، ومع ارتفاع تكلفة الإنتاج، والانخفاض الشديد في أسعار النفط في كانون الثاني/ يناير 2016، قررت سوناطراك بعد تدخل من رئاسة الجمهورية، تعليق إنتاج الغاز الصخري مؤقتًا إلى أن تعود الأسعار إلى مستوى 80 دولارًا للبرميل، ويدل هذا على تصميم رسمي على العودة إلى استغلال الغاز الصخري في البلاد، وهو ما جاء في عرض سياسة الحكومة (حكومة أحمد أويحيى).

3. الآثار البيئية لاستغلال الغاز الصخري في الجزائر: تخوُّف مبالَغ فيه

تتمثل المشكلة الرئيسة الأولى في التقنية الحالية لاستغلال هذا المورد غير التقليدي بالإفراط في استخراج الموارد المائية، من أجل التكسير المائي الكبير الحجم الذي يمكن أن يسبب نقصًا من المياه، أو يتعارض مع مستخدمي المياه الآخرين، ولا سيم في المناطق التي تعاني ندرة المياه (الصحراء مثلً) التي يتم حقنها في البئر لزيادة الضغط، ويتفاوت متوسط ​الكمية المطلوبة للتكسير المائي من 10 آلاف إلى 15  ألف متر مكعب من المياه. ومع ذلك، تتطلب بعض الآبار كميات أكبر من المياه؛ إذ تشير تجربة أميركا الشملية إلى أنه قد تكون هناك اختلافات واسعة في استخدام المياه العذبة تراوح بين 1500 و 45 ألف متر مكعب لكل بئر48؛ وعادةً ما يمثّل الماء ما يقرب من 90 في المئة، أو أكثر، من حجم السائل الذي يُحقن في البئر؛ وكل بئر مكسورة مائيًّا تتطلب الآلاف أو الملايين من غالونات المياه. فمثلًاستهلكت نشاطات التكسير المائي في الولايات المتحدة نحو 44​ مليار غالون من المياه، بين عامَي 2011 و 2012، على الرغم من أنها تمثل أقل من 1  في المئة من إجملي المياه السنوية49.

  1. مجموعة الأزمات الدولية، "جنوب الجزائر: طليعة المشاكل"، تقرير الشرق الأوسط رقم 171 (بروكسل: مجموعة الأزمات الدولية، 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، ص 10، شوهد في:2018/3/30، في https://goo.gl/qMYVW6
  2. Kavalov & Pelletier, p. 18.
  3. United States Environmental Protection Agency, Assessment of the Potential Impacts of Hydraulic Fracturing for Oil and Gas on Drinking Water Resources (Washington: Office of Research and Development, 2015), p. 8.

ووفقًا لتحليل وكالة حمية البيئة الأميركية50، يبلغ متوسط حجم المياه المستخدمة في التكسير المائي نحو 1.5 مليون غالون (5.7 مليون لتر) للبئر الواحدة. ويمثل هذا التقدير على الأرجح مجموعة واسعة من أنواع الآبار الأفقية، عكس الآبار العمودية التي تتطلب حجمً أقل كثيرًا من المياه، وهكذا فإن التقديرات الخاصة باستعمل المياه في الغاز الصخري تكون متباينة بين الدول، وبين الأحواض نفسها، تبعًا لمجموعة من العوامل (مثل طول البئر، والتشكيل الجيولوجي). ويراوح هذا التباين في الولايات المتحدة مثلً بين أكثر من 5 ملايين غالون (19 مليون لتر) في أركنساس ولويزيانا وفرجينيا الغربية، وأقل من 1 مليون غالون (3.8 ملايين لتر) في كاليفورنيا ونيو مكسيكو ويوتا وغيرها53. يبدو هذا الحجم معقولً، وربما تنشأ مشكلة عند إجراء استكشاف واسع النطاق لمئات الآبار. وعلى الرغم من أن كثيرًا من هذه المياه يمكن استرداده ومعالجته لاستخدامه في المستقبل، فإن المياه المحقونة مع المضافات الكيميائية، وكذلك مع الرمال أو حبوب السيراميك، يمكن استردادها واستخدامها لمزيد من التكسير، أو لأغراض أخرى مرة واحدة فقط، ويصعب استعملها لغايات أخرى لاحقًا54. ومع أن الطلب الكبير على المياه العذبة لاستخراج الغاز الصخري قد يكون متواضعًا نسبة إلى الموارد المائية الإجملية، فإنه ربما يصبح مؤثرًا في المناطق التي تعاني بالفعل عجزًا مائيًا. ويكتسي ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر التي يُعَد نصيب الفرد فيها من المياه منخفضًا نسبيًّا، بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة55؛ لأن الاستخدام المفرط للموارد المائية في منصات الغاز الصخري وما يرتبط به من مخاطر تلوث المياه الجوفية قد تكون له نتائج بيئية كارثية، مع الأخذ في الاعتبار الاحتياطيات الهائلة غير المتجددة من المياه الجوفية الموجودة في باطن أرض الصحراء الجزائرية، وهي التي تقدر بما بين 35 ألف مليار متر مكعب و 40 ألف مليار متر مكعب. ويُعَد هذا الاحتياطي المائي أكبر احتياطي مائي في العالم، ويقع 70 في المئة من هذا الجدول المائي في الصحراء الجزائرية، وبالمعدل الحالي لاستهلاك المياه في الجزائر، فإن هذا الاحتياطي سيغطي احتياجات البلد أكثر من 3000 سنة57. ومن المشكلات الأخرى التي لا تقل أهمية عن استغلال الغاز الصخري احتمل حدوث تلوث لمياه الشرب، سواء السطحية منها أو الجوفية؛ بسبب استعمل مضافات كيميائية مع سوائل التكسير. ومع إمكانية استرداد نسبة 60 إلى 80 في المئة من المياه المحقونة داخل البئر إلى السطح، فإن الكمية الأخرى ستبقى في

  1. Ibid.
  2. Ibid., p. 11.
  3. Boualem Ammar Chebira & Lynda Amirat, "Shale Gas Exploitation Challenges for Development in Algeria," Paper to the 18 th edition of the Conference "Risk in Contemporary Economy" RCE2017, Galati, Romania, 9 - 10/6/2017, p. 559.
  4. Kavalov & Pelletier, p. 26.
  5. Chebira & Amirat, p. 541.

عمق البئر، وفي حالة حدوث شقوق داخل البئر سيسهل وصول الكمية المتبقية من المواد الكيموية إلى المياه الجوفية وتلويثها. ويراوح حقن المواد الكيميائية لكل بئر بين عدد قليل من الغالونات إلى الآلاف؛ ويبلغ المتوسط ​العام 650 غالونًا (2500 لتر) من المواد الكيميائية لكل بئر. ومع افتراض استخدام 14 مادة كيميائية لكل بئر، فهذا يعني استخدام 9100 غالون (34 ألف لتر) من المواد الكيميائية. وبالنظر إلى أن عدد المواد الكيميائية لكل بئر يراوح بين 4 و 28 مادة، فإنّ الحجم التقديري للمواد الكيميائية المحقونة لكل بئر يراوح بين 2600 و 18 ألف غالون (9800 إلى 69 ألف لتر)65. تتعلق النقطة الأخرى المثيرة للجدل بمخاطر استغلال الغاز الصخري بطريقة معالجة المياه العادمة (المستعملة) والتخلص منها؛ إذ تفرز تقنيات التكسير المائي الحالية لاستخراج الغاز الصخري كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي التي يمكن أن تكون ضارة بالبيئة، وتحتوي على إضافات كيميائية استُخدمت في عملية التكسير، وقد تتطلب إدارة كميات ضخمة من مياه الصرف الصحي الناتجة من استخراج الغاز الصخري بناء موقع جديد، بعيدًا عن أيٍّ من مرافق معالجة المياه القائمة. وحتى إذا تم إنتاج الغاز الصخري بالقرب من مرافق الصرف الصحي الصناعية القائمة، فإن بناء مرافق إضافية للصرف الصحي (أنابيب ومحطات) لتلبية استغلال الغاز الصخري يعد ضرورة ملحّة، على الرغم من أنه يكلف استثمرات إضافية كبيرة؛ إذ تتطلب الإدارة الجيدة لمياه الصرف الصحي التكسيري معرفة ممتازة بالجيولوجيا، والاستغلال الجيد لرواسب الغاز الصخري72. وفي حالات الإهمل أو ارتكاب أخطاء بشرية، فإن حدوث انسكابات أو تسربات و/ أو التخلص من مياه الصرف الصحي الصخري غير المعالجة بطريقة سليمة، سيؤدي إلى تلوث المياه السطحية والجوفية. وبعيدًا عن المخاطر التي تهدد موارد المياه أثناء استغلال الغاز الصخري، هناك أيضًا إمكانية حدوث هزات وارتدادات أرضية في المناطق القريبة من أشغال الحفر المائي، يمكن أن تصل قوتها إلى 3 درجات على سلم رختر. ومن المآخذ الأخرى في استغلال الغاز الصخري، احتمل حدوث تسرب وانبعاثات لغازات الدفيئة82، إذا لم يتم جمع الغاز خلال مرحلة إكمل البئر بشكل كامل، وهو ما يضعف الحجج القائلة إن إنتاج الغاز الصخري يمكن أن يساعد في الإبطاء من ظاهرة الاحتباس الحراري83. وتشير التقديرات إلى أن ما يراوح بين 3.6 و 7.9 في المئة من إجملي الميثان يتسرب إلى الغلاف الجوي بطرق مختلفة على مدى عمر البئر85؛

  1. غازات الدفيئة Gas house Green هي غازات توجد في الغلاف الجوي، تتميز بقدرتها على امتصاص الأشعة التي تفقدها الأرض (الأشعة تحت الحمراء)، فتقلل ضياع الحرارة من الأرض إلى الفضاء، مساعدة بذلك على تسخين جو الأرض، ومن ثم تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري والاحترار العالمي.
  2. African Development Bank, p. 13.
  3. United States Environmental Protection Agency, p. 14.
  4. Kavalov & Pelletier, p. 26.
  5. Shale gas: good news or bad?" The Scientific Alliance, accessed on 30/3/2018, at: https://goo.gl/3eyU9d

أي أكثر من ضعف مستوى بئر الغاز التقليدية، إضافة إلى مسألة التشوهات البصرية، والضجيج الناتج من التكسير، وتدهور نوعية الهواء المحلي؛ الأمر الذي يقلق راحة السكان في المناطق القريبة. وعلى الرغم من ظهور توجه لتطبيق أحدث التكنولوجيات أو تكنولوجيات بديلة لاستخراج الغاز الصخري (في كندا مثلً)، مثل استخدام غاز البترول المسال، أو ثاني أكسيد الكربون المسال والنيتروجين بدلً من الماء في التكسير، من أجل التخفيف من حدة بعض هذه التحديات البيئية، فإن هذه التكنولوجيات الجديدة لم تزل في المراحل المبكرة جدًّا من تطورها، وقد تجلب تحديات أخرى، وبالنظر إلى المهلة الزمنية النموذجية الطويلة للتكنولوجيات الجديدة (على سبيل المثال، استغرق الأمر نحو أربعين عامًا لتسويق تكنولوجيات الغاز الصخري الحالية)، فإن هذه التكنولوجيات الجديدة ربما لا تصل إلى التطبيقات الصناعية إلا بحلول عام.2030 هناك طرح آخر يدافع عن توجه استغلال الغاز الصخري من طرف السياسيين وأصحاب المصلحة في الدول الطامحة إلى استغلال مواردها الصخرية، ومنها الجزائر؛ فإذا كان وجود مشكلات مرتبطة بالآثار البيئية أمرًا صحيحًا، ففي المقابل، هناك آثار اجتمعية واقتصادية إيجابية قد يحققها استغلال هذا المورد؛ مثل مساهمته في تحقيق التنمية الاقتصادية، ونمو الناتج الإجملي من الدخل، وخلق فرص عمل. حتى الآن، لا يوجد إنتاج صناعي للغاز الصخري في الجزائر مثلً، كم أن كثيرًا من عوامل النجاح في الولايات المتحدة قد تكون غائبة داخل البلاد، ويبدو أن جيولوجيا الغاز الصخري في الجزائر أكثر تعقيدًا مم هي عليه في أميركا الشملية، وقد تتطلب حفرًا أكثر كثافة، وأكثر عمقًا؛ ويشير المنطق البسيط إلى أن استهلاك المياه في الجزائر قد يكون أكبر مم هو عليه في الولايات المتحدة. وعلى أي حال، فإن توافر المياه العذبة هو أيضًا أقل عمومًا مم هو موجود في أميركا الشملية؛ وبما أن الموارد الجوفية هي ملك حصري للحكومة الوطنية، فإن السياسات الرسمية لا تشجع على وجود الشركات الصغيرة الحجم في قطاع الطاقة في الجزائر، على اعتبار أن شركة سوناطراك تسيطر على قطاع الطاقة في الجزائر، وتحتكر إلى حد بعيد سوق الغاز والبنية التحتية لخطوط الأنابيب.

ثالثًا: الجزائر ومستقبل التنويع الطاقوي: يف الحاجة إلى رؤية إستراتيجية جديدة

إن المشكلة الحقيقية التي تواجه الجزائر هي اعتمدها المطلق على المحروقات، وهذا ما أسهم في خلق اقتصاد ريعي. وبناء عليه، هناك إجمع عام لدى الباحثين على أن الخروج من هذا الوضع يكون عبر انتهاج سياسة للتنويع الاقتصادي، باعتبارها حلًّ إستراتيجيًّا وحيويًّا أمثل، ترتكز على مراجعة الجانب التشريعي للقطاع الطاقوي، وإعادة توجيه السياسة الاقتصادية كلها.

1. نحو إصلاح البيئة التشريعية لقطاع الطاقة في الجزائر

بدأ التشريع القانوني لتنظيم قطاع الطاقة في الجزائر في التبلور تدريجيًّا منذ الاكتشافات الأولى للنفط في الصحراء عام 1956. وجاء إنشاء الشركة الوطنية لتسيير قطاع المحروقات سوناطراك في عام 1963 من أجل ضمن استفادة مصالح البلاد من عوائد الغاز والنفط، ومن ثم تأمين قطاع المحروقات في 24 شباط/ فبراير 1971، وتبع ذلك أمر في 11 نيسان/ أبريل 1971، حول القانون الأساسي للمحروقات. واضطرت الجزائر إلى إصدار القانون رقم 86 - 14 في آب/ أغسطس 1986، بعد أزمة انهيار أسعار النفط في ثمانينيات القرن العشرين، وهو الذي فتح الباب للاستثمر الخارجي، وسمح لشركة سوناطراك بالقيام بنشاطات التنقيب والاستكشاف مع شركات نفطية أجنبية، بشرط ألّ تقل أرباح الشركة الوطنية عن 51 في المئة. وهو ما أثّر سلبيًا في قدوم الشركات الأجنبية للاستثمر في الجزائر، فاضطرت الحكومة لاحقًا إلى تعديل 14 مادة في القانون سنة 1991، بحيث أتاح إمكانية تقاسم الأرباح بالتساوي، مع اللجوء إلى التحكيم الدولي في حالة النزاع93. وعلى الرغم من أن قانون عام 1986 منح صلاحيات واسعة في مجال الاستثمرت النفطية وكل ما يتعلق بها لشركة سوناطراك، وعكَس رغبة الدولة في إبقاء قطاع المحروقات تحت مسؤوليتها المباشرة، فإن الإصلاحات التي حملها هذا القانون سمحت بولوج الشركات العالمية النفطية في الصحراء الجزائرية للقيام بنشاطات الاستكشاف والإنتاج، ما عدا نشاطات النقل التي بقيت لسوناطراك حصرًا، غير أن صدور قانون المحروقات عام 2005، أنهى احتكار قطاع النفط (الاستكشاف، أو الإنتاج، أو نشاطات النقل) من طرف شركة سوناطراك، واستحدث وكالتين جديدتين أُوكلت إليهم مهمة تسيير قطاع المحروقات في الجزائر؛ هم: الوكالة الوطنية لمراقبة النشاطات وضبطها في مجال المحروقات، أو "سلطة ضبط المحروقات"، ووكالة وطنية لتثمين موارد المحروقات، هدفهم الأساسي هو ترقية الاستثمرات في مجال البحث واستغلال المحروقات95. لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلً، لأنه سرعان ما صدر القانون المعدل عام 2006، الذي عُدَّ انقلابًا في التوجه نحو تحرير قطاع المحروقات في الجزائر، من خلال إلزامه الشركات الأجنبية بإشراك مؤسسة سوناطراك في عقود الاكتشاف والنقل والإنتاج بنسبة لا تقل عن 51 في المئة، وفرض ضريبة تصل إلى 50 في المئة على شركات النفط؛ الأمر الذي جعل كثيرًا من الشركات تُعرض عن الاستثمر في الجزائر. وانعكس ذلك في تراجع العائدات من الصادرات الهيدروكربونية من 70.6 مليار دولار في عام 2012 إلى 65.3 مليار دولار في عام 2013، وذلك على الرغم من أن أسعار النفط حينها تجاوزت سقف ال 100 دولار للبرميل.

  1. Layachi, p. 5.
  2. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "القانون رقم 05 - 07"، مؤرخ في 19 ربيع الأول عام 1726 الموافق 28 نيسان/ أبريل 2005، الجريدة الرسمية، العدد 50 (تموز/ يوليو 2005)، ص.11
  3. كارول نخلة، "تجربة الجزائر مع الغاز الصخري"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط (2015/4/23)، شوهد في 2018/3/30، في: https://goo.gl/TWhkic

وفي عام 2013، قامت الحكومة الجزائرية مجدَّدًا بمراجعة قانون الطاقة على أمل إنقاذ الاقتصاد، من خلال الحث على الاهتمم بتطوير جديد في مجال الطاقة، وخصوصًا الغاز الصخري؛ إذ استُحدثت حوافز ضريبية إضافية لتشجيع النشاطات المتعلقة بالغاز والنفط الصخريين، وسائر موارد النفط والغاز غير التقليدية. ومع مطلع عام 2015، كان للتغييرات التشريعية تأثير إيجابي، مع أنه محدود جدًا في قطاع الطاقة. عمومًا، على الرغم من أن الجزائر تمتلك موارد كبيرة من المحروقات، فإنها لم تكن مكانًا سهلً للاستثمر الدولي في قطاع النفط والغاز التقليدي. وقد قلصت هذه البيئة هذه الصناعة إلى حد بعيد، وأضعفت آفاق الإنتاج المستقبلي. وجاء الانخفاض في أسعار النفط والغاز ليفاقم هذه التحديات، مسفرًا عن تراجع العائدات والإنفاق من جانب شركات الطاقة؛ إذ إن العقبات العديدة لا تتعلق بالنفط والغاز الصخريين فقط، بل بضعف الاستثمر في احتياطي النفط والغاز التقليدي المُوكَّد منذ وقت طويل في البلاد أيضًا. وحتى لو أُزيلت العقبات التقنية، فإن المشكلة الأساسية تبقى في عجز الحكومة عن إنفاذ إصلاحات عميقة وفعالة تساعد على جذب الرساميل الدولية، وتحسين مناخ العمل، وجذب الاستثمرات الأجنبية، وتطوير اندماج الجزائر في الاقتصاد العالمي.

2. مستقبل الاقتصاد الجزائري: من التنويع الطاقوي إلى التنويع الاقتصادي

عكَس التقرير الأخير بعنوان ممرسة أنشطة الأعمل 018 2، الصادر عن البنك الدولي، تردي حالة قطاع الطاقة في الجزائر، ومن ورائه اقتصادها كله؛ إذ صنَّفها في مرتبة متأخرة جدًّا (في المرتبة 169)، مع تسجيل تراجع ب 10 مراتب مقارنة بتصنيفها عام 2017). وعزَت إدارة معلومات الطاقة الأميركية تناقص الأداء في قطاع النفط والغاز إلى مجموعة من العوامل الرئيسة، منها التأخر المتكرر للمشاريع بسبب بطء الموافقة الحكومية، وصعوبات جذب شركاء الاستثمر، والثغرات في البنى التحتية، ومشكلات تقنية أخرى. ويمكن أيضًا إضافة المشكلات المتعلقة بوجود سلطة تشريعية وبيئة تنظيمية غير مستقرة، وسياسات حمئية، ونظام ضرائب قاس، وفساد، ومخاطر أمنية عالية. بالتأكيد، إذا ظل الاقتصاد الجزائري يعتمد على البترول مصدرًا وحيدًا للمداخيل، فسيجعله ذلك عرضة دائمة ومتواصلة للصدمات الخارجية؛ فضمن استقرار الاقتصاد الجزائري وتوازنه وبعث النمو فيه يتطلب تفعيل الصادرات من خارج قطاع المحروقات؛ وهذا يتأتى بإطلاق ورشات كبيرة لتنظيم مناخ الأعمل وتحسينه، ومن ذلك الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع القيود البيروقراطية التي كانت دائمًا موضع احتجاج المستثمرين الوطنيين والأجانب؛ ومن ناحية أخرى، فإنّ اغتنام هذه الفرصة للقيام

  1. The World Bank, "Doing Business: Algeria," accessed on 29/3/2018, at: https://goo.gl/jNshQK

بإصلاحات اقتصادية واجتمعية عميقة، من شأنه تحرير الاقتصاد تدريجيًّا من الاعتمد على النفط، والتوجه إلى ترشيد النفقات، مع الحفاظ على الاستثمرات العامة المهمة في البنية التحتية. وعلى الرغم من أهمية سياسة التنويع الطاقوي أو حتى التنويع الاقتصادي، فإنها تُستحضَ في أجندة السياسيين في أوقات الأزمات الاقتصادية الخانقة فقط؛ فالتنويع صعب ويحتاج إلى تغييرات اقتصادية هيكلية، وربما تغييرات في السياسات. والدول العربية عمومًا، والجزائر خصوصًا، ليس لديها تحفيز للتصنيع، ولها قطاع خاص هو عبء على الدولة. وبما أن التنويع هو ضرورة تحويل الموارد الطبيعية إلى رأس مال مادي، وبشري، ومالي، فإن إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه، هم المخرج الحقيقي، والقاطرة التي تحقق تنمية مستدامة، ولكنهم يحتاجان إلى شروط صعبة؛ أولها الوعي بأهمية التنويع والاستعداد لفعل شيء حقيقي؛ ليس من قبل أصحاب القرار فحسب، بل من جانب قطاع الأعمل والنخب والمواطنين أيضًا. أما الشرط الثاني، فهو توافر رأس المال، وهذا متوافر حتى الآن. والشرط الثالث هو اختيار قطاعات الإنتاج السلعي والخدمي القابلة للنجاح والمنافسة في سوق تنافسية مفتوحة، من دون دعم الدولة والخزينة العامة. وتشمل القضايا ذات الأولوية التي تحتاج إلى معالجة في الجزائر، على المدى القصير إلى المتوسط،​ تحسينَ رسم خرائط موارد الغاز الصخري في جميع أنحاء البلاد، وتحديدَ مدى تطبيق أفضل للتكنولوجيات المتاحة. ويمكن أن تخفف الممرسات من الشواغل البيئية الرئيسة المتعلقة بالتكسير المائي، ولا سيم فيم يتعلق باستخدام المياه والتلوث، والتكاليف والفوائد الاجتمعية والاقتصادية المحتملة لتنمية الغاز الصخري، والجدوى الاقتصادية الشاملة للغاز الصخري. أخيرًا، وليس آخرًا، تظل أمام الجزائر بدائل طاقوية أخرى؛ منها التوجه نحو نموذج طاقوي مبني على الفاعلية والكفاءة، يمزج بين مصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة المتوافرة؛ على سبيل المثال، أثبتت الدراسات أن المنطقة تتمتع بمصادر وفيرة من الطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح؛ إذ تقع الجزائر في منطقة الحزام الشمسي. وتمتلك واحدة من أهم القدرات الشمسية في العالم؛ بحيث تتعدى مدة الإشراق الشمسي 2000 ساعة سنويًّا على كامل التراب الوطني، وتصل إلى 3900 ساعة في الهضاب العليا والصحراء. ويبلغ متوسط الطاقة المتحصَّل عليها يوميًّا على مساحة أفقية عتبة 5 كيلوواط/ ساعة لكل متر مربع، أو ما يعادل 1700 كيلوواط ساعة/ متر مربع في السنة في الشمل، و 2263 كيلوواط ساعة/ متر مربع في السنة في الجنوب.

  1. 0 6  "الورقة القُطرية للجزائر"، في "مؤتمر الطاقة العربي العاشر"، أبوظبي، كانون الأول/ ديسمبر 2014، ص 16، شوهد في:2018/3/30، في https://goo.gl/ABJcRw
  2. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، "ملف ندوة تداعيات هبوط أسعار النفط على البلدان المصدرة " (26 كانون الثاني/ يناير 2016)، شوهد في:2018/3/28، في https://goo.gl/q2wH29
  3. المرجع نفسه.

خاتمة

واضح أن الغاز الصخري سيكون أحد مصادر الطاقة الرئيسة في القرن الحادي والعشرين إلى جانب الطاقة النووية والمصادر الأخرى المتجددة، بوصفه أحد أهم بدائل الطاقة التي بات يعتمد علیها بعض الدول في الاستهلاك المحلي، في ظل تذبذب أسعار مصادر الطاقة التقليدية، واحتملات تعرضها للنضوب والاستنزاف نتيجة تصاعد معدلات استهلاك الطاقة عالميًّا. وكان للتطور السريع جدًا في إنتاج الغاز الصخري الذي حصل في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية، بفضل التقدم التكنولوجي، دور مهم في منح فرصة حقيقية أمام البلدان الأخرى لاستغلاله، نظرًا إلى عديد مزاياه الاقتصادية، والانعكاسات البعيدة المدى التي يمكن أن يُحدثها على اقتصاديات الطاقة في جميع أنحاء العالم، خصوصًا تلك الدول التي تملك احتياطات كبيرة منه، كالجزائر التي يمكن أن يكون الغاز الصخري هو البديل الذي سيعوضها عن التراجع في احتياطاتها من الموارد الأحفورية التقليدية. مؤكد أن الجزائر تمرّ في الوقت الراهن بوضع اقتصادي إستراتيجي صعب ومعقَّد، لاختيار نموذج تنموي متوازن يدفع باقتصادها نحو الوضع السليم. وصحيح أن النتائج التي سجلتها منذ استقلالها حتى الآن كانت بفضل الهيدروكربونات، لكن إدارة الإيرادات الناتجة من استغلال هذا المورد قد أوقعت البلاد تدريجيًّا في اقتصاد ريعي سنوات طويلة. وبانخفاض إيراداتها المالية، نتيجة لتأكُّل احتياطياتها الطاقوية، بدأ هذا الأمر يقلق قادة البلاد، وكذا عملاءها التقليديين، خصوصًا في أوروبا. وعلى الرغم من توجه البلاد إلى البحث عن تعويض عن هذا التراجع، باستخدام الاحتياطيات الهائلة من الغاز الصخري التي تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة، فإن استغلال هذا المورد غير التقليدي تنتظره هو أيضًا تحديات اجتمعية وبيئية قد ترهن استغلاله، أو تؤجله إلى وقت لاحق على الأقل. وفي هذه الحالة، ينبغي أن تكون الآثار الاجتمعية والاقتصادية لتنمية الغاز الصخري، مثل إيجاد فرص العمل، موضوع تحليل شامل للتكاليف والفوائد على أساس كل حالة على حدة، مع مراعاة جميع النتائج المباشرة وغير المباشرة، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. ونظرًا إلى عدم وجود إنتاج صناعي للغاز الصخري في الجزائر في الوقت الحاضر، فإن وضع توقعات كمية حول الآثار الاجتمعية والاقتصادية المحتملة ذات الصلة أمر صعب جدًا، ولا يبدو أن الاستقراء المباشر لتجربة أميركا الشملية جدير بالثقة في هذه الحالة، بسبب الاختلافات الكبيرة في الظروف الجيولوجية، والتكنولوجية، والاقتصادية، والاجتمعية. كم يظل من الضروري النظر إلى تنمية الغاز الصخري في الجزائر بحسب الخيارات والمسارات الإستراتيجية الأخرى (الطاقة الشمسية مثلً)، مع إيلاء اهتمم أكبر لاستعادة التوازن الاقتصادي والتحرك بفاعلية نحو التنمية الشاملة التي تفترض الانتقال بالبلاد من فكرة التنويع الطاقوي إلى التنويع الاقتصادي.

المراجع

References

العربية

بن مسعود، عبد القادر. "استغلال الغاز الصخري.. المعركة القادمة بين الشعب والنظام في الجزائر". ساسة بوست. 2017/10/7:. في https://goo.gl/3aoHCa المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. "ملف ندوة تداعيات هبوط أسعار النفط على البلدان المصدرة." 2016/1/26:. في https://goo.gl/q2wH29 منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول. تقرير الأمين العام السنوي الثالث والأربعون. الكويت: أوابك،.2016

مجموعة الأزمات الدولية. "جنوب الجزائر: طليعة المشاكل". تقرير الشرق الأوسط رقم 171. بروكسل: مجموعة الأزمات الدولية، 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016:. في https://goo.gl/qMYVW6

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. "القانون رقم 05 - 07 المؤرخ في 19 ربيع الأول عام 1726 الموافق 28 نيسان/ أبريل 2005 ". الجريدة الرسمية. العدد.50 19 تموز/ يوليو.2005

نخلة، كارول. "تجربة الجزائر مع الغاز الصخري". مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 2015/4/23. في: https://goo.gl/TWhkic "الورقة القُطرية للجزائر" في مؤتمر الطاقة العربي العاشر. أبوظبي، كانون الأول/ ديسمبر 2014:. في https://goo.gl/ABJcRw

الأجنبية

African Development Bank. Shale Gas and its Implications for Africa and the

African Development Bank. Tunisia: African Development Bank, 2013.

Bomberg, Elizabeth. "Risks and Risk Governance in Unconventional Shale Gas

Development." Environmental Science & Technology. vol. 48 (2014).

Chebira, Boualem Ammar & Lynda Amirat. "Shale Gas Exploitation Challenges

for Development in Algeria." Paper to the 18 th edition of the Conference "Risk

in Contemporary Economy" RCE2017. Galati, Romania, 9 - 10/6/2017.

International Energy Agency. Natural Gas Information: 2017 Final Edition. at:

https://goo.gl/ZFsNsg

International Security Advisory Board. Report on Energy Geopolitics: Challenges

and Opportunities. July 2, 2014. at: https://goo.gl/iXBdK5

Kavalov, Boyan & Nathan Pelletier. Shale Gas for Europe: Main Environmental

and Social Considerations: A Literature Review. Luxembourg: Publications Office

of the European Union, 2012.

Layachi, Azzedine. The Geopolitics of Natural Gas: The Changing Geopolitics of

Natural Gas: The Case of Algeria. [Houston, Texas]: The James A. Baker III

Institute for Public Policy of Rice University, 2013. at: https://goo.gl/MXHjX4

Ministère de l'Energie. République Algérienne. Bilan des réalisations du secteur

année 2016. Alger: Ministère de l'Energie, 2017. at: https://goo.gl/fwsMnB

Organization of the Petroleum Exporting Countries. World Oil Outlook 2040.

Vienna: OPEC, 2017.

U.S. Energy Information Administration. "Country Analysis Brief: Algeria."

March 11, 2016. at: https://goo.gl/9jbbmi

U.S. Energy Information Administration. International Energy Outlook 2017.

September 14, 2017. at: https://goo.gl/J99ahS

U.S. Energy Information Administration. Technically Recoverable Shale Oil and

Shale Gas Resources: Algeria. Washington: U.S. Department of Energy, 2015.

U.S. Energy Information Administration. Natural Gas Information: Overview

2017. at: https://bit.ly/2qCZNXT

United States Environmental Protection Agency. Assessment of the Potential

Impacts of Hydraulic Fracturing for Oil and Gas on Drinking Water Resources.

Washington: Office of Research and Development, 2015.

The World Bank. "Doing Business: Algeria." at: https://goo.gl/jNshQK